الحكم المصرى للشام الجزء الثانى

 

نزع سلاح اللبنانيين وتجنيد الدروز

أيلول وتشرين أول (سبتمبر وأكتوبر) سنة 1835 فبعد ما عاد ابراهيم باشا من مصر الى عكا، شرع في اتخاذ التدابير لتجنيد اللبنانيين ونزع سلاحهم وتسهيلا لتنفيذ هذه المهمة بتفريق كلمة اللبانيين، أوهم المسيحيين أنهم سيعفون من تسليم السلاح، ففي أوائل أيلول (سبتمبر) سنة 1835 خابر الامير بشير ومشايخ الدروز طالبا من دروز لبنان تقديم مجندين ، فأجاب المشايخ أنهم لا يستطيعون اكراه احد على التجنيد، ثم حضر حنا بك بحري الى بيت الدين لمخابرة الدروز رأسا واقناعهم بتقديم المجندين المطلوبين فلم يفلح عندئذ عمد ابراهيم باشا الى نزع السلاح.

 

وفي 27 أيلول (سبتمبر) سنة 1835 ورد مرسوم منه على الامير بشير يخبره فيه انه حضر الى زحلة ومنها سيحضر الى بيت الدين لاجل نزع سلاح الدروز، ويأمره بأن يعلن وجوب جمع السلاح واحضاره الى بيت الدين، وأن يحذروا اخفاء أي قطعة سلاح والا أنزل بهم اشد العقاب، فصدع الامير بالأمر. وفي 29 أيلول (سبتمبر) تفرق أولاده وحفدته في المقاطعات اللبنانية لاجل جمع السلاح.

 

وفي اليوم عينه وصل الى بيت الدين ودير القمر، ابراهيم باشا وابن اخيه عباس باشا وسليمان باشا الفرنساوي وسليم باشا ومحمد باشا يقودون ألوفا من الجنود الزاحفين على لبنان من جهات مختلفة، فثار أهل المتن أولا وامتنعوا عن تسليم سلاحهم، لكن عادوا فخضعوا للقوة القاهرة وسلموها، وكذلك فعل سائر الدروز، وما كاد الدروز يسلمون أكثر سلاحهم حتى انقلب ابراهيم باشا على المسيحيين وأمرهم بأن يبادروا الى تسليم أسلحتهم، زعما أن عدم تسليم سلاح النصارى أدى الى تردد بعض الدروز في تسليم أسلحتهم ونفذ أمره هذا بمنتهى الشدة.

 

وفي 22 تشرين أول (أكتوبر) سنة 1835 أذاع الامير بشير بناء على امر ابراهيم باشا مرسوما في جميع المقاطعات بوجوب تقديم ألف وستمائة شاب من الدروز للجندية. لكن عاد ابراهيم باشا فاكتفى بنصف هذا العدد. ويقال ان ابراهيم باشا لم يكن حاسبا ان الدروز يسلمون أسلحتهم ويرتضون بانتظام شبانهم في سلك الجندية بدون مقاومة، بعد أن كان قد سمع ما سمع عنهم من شدة البأس وصعوبة المراس، الا أن حالتهم عندما قدم ابراهيم باشا بعسكره الى لبنان جعلت المقاومة عديمة الجدوى بل غير ممكنة، نظلا لانقسام اللبنانيين على بعضهم، واطاعة حاكمهم أوامر ابراهيم باشا اطاعة تامة، وتغرب اكبر زعماء الدروز وأكثرهم نفوذا وأشدهم بأسا، بينما أكثر الزعماء الذين بقوا في لبنان كانوا موالين للأمير بشير، اما طمعا بمنفعة أو مراعاة للقوة القاهرة.

الثورات في الشام

 

لكن الادارة المصرية في سورية لم تلبث ان اصطدمت بثورات محلية نشبت في مختلف الجهات ورزأت مصر بضحايا كثيرة، وحملتها متاعب وجهودا كثيرة لاخمادها.

 

فلنتكلم عن اسباب هذا الثورات.

 

وعد ابراهيم باشا السوريين بان يعفيهم من التجنيد ويخفض الضرائب ولا يكلفهم الا دفع الاموال الاميرية، وقد بر بوعده في السنوات الاولى من حكمه، فخفف عنهم بعض الاعباء المالية، واخذ في تنشيط الزراعة والتجارة، فشعر السوريين بالاطمئنان الى الحكم المصري وركنوا اليه.

 

ولكن هذه الحالة ما لبثت ان تبدلت لمااصدره محمد علي باشا الى ابنه في اواخر سنة 1833 واوائل سنة 1834 من الاوامر التي اثقلت كاهل الاهلين باعباء فادحة وهي: أولا: احتكار الحرير في البلاد السورية. ثانيا: اخذ ضريبة الرءوس من الرجال كافة على اختلاف مذاهبهم. ثالثا: تجنيد الاهالي. رابعا: نزع السلاح من ايديهم.

 

وقد تبرم الاهالي بهذه المحدثات وتذمورا منها، لان احتكار الحكومة للحرير من شانه الحاق الضرر بمنتجيه ومنع تنافس التجار على شرائه وحرمان المنتجين مكاسبهم منه.

 

وقد نفروا كذلك من ضريبة الرءوس وخاصة المسلمين لانهم ما كانوا ملزمين بها من قبل، وزاد في تذمرهم تسخير الحكومة للأهالي في الاعمال العامة.

 

وكانت التجنيد ونزع السلاح اهم الاسباب المباشرة التي افضت الى الثورة، فقد نفذ التجنيد بطريقة قاسية تثير الخواطر، وكان كثير من المجندين يرسلون الى جهات لا يقع على اهلهم شئ من اخبارهم فيها، وجاء نزع السلاح ثالثة الاثافي، لان معظم الاهالي كانوا يحملون السلاح ليدفعوا به سطوات البدو والرحل وعدوانهم، فانتزاع السلاح من ايديهم امر لا تقبله نفوسهم عن طاعة واختيار، ومن هنا نشات الثورات والفتن.

 

وقد كان للدسائس التركية والانجليزية عمل كبير في تحريك تلك الثورات، فان الترك والانجليز ما فتئوا يستفزون السوريين الى الثورة ويوزعون عليهم الاسلحة ويحرضونهم على القتال ويستميلون اليهم رؤساء العشائر والعصبيات، تارة بالمال وطورا بالوعود، حتى افلحوا في تهيئة البلاد للثورة، كما ان بعض اصلاحات ابراهيم باشا كانت من اسبابها، فقد مر بك ان ابطل سلطة الرؤساء الاقطاعيين وضرب على ايدي الاشقياء وقطاع الطرق الذين كانت لهم سطوة كبيرة في بعض البلاد، فؤلاء اولئك قد ساءهم انتزاع السلطة من ايديهم، فكانوا مدفوعين بوازع المنافع الشخصية الى تحريض الاهلين على الثورة بالحكم المصري، قال الدكتور مشاقة في هذا الصدد خلال كلامه عن نظام الحكم المصري في سورية:

 

“هذا النظام وان يكن عادلا وشريفا قد كان باعثا قويا على كره الاعداء والمشايخ للمصريين حيث كف يدهم واوقف مطامعهم عند حد لا يمكن اجتيازه، وأمات استبدادهم بالشعب، وجعلهم امام الشريعة سواء لا امتياز ولا فرق بينهم وبين افراد الرعية، فحنقوا على الدولة المصرية وردوا ازالتها وارجاع الحكومة التركية”.

وقائع الثورة

 

ان مظالم حكومة محمد علي اذت المسلمين في شعورهم الديني، وأثقلت كاهل الشعب على اختلاف مذاهبه وطبقاته بالضرائب حتى ان الأغنياء حملوا منها فوق طاقتهم وشاركت الملاكين والصناع العمال في أتعابهم، وشردت رجال البلاد في الآفاق اما بسوقهم الى الخدمة العسكرية في البلدان البعيدة سوق الجناة أو للسخرية في الأشغال الأميرية بأجور زهيدة أو بإلجائهم الى الفرار الى حيث لا تصل يدها اليهم، فخلت الحقوق من زارعيها ، وارتفعت أجور العمال الباقين ارتفاعا فاحشا، تعذر معها على ذوي الأملاك استثمار أملاكهم، وتقهقرت تجارة البلاد التي كانت في أول عهد الحكومة قد أخذت في الانتعاش، واستعملت من ضروب القسوة في جميع اجراءاتها ما أوغار الصدور وأحرج السوريين كافة احراجا لم يبق وراءه سوى انفجار بركان الاحقاد وشبوب نار الثورات في البلاد.

 

ورغما عن الاسباب التي حالت دون اجتماع كلمة السوريين على القيام بالثورة دفعة واحدة، فان نيران الثورات التي بدأ شبوبها سنة 1834 ما برحت متنقلة من فلسطين الى جبال العلويين فشمالي سوريا فحوران فلبنان، ولم ينته الا بانتهاء حكم محمد علي في سوريا.

 

فكان ما فقد محمد علي من جيشه في محاربة السوريين بسبب تنفيذ قانون التجنيد أكثر بكثير من عدد الذين تمكن من تجنيدهم وما استولى عليه من أموال السوريين بحق أو بغير حق أنفق أضاعفه في محاولة اخضاعهم، وجميع التدابير التي قام بها لاضعاف قوتهم ولد في نفوسهم من الغيظ والغيرة على حقوقهم والمحافظة على كرامتهم وكيانهم ما يزيد على القوى التي سلبها منهم. كما أن أعداء محمد علي من عثمانيين واوروبيين استثمروا هياج أفكار السوريين، فأيدوا الثائرين حتى انتهى الأمر بخروج ابراهيم باشا بجنوده وسائر رجال حكومة محمد علي من سوريا كما سنرى.

ثورة فلسطين

 

وصلت اوامر محمد علي بالمحدثات الجديدة الى ابراهيم باشا وكان في يافا ، فبادر من فوره الى اذاعتها بين القبائل وفي انحاء البلاد، فثقلت هذه الاوامر على الناس وطلبوا رفعها، فلم يجابو الى طلبهم، فظهرت بوادر الاضطرابات في فلسطين.

 

ابتدأت الثورة على شواطئ نهر الاردن بالقرب من بيت المقدس في شهر ابريل سنة 1834، وتواطأت القبائل في هذه الجهات على الا يذعنوا لتلك الاوامر، وفي هذا اعلان للثورة.

 

فلما اعلم ابراهيم باشا بنبا هذا العصيان سار بالجيش من يافا الى بيت المقدس، قد كان لمبادرته تاثير كبير اضعف عزيمة الثوار، وهناك جمع نبهاء القوم واكابرهم (ابريل سنة 1834) فاستوضحهم مقصدهم، فاجابوه بانهم لا يعارضون في احتكار الحكومة للحرير، ذلك يؤدون الضريبة ضعفين ويقدمون بعض اولاد المشايخ رهينة لضمان طاعتهم واخلاصهم، غير ان ابراهيم باشا ابى ان يتهاون في تنفيذ اوامر ابيه، فاستمهلوه مدة يراجعون قومهم وعشريتهم، وانفض الاجتماع على غير طائل، وعاد ابراهيم باشا الى يافا ينتظر الجواب الاخير الذي وعد المجتمعون بابلاغه اياه بعد مشاورة الاهالي، ولكي ينتظر ورود النجدات والتعليمات من مصر، وكانت انتشار الوباء في هذه الجهات مما دعاه الى التعجيل بمغادرة بيت المقدس فاثر البقاء في يافا اذ لم يكن الوباء وقع فيها.

 

 

أما باقي المشايخ فتفرقوا في البلاد لدعوة الأهلين الى التجنيد حسبما اتفقوا عليه مع ابراهيم باشا، لكن قلوبهم كانت ممتلئة حقدا عليه. وكانت الحكومة العثمانية في أثناء ذلك تدس الدسائس في سوريا لحكومة محمد علي، فذاع في طول البلاد وعرضها خبر مؤاده ان الدولة العثمانية قد حشدت جيشا جرارا في سيواس ، وعهدت بقيادته الى محمد رشيد باشا الذي كان قد أسره ابراهيم باشا في موقعة قونية، وأنها تتأهلب للزحف على سوريا لأجل استرجاعها.

 

وكان العدد الأكبر من الجنود المصرية قد عاد الى القطر المصري ، أما الجنود التي كانت لا تزال باقية في سوريا فكانت مفرقة في المدن المختلفة. فهذه الاشاعة لقيت أذانا صاغية من السوريين الذين أصبحوا ناقمين على حكومة محمد علي، وشددت عزائمهم على مقاومة مطاليبه، فعاد العربان الضاربون بجوار البحر الميت الى الانتفاض، وتبعهم أهل جبل نابلس الأشداء وفر الشيخ قاسم الاحمد من معتقله في يافا الى نابلس، وتولى قيادة الثوار هناك وأرسل جماعة الى القدس فأحضرت ولده الذي كان متسلما عليها.

 

وانضم الى الثوار آل أبي غوش انتقاما من الحكومة لأنها سجنت والدهم وكبير قومهم في عكا لابتزازه أموال الحجاج الى بيت المقدس، وكان لانضمام هؤلاء الى الثوار تأثير عظيم لشدة بأسهم وزعامتهم في البلاد الواقعة ما بين القدس ويافا، فتحرج مركز الحامية المرابطة في القدس التي كان يبلغ عدد رجالها نحو ألف مقاتل، فعزم قائدها على الانسحاب منها الى يافا، فاعترضها آل أبي غوش برجالهم وهاجموهم بشدة وقتلوا منها نحو خمسين جنديا، وشتتوا شمل الباقين ، فاضطر القائد الى الرجوع الى القدس مع الجنود التي تسنى له جمع شتاتها ودخل بهم القلعة واعتصم بها. فلما اتصل الخبر بابراهيم باشا وجه آلايا من جيشه بقيادة الميرالاي حسن بك لرفع الحصار عن حامية القدس، فتصدى له آل أبي غوش أيضا، ونشبت بينهم معركة ادمية قتل فيها حسن بك ونحو ثلاثين جنديا، وأكره الباقون على الرجوع الى يافا.

 

وكان الثوار في أثناء ذلك قد هاجموا حامية الخليل المؤلفة من مايتي جندي وذبحوهم، وحضرت جموع غفيرة لمهاجمة القدس فانسل بعضهم الى جهة باب داود، وقتلوا الحرس وفتحوا الباب، فدخل الثوار منه واشتد القتال بينهم وبين الحامية المحاصرة في القلعة، ونهبو دكاكين البلد وبعض بيوت اليهود..وكانت حينئذ قد وصلت الامدادات من مصر فنهض ابراهيم باشا من يافا في 4 حزيران (يونيه) سنة 1834 ومعه سليمان باشا الفرنساوي يقودان ستة آلاف مقاتل، فلما بلغوا قرية العنب بلدة آل أبي غوش الواقعة على مسيرة نحو ثلاث ساعات من القدس، اشتبكوا مع الثوار في موقعة دامية استمرت من الظهر الى العشاء دون أن يفوزوا منم بطائل ، فباتوا ليلتهم هناك.

 

وفي الصباح تجدد القتال فأبلى الفريقان أحسن بلاء، وأخيرا تغلب ابراهيم باشا على الثائرين، وفتح طريقه الى القدس، فوصلها في اليوم الثالث بعد قيامه من يافا، وفرق جموع الثائرين الذين كانوا قد دخلوها. وعلم أن مسلمي القدس ساعدوا الثائرين، وأن الذين قاموا بالمساعدة قد فروا مع الثوار، فأباح لجنوده نهب منازلهم، ونهبت في أثناء ذلك بعض اليهود خطأ لقربها من منازل المسلمين. غير أنه وجد موقفه في القدس محرجا بازاء الثوار الذين كانوا يحيطون به من كل جانب، فالنابلسيون كانوا يهاجمونه من جهة، وعربان البحر الميت من جهة أخرى، ومواصلاته مع يافا مقطوعة لاعتراض آل أبي غوش في الطريق. فحصلت بين ابراهيم باشا والثوار ثلاث وقائع، كان النصر فيها لابراهيم باشا، لكنه فقد في احداها قائدا من رجال برتبة لواء ، غير أن قوة الثائرين لم يصبها وهن وهممهم لم تفتر عن القتال.

 

اخذت الثورة تستفح ، وخاصة لما ذاع بين الاهالي من ان تركيا تتاهب بجيش جديد لاسترجاع الشام من محمد علي، فجنح البدو الضاربون بجوار البحر الميت الى العصيان، وامتدت الثورة الى نابلس.

قمع العصيان

 

كان زعماء العصيان في تلك الجهات حاكم نابلس المسمى الشيخ قاسم الاحمد، وهو من رؤساء العشائر ذوي العصبيات القوية، وكان منهم زعيم آخر لا يقل عنه نفوذا ومكانة وهو أبو غوش صاحب قريبة العنب الواقعة بين بيت المقدس ويافا.

 

هاجمت جماعة أبو غواش المخافر المصرية المعهود اليها تامين السبيل بين يافا وبيت المقدس من سطو قطاع الطرق، فقفلت الحامية راجعة الى يافا لقلة عددهم ازاء المهاجمين.

 

وكذلك هاجم العصاة حامية بيت المقدس، وكانت تبلغ الف مقاتل، فقتل منهم خمسون جنديا واضطر القائد الى الامتناع في قلعة المدينة حتى يأتيها المدد.

 

فلما علم ابراهيم باشا بهذه الواقعة انفذ الايا من الفرسان بقيادة الميرلاي حسن بك لنجدة الحامية وللتنكيل بقبيلة ابي غواش، ولكن النجدة المصرية لم تقو على مقاومة العصاة، ورجعت مهزمة مضعضعة بعد ان قتل قائدها ونحو ثلاثين من جنودها، وتكاثر الثوار على القدس واقتحموا باب داود (من ابواب المدينة) ودخلوا منه ، ووقع قتال شديد بينهم وبين الحامية المحصورة في القلعة، ونهبوا حوانيت المدينة وبعض بيوت لليهود، كذلك هاجم العصاة الخليل وقتلوا حاميتها وكان عددها 200 جندي.

 

فلما علم ابراهيم باشا باستفحال الثورة جمع جيشا من ستة آلاف جندي وقام على راس هذا الجيش. فسار من يافا في شهر يونية سنة 1834. وزحف على معقل العصاة في قرية العنب التي امتنع بها جماعة ابي غوش، وكانت محصنة تحصينا منيعا، فحاصرها الجيش المصري واستمر القتال حولها ثلاثة أيام متوالية، وفي اليوم الثالث دخل المصريون القرية، فكان سقوطها في يدهم سببا في تشتيت العصاة، واحتل المصريون الطرق المفضية الى بيت المقدس وفرق الجيش جموع العصاة ودخل المدينة بعد ان فر كثير ممن انضموا الى الثوار، ووقعت ثلاث معارك بين الجيش المصري والعصاة كان النصر فيها للمصريين.

 

على ان هذا القتال قد حمل الجيش خسائر جسيمة ومتاعب هائلة، فتحصن ابراهيم باشا في بيت المقدس.

 

وفي غضون ذلك عمل على التفريق بين القبائل وضرب بعضها ببعض على الطريقة التي اتبعها في حرب الحجاز، وافلح في استمالة بعض القبائل فتفككت عراها، وعقد سليمان باشا الفرنساوي اتفاقا مع اولاد ابي غوش تعهدوا فيه ان يؤمنوه على اجتياز معاقلهم وان يوالوا الحكومة المصرية على ان تطلق سراح ابيهم الذي كان سجينا في عكا، وعلى العفو عنهم، وبذلك امنت الطريق بين يافا وبيت المقدس.

 

وفي اثناء ذلك عرض الشيخ قاسم حاكم نابلس على ابراهيم باشا ان يقدم طاعته على ان يعفي النابلسيون من الخدمة العسكرية، وجرت بينهما في هذا الصدد مفاوضات، فلما تم الاتفاق مع جماعة ابي غوش واستوثق ابراهيم باشا من ولائهم قطع تلك المفاوضات.

حضور محمد علي باشا

 

لما استفحل امر الثورة عتزم محمد علي باشا المجئ الى فلسطين ليطمئن بنفسه على الموقف وليشرف على حركات القتال التي كان الغرض منها قمع العصيان، فحضر الى يافا يصحبه عدد كبير من الجند، وكان ابراهيم باشا وقتئذ في القدس، فذهب لاستقباله في يافا.

 

وكان العصيان قد امتد الى صفد، فقطع اهلها الطرق ونهبوا اليهود، فعهد محمد علي الى الامير بشير الشهابي حاكم جبل لبنان، وكان على ولاء تام للحكومة المصرية، ان يخمد هذا العصيان ، فصار بالامر وزحف على صفد وحاصرها وسلمت من غير قتال واعاد العصاة ما نهبوه من اليهود.

 

وقد بر ابراهيم باشا بوعده لآل ابي غوش فاطلق سراح زعيمهم وعين احد ابنائه متسلما (حاكما) للقدس.

اخماد الثورة

 

وجرد جيشا لمحاربة الشيخ قاسم حاكم نابلس، فدار قتال شديد بينهما انتهى بهزيمة الشيخ قاسم وفراره مع اتباعه الى الخليل.

 

وفي غضون ذلك عاد محمد علي باشا الى الاسكندرية بعد ان اطمأن من ناحية الجيش المصرية ومركزه، فوصل الى الاسكندرية في يوليه سنة 1834.

 

احتل الجيش المصري قرى نابلس: ثم تعقب الشيخ قاسم ورجاله الاشداء الى الخليل، وتطاحن الفريقان ثلاث ساعات انكسر بعدها الثوار، فدخل الجيش الخليل وانسحب المنهزمون الى الكرك والسلط فتعقبهم ابراهيم باشا الى الكرك ولقى جنوده مشقات هائلة في هذه الحملة لاشتداد القيظ والعطش، وسقط منهم نحو ثلثمائة مصابين بالرعن (ضربة الشمس)، واحتل الجيش المصري الكرك، وحمى القتال حول قلعتها التي اعتصم بها الثوار، وتكبد المصريون خسائر جسيمة في هجومهم على القلعة وارتدوا عنها قليلا ريثما تبلغهم المدفعية، فانتهز الثوار هذه الفرصة واخلوا القلعة واسنلوا منها الى السلط، وتقدم ابراهيم باشا الى السلط فسلم اهلها من غير قتال.

 

وفر الشيخ قاسم ومن معه من زعماء العصيان الى البادية، ونزلوا على عرب عنزة، ولكن ابراهيم باشا تعقبهم وما زال بهم حتى اخذهم جميعا وقتلهم، وبذلك تم اخماد الثورة في فلسطين، واذعنت القبائل لسطوة ابراهيم باشا وشدة بأسه.

اضطرابات اخرى

 

وقد هاجت الخواطر في دمشق لما اوقع التجنيد من الحزن في نفوس اهالي المجندين، وفر عدد كبير من الناس الى البادية والى الجبال، وخشى شريف باشا والى ايالات الشام ان يعم الهياج، وخاصة بعد ورود انباء ثورة فلسطي، وفكف عن التجنيد ، لكنه جمع السلاح من ايدي الاهالي.

 

وكذلك وقعت اضطرابات في طرابلس سنة 1824 وائتمر الاهلون بالحامية، فاضطرت ان تنسحب الى الميناء، فارسل ابراهيم باشا المدد الى طرابلس، وعاقب مثيري الفتنة باعدام ثلاثة عشر منهم وثارت الفتن في عكار وصافيتا والحصن. فاخمدتها القوة المسلحة، ووقعت كذلك اضطرابات أقل شانا منها في حلب وانطاكية وبعلبك وبيروت.

ثورة النصيرية

 

من تشرين أول إلى آخر كانون أول (أكتبر-ديسمبر) سنة 1934وشهدت الثورة في بلاد النصيرية شرق اللاذقية في اكتوبر سنة 1834، وكانت اهم ثورة بعد ثورة فلسطينعنوان وصلة، وهاجم الثوار اللاذقية فامدها ابراهيم باشا، وزحفت قواته على بلاد النصيرية ونشبت معارك عدة بينها وبين الثوار انتهت بانتصار الجش المصري ونزع السلاح من ايدي الثوار وتجنيد نحو اربعة آلاف من اهل تلك البلاد.

 

 

وقد نفذ ابراهيم باشا قاعدة نزع السلاح والتجنيد في البلاد التي اخمد الثورة فيها، واستتب الامن في ربوعها، وكان البنانييون يعاونون الجيش المصري في اخماد تلك الثورات فترك لهم سلاحهم الى سنة 1835 ثم عمد الى تجريدهم منه وبدا بالدروز وخادع المسيحيين انه لا يريد نزع اسلحتهم، فعاونوه على تجريد الدروز، وبعد ان تم له ذلك عاد الى اولئك فجردهم من سلاحهم، واستتبت السكينة في سورية ولبنان، فعمدت الحكومة الى تجنيد الاهالي من البلاد كافة، وترتب على ذلك فرار الكثير من الشبان الى البادية مما اضر بالحالة الاقتصادية ضررا بليغا.

 

 

ان ثورة النصيرية كانت أهم ثورات سنة 1834 بعد ثورة فلسطين، فقاتلوا الجيش مستبسلين، كما ان بلادهم أصابها من النهب والحرق والتخريب ما لم يصب غيرها مثله. أما اسباب هذه الثورة فهي تلك التي أذكت نار الثورة في سائر البلدان السورية، وكان ابتداؤها ان النصيرية اعترضوا آلايا من الخيالة النظامية كان ذاهبا من اللاذقية واعتدوا على ممتلكات الحكومة والمسيحيين، وحاصروا المتسلم سعيد أغا العينتابي في داره. وكان ابراهيم باشا عائدا حينئذ من كرك الشوك فلما وصل الى المزيريب بلغه خبر هذا الانتفاض، فأصدر أوامره الى امير لواء الامير بشير أن يوجه قوة لبنانية بقيادة أحد أولاده ليشترك مع سليم بك في أعمال التأديب، فنهض الأمير خليل ومعه اللبنانيون من بيت الدين في 20 تشرين أول (أكتوبر) سنة 1834 وانضم اليهم الامراء الشهابيون فندي وجهجاه وسعد الدين واحمد ومعهم رجال وادي التيم، فوصلوا الى طرابلس ومنها استأنفوا السير الى اللاذقية في 27 جماد الثاني سنة 1259 هـ = 31 تشرين أول (أكتوبر) سنة 1834م.

 

وفي 6 رجب زحفوا على بلاد النصرية وخيموا في قرية البهلولية، ففر النصيرية من وجههم تاركين وراءهم مواشيهم وامتعتهم وغلالهم، فعنمتها العساكر وحرقت خمس عشر قري من قراهم وقطعت أشجارها، ثم وجه سليم بك فرقة من عسكره لتخريب غيرها من القرى فصدمها الثوار صدمة شديدة وأكرهوها على الرجوع مضاربها. فأرسل الامير خليل ألف مقاتل من رجاله بقيادة المير جهجاه احد أمراء حاصبيا، فانهزم النصيرية، وحرق العساكر ثلاثين قرية وفي اليوم الثاني نهض الامير خليل ورجاله ومعه الامير افندي شهاب حاكم راشيا والعرب الهنادي وبعض الفرسان المصرية، وتواقعوا مع النصيرية في قرية منبايا، وكانت خسائر الفريقين بالرجال قليلة غير أن النصر كان حليف الجيش الذي حرق قرى عديدة.

 

ثم انتقلت العساكر الى مقاطعة صهيون وكان سكانها قد اعتصموا في قلعتها وجاءتهم نجدة مؤلفة من نحو ألفي مقاتل من مقاطعة بيت الشلف، فحصلت بينهم وبين العسكر معركة فاز فيها العسكر على الثوار وهزمهم، ثم هاجم القلعة واستولى على ثلاثة من أبراجها، وطلب المحاصرون الباقون الأمان وكان الوقت ليلا فكف العسكر عن قتالهم، فاغتنم المحاصرون الفرصة وانسحبوا من القلعة تحت ستار الليل وهربوا، وعند الصباح دخل العسكر القلعة واستولى على ما فيها. وعلى أثر ذلك حضر أهل مقاطعة ديروس وسلموا، ثم انتقل العسكر الى مقاطعة بيت الشلف وشرعوا في حرق قرية عين التين، فبادر أهلها الى التسليم، وحذا حذوهم أهالي مقاطعة المزيرعة وبيت عمار والجهنا. وقدم الى اللاذقية عثمان الجبور كبير الكلبية وحميدوش كبير بني علي، لاجئين الى القناصل ملتمسين مساعدتهم متعهدين انهم يقدمون سلاح بلادهم.

 

أما أهل بيت باشوط والسرامطة والقراحلة فامتنعوا عن التسليم ورابطوا على جسر السن الواقع بين بانياس وجيلة، واتفق ان الشيخ حسين السلمان ونحو سبعين خيالا من المتاولة جاءوا قاصدين الانضمام الى العسكر ، فاعترضهم المرابطون على الجسر وقتلوا اثنين منهم واستولوا على بعض خيولهم. وأرسل الامير بشير نجدة مؤلفة من خمسمائة مقاتل مؤلفة من اهل زحلة وبسكنتا، فتصدى لهم الثوار انفسهم عند جسر السن أيضا، وقتلوا منهم ستة وعشرين رجلا من الزحليين وعشرة من البسكنتاويين، فأرسل الامير خليل ثلاثمائة فارس لنجدة اللبنانيين بقيادة الامير سعد الدين والامير احمد الشهابيين، ففر النصيرية من وجههم الى جبل الحمام.

 

وفي اليوم التالي زحف العسكر على مقاطعاتهم فاعمل فيها النهب والحرق، وفعلوا مثل ذلك في مقاطعة القرادحة التي كان مقدمها عثمان الجبور قد سلم للعسكر، لكن عجز عن تقديم جميع الاسلحة التي وعد بتسليمها، ثم ساروا الى الشعرة وحرقوا نحو خمسين قرية، ونزلوا في قرية الجديدة، وكان ابراهيم باشا قد وصل الى حمص قادما من دمشق، فأبلغه سليم بك امر خضوع الثوار، فأمر الباشا بتفرق العساكر، فاذن للأميرين سعد الدين واحمد الشهابيين بالرجوع الى أوطانهم، وفي أثناء عودتهم حصلت وقائع بينهم وبين النصيرية في وادي العيون ووادي عميق شمالي صافيتا.

 

أما الامير خليل شهاب، فغادر بلاد النصيرية في 20 شعبان 1250 هـ = 12 كانون أول (ديسمبر) سنة 1834 م عن طريق جبلة فالمرقب فطرطوس فطرابلس، ووصل الى بيت الدين في أول كانون ثاني (يناير) سنة 1835 وتفرق رجاله الى أوطانهم، وبقى سليم بك في بلاد النصيرية مع قسم من عساكره لاكمال جمع السلاح. استتب الأمن بعد ذلك بنوع لم يسبق له مثيل، وانتظم نحو أربعة آلاف رجل من أبناء تلك البلاد في سلك الجيش المصري.

ثورة حوران

 ثورة الدروز

 

نحوه من مختلف الجهات، فيوحدون صفوفهم ويقاتلون جنبا الى جنب كأنهم رجل واحد. وهم يفوقون الجنود المنظمة في سرعة حركاتهم ومرونة ترتيباتهم الحربية، وفي صفةمن تشرين ثان (نوفمبر) سنة 1837 إلى آب (أغسطس) سنة 1838

 

بدأت هذه الثورة في أواخر شهر تشرين ثاني (نوفمبر) سنة 1837 ، وانتهت في النصف الثاني من آب (أغسطس) سنة 1838 بعد وقائع دامية خسر في أثنائها جيش ابراهيم باشا ما لا يقل عن عشرة آلاف مقاتل، بينهم عدد غير يسير من القواد، ولاقى من الاهوال ما لم يلاق مثله في حروبه مع الدولة العثمانية أو في اخماد سائر الثورات في سوريا وغيرها. وحتى تتضح للقارئ الاسباب التي دعت حكومةمحمد علي الى اثارة هذه الفتنة التي كلفتها الضحايا الغالية بدون جدوى، وتنجلي أمامه الاحوال التي مكنت الدروز رغما عن قلة عددهم من البطش بالحملة بعد الحملة واحتال ضغط الجيوش الجرارة تسعة شهور، لابد من ايراد بعض التفاصيل عن موقف المتحاربين.

 

هجر بعض الدروز مواطن العمران في لبنان وغيره الى بلاد سادت فيها الفوضى وكثر الخراب وهي بلاد حوران، وكانت هجرتهم اما بسبب المشاحنات التي كانت كثيرة الوقوع بين الاسر والاحزاب أو فرارا من نظام حكام ذلك الزمان. فوجدوا في حوران الحرية المطلقة وجودة الهواء والمساكن الرحبة في قراها القديمة المهجورة تحيط بها الاراضي الواسعة الكثيرة الخصبة. غير انهم ما لبثوا ان اضطروا الى أن يستأنفوا في وطنهم الجديد مثل ما كانوا عليه في وطنهم السابق من قتال ونزاع مع جيرانهم أو مع القبائل الرحالة التي اعتادت المرور والرعي في الديار التي نزلوها، هذا فضلا عن تعرهم الدائم لمقاومة غزاة البادية الذين يعيشون على السلب والنهب.

 

هكذا كان الدروز الذين أمرا حوران حتى عهد ابراهيم باشا – كانوا أحس حرب حنكتهم التجارب وتمرسوا على الحروب في وطنهم القديم، فكان ذلك أفضل ما ادخروه لحفظ كيانهم في وطنهم الجديد، حيث لم تزدد مزاياهم الحربية الا نموا لانهم كانوا على الدوام في حال حرب لا يخرج الواحد منهم من منزله الا وهو شاكي السلاح استعدادا للطوارئ والمفاجات – فتمادى الاحوال على هذا المنوال صير جميع دروز حوران جيشا محاربا فيه الجنود والقواد. فبنوا الحمدان وهم اقدم أسرة درزية نزحت الى حوران على ما نعلم توطدت زعامتهم العامة فيها ونشأت أسر غيرها ذات عصبية قوية وزعامة محلية، فكان أولئك الزعماء قوادا ورجالهم جنودا.

 

والدروز في الحروب أطوع لقوادهم من البنان، كما ان قوادهم فوق ما امتازوا من البسالة والاقدام عرفوا في حروبهم بسعة الحيلة وحسن الادارة الحربية، وطالما بزوا في ذلك القواد المدربين. وفي الدورز من مزايا الجنود المنظمة سرعة حشد قواتهم والعمل يدا واحدة بدون ارتباك، وهذه المزايا توارثها الخلف عن السلف، غير انها ازدادت ظهورا في دورز حوران لكثرة تعرضهم لغزو الغزاة، واعتيادهم على الغارات، فكانوا اذا جاءتهم اشارة من موقع خطر تندفع مقاتلتهم الاعتماد على النفس الضعيفة في أولئك الجنود. فهذه المزايا كانت تجعل لهم اليد العليا في الكر والفر وتجعلهم أقل عرضة للخسائر الجسيمة والنكبات عند تكاثر جموع الاعداء.

 

ومن مزاياهم الصبر على الشدائد وتحمل المشقات لصحة ابدانهم وقوة إيمانهم وخشونة معيشتهم واعمالهم الجسدية واتقانهم استعمال الاسلحة المختلفة، كالسيف والرمح والاسلحة النارية وفي ذلك يقول أحدهم مفتخرا:

 

حنا بني معروف نحمي الجار ولو جار تهوى المزند فتيلك ما نداريه وسيوفنا الحدب تبرى كل زنار وسلاحنا لو صدى بالدم نجليه بارودتي فلنتا ومزنره بسوار حالفه رصاصها عالأرض ما ترميه

 

وفوق هذه المزايا قد استفادوا من موقع اللجاة المنيع. وللجاة بر فسيح طوله عشرون ميلا وعرضه خمسة عشر ميلا، وهو شديد الوعورة كثير المغاور والكهوف، يصعب على الجيش المهاجم الاحاطة به ويجد أكثر المشقات اذا حاول اختراقه. فالدروز انتقلوا اليه بعيالهم حالما ظهرت بوادر العدوان بينهم وبين حكومة محمد علي واتحدوا مع العربان الذين يقطنون اللجاة، فبلغ عدد مقاتلتهم جميعا نحو ألفي رجل، منهم نحو ألف وستمائة رجل من الدروز. وهذا عدد يسير بالنسبة الى الألوف المؤلفة التي اعتادت جنود ابراهيم باشا المنظمة مصادمتها والتغلب عليها. غير أن وعورة مسالك النجاة، وصعوبة الحرب فيها على غير عارفيها، ضاعفت قوة الدروز وحلفائهم، وبالنسبة عينها أضعفت قوة الجيش الذي هاجمهم فيها.

 

أما الذين حمل حكومة محمد علي على التشدد في أمر التجنيد في سوريا، فهو أن الدولة العثمانية كانت تحشد جنودها على مقربة من حدود سوريا الشمالية، بحجة مقاتلة ثوار الاكراد، فاستعدادا للطوارئ بادر محمد علي الى تقوية جيوشه في سوريا، واصدر أوامره بتعميم التجنيد فيها، وبمقتضى ذلك النظام، طلبت حكومة دمشق من دروز حوران مائة وسبعين مجندا، مع أنها لم تكلفهم التجنيد في سنة 1834 لشعورها بحاجتهم الى الرجال لدفع اعتداء العربان المحيطين بهم من كل جانب، لأن الدروز أنفسهم كانوا يقومون في بلادهم بما هو من واجب جنود الحكومة ورجال شرطتها، فيتولون حفظ الامن في الداخل، والدفاع عن حوزتهم عند وقوع اعتداء من الخارج. وحالتهم في سنة 1837 لم تتغير عما كانت عليه في سنة 1834 فتجنيدهم وتكليفهم الخدمة في أماكن بعيدة عن جيلهم، بينما جيرانهم من عربان البادية يسرحون ويمرحون لا مبرر له من جانب الحكومة، لان عدم تجنيد مائة وسبعين رجلا ليس له تأثير محسوس على قوة الجيش.

 

فالذي يتبادر الى ذهن الباحث هو أن حكومة محمد علي اتخذت مسألة التجنيد ذريعة التحرش بدروز حوران، توصلا الى اغراض أكثر أهمية من الحصول على مائة وسبعين مجندا. فجبل حوران واللجاة كانا في ذلك الزمان ملجأ لكل خائف من جور الحكام أو ثائر على الحكومة، ومعقلا يعتصم به الفارون من التجنيد والمتملصون من حمل الضرائب الثقيلة حتى ان قرى عديدة في جبل الكرمل خربت في ذلك الوقت، وانتقل أهلها الى جبل حوران لتنجو من الضرائب الثقيلة وشدة وطأة التجنيد، وفي ذلك خسارة جسيمة على الحكومة في المال والرجال فلذلك رأت الحكومة أن تدويخ دروز حوران يثبت قدمها في جبلهم وفي اللجاة، ويمكنها من ايقاف تيار اللاجئين اليهما، ومن فرض التكاليف العسكرية والمالية عليهم، وتمهيد السبيل لبسط سلطتها على ما وراءهم من العربان.

 

وكانت تظن خطأ أن دروز حوران القليلي العدد لا يستطيعون مقاومتها لتفرقهم في قرى مختلفة، وأن روابط الولاء والاخلاص بين مشايخهم وفلاحيهم كادت تكون مفقودة، وأنهم عزل من السلاح ولا خبرة لهم باستعمال المحراث والمساس. وعلى كل حال لم يكن عندها ريب في نجاح تدابيرها لاخضاعهم، لأن جيشها كان على قدم الاستعداد وفيه الجنود المجربة والقواد المحنكون الذين تعودوا الانتصار على اعداء اقوياء، زد على ذلك أنهم يفوقون الدروز عددا ويمتازون عليهم بجودة السلاح ووفرة الذخيرة.

 

أما مواطن الضعف في ذلك الجيش فكانت استصغاره شأن الدروز، وعدم تقدير عواطفهم القومية ومزاياهم الحربية تقديرا صحيحا. وشتان ما بين مدافع عن وطن اشتراه بالمهج الغالية وبين مهاجم مأجور لا يندفع الى الامام ولا بقوة النظام، كما أن قواد الجيش وجنودهم لم يعتادوا الحرب في الاماكن الوعرة كاللجاة التي كانوا يجهلون مصاعبها. فوعورة مسالك اللجاة أفقدت الجيش اهم مزاياه، وهي قوة النظام وكثرة العدد لانها اضطرت الجنود الى التفرق فلم يستطيعوا العمل مجتمعين، وزال الاتصال الوثيق بينهم وبين قوادهم، فهان على عدوهم الفتك بافرادهم وجماعاتهم الصغيرة وانزال النكبات بمجموعاتهم.

 

 

كان ابراهيم باشا قد اعفى دروز حوران من التجنيد، ثم تراءى له ان يطبق عليهم نظام التجنيد، وحجته انه في حاجة الى زيادة عدد الجيش استعدادا لمقاومة هجوم العثمانيين الذي جاءت الاخبار بقرب وقوعه.

 

فتمرد الدروز على طلب حكومة دمشق، وكان من ذلك نشوب ثورة خطيرة في حوران (نوفمبر سنة 1837) وهي شاد ثورة عاناها الحكم المصري في سورية.

 

انفد ابراهيم باشا ثلاث حملات لكفاح تلك الثورة واخمادها، فالحملة الاولى الفها من 459 من فرسان الهوارة، ففازت في بدء القتال على الثوار في بصرى ولكن الثوار استدرجوها الى الجهات الجبلية الوعرة فيبلاد اللجاة، وامر قائد الحملة بالزحف عليها، حتى اذا بلغ الوعر وانحصر فيه، انقض عليه الدروز، فدارت بين الفريقين معركة بطش فيها الدروز بالحملة المصرية، فقتل قائدها وبادت الحملة قتلا واسرا وتشريدا.

 

ولما ابلغ ابراهيم باشا نبأ هذه الواقعة وكان في انطاكية اجمع لحملة جديدة يقودها بنفسه، لكنه علم باحتمال تقدم الترك نحو الحدود الشمالية، فاضطر الى البقاء في حلب وارسل الى ابيه يستمده. وطلب منه ان ينفذ اليه احمد باشا المنكلي وزير الحربية المصرية لقيادة الحملة، فجاء هذا على جناح السرعة، وقاد الحملة الجديدة وكان فيها 6000 مقاتل، وزحف على حوران، فاخذ الثوار يستدرجونها كما استدرجوا الحملة الاولى من قبل الى ان توغلت في الجهات الوعرة، فقاتلها الثوار في معركة انتهت بهزيمة الحملة، وخسرت من رجابها نحو اربعة آلاف بين قتيل وجريح، وجرح قائدها احمد باشا المنكلي جراحا بالغة.

 

تصدعت هيبة الجيش المصري بانتصارات الدروز، واستشرت الثورة من حوران الى وادي التيم فثار الدروز فيها بقيادة (شبلي العريان) وقطعوا مواصلات الجيش.

 

وجهز ابراهيم باشا حملة ثالثة من عشرين الف مقاتل اطبق بها على ثوار حوران ووادي التيم.

 

ونشبت الحرب وكانت سجالا. الى ان انتهت بتسليم دروز (وادي التيم)، ثم تسليم شبلي العريان وانحصار الثورة في اللجاة ثم انتهت باخماد ثورة اللجاة (أغسطس سنة 1838).

 

وبذلك انتهت ثورة الدروز بعد ان استمرت تسعة اشهر تكبد فيها الجيش المصري خسائر فادحة، ولقى فيها الاهوال ما لم يلقه في اخماد الثورات السورية الاخرى.

 

وعنى عن البيان انه كان في امكان مصر ان تتفادى هذه التضحيات الاليمة والخسائر الفادحة لو لم يتشدد محمد علي باشا في تجنيد السوريين ونزع اسلحتهم، اذ لم يكن من الحكمة ولا من حسن السياسة ان تبادر دولة فاتحة الى تجنيد الاهالي في بلاد حديثة عهد بفتحها ولما يستقر بعد حكمها فيها، وخاصة اذا كان اهلها قد اعتادوا من قديم الزمن حمل اسلحتهم ولم يألفوا نظام التجنيد الاجباري، لما استهدف الجيش المصري لهذه الثورات الى اودت بحياة عشرة آلاف مقاتل ونيف، وذلك اكثر من العدد الذي استطاع تجنيده من السوريين، واكثر مما خسرته مصر في المعارك الحربية بسورية والاناضول، هذا فضلا عن ان اخماد الثورات بالقوة والجبروت قد اوغر صدور السوريين على الحكم المصري، فبعد ان استقبلوه في بدء الفتح بقبول حسن وفضلوه على الحكم التركي جنحوا بعد ذلك الى قديمهم ولقيت الدعاية التركية بينهم مرعى ومأوى.

 

على أنه يجب الا يغرب عن البال ما كان للدسائس الانجليزية والتركية من الاثر الكبير في تحريض السوريين على الثورة كما قدمنا، ولكن مما لا نزاع فيه ان هذه الدسائس ما كانت لتفلح لو لم تلجأ الحكومة المصرية الى اثارة الخواطر بنزع سلاح الاهلين وتجنيدهم جبرا، ومن جهة أخرى فان الحكومة المصرية رغبة منها في منع ورود الاسلحة الى البلاد امرت بمنع دخول جهة اخرى فان الحكومة المصرية رغبة منها في منع ورود الاسلحة الى البلاد امرت بمنع دخول السفن التركية الى الثغور السورية، وصدت ورود القوافل من جهات الاناضول، فاصاب التجارة من هذه وتلك ضرر كبير، وقد كان للدسائس الانجليية وسوء الحالة الاقتصادية في اواخر عهد الادارة المصرية اثر كبير في الحرب السورية التي شبت بين مصر وتركيا وحلفائها عقب ابرام معاهدة لوندره، فان الجيش المصري قد لقى فيها من مقاومة السوريين ما زاد مركزه جرحا كما سيجئ بيانه.

التأثير حكومة محمد علي

تأثير حكومة محمد علي في سوريا

 

زالت حكومة محمد علي من سوريا بانسحاب جنوده منها. أما تأثيرها فلم يزل مع ذلك الانسحاب، لأنها أحدثت في نظام الأحكام انقلابا عظيما، فأدخلت انظمة جديدة للادارة والقضاء والمالية والجندية، وأنفذت في السوريين سلطة العزيز المقتدر، فكان لذلك تأثيرات جمة في حياة البلاد الاجتماعية والأدبية والاقتصادية والادارية والسياسية، منها ما كان بعيد المدى، فاتصل تأثيره بوقتنا الحاضر.

التأثير الاجتماعي

 

من التغييرات الاجتماعية التي نشأت عن حكم محمد علي في سوريا اطلاق الحرية الدينية، ونشر روح الديموقراطية بالضرب على ايدي الزعماء والمتغلبين، ونزع السلطة من أيديهم، وانشاء العلاقة ما بين أفراد الشعب وحكامه مباشرة، وتأليف مجالس مشورة تمثل الشعب بعض التمثيل، ولها حق النظر في الشئون المحلية، بعد أن كان النظر في جميع الشئون منوطا بحكام مستبدين.

 

وقد كان لوجود ابراهيم باشا في سوريا تأثير في بساطة المظهر، بعد أن كان كبار البلاد يباهون بالملابس الفاخرة والمظاهر الخلابة وكثرة الأتباع، وانما كانوا يقلدون في ذلك الحكام العثمانيين. اما ابراهيم باشا فكان ميالا بفطرته الى بساطة المظهر والتخشن في المعيشة، ولعل حياته الجندية زادته استمساكا بذلك، لان احوال الجندية تقتضي التخشن وملابس رجالها بسيطة متماثلة لا تمييز فيها بين ملابس كبار الضباط وصغارهم الا بما عليها من العلامات الفارقة. ويروي انه لما جاء ابراهيم باشا بجيشه الى لبنان وحل في دير القمر، أقام في منزل حقير. لا ينزل فيه امثاله من الوزراء. وذهب ذات ليلة لزيارة الامير بشير زيارة غير رسمية، فلم يستصحب أحدا من رجال حاشيته بل كان بصحبته أحد خدمه، فقضى السهرة عند الامير في المسامرة والتدخين.

 

وكان الامير قبل ذلك لا يعهد في الوزراء سوى مظاهر الأبهة والترفع عن الناس، فلا تتحرك ركابهم الى آخر الا وهم مرتدون الملابس الفاخرة محاطون بالجند والعظماء. وكان الأمير نفسه بل من دونهن من الزعماء يجرون على الخطة نفسها كل حسب مكنته ومكانته. أما بعد أن تلقى هذه الزيارة الودية من ابراهيم باشا الخالية من التكلف البعيدة عن الفخفخة، لم يسعه إلا أن يحذو حذوه. وبما أن ابراهيم باشا وهو ابن عزيز مصر ورأس الحكومة السورية وقائد الجيش العام زاره مستصحبا خادما واحدا فحتى يحفظ النسبة ما بين مقامه ومقام مولاه وهما نازلان حينئذ في مكانين متقاريبن، رد له الزيارة منفردا.

 

وفي عهد ابراهيم باشا في سوريا طرح الامير بشير وأولاده العمائم واستبدلوها بالطربوش المغربي اقتداء بمحمد علي وابراهيم باشا ورجالها، فتبعهم في ذلك كبار رجال الدين وغيرهم.

 

وأظهر ما قامت به حكومة محمد علي من التغييرات الاجتماعية، المساواة بين رعايها على اختلاف الأديان والمذاهب. فقبل دخول ابراهيم باشا الى سوريا لم يكن مباحا للمسيحيين ان يتعمموا بالعمائم البيضاء أو الخضراء أو الحمراء، وكانت محظورة عليهم بعض أمور غير هذه، وكانت تولية المسيحيين مناصب الحكومة قليلة الوقوع. فحكومة محمد علي أزالت كل هذه الفوارق. وأباحت

الوطنيين والافرنج الوظائف في الجيش والحكومة الملكية ومنحتهم الرتب والألقاب.

 

ويروى عن حنا بك بحري الذي كان يتولى منصبا رفيعا في حكومة سوريا ان زملاءه المسلمين كانوا لا يعاملونه بالاكرام الذي يستحقه منصبه، وكان محمد علي قد منحه رتبة مير ميران. فشكا أمره الى ابراهيم باشا ، فهذا لم يحدث أحدا عن هذه الشكوى، لكنه دخل مرة الى مجتمع ضم كبار رجال مجلسه وبينهم حنا بك بحري فنهضوا واقفين. فقال ابراهيم باشا: “يا بك تقدم نحوي”. دون أن يذكر اسم البك الذي طلب تقدمه، ولم يخطر ببال أحد أنه يقصد بحري بك دون غيره اسم البك الذي طلب تقدمه، ولم يخطر ببال احد انه يقصد بحري بك دون غيره من البكوات الواقفين أمامه، فتقدم موظف آخر اسمه حافظ بك فقال له ابراهيم باشا: “إني أنادي بحري بك” فرجع حافظ بك الى مكانه، وتقدم بحري بك ولما دنا منه قال له: “تفضل” وأجلسه على مقربة منه. أما سائر رجال المجلس فبقوا في أماكنهم وقال لهم “اجلسوا”. فبعد هذا الحادث صار كبار رجال الحكومة يعاملون حنا بحري بك المعاملة اللاقئة بمقامه.

 

وكان قبل قيام حكومة محمد علي في سوريا لا يقاد المسلم بالذمي، اما حكومة محمد علي فسوت في ذلك بين رعاياها المختلفي الأديان والمذاهب، كما سوت بينهم في دفع الضرائب، ولم تفرق بينهم في شي سوى تكليف المسيحيين دون المسلمين بدفع الخراج، لكنها كلفت المسلمين القيام بالخدمة العسكرية ولم تكلف المسيحيين. وقد تجاوزت حكومة محمد علي في سوريا حد المساواة بين المسلمين والمسيحيين في امر التسليح، فبعد أن كانت قد جمعت أو فرضت جمع السلاح من جميع البلاد السورية، عادت في سنة 1838 فسلحت النصارى لتستعين بهم على مقاتلة الدروز.

 

وكان التضييق على المسيحيين الافرنج قبل عهد ابراهيم باشا مقله على المسيحيين الوطنيين ، فكان الوافدون منهم على سوريا قليلي العدد ولا يستطيعون التجول فيها إلا وهم مرتدون الملابس الوطنية، أو تحت حراسة الجند فلما ساح بكهرت في سوريا في أوائل القرن التاسع عشر ارتدى الملابس الوطنية، واتخذ لنفسه اسم الشيخ ابراهيم. وعينت انجلترا قنصلا لها في دمشق المستر فرن سنة 1829 فلم يستطيع دخول دمشق بل بقى في بيروت مدة طويلة أي إلى أن احتل ابراهيم باشا مدينة دمشق في سنة 1832 ، فأذن حينئذ للقنصل الجديد بالذهاب اليها، فدخل المدينة باحتفال مهيب ولم يجرؤ أحد من الاهالي ان يبدي اي تذمر او اعتراض، لان ابراهيم باشا كان يحكم البلاد بيد من حديد.

التأثير العملي والأدبي

 

لم تقم حكومة محمد علي في سوريا باعمال علمية وأدبية ذات شأن، فالمدارس التي أنشأتها كانت قليلة العدد والتأثير، وكانت في معظم الاوقات مشتغلة بالفتح وتسكين الاضطرابات واخماد الثورات ومقاومة الدسائس والاعتداءات الداخلية والخارجية. على ان قيامها في سوريا مهد السبيل لنهضة علمية أدبية، لأن تنظيماتها استوجبت اختيار المتنورين لادارة الاحكام والقيام بالأعمال القضائية والمالية والكتابية، وسهلت قدوم الافرنج من مرسلين دينيين، وتجار وغيرهم فأنشأت بوساطتهم المدارس.

 

كما ان ارسال بعض الشبان لدرس الطب في القطر المصري، واستخدام بعض السوريين في حكومة محمد علي باشا، أنشأ صلة أدبية دائمة بين القطرين، فامتدت تلك الصلة ونتائجها الى وقتنا الحاضر، وأدخلت حكومة محمد علي روحا علمية الى البلاد في أعمالها، فأنشأت محجرا صحيا في بيروت، وبذلت اهتماما يذكر في الأمور الصحية، وكانت تجري فيها حسب مشورة الأطباء، كما فعلت في دمشق بانشاء مصارف للمياه الراكدة، واستخدام المهندسين في ذلك وفي الانشاءات التي تحتاج الى معرفة فنية.

التأثير الاقتصادي

 

لو قدر لحكومة محمد علي الثبات في سوريا لاثرت في حالة البلاد الاقتصادية افضل تأثير، لان محمد علي كان رجلا عمرانيا طامحا الى توطيد دعائم ملكه، عالما أن العمران دعامة الملك الكبرى، فما قامت به حكومة محمد علي من الاعمال الاقتصادية لتنشيط زراعة الكرمة والتوت والزيتون، واستخرجت المعادن واشهرها معدن الفحم الحجري في قرنايل وقيل في بزيدين أيضا في مكان يدعى عين بوقة، كما أنها استخرجت الحديد من مرجبا في قاكطع المتن في لبنان.

 

وقد كان لحكومة محمد علي تأثير خاص في نهضة بيروت الاقتصادية، لأن اقامة المحجر الصحي فيها أوجب على جميع البواخر القادمة الى الشواطئ السورية ان ترسو في مياه بيروت، وأجرت تجارب على زراعة السكر والنيلة وشجر التين، وتربية دودة القز، غير أنها لم تتمكن من مواصلة هذه الاعمال والتوسع فيها، لان البلاد كانت في حالة حرب، والحرب والعمران لا يجتمعان، فبعد فتح البلاد بزمن قصير، قامت الثورات في مختلف أنحاء البلاد، وما كادت تخمد هذه الثورات حتى تجددت الحرب مع الاتراك ثم تلتها محاربة الحلفاء ، فالانسحاب من سوريا وكان اهل سوريا ومواردها الاقتصادية مقيدين في اثناء تلك الحوادث بمشيئة الحكومة، تتصرف بهم في التجنيد والتسخير والاحتكار وفرض الضرائب الثقيلة الوطأة حسبما اقتضته الحاجة، ومكنت القوة من تنفيذه. فاشتغل من اشتغل من رجال البلاد في الجندية أو الثورة أو السخرة، وفر الى البادية او البلاد المجاورة من استطاع الفرار سيبلا. فحرمت الاراضي الواسعة من ايديهم العاملة، كما أن ثقل وطأة الضرائب والاحتكار ثبطا عزائم من بقى من القارين على الانتاج. وفي اثناء الحروب والثورات دمرت قرى عديدة، وأهملت الزراعة ، فقل الانتاج وارتفعت أسعار لوازم المعيشة، ولاسيما انها كانت محتكرة، وقسم كبير منه مطلوب لاعالة الجيش المرابط من البلاد، وأصبح الأهلون في ضيق شديد.

 

وبعد أن كانت قد ظهرت بوادر النشاط في أسواق التجارة بسبب تأمين طريق المواصلات الداخلية وتسهيل المعاملات مع البلدان الخارجية، كسدت التجارة، ووقف دولاب الاعمال الصناعية أيضا، ولاسيما أن البضائع الأجنبية اخذت تزاحم المصنوعات الوطنية، وأقبل الناس على شرائها، لأنها كانت أرخص ثمنا من مصنوعات البلاد، وأجمل منها منظرا.

 

ورغما عما عرف عن محمد علي من الرغبة الشديدة في تنشيط الصناعة، لم تتمكن حكومته من تنفذ رغبته هذه في سوريا، نظرا لما سبقت الاشارة اليه من اضطراب الاحوال واشتغالها بالحروب واخماد الثورات.

 

التأثير الاداري والسياسي

 

من حسنات حكومة محمد علي ان مبادئها كانت نظامية، ومع أن النظام لم يطبق دائما تطبيقا عادلا، نظرا لما تخلل ادارة الحكومة من الاختلاط والفساد، فانه وضع الاساس لترقية الحكم بترقية القائمين به والشعب الخاضع له. ووزع السلطات الادارية والقضائية، وقرر اختصاص كل منها بقدر الاستطاعة، فأقام الحوائل دون الحكم المطلق الذي كان في ما مضى يحصر السلطة في الحاكم وحاشيته.

 

وجرى في تلك الاثناء تعيين عدد كبير من اهالي البلاد في المناصب المختلفة، فتمرنوا على طرق الحكم الجديدة. وألفت مجالس الثورة من أبناء المدن، فتعودوا على ادارة بعض شئونهم بنفوسهم، وربطت اجراءاتهم بنظام معلوم. فهذا التبديل في ادارة البلاد، ومد رواق المساواة فوق جميع أبناء الشعب الواحد المختلفي الأديان والمذاهب، كان بمثابة مقدمة لخلط كلخانة الذي أصدره السلطان عبد المجيد في تشرين ثاني (نوفمبر) سنة 1839، ولما عقبه من التنظيمات الاصلاحية التي حاول أسلافه ادخالها ولم يفلحوا.

 

وأكبر نجاح صادفته حكومة محمد علي في سوريا، هو اقرار الامن في نصابه. ففي عهد الحكومة العثمانية السابق دخول ابراهيم باشا الى سوريا كان حبل الامن مضطربا في كل مكان، وكان الاشقياء يعيثون فسادا حتى في البلاد الساحلية وعلى أبواب المدن، كذلك الاماكن الواقعة على الطرق السلطانية، كما بين بيروت والشام التي كان من الواجب اقامة مخافر فيها لتأمين المواصلات، كانت في ذلك العهد مكامن للصوص، وكان المسافرون يضطرون الى السير جماعات جماعات، وهم شاكو السلاح ليستطيعو الدفاع عن نفوسهم وأموالهم، وكان من منتهى الشجاعة ان يذهب الرجل وحده من بيروت الى الشام، ومن ذلك نشأت الأغنية المشهورة في جبل لبنان التي منها قولهم:

 

جوزك يا المليحة راح على الشام وحده

 

جوزك يالمليحة بوزيد الهلالي

 

اما حكومة محمد علي ، فانها شددت النكير على اصحاب الجرائم، وأنزلت بهم العقابات الصارمة، وكان القاتل يقتل بدون تردد ولا امهال، وجازت المجرمين بالضرب الموجع، وبزجهم في السجون المظلمة، وتكليفهم القيام بالاشغال الشاقة، وحافظت على طرق المواصلات محافظة دقيقة، وألقت على عواتق رؤساء القبائل وشيوخ القرى تبعة ما يقع في دوائر نفوذهم من الجنايات والسرقات التي لا يكشف مقترفوها، فكان أهل القرية أو الناحية يكلفون ايجاد أو دفع ثمن ما يسرق أو ينهب في أرضهم. فهذه الاجراءات، وان كان بعضها لا ينطبق على العدالة، فانها لم تكن مخالفة لروح ومقتضيات ذلك الزمان، كما أنها جادت بفوائد عامة تبرر اتخاذها، فاستتب الامن في جميع أنحاء البلاد وفي ما عدا زمن الثورات كادت حوادث القتل والسرقة والسلب تنقطع من البلاد.

 

أما جبل لبنان فلم تترك فيه حكومة محمد علي من حسن التاثير ما تركته في سواه من البلاد السورية، فقبل حلول تلك الحكومة من سوريا، كان الامن مستقرا في لبنان، لان الامير بشير كان منصرفا بكليته الى ذلك، وكانت هيبته في البلاد ملء الاسماع والابصار. غير ان الامير كان مستبدا وحكومة محمد علي لم تضعف استبداده، ولا ذهبت بسيئات الحكم الاقطاعي وضغطه على الشعب اللبناني، لان السلطة التي كانت لاصحاب المقاطعات الاصليين انتقلت الى ايدي ابناء الامير وحفدته واقاربه ومريديه، وهؤلاء كانوا يستمدون من الامير قوة ويفوقون الاقطاعيين الذين تقدموهم جورا على الاهلين.

 

والذي أدى بلبنان الى هذا الموقف الشاذ، هو ان الامير بشير خدم حكومة محمد علي في سوريا خدمات جليلة، وكان أقدر اللبنانيين على تنفيذ مآرب محمد علي وابراهيم باشا في لبنان، فنظر الى هذه الامور بعين المراعاة، ولم تتعرض حكومة محمد علي للامير بشير في ادارة البلاد الداخلية، ولا أنشأت مجالس مشورة في لبنان كما فعلت في مدن سوريا، فبقيت السلطة محصورة في شخص الامير بشير، فازداد تمكنا من رقاب اللبانيين، واغتنم الفرصة السانحة، فجمع ثروة طائلة من اموالهم. هذا فضلا عن ان حكومة محمد علي رتبت على اللبنانيين نحو ثلاثة اضعاف ما كانوا يدفعونه الى الحزينة العثمانية. ومن اشد مساوئ حكومة محمد علي في لبنان طعن الوطنية اللبنانية في صميمها بما زرعته من بذور التفريق بين المسيحين والدروز. 

 

للمسيحيين ما هو مباح للمسلمين من لباس وركوب خيل وحقوق اجتماعية ووطنية، وقلدت كثيرين من المسيحيين

الجبهة الإسلامية للإنقاذ هي حزب سياسي جزائري أُنشأ في مارس 1989 بعد التعديل الدستوري وإدخال التعددية الحزبية الذي فرضتهما الانتفاضة الشعبية في 1988

Front Islamique du Salut واختصارها الشائع حتى بالعربية: FIS

Dr Usama Shaalan(Papyrus) برديه الدكتوراسامه شعلان

الجبهة الإسلامية للإنقاذ هي حزب سياسي جزائري أُنشأ في مارس 1989 بعد التعديل الدستوري وإدخال التعددية الحزبية الذي فرضتهما الانتفاضة الشعبية في أكتوبر 1988. واعترفت الحكومة الجزائرية رسميا بالـ ج.إ.إ في مطلع شهر سبتمبر 1989 و يترأس الـ ج.إ.إ. منذ تاريخ تأسيسها الشيخ المدني عباسي، وينوب عنه الشيخ علي بلحاج.

تنتمي الـ ج.إ.إ. تاريخيا إلى الحركة الإسلامية الجزائرية والحركةالوطنية التي عملت على تحرير الجزائر من وطأة الاستعمار وإقامة دولة مستقلة عادلة على أسس الإسلام. وتسعى الـ ج.إ.إ. إلى إقامة نظام حكم مدني تعددي يرتكز على مبدأ الحاكمية لله والسلطة للشعب.

خاضت الـ ج.إ.إ. أول انتخابات محلية حرة عرفتها الجزائر في 12 يناير وفازت فيها بـ 853 بلدية من بين 1539 بلدية و 32 ولاية من بين 48ولاية. كما خاضت الـ ج.إ.إ. الانتخابات التّشريعية الحرة الوحيدة التي عرفتها الجزائر إلى يومنا هذا وكان ذلك في 26 ديسمبر 1991. و نتيجة لقانون الإانتخابات فازت الـ ج.إ.إ. فوزا ساحقا في هذه الانتخابات التي ألغيت بعد الانقلاب العسكري الذي صادر خيار الشعب في 11 يناير 1992.

اتخذت الحكومة قراراً بحل الـ ج.إ.إ. في مارس 1992، غير أنّ الـ ج.إ.إ. لا تعترف بهذا القرار وتعتبره تعسفي وتعتبر ان النظام الذي اتخذه نظام مستبدّ وغير شرعي.

إلغاء الانتخابات نتج عنه إشعال حرب أهلية منذ 1991 حتى الآن

التعريف
هذه الجبهة هي حركة إسلامية سلفية في جوهرها، تنادي بالعودة إلى الإسلام، باعتباره السبيل الوحيد للإصلاح والقادر على إنقاذ الجزائر مما تعانيه من أزمات اجتماعية، واقتصادية، واستعمار فكري وثقافي، والمؤهل للحفاظ على شخصية الشعب الجزائري المسلم بعد احتلال دام 132 سنة وترك انعكاسات حضارية عميقة لفّت البلاد كلها بظاهرة التغريب والفَرْنَسة.

التأسيس وأبرز الشخصيات
• قبل إعلان تأسيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر في عام 1989م كانت هناك أنشطة دعوية وأحداث وتجمعات إسلامية عُدَّتْ إرهاصات لقيام جبهة الإنقاذ:

ـ في نهاية السبعينات بدأ الظهور العلني لشباب الإسلام في الجامعات الجزائرية وغيرها وتقاسم العمل الإسلامي المنظم في مدة ما قبل 1988م ثلاث جماعات وهي: جماعة الإخوان الدوليين بقيادة الشيخ محفوظ نحناح وجماعة الإخوان المحليين بقيادة الشيخ عبد الله جاب الله، وجماعة الطلبة أو جماعة مسجد الجامعة المركزي أو أتباع مالك بن نبي بقيادة الدكتور محمد بوجلخة ثم الشيخ محمد السعيد.

ـ في 12 نوفمبر 1982م اجتمع مجموعة من العلماء منهم: الشيخ أحمد سحنون والشيخ عبد اللطيف سلطاني والدكتور عباسي مدني ووجهوا نداءً من 14 بنداً يطالب بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية ويشجب تعيين نساء وعناصر مشبوهة في القضاء، ويدعو إلى اعتماد توجه إسلامي للاقتصاد، ويرفض الاختلاط في المؤسسات، ويدين الفساد، ويطالب بإطلاق سراح المعتقلين ويندد بوجود عملاء أعداء للدين في أجهزة الدولة.

• الشيخ أحمد سحنون، أحد تلاميذ الإمام عبد الحميد بن باديس، وقد شارك في حرب التحرير ضد الاستعمار الفرنسي، ودعا بعد الاستقلال إلى تحكيم الإسلام؛ لأن الجزائر دولة إسلامية، وتولى تخريج مجموعات من الدعاة والعلماء. وبعد توقيعه على البيان الآنف الذكر. اعتقل ووضع رهن الإقامة الجبرية حتى عام 1984م.

• ثم تم تأسيس (رابطة الدعوة) 1989م برئاسة الشيخ أحمد سحنون وذلك لأنه أكبر الأعضاء سناً حيث كان عمره 83 عاماً وكانت الرابطة مظلة للتيارات الإسلامية كلها، ومن بين أعضاء رابطة الدعوة: محفوظ نحناح، وعباسي مدني، وعبد الله جاب الله، وعلي بلحاج، ومحمد السعيد.

ومن أبرز أهداف رابطة الدعوة ما يلي: ـ إصلاح العقيدة. ـ الدعوة إلى الأخلاق الإسلامية. ـ تحسين الاقتصاد المنهار في الجزائر. ـ النضال على مستوى الفكر.

• دارت حوارات عديدة في (رابطة الدعوة) كان من نتيجتها بروز تيارات متعددة أهمها:

ـ دعوة الشيخ الشاب علي بلحاج إلى تشكيل (الجبهة الإسلامية الموحدة) إلا أن الدكتور الشيخ عباسي مدني اقترح لها اسماً آخر هو (الجبهة الإسلامية للإنقاذ)، معللاً هذه التسمية: بأن الجبهة تعني المجابهة، والاتساع لآراء متعددة، وهذه الجبهة (إسلامية) لأنه هو السبيل الوحيد للإصلاح والتغيير (وإنقاذ) مأخوذ من الآية (وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها) [سورة آل عمران، الآية: 103).

ـ بينما رفض الشيخ محمد السعيد تشكيل الجبهة ابتداء ثم التحق بها بعد الانتخابات البلدية.

ـ ورفض محفوظ نحناح أيضاً فكرة الجبهة (الحزب) في البداية.. ثم أسس حركة المجتمع الإسلامي كما أسس عبد الله جاب الله حركة النهضة الإسلامية.

• وتم الإعلان الرسمي عن الجبهة الإسلامية للإنقاذ في مطلع عام 1989م، وذلك بمبادرة من عدد من الدعاة المستقلين من بينهم الدكتور عباسي مدني الذي أصبح رئيسًا للجبهة ونائبه الشيخ علي بلحاج.

• الدكتور عباسي مدني: ولد سنة 1931م في سيدي عقبة جنوب شرقي الجزائر، ودرس في المدارس الفرنسية في صغره إبان الاستعمار الفرنسي، ثم في مدارس جمعية العلماء، وتخرج من كلية التربية، ثم انخرط في جهاد (*) المستعمر الفرنسي، واعتقل وقضى في السجن سبعة أعوام، وبعد الاستقلال وخروجه من السجن أرسلته الحكومة إلى لندن 1975 ـ 1978م ليحصل على الدكتوراه في التربية المقارنة. ثم عاد إلى الجزائر ليقوم بالتدريس في الجامعة، وقد شارك العلماء في النداء الذي وجهوه إلى الحكومة في 1982م، مطالبين بالإصلاح وتطبيق الشريعة الإسلامية (*).. وشارك في الأحداث في العام نفسه فاعتقل وسجن.. وقد شكل مع بعض العلماء رابطة الدعوة، ثم الجبهة (*) الإسلامية للإنقاذ، بعد مظاهرات الخبز عام 1988م ـ كما أطلق عليها. وأخيراً اعتقل مرة أخرى هو وكثير من العلماء. ثم أطلق سراحه أخيرًا .

• الشيخ علي بلحاج: ولد في تونس عام 1956م، ثم استشهد والداه في الثورة ضد الاستعمار الفرنسي. درس العربية ودرَّسها، وشارك في الدعوة الإسلامية منذ السبعينات وسجن خمس سنوات 1983م/ 1987م بتهمة الاشتراك وتأييد حركة مصطفى بويعلي الجهادية. تأثر بعلماء من الجزائر ومنهم عبد اللطيف سلطاني وأحمد سحنون وكذلك درس كتابات الشيخ حسن البنا وسيد قطب وعبد القادر عودة وغيرهم.

ـ انتمى إلى التيار السلفي (*)، ولذلك لم يتحمس للثورة الإيرانية، وانتقد كتابات الخميني، واعتبر تشيع بعض الجزائريين خطراً على الدعوة الإسلامية يجب التصدي له. انتخب نائباً للرئيس في الجبهة الإسلامية للإنقاذ واعتقل بعد المظاهرات التي قامت في الجزائر سنة 1988م. ثم أطلق سراحه ثم اعتقل مرة أخرى بعد الإضراب العام الذي دعت إليه الجبهة (*).

• خاضت الجبهة الانتخابات البلدية في عام 1990م، وحققت فوزراً كبيراً في 856 بلدية، وبعد هذا الفوز بدأ الحزب الحاكم في الجزائر وهو ـ جبهة التحرير ـ يشعر بخطر الجبهة على وجوده في الحكم. وبدأت حكومة الجزائر تضع العراقيل في طريق تقدم الجبهة وأصدرت نظاماً جديداً للانتخابات.

• على إثر ذلك قامت مظاهرات كبيرة تطالب بالإصلاح، انتهت بمصادمات دامية بعد أن قابلتها بإطلاق النار، واعتقل على إثرها عباسي مدني ونائبه بلحاج بتهمة التآمر على أمن الدولة.

• وعلى الرغم من اعتقال زعماء الجبهة، خاضت الجبهة الانتخابات التشريعية لاختيار مجلس الشعب في الجزائر في 26/12/1991م، وحصلت على 188 مقعداً من أصل 228 في المرحلة الأولى، بينما لم يحصل الحزب الحاكم إلا على 16 مقعداً فقط.

ـ عد فوز الجبهة في الانتخابات التشريعية خطراً يهدد الغرب كله (انظر الصحف الفرنسية والإنجليزية في 1990م).

ـ بدأت المؤامرات تحاك في الخفاء ضد الجبهة من قبل القوى الصليبية، وبدأت وسائل الإعلام حملة تشويه مركزة على جبهة الإنقاذ.. والمستقبل الأسود الذي ينتظر الجزائر إن حكم رجال الجبهة.

ـ وكان أهم أهداف القوى المعادية للإسلام عدم إتمام المرحلة الثانية من الانتخابات.

• اعتقل الشيخ عبد القادر حشاني الرئيس المؤقت للجبهة في 18 رجب 1412هـ (22/1/1992م) بتهمة تحريض الجيش على التمرد.

ـ ثم بدأت اعتقالات عامة في الجبهة حيث تم اعتقال الآلاف، وهنا دخلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في محنة وصراع مع القوى المعادية للإسلام في الجزائر وخارجه.

• ومن رجال الجبهة أيضاً الذين برزوا خلال الأحداث:

ـ رابح كبير رئيس اللجنة السياسية بالمكتب التنفيذي المؤقت لجبهة الإنقاذ.

ـ الشيخ محمد السعيد وقد برز كخليفة لعباسي مدني وقد اعتقل أيضاً.

ـ الشيخ زبدة بن عزوز عضو مجلس الشورى.

ـ الشيخ يخلف شراطي وهو من خريجي جامعة أم القرى ، قتل رحمه الله في سجن سركاجي.

الأفكار والمعتقدات
• تعتقد جبهة الإنقاذ أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، ويشمل جميع مجالات الحياة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها… وتلتقي الجبهة مع حركة الإخوان المسلمين في بعض مبادئها. • تؤكد الجبهة أن إطار حركتها ودعوتها هو الكتاب والسنة، في مجال العقيدة والتشريع والحكم. لذا فإن نموذج فكرها هو التيار السلفي في التاريخ الإسلامي. • قدمت الجبهة مذكرة إلى رئيس الجزائر في 7 آذار مارس 1989م تتضمن مبادئها وبرنامجها السياسي والاجتماعي، وتحوي المذكرة ما يلي:

ـ ضرورة التزام رئيس الدولة بتطبيق الشريعة الإسلامية طالما أنه يحكم شعباً مسلماً.

ـ استقلال القضاء بغرض الحسبة.

ـ إصلاح النظام التعليمي.

ـ حماية كرامة المرأة الجزائرية وحقوقها في البيت ومراكز العمل.

ـ تحديد مجالات للإصلاح، ووضع جدول زمني لذلك.

ـ حل الجمعية الوطنية، والدعوة إلى انتخابات في غضون ثلاثة أشهر.

ـ تشكيل هيئة مستقلة لضمان نزاهة الانتخابات المحلية.

ـ إعادة الاعتبار لهيئة الرقابة المالية.

ـ إعادة النظر في سياسة الأمن.

ـ إلغاء الاحتكار (*) الرسمي لوسائل الإعلام.

ـ وقف عنف الدولة ضد المطالب الشعبية.

ـ وضع حد لتضخم البطالة (*) وهجرة الكفاءات وانتشار المخدرات.

ـ حماية المهاجرين الجزائريين وضمان التعليم الإسلامي لهم وتسهيل شروط عودتهم.

ـ التدخل لدى الصين والهند والاتحاد السوفيتي (سابقاً) وبلغاريا لوضع حد لاضطهاد المسلمين.

ـ وضع خطة لدعم الانتفاضة الفلسطينية ونجدة المجاهدين الأفغان.

• وتتضح أفكار الجبهة ومبادئها في النداء الذي وجهه بعض العلماء كالدكتور عباسي مدني قائد الجبهة (*)، وهو ما أطلق عليه (نداء 12 نوفمبر 1989م)، وكذلك من بيانات الجبهة الموجهة للحكومة وللشعب الجزائري، ويمكن إيجازها فيما يلي:

ـ ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في جميع المجالات الاجتماعية والسياسية والتربوية وغيرها.

ـ توفير الحرية للشعب ورفع الظلم والاستبداد.

ـ اعتماد الاقتصاد الإسلامي ومنع التعامل بالحرام.

ـ إعمال الشريعة في شأن الأسرة ورفض الأسلوب الفرنسي الداعي إلى التحلل.

ـ المطالبة بالاستقلال الثقافي، والتنديد بتزوير مفهوم الثقافة.

ـ إدانة إفراغ التربية والثقافة من المضمون الإسلامي.

ـ شجب استخدام الإعلام من قبل الدولة في مواجهة الصحوة الإسلامية.

ـ معاقبة المعتدين على العقيدة وفق أحكام الشريعة الإسلامية.

ـ النهوض بالشعب إلى النموذج الإسلامي القرآني السني.

ـ الإشعاع على العقول بأنور الهداية وإنعاش الضمائر بالغذاء الروحي الذي يزخر به القرآن والسنة، وشحذ الإرادة بالطاقة الإيمانية الفعّالة.

ـ العمل بالدين القويم لإنقاذ مكاسب الشعب التاريخية وثرواته البشرية والطبيعية دون إضاعة للوقت. ـ العمل على وحدة الصف الإسلامي، والمحافظة على وحدة الأمة.

ـ تقديم بديل كامل شامل لجميع المعضلات الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية، والاجتماعية في نطاق الإسلام.

ـ الإنقاذ الشامل.

ـ تشجيع روح المبادرة وتوظيف الذكاء والعبقرية وجميع الإرادات الخيرة في البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والحضاري.

• وقفت الجبهة في وجه مصالح الغرب عامة وفرنسا خاصة وهذه المصالح تتمثل في:

ـ إبعاد الإسلام عن السياسة تماماً.

ـ فتح الأسواق للبضائع الأوروبية والأمريكية.

ـ جر المجتمع الجزائري المسلم للتغريب والإبقاء على الثقافة الفرنسية بكل أشكالها.

• من هنا كان فوز الجبهة في المجالس التشريعية خطراً حقيقيًّا من وجهة نظر الغرب على هذه المصالح، وصرح سيد أحمد غزالي عندما وصلته نتائج الاقتراع “إن الشعب صوّت ضد الديمقراطية ” فكان من نتيجة ذلك إلغاء الانتخابات لأنهم يريدون ديمقراطية بدون إسلام، وكذلك تدخل الجيش وفرض الارتداد عن نهج تسليم السلطة سلميًّا للطرف الفائز في الانتخابات وتشكيل جهاز جديد للحكم وتشكيل سلطة مدعومة عسكريًّا، وبدأ اعتقال عناصر الجبهة القيادية والشبابية وإيداعهم في سجون نائية في قلب الصحراء حتى يتوقف المد الإسلامي. وأصدرت المحكمة الإدارية قراراً بحل الجبهة وسحب البساط من تحت أقدامها حتى يمكن اتخاذ كافة الإجراءات لمصادرة نشاطها، ولكن قادة الجبهة يعلنون أن الدولة الإسلامية في الجزائر قائمة لا محالة بهم أو بغيرهم اليوم أو غداً ، وقد استقال الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد بعد الفوز الساحق للجبهة، وتولى الحكم الرئيس محمد بوضياف الذي اغتيل ولا زالت الأحداث تتوالى سراعاً ؛ حتى تولى الحكم أخيرًا عبدالعزيز بوتفليقة الذي هدأت الأمور في عهده .

الجذور الفكرية والعقائدية
تعد آراء جمعية العلماء في الجزائر منذ ابن باديس وحتى الإبراهيمي الجذور الفكرية لجبهة الإنقاذ من حيث الرجوع إلى الكتاب والسنة ونهج السلف الصالح، وكذلك كتابات حسن البنا وسيد قطب وغيرهما من القواعد الفكرية للنهضة الإسلامية التي تعتمدها الجبهة

جمعيه الاتحاد والترقى شعارها اسلام واصلاح الى الماسونيه وتسليم فلسطين لليهود القصه الحقيقيه لنمازج جماعات اليوم ظاهرها الحماس والاخوه وباطنها العماله

Dr Usama Shaalan(Papyrus) برديه الدكتوراسامه شعلان

– كانت أوربا تترقب، وكان يهود العالم ينتظرون بفارغ الصبر وفاة دولة ( الرجل المريض ) لتقسيم ميراثها وتوزيع ارثها، وللاستيلاء على فلسطين وإقامة دولة يهودية على أراضيها مركزها القدس.

– في هذا الوقت الحرج من عمر الدولة العثمانية أطلق السلطان عبد الحميد الثانى رحمه الله صيحته : يا مسلمي العالم اتحدوا، واستصرخ بلاد العالم الإسلامي للالتفاف حول دولة الخلافة وإنقاذها وحمايتها من السقوط والانهيار.

– وفى الوقت الذي كان يجمع السلطان حوله الغيورين من أبناء الأمة المشفقين على دينهم وأوطانهم، كان اليهود يجمعون حولهم أعضاء حركات التمرد ودعاة الانفصال عن الدولة وأصحاب النفوس المريضة ممن كانوا على استعداد لبيع أوطانهم لمن يدفع أكثر.

– والاتحاد والترقي نموذج لحركات التمرد والخيانة والعمالة المنتشرة في أوطاننا اليوم، والتي تتعامل مع نفس العدو وتعمل لصالح نفس القوى ؛ والأساليب واحدة والطرق متشابهة، والهدف واحد وان اختلفت الأفكار والعقائد.

– يقول الدكتور محمد حرب في نشأة هذه الجمعية:

– ” الاتحاد والترقي هو أول حزب سياسي في الدولة العثمانية.. كان ظهوره عام 1890م وكان سريا مكونا من خلايا طلبة الحربية والطبية العسكرية، وكان تأسيسه يهدف إلى معارضة حكم عبد الحميد والتخلص منه، في عام 1897م تم اكتشاف هذا الجهاز فنفى عديد من أعضائه وفر بعضهم إلى باريس، وأرسل السلطان عبد الحميد مدير الأمن لاستمالة أعضاء المعارضة من الاتحاديين، فنجح في استمالة أكثرهم، ومنحهم عبد الحميد مناصب كبيرة في الدولة إلا أن المعارضين وعلى رأسهم أحمد رضا بك ظلوا على معارضتهم ” ( مذكرات السلطان عبد الحميد – المقدمة ).

– أما أفكارهم فتقليد ببغاوي للفكرة القومية الأوربية، فقد عملوا على سلخ تركيا من إسلامها وعزلها عن محيطها الإسلامي، واستبدال الرابطة الإسلامية بوشائج العرق والدم التركي تحت عنوان ( ينى توران ) أو الطورانية الجديدة.

– وكانوا يعتبرون الإسلام هو المصيبة التي حلت بالترك فجعلتهم أمة متخلفة لا عمران فيها، تنتمي إلى الشرقيين الرجعيين.

– وكانوا يعتقدون أن نهضة تركيا وتقدمها مرهون بتغريبها ؛ أي جعلها غربية خالصة، ومرهون أيضا بتحريرها من كل ما يمت إلى الإسلام والعروبة بصلة من لغة وتراث وثقافة وتقاليد.

– يقول الأستاذ أنور الجندي في كتابه عن السلطان عبد الحميد :

– ” المحافل الماسونية في سالونيك وتركيا الفتاة التي سميت بعد ذلك (الاتحاد والترقي) والتي ضمت مجموعة من المثقفين ثقافة غربية ومن أصحاب الولاء الفكري الغربي وخاصة الفرنسي، ومن الذين أغروا عن طريق المستشرقين وكتاب الغرب بأنه لا سبيل أمام الدولة العثمانية لكي تصل إلى التحرر والقوة إلا بالتماس مناهج الغرب التماسا كاملا، وطرح فكرها وأسلوبها ومنهجها الإسلامي القديم والتخلص منه إلى غير رجعة “.

– ولذلك كانت من أهم مطالبهم وغاياتهم ومخططاتهم إعلاء العنصرية التركية وكتابة اللغة التركية بالأحرف اللاتينية، وتنفيذ نظام سياسي واجتماعي غربي لا ديني منفصل عن الإسلام وشريعته وقيمه وأخلاقه.

– وعن انتماءاتهم الفكرية والعقائدية يقول محمود ثابت الشاذلي:

– ” الانقلابيون ماسون تزكيهم الجمعيات والمعابد الإسرائيلية، منهم اليهودي الأصل أو الدونمة أو مجهولو النسب أو مغفلون مغرورون، والاجتماعات تعقد في بيوت اليهود المنتمين إلى الجنسية الايطالية في حماية المحاكم القنصلية الأجنبية، متمتعين بما يسمى بحصانة الأجانب، أو تعقد في الأوكار التلمودية المسماة بالمحافل الماسونية، أو في حانة القبو الداخلي لمقهى جنوجنو في سالونيك ” (المسألة الشرقية صفحة 124)

– ويقول المؤرخ التركي الدكتور رضا نور في مذكراته : ” كنت خائفا من الاتحاديين لسرقاتهم واغتصاباتهم من ناحية، ولإفساحهم المجال لليهود من ناحية أخرى، وكان الآمر الناهي في الاتحاديين ثلاثة أشخاص : جاويد (من يهود الدونمة) وطلعت (ماسونى) وقراصو (يهودي دونمة ) ” (مذكرات رضا نور الحلقة الرابعة).

– ويقول الشاذلي في كتابه (المسألة الشرقية) معرفا بأعضاء الاتحاد والترقي البارزين:

– “وأما التنظيم الذي أفرز الانقلاب أي ( جمعية الاتحاد والترقي ) فكان يهوديا مسخرا من الدائرة الإسرائيلية العالمية مرتبطا بالقوى الصليبية والدول الاستعمارية.

– وزعماء الحركة وقادة التنظيم أمثال أنور وجمال ونيازى الألباني المتوحش وطلعت الدب الكبير الذي كان موظفا صغيرا في مصلحة البريد، وجافيد وقرة صو اليهوديين، وناظم السلانيكى، وأحمد رضا من الدونمة، والدكتور إسحاق سكوتي، والانجليزي الجاسوس ليون فهمي والدكتور بهاء الدين شاكر والدكتور إبراهيم تيمو والدكتور عبد الله جودت من الدخلاء مجهولي النسب، فكانوا من المنتسبين إلى المحافل الماسونية الفرنسية والايطالية والانجليزية والألمانية “.

– ويقول برنارد لويس – وهو كاتب يهودي مشهور – في كتابه (مولد تركيا الحديثة) : ” لقد كانت المحافل الماسونية أكثر من كونها غطاء ثانويا أو عرضيا لاجتماعات الضباط الشبان ؛ ذلك أنه في نوفمبر 1911م حدث أن جافيد الذي عبر في مناسبات عديدة عن اهتماماته وعلاقته بالصهيونية قد ربط للمرة الأولى المحافل الماسونية بالأهداف اليهودية”.

– وينقل الدكتور محمد حرب في تقديمه لمذكرات السلطان عبد الحميد شهادة كاتب يهودي آخر وهو أورام غالانتى من كتابه ( الأتراك واليهود ) يقول :

– ” إن الجماعات اليهودية خارج نطاق نفوذ عبد الحميد أيدت جمعية الاتحاد والترقي، وكان هذا التأييد مفيدا أثناء ما كانت الجمعية تعد العدة للانقضاض على عبد الحميد “.

– ويقول الشيخ رشيد رضا رحمه الله : ” لقد كان السلطان عبد الحميد عدوا للجمعية الماسونية لاعتقاده أنها جمعية سرية وأن غرضها هو إزالة السلطة الدينية من حكومات الأرض، وقد تنفس الزمان للماسون بعد الانقلاب الذي كان لهم فيه أصابع معروفة، فأسسوا شرقا محفلا عثمانيا أستاذه الأعظم طلعت بك ناظر الداخلية، وأركانه جمعية الاتحاد والترقي وأنصارها من اليهود وغيرهم، ولأجل هذا نرى طلعت بك لا يبالى بسخط الأمة ولا برضاها في إدارته التي استغاثت منها المملكة بولاياتها الستة كلها، ما عدا ولاية سلانيك، وسلانيك هي مقر السلطة الحقيقية في المملكة ” ( المنار م 14 صفحة 80 ).

– إذن تربى أعضاء الاتحاد والترقي على تلك الأفكار في أوكار الماسونية والصهيونية وفى قنصليات الدول الاستعمارية.

– كانوا والسلطان عبد الحميد على طرفي نقيض ؛ فهم مخدوعون بالغرب منبهرون بحضارته الزائفة، والسلطان يقول : ” يجب ألا ندع الغرب يبهرنا فان الخلاص ليس في المدنية الأوربية وحدها ”

– كانوا يعملون على خلع تركيا من قلب أمتها الإسلامية، والسلطان يقول : ” أن تركيا هي نافذة الإسلام التي سيشع منها النور الجديد ”

– وجدت دعوة السلطان لاجتماع كلمة المسلمين أصداء واسعة، ووصل تأثيرها إلى روسيا وشمال أفريقيا والهند والصين، ولكن الانقلابيين كانوا في ذروة نشاطهم، وبذل اليهود والأوربيون كل ما يطلبه العملاء والخونة ويحتاجونه في سبيل إتمام المهمة القذرة.

– تحركت الدمى بنشاط منقطع النظير على مسرح الأحداث تردد وتطلق الشعارات الخادعة، وهى ذاتها الشعارات التي تطلقها حركات التمرد من الانفصاليين الخونة والعملاء اليوم ؛ فقد طالبوا بالتتريك واللامركزية والحكم الذاتي والدستور والحرية والمساواة والعدالة.

– يقول الجنرال التركي ( جواد رفعت أتلخان ) :

– ” منذ مدة تزيد على سبعين سنة والكوارث تتوالى على بلادنا لإزالة الخلافة العثمانية واحتلال فلسطين وإقامة دولة يهودية مركزها القدس، وقد دبرت الأيدي الخبيثة تقديم ملايين من الجنيهات الذهبية إلى السلطان عبد الحميد الثانى مقابل سماحه لاستيطان اليهود في فلسطين إلا أنه رفض بشدة، وأدى الرفض إلى إثارة دعاية يهودية عالمية ضد الطبقة الحاكمة في الدولة العثمانية متخذة من الافتراءات والأكاذيب سلاحا لها، وكانت هذه الأكاذيب والافتراءات من القوة بحيث لا يمكن للإنسان أن يقف أمام تيارها الجارف، وكانت تتضمن أمثال هذه الكلمات :

– (لا حرية في الدولة العثمانية) (الاستبداد يخيم عليها) (السلطان يفتك بالعناصر المثقفة ويرميهم من نوافذ القصر إلى البحر) ” (أسرار الماسونية – الجنرال جواد رفعت آتلخان ).

– والآن السؤال هو: هل حقق الانقلابيون العملاء لوطنهم الرخاء والتقدم بعد أن انسلخوا عن الإسلام وانعزلوا عن العرب ؟

– لقد نجحوا بمساعدة الصهاينة والقوى الاستعمارية الكبرى في تقويض الخلافة الإسلامية، ولكن هل وضعوا بلادهم حقا في مصاف الدول المتقدمة، وهل حرروها فعلا من التخلف والرجعية؟

– هذا السؤال يجيبنا عليه السلطان عبد الحميد بنفسه في مذكراته حيث يقول متهكما ساخرا من انجازات هؤلاء (المجاهدين) :

– ” لقد سلمت الحكومة في 1908م – 1326هجرية الى هؤلاء ( المجاهدين ) وفى السنة التالية سلمت السلطنة الى صاحب الشوكة والجلالة أخي.. كانت حدودنا العثمانية فى عهدي ممتدة من أشقودرة إلى خليج البصرة، ومن البحر الأسود إلى صحارى إفريقيا، وإذا عقدنا مقارنة بين (تقويم) المانق دو غوطة الصادر عام 1908م والعدد الصادر هذا العام، فسيتضح لخلفائي أنني لم أخلف حريقا وإنما تركت منطقة هائلة تضم أكثر من ثلاثين مليون نسمة، كما تركت جيشا.

– مضى على هذا ( منذ تدخلهم في الحكم ) عشر سنوات كاملة، فهل استطاعوا عمل ثلث ما عملته أثناء مدة سلطنتي؟ دعنا من الثلث فالثلث كثير، فلنقل : العشر، فهل استطاعوه ؟ ” ( مذكرات السلطان عبد الحميد صفحة 68).

– بالطبع لن يستطيعوا ولن يقدروا على انجاز شئ لصالح أوطانهم ؛ لأنهم لا يعملون في الأساس لحساب الوطن إنما لحساب أعدائه.

– يقول السلطان في المذكرات : “عندما توليت الحكم كانت ديوننا العمومية تقرب من ثلاثمائة مليون ليرة، وفقت إلى تخفيضها إلى ثلاثين مليون ليرة أي العشر، وذلك بعد دفع ما تطلبته حربان كبيرتان وسحق بعض تمردات داخلية.

– أما ناظم بك ورفاقه، فقد رفعوا هذا الرقم (بعد تولى الاتحاد والترقي الحكم بعدى) من ثلاثين مليون ليرة حيث كان حينما تركت الحكم إلى أربعمائة مليون ليرة يعنى إلى ثلاثة عشر أمثاله.

– يعنى أن خلفائي – ولا أقصد هنا أخي السلطان رشاد لأنه لا يملك من أمر السلطنة شئ – ولذلك أقول أن خلفائي أعضاء جمعية الاتحاد والترقي أظهروا فعالية ونجاحا عظيمين في زيادة ديوننا ” (مذكرات السلطان عبد الحميد صفحة 68).

– وفوق الديون المتراكمة والاقتصاد المنهار، والى جانب حركة التغريب التي شملت كل النواحي السياسية والاجتماعية، فقد كان من (انجازات) الانقلابيين من الاتحاد والترقي أن استسلموا لبريطانيا استسلاما كاملا، وسلموا طرابلس الغرب لايطاليا، وفتحوا الطريق أمام اليهود الى فلسطين

كانت سياسات الحكومة الاتحادية بعد خلع عبد الحميد قد مهدت لأمرين هامين : أولهما : تحقيق المشروع الصهيوني في فلسطين و ثانيهماً : تفكيك الدولة العثمانية والعمل على إضعافها وتمثلت هذه السياسات والقرارات بما يلي :

1.بدؤوا تغيرات إدراية في فلسطين بعد الانقلاب الأول مباشرة فقبل عام 1908 م / 1326 هـ كان مجلس مدينة القدس الإداري (البلدي) يتكون من تسعة أشخاص، ستة من المسلمين وأثنان من المسيحيين ويهودي واحد، غير أن هذا المجلس البلدي للقدس تغيرت تركيبته في نفس العام 1908 م / 1326 هـ حيث ارتفعت نسبة تمثيل اليهود في المجلس إلى عضوين.
2.تأسست مباشرة بعد الانقلاب عام 1908 م / 1326 هـ في فلسطين (شركة التطوير الانجلو-فلسطينية) وهي مؤسسة يهودية في يافا ،و دخلت مباشرة في مفاوضات مع أطراف شبه رسمية بغرض الحصول على أراضي في رفح على الجانب المصري، من أجل إقامة مستعمرة زراعية يهودية هناك .
3.بعد الانقلاب وفي نفس العام عين فيكتور جيكبسون وهو صهيوني روسي المولد وكان يعمل مديراَ لفرع الشركة الانجلو – فلسطينية ببيروت ،عين ممثلاً للمنظمة الصهيونية باستانبول، حيث أصبح مقره (وكالة صهيونية)في العاصمة العثمانية ويصف أحمد النعيمي دور هذه الوكالة بأنه أصبح مراقبة النظام السياسي الجديد وموقفه من الصهيونية ،إلى جانب مراقبة النواب العرب ونشاطهم في البرلمان العثماني ،والمساهمة في كل الأنشطة الإعلامية التي تخدم الصهيونية إضافة إلى التنسيق مع كبير الحاخامات والبرلمانيين اليهود الأربعة أو الخمسة في العاصمة لصالح المشروع الصهيوني.
4.سمح قائمقام طبرية العثماني لليهود بتكوين حرس خاص بهم (أي جيش صهيوني جديد) بدعوى إن الخطر الذي بات يهدد اليهود لم يقتصر على غزوات البدو للمستعمرات – كما كان في الماضي- ولكن كما ذكر فرانك – امتد مع زيادة الهجرة فأصبح هذا الخطر موجوداً في كل أنحاء فلسـطين، وقد لاحظت جريدة (نهضة العرب) ذلك واتهمت الاتحاديين بالتفاهم مع اليهود.
5.في عام 1909م /1327 هـ بدأ اليهود بدعم من روتشيلد أحد أكبر البيوتات اليهودية التي تسيطر على اقتصاديات العالم وتوجه السياسات العالمية، بتشييد أول مدينة يهودية كبيرة في فلسطين هي مدينة (تل أبيب), إلى جانب الميناء الغربي لمدينة يافا وقد وصفتها المؤرخة الإنجليزية المنصفة كارين آرمسترونج بأنها ((أصبحت “واجهة عرض” يهوديتهم الجديدة)).
6.قامت حكومة الاتحاد والترقي بتعطيل عدد من الصحف العربية المعارضة للهجرة اليهودية إلى فلسطين في عام 1909 م /1327 هـ ،وهي صحيفة الكرمل بحيفا التي قدم رئيس تحريرها إلى المحاكمة بتهمة سب اليهود، وصحيفة المقتبس بدمشق وصحيفة فلسطين قي يافا .
7.أصدر اليهود طوابع بريدية تحمل اسم هرتزل ونوردو، وزاد نفوذهم بفلسطين، دون اتخاذ اجراءات لإبطال خطواتهم .
8.بعد الانقلاب الذي أعاد الاتحاد والترقي للحكم عام 1913 م / 1331هـ نشط الصهاينة مرة أخرى بعد أن خاطب الحاخام اليهودي باستانبول والذي انتخب حاخاماً أكبر لتركيا بعد الانقلاب في عام 1908 م، خاطب وزير العدل والثقافة، طالباً إلغاء جواز السفر الأحمر الذي يعطى لليهود غير الأتراك عند دخولهم فلسطين، وإزالة القيود ضد حيازة اليهود لمساحات شاسعة من الأرض خارج المـدن والقرى الفلسطينية، بدعوى أن هذه الإجراءات ((تجرح وبعمق الحس الوطني والديني اليهودي)). وقد استجاب الوزير وألغيت كذلك مهلة ثلاثة الأشهر التي كانت تحدد مدة بقاء اليهود الزوار لفلسطين، بحجة أن ولاة القدس وبيروت العثمانيين قرروا أن هذه الإجراءات لم تحقق الغرض منها .

جلاد دنشواى شقيق الزعيم سعد زغلول

أحمد فتحي زغلول
أحمد فتحي زغلول (رمضان 1279 هـ = فبراير 1863م – 29 ربيع أول 1332هـ= 27 مارس 1914م) قاضي مصري حكم بالإعدام على الفلاحين في قضية دنشواي أمام أهاليهم. وهو الشقيق الأصغر للزعيم سعد زغلول. وكان أحمد فتحي من رجال القانون والقضاء، ورواد الترجمة في مصر، بجانب اهتماماته السياسية والتعليمية والصحفية.

ولد “فتح الله زغلول” في ربيع الأول 1279هـ = فبراير 1863م بقرية إبيانة التابعة لمديرية الغربية. وكان أصغر أنجال الشيخ ابراهيم زغلول من أعيان ابيانة. ومات أبوه إذ كان رضيعاً وكان شقيقه سعد زغلول فطيماً، خلفهما أبوهما في حضانة والدتهما التي هي أحد عقائل عائلة بركات الشهيرة بالغربية، وكانت وقت وفاة زوجها لا يتجاوز عمرها العشرين، فقامت على وليديها وأوقفت نفسها على تربيتهما تحت إشراف أخيهما الكبير لأبيهما الشناوي افندي زغلول الذي عني بتعليمهما على أحسن ما تعلم به أبناء الأعيان. تعلم “فتح الله” الصغير في كـُتـّاب البلد ثم في مدرسة رشيد ثم في المدرسة التجهيزية ثم في مدرسة الألسن. وفي الألسن، اتفق أن زارها أحمد خيري باشا ناظر المعارف العمومية فأعجب بذكاء الشاب “فتح الله” وأعطاه سم “أحمد” ونحت من “فتح الله” “فتحي” وأصدر أمراً رسمياً بتسميته “أحمد فتحي” وبأن يـُرد إليه ما دفعه من المصاريف المدرسية، وأن يتعلم على نفقة الدولة.

شارك في الثورة العرابية وكان من خطباء هذه الثورة، وعندما فشلت واحتل الإنجليز مصر رفت من المدرسة بقرار من وزير المعارف، فقام بتغيير اسمه والتحق بمدرسة الألسن عام (1301هـ = 1883م)، وسافر في تلك السنة لدراسة القانون في اوربا، وعاد في سنة (1305هـ = 1887م) حيث عين في القضاء وتدرج في مناصبه حتى أصبح رئيسا لمحكمة مصر.

ربطت أحمد فتحي زغلول علاقة قوية باللورد كرومر -المعتمد السامي البريطاني في مصر- وشارك كقاض في محكمة دنشواي سنة (1324هـ = 1906م) التي قضت بإعدام عدد من الفلاحين أمام أهليهم؛ وهو ما هز الوجدان الشعبي المصري، وكان هو الذي صاغ حيثيات الحكم، وكان لهذه الحادثة المؤلمة أثرها القاتم على تاريخه وسيرته وأعماله، وإذا ذكر اسمه اقترن بما ارتكبه في دنشواي.

لم تكن تربطه علاقة جيدة بأخيه سعد، ترجع إلى عوامل الغيرة والتنافس، وكان يرى أن أخاه سبب في الحيلولة دون ترقيه إلى الوزارة، وكان يعتقد أنه يتمتع بمواهب وقدرات تفوق سعدا، وقد أورد سعد في مذكراته جانبا من شخصية أخيه.

ساهم مع أحمد لطفي السيد في إنشاء جريدة الجريدة، وكان عضوا مؤسسا في “الجمعية الخيرية الإسلامية”، وساهم في وضع نظم المعاهد الدينية الأزهرية.

توفي في (29 ربيع أول 1332هـ= 27 مارس 1914م) عن 51 عاما.

أعماله
كان أحمد فتحي زغلول من رواد حركة الترجمة في مصر، وكان يرى أن حركة الترجمة تسبق حركة التأليف في نهضة الأمة المصرية، وكان يتقن اللغتين الإنجليزية والفرنسية بجانب امتلاكه ناصية اللغة العربية.

ومن أعماله الكبرى في الترجمة:

“سر تقدم الإنجليز السكسون” لإدمون ديمولان،
“سر تطور الأمم “لجوستاف لوبون،
“روح الاجتماع” لجوستاف لوبون،
“أصول الشرائع” لجيرمي بتنام،
إضافة إلى تأليفه لبعض الكتب مثل “المحاماة” و”شرح القانون المدني” و”الآثار الفتحية”.

الملك فيصل استغل تحريض الملك سعود على اغتيال عبد الناصر بطائره سوريه والانقلاب على الملك سعود بواسطه الامراء السعودين الناصرين الشبان

Dr Usama Shaalan(Papyrus) برديه الدكتوراسامه شعلان

الملك فيصل بن عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، (1906 / 1324 هـ-25 مارس 1975 / 1395 هـ) ملك المملكة العربية السعودية للفترة 1384 هـ الموافق 2 نوفمبر 1964 وحتى 1395 هـ الموافق 25 مارس 1975. وهو الإبن الثالث من أبناء الملك عبد العزيز آل سعود الذكور، وأمه هي طرفه بنت عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ من ذرية الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وقد ولد في مدينة الرياض.
النشأة
تربى الملك فيصل في بيت جدية لأمه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ وهيا بنت عبد الرحمن ال مقبل وتلقى على يديهما العلم وذلك بعد وفاة والدته رحمها الله. وقدأدخله والده الملك عبد العزيز في السياسة في سن مبكر، وأخذ يرسله إلى زيارات لبريطانيا وفرنسا في نهاية الحرب العالمية الأولى وكان بعمر 13 سنة، وقاد وفد المملكة إلى مؤتمر لندن بعام 1939 بخصوص القضية الفلسطينية المعروفة بمؤتمر المائدة المستديرة. كرئيس وفد المملكة مثله في توقيع أ. إن . تشارتر أيضا في سان فرانسيسكو في عام 1945.

وعلى المستوى المحلي قاد القوات السعودية لتهدئه وضع متوتر في عسير في عام 1922. كما شارك في الحرب السعودية اليمنية في عام 1934. واستلم عدد من الوظائف الكبيرة أثناء عهد والده الملك عبد العزيز، فقد عين نائباً للملك في الحجاز في عام 1926، ورئيس مجلس الشورى في عام 1927. وكان في عام 1925 قد توجه جيش بقيادته لمنطقة الحجاز وتحقق النصر للجيش وتمت السيطرة على الحجاز، وبعد عام تولى مقاليد الإمارة في الحجاز. ومع تطور الدولة تم تقليده منصب وزير الخارجية وذلك في عام 1932 بالإضافة إلى كونه رئيساً لمجلس الشورى، وقد ظل وزيراً للخارجية حتى وفاته بعام 1975 عدى فترة قصيرة.

وبعد قرار هيئة الأمم المتحدة القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين، طلب من أبوه قطع العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة ولكن طلبه هذا لم يجاب. وكان قد زار القدس لأول مرة في حياتة بعد حيازة الأردن لها بعد حرب 1948 وذلك في عام 1385هـ الموافق 1965م من القرن العشرين وأكد على نيته في زيارة القدس للمرة الثانية بعد تحريرها من الصهيونية والصلاة في المسجد الأقصى. وكان قد هدد الغرب بإغلاق جميع آبار النفط إذا لم تعد القدس للمسلمين.

وعمل في عام 1973 على تعزيز التسلح السعودي، كما قام على تصدر الحملة الداعية إلى قطع النفط العربي عن الولايات المتحدة والدول الداعمة لإسرائيل في نفس العام. وقامت مجلة التايم الأمريكية بتسميته «رجل العام» لسنة 1973.

وكان هو صاحب المقولة المشهورة التي صرّع بها كيسينجر وزير خارجية أميركا حيث قال:”هل ترى هذه الأشجار.. لقد عاش آبائي وأجدادي مئات السنين على ثمارها. ونحن مستعدون أن نعود للخيام ونعيش مثلهم، ونستغني عن البترول، إذا استمر الأقوياء وأنتم في طليعتهم في مساعدة عدونا علينا”. [بحاجة لمصدر]

الصراع على السلطة بين سعود وفيصل
المرحلة الأولى : فيصل يستولي على السلطة مارس 1958 – ديسمبر 1960
إثر انبثاق الجمهورية العربية المتحدة اتهم الملك سعود علنا بالتآمر لاغتيال الرئيس عبد الناصر . فقد ذكر عبد الحميد السراج المدير السابق للمباحث السورية أنه قد عرض عليه مبلغ مليوني جنيه استرليني مقابل إرسال طائرة مقاتلة سورية لإسقاط طائرة كان على متنها عبدالناصر . ونشرت الصحف صورا لثلاثة صكوك محولة من الرياض إلى بنك في بيروت وقيمتها مليونا جنيه استرليني تقريبا.

في معرض الحديث عن احتمال لجوء الملك إلى مثل هذه الأساليب في السياسة الخارجية ذكر باحثون أمريكان في كتابهم : (العربية السعودية: السكان والمجتمع والثقافة) إن (الاغتيال والكذب والخيانة أمور معتادة في السياسة الخارجية للعرية السعودية. فالرشوة والقتل سلاح يكاد يكون معترفا به … تعقد معاهدة ثم يضرب بها عرض الحائط دون إلغائها شكليا. وتشجع كل الأطراف المتنازعة الانتفاضات الداخلية لدى جيرانها لتغيير سياستهم الخارجية).

بلغت شعبية الرئيس عبد الناصر مدى كبيرا بحيث أن نبأ الموامرة السعودية الهادفة إلى اغتياله أدى إلى تأزم الوضع داخل العربية السعودية ذاتها ، مما أثار قلقا بالغا لدى آل سعود وكبار علماء الدين . واتفق أنه في هذا الوقت بالذات كان البلد يعاني من أزمة مالية فادحة بسبب إفراط الملك وحاشيته في تبذير الأموال وانخفاض عوائد النفط . وقبل فترة قصيرة من ذلك جرت اضطرابات عمالية في المنطقة الشرقية كما بدت إمارات التذمر بين أوساط الموظفين والمثقفين وبعض الضباط.

يمكن تكوين انطباع عن ميول مطالب المستائين من خلال رسالة ناصر السعيد إلى الملك سعود التي نشرت عام 1958 . وكان كاتب الرسالة من الزعماء العماليين في المنطقة الشرقية وصار بعدئذ قائدا لاتحاد شعب الجزيرة . وفي عام1953 اعتقل مع مجموعة من الزعماء العماليين الآخرين ، وأطلق سراحه بعد الإضراب ثم نفى إلى الحائل . وعند زيارة سعود إلى جبل شمر عام 1953 طالبه السعيد علينا بسن الدستور وإجراء الانتخابات نيابية وإلغاء مجلس الشرى ومنح حرية التنظيم النقابي . ورضوخا لمطالب العمال أعيد السعيد إلى عمله في أرامكو ، ولكنه اضطر إلى الهرب من السعودية عام 1956 لكيلا يتعرض للتصفية الجسدية . علاوة على المطالب المذكورة آنفا ، أورد السعيد في رسالته عددا من مطالب العمال الاقتصادية ودعا إلى منح حريات ديمقراطية واسعة ، بينها حرية التظاهر والإضراب والصحافة والمعتقد ، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإلغاء العقوبات الهمجية مثل قطع اليد ، والاعتراف بحرية الشيعة ومساواتهم مع الآخرين ، وإزالة القاعدة الأمريكية في الظهران وحظر الرق وتحديد نفوذ آل الشيخ وإلغاء جماعة الأمر بالمعروف ووقف نشاط الهيئات الخاصة الأمريكية والمراكز الدعائية لأرامكو.

دفعا لما هو أعظم أخذ جزء كبير من آل سعود وكبار العلماء يميلون إلى ضرورة إجراء انقلاب في القصر يتسلم إثره ولي العهد فيصل السلطة الفعلية.

تحصن سعود في قصر الناصرية بالرياض محاطا بالحرس الوطني والحراس الشخصيين ، وكان فيصل في البداية يتفاوض مع شيوخ البدو.

طالب فيصل بمنحه السلطة كاملة كرئيس للحكومة وبعدم تدخل الملك في شئون الحكومة . ولما لم يحصل على رد استقال.

يقول بروشين أن العائلة المالكة الكثيرة العدد كانت دائما غير متجانسة : إذ يتفاوت أفرادها تفاوتا كبيرا من حيث المركز الاجتماعي والأموال التي يحصلون عليها من خزانة الدولة . غير أن الحزازات داخل العائلة لم تتحول إلى عداء سافر إبان حياة ابن سعود . فقد كان الأمراء يخافون ابن سعود لأن بوسعه حرمانهم من المخصصات كما فعل مرارا مع المتمردين . وبعد وفاة ابن سعود انفرطت العائلة المالكة وصارت كتلا متباينة يسعى كل منها إلى نيل حصة الأسد من عوائد الامتيازات وتبوء مناصب حكومية عامة.

جمع ولي العهد فيصل، وهو سياسي محنك وذكي، من حوله أنصاره المستائين من تزايد نفوذ أبناء سعود في البلاط ز ودأب على تكوين انطباع بأن الملك غير مؤهل لمهمته. وحاول فيصل الذي تربطه علاقات قديمة ووثيقة بالأمريكان التظاهر بأنه من أنصار الإصلاحات والتقارب مع الرئيس عبدالناصر، وبدا بعد خفية لانقلاب في القصر.

وفي 24 آذار (مارس) 1958 قامت مجموعة من الأمراء على رأسها فهد بن عبدالعزيز بتقديم إنذار إلى الملك يطالب فيه بتسليم السلطة إلى فيصل. كما طالب الأمراء بحماية بيت المال من النهب وتنحية مستشاري الملك الضالعين في محاولة اغتيال عبدالناصر، ومنح أشقاء الملك حقوقا مماثلة لحقوق أبنائه.

حاول سعود الاستنجاد بالأمريكان ولكنه لم يلق منهم العون، كما أنه لم يجد ركيزة في الجيش لأن غالبية آل سعود كانوا ضد الملك فاضطر في مثل هذه الظروف إلى قبول إنذار الأمراء.

وصدر في 23 آذار (مارس) 1958 مرسوم ملكي يمنح رئيس الوراء المسئولية التامة للاشراف على تنفيذ جميع السلطات الإدارية فيما يتعلق بالشئون الداخلية والخارجية والشئون المالية. كما أصبح فيصل القائد العام للقوات المسلحة السعودية.

إن التنكر السياسي الذي قام به ولي العهد بادعائه أنه قومي ومع أنصار الاصلاحات كان متقنا إلى حد بحيث أن رد الفعل الأول لوسائل الإعلام الغربية على أحداث السعودية كان سلبيا. فقد كتبت (نيويورك هيرلد تريبون) في 25 آذار 1958 تقول (إن هذه الخطوة تمثل ضربة موجعة بمواقع الغرب في الشرق الأوسط). ومن المحتمل أن هذا التقييم كان تضليلا معتمدا. فبعد بعض الوقت صرح وزير الخارجية الأمريكي دالاس بأ، تسلم حكومة فيصل مقاليد السلطة يدل على أن الاحداث تسير في مجرى طبيعي وأنه لن يحدث تغيرات في العلاقات السعودية الامريكية.

لقد انطلت مراوغات فيصل ليس على وسائل الإعلام الغربية وحدها ، اذ أن ممثلي المعارضة الديمقراطية الثورية علقوا عليه بعض الامال . فقد اصدرت جبهة الاصلاح الوطني في العربية السعودية نداء في دمشق وجهته إلى فيصل وضمنته مقترحات مماثلة لتلك التي وردت في رسالة ناصر السعيد إلى الملك سعود . هكذا كانت أوهام مممثلي الفئات الوسطى السعودية من المثقفين وصغار الموظفين والضباط وإيمانهم الساذج بإمكان قيام آل سعود بإصلاحات.

في إبريل قررت قيادة جبهة الإصلاح الوطني أن تؤسس ، اعتماد على تنظيمها ، منظمة جديدة باسم جبهة التحرير الوطني في السعودية. وسرعان مارفضت هذه المنظمة المعارضة تأييد فيصل ونددت بأعماله.

في 18 إبريل ألقى فيصل خطابا من الإذاعة كرسه للسياسة الخارجية. و أعرب عن الرغبة في اقامة علاقات الصداقة مع كل دولة لا تعادي الحكومة السعودية وتؤمن بالحياد الايجابي ولا تنتمي لأي كتلة عسكرية ويبدو أن المقصود هو حلف بغداد.

ادخل المرسوم الملكي الصادر في 11 مايو 1958 بعض التغييرات الجزئية على نظام مجلس الوزراء الصادر في عام 1954 ، وفصل بين صلاحيات النمجلس وصلاحيات الملك. فقد منح رئيس ملجس الورزاء السلطة الادارية ولكنالسلطة السياسية ظلت للملك. وطرح المرسوم مهمة تنظيم المالية ومكافحة الرشوة والفساد. وخظر على أعضاء مجلس الوزراء تولي أي وظيفة جديدة داخل الحكومة أو خارجها دون استحصال موافقة رئيس الوزراء . كما حظر عليهم تملك أموال الدولة بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، وان يكونوا أعضاء في مجالس ادارة الشركات التجارية.

انضمت العربية السعودية إلى صندوق النقد الدولي عام 1957. وبناء على توصية خبراء الصندوق أقر فيصل في يونيو 1958 برنامجا للإستقرار المالي. ونص البرنامج على خفض نفقات الدولة الى مستوى وارداتها واجراء اصلاح للنظام النقدي وقصر الاستيراد على المواد الغذائية والمنسوجات والأدوية. كما تقرر وقف أعمال البناء في عدد من القصور الملكية ومنع استيراد السيارات لمدة سنة. وقلصت الحكومة الى حد كبير الانفاق على التنمية الاقتصادية والتعليم والصحة. وفي عام 1959 توقفت الدولة عن تحصيص أموال لتنمية الصناعة والزراعة.

خفضت قيمة الريال السعودي ، فأصبح الدولا الواحد يعادل 4.5 ريال مقابل 3.75 في الماضي. واعتمدت الحكومة النقود الورقية المغطاة بالذهب والعملة الأجنبية القابلة للتحويل ، لتعوض بها عن وصولات الحجاج والنقود الذهبية التي سحبت تدريجيا من التداول. وقسم الريال الجديد إلى عشرين فلسا عوضا عن 22 فلس.

عند حلول عام 1960 كان احتياطي الذهب والعملة الصعبة قد ازداد إلى عدة أضعاف. وبفضل تحسن ميزان الدفوعات تمكنت الحكومة أن تلغي في مطلع عام 1960 أهم التقيدات المفروضة على الاستيراد وتحويل العخملة وتصدير الرساميل إلى الخارج.غير أن سياسة التقشف ادت إلى فتورالنشاط التجاري وتعطيل الأعمال العامة وازدياد حالة البطالة. وتكبدت البرجوازية الغصيرة والمتوسطة والمقاولون خسائر. ودفع السكان ثمن الإنعاش الإقتصادي.

لم يلق الملك سعود سلاحه ، بتنازله عن السلطة الفعلية لوي العهد. فقد احتفظ الملك بعلاقات طيبة مع الارستقراطية العشائرية جزء من علماء الدين. وظل يؤكد على وفائه للتقاليد ويوزع العطايا بسخاء. وزار سعود مصر صيف عام 1959 محاولا أن يدفع عن نفسه شبهات العداء لعبد الناصر.

امضى سعود عام 1960 بأكمله متنقلا في أرجاء البلاد ، وكان أحيانا يتغيب عن العاصمة عدة أسابيع ، ويقيم الولائم لشيوخ البدو ويجزل لهم العطاء. وطبقا لعادات الحكام الكرماء العادلين كان سعود يدفع ديون الفقراء فينقذهم من الحبس ،ويعطي المرضى مالا للتداوي ، وكان الملك يلتقي مع علماء الدين باستمرار ويشارك في غسل الكعبة عشية موسم الحج. وقام سعود ، بين حين وآخر ، بالتبرع بأموال لتعمير وبناء مساجد داخل السعودية خارجها ، ويوزع بإسمه أموالا إنشاء أسالة المياة في البلدات وشق الطرق وما الى ذلك.

وظل الملك وأبناؤه يسيطرون على مبالغ طائلة من المال . فإن إبن الملك أو أخاه ، إذا لم يكن يتبوأ منصبا رسميا ، يحصل من بيت المال على عشرة ملايين ريال سنويا ان كان متزوجا ، ومليونين ان كان أعزب. أما سائر الأمراء فقد كان مخصصاتهم تتحدد طبقا لدرجة قرابتهم من الملك.

كان الأمر الحاسم في الصراع بين سعود وفيصل ، ظهور مجموعة من الأمراء السعوديين الشباب المثابرين المتأثرين بالأفكار الناصرية والداعين الى الإصلاحات. وأقام سعود صلات بهم ووعد ، بيصيغ حذرة ، بمؤازرتهم. وتحاشى الملك التعهد بإلتزامات محددة ، لأنه لم يكن من أنصار الإصلاح ولخشيته من نفور علماء الدين. وقد ألمح الأمير نواف بن عبد العزيز في تصريح له بالقاهرة في مايو 1960 إلى وجود ميل لإقامة أول جمعية دستورية واعداد أول دستور للدولة وتأسيس محكمة عليا ولجن عليا للتخطيط. وكان هذا تعبير عن رأي مجموعة الأمراء الشباب الذين كان أبرزهم طلال بن عبد العزيز. كان طلال واحدا من الأخوة الصغار لسعود ، وثمة درزينة كاملة من الأمراء الأخرين تبعده عن الأمل في أن يأتي دوره ليكون ملكا. لذا فقد شرع انطلاقا من طموحاته الشخصية – وهذا ما أثبتته الأحداث فيما بعد – يبشر بفكرة الحكم الدستوري أملا في الإقتراب من السلطة عن طريق الإصلاحات. وفي يونيو 1960 اقترح ظلال اقامة نظام ملكي دستوري فرفض فيصل الاقتراح وابعد عنه طلال وجماعته.

في أغسطس ومطلع سبتمبر عرض الأمراء الشباب مشروع الدستور على الملك ، فرفضه بإعتباره متطرفا ولكنه حاول الاحتفاظ بصلاته مع المجموعة.

وفي مايو 1960 اعتزم فيصل التوجه إلى أوروبا للعلاج وعين الأمير فهد بن عبد العزيز وكيلا له ، ولكن سعود رفض المصادقة على هذا التعيين. أيد عدد من الأمراء فيصل بينما وقف عدد آخر ، وبينهم طلال ونواف ، إلى جانب الملك ولم يجرؤ فيصل على مغادرة البلاد.

وفي نوفمبر من العام نفسه أخذ سعود يطالب فيصل باحاطته علما بجلسات الحكومة ، وعدم تعيين أمراء للمناطق والمدن والبلدات وقضاة الا بموافقته ، وبأن يمتنع معن نشر الميزانية دون مصادقته عليها ، كما طالب بزيادة نفقات البلاط وان تدفع لأولاده الصغار مخصصاتهم كاملة.

في 18 ديسمبر قدم فيصل للملك مسودة مرسوم ملكي حول الميزانينة ، فرفض الملك توقيعه بحجة أنه لا يحتوي على تفاصيل. وفي مساء اليوم نفسه رفع فيصل رسالة احتجاج الى الملك اعتبرها سعود طلب استقالة.

المرحلة الثانية: سعود يعود الى السلطة 1960 – 1962

الأمير فيصل (حوالي 1941)في 21 ديسمبر وافق سعود على استقالة فيصل ، وبالتالي حكومته ، وتولى مهمات رئيس الحكومة وعين وزراء جدد. وضمت الحكومة الأميرين طلال بن عبد العزيز ومحمد ابن سعود اللذين اسندت اليهما على التوالي وزارتا المالية والدفاع. وكان محمد يعتبر واحدا من أبناء سعود الذين تعقد عليهم آمال كبار ووليا محتملا للعهد. وعين أحد أنصار طلال وهو عبد المحسن وزيرا للداخلية بينما عين بدر وزيرا للمواصلات. واسندت وزارة النفط والمعادن الى الوجه القومي المعروف الشيخ عبد الله الطريقي. ولأول مرة في تاريخ البلد استلم أشخاص لا ينتسبون الى العائلة المالكة غالبية الحقائب – وان لم تكن سياسية- في الوزارة.

ان عودة الملك سعود في دسيمبر 1960 كانت تعني الانبعاث المؤقت للميول المناوئة للغرب التي كانت سائدة في فترة 1954 – 1956. وقد اقترنت شكوك سعود ازاء الأمريكان بالنزعة القومية “للأمراء الأحرار”. وفي مارس 1960 أعملت السعودية الولايات المتحدة الأمريكية بأنها لن تجدد إتفاقية القاعدة الجوية في الظهران التي كان سينتهي مفعولها بعد سنة. وأعلن الملك سعود أن السبب الرئيسي لذلك هو مساعدة الولايات المتحدة إسرائيل. وفي ابريل 1962 سلمت الولايات المتحدة قاعدة الظهران للحكومة السعودية. وبذا صار لدى هذه الحكومة واحد من أكبر المطارات في العالم. هذا علما بأن العسكريين الأمريكان عادوا إلى القاعدة بعد ستة أشهر تقريبا اثر أحداث اليمن.

في 25 ديسمبر 1960 أعلنت اذاعة مكة ان مجلس الوزراء وافق على تشكيل مجلس وطني منتخب جزئيا ، وقرر وضع مسودة للدستور . ولكن الاذاعة عادت بعد ثلاثة أيام لتنفي الخبر. وكان من الواضح أن الملك سعود لا يعتزم التنازل لحلفائه المؤقتين من الأمراء الشباب. ولكن تلمحيات الى الاصلاحات اخذت تظهر في الصحف السعودية.

نشرت الجريدة اللبنانية نص مسودة الدستور المؤلفة من مائتي مادة والتي وضعها حقوقيون مصريون بتكليف من طلال وزملائه من مجموعة الأمراء الشباب. ويبدو أن هذه المسودة سربت إلى الخارج عن قصد. ولكن مدير الإذاعة والصحافة السعودي نفى الخبر الزاعم بأن الملك هو الذي عرض مسودة الدستور.

تكونت داخل الأسرة السعودية الحاكمة ثلاث مراكز متصارعة على السلطة. فقد كان الملك سعود يستند إلى مجموعة من الأمراء وبعض شيوخ القبائل ، بينما يحظى فيصل بمساندة مجموعة أخرى من الأمراء والكثير من علماءالدين وتجار الحجاز المتنفذين ، أما المركز الثالث فقد تزعمه طلال المتمتع بتأييد فئة المثقفين الناشئة من خريجي الجامعات الأجنبية وعدد من الموظفين.

ظل الصراع داخل الأسرة المالكة السمة الرئيسية للحياة السياسية في البلد طيلة عام 1961. وكان الانتقال من معسكر إلى آخر أمرا طبيعيا. فان عبد الله بن عبد الرحمن وعددا اخر من اخوان الملك وأعمامه سرعان ما انتقلوا الى جانب فيصل. ومن مجموعة الأمراء الأحرار انضم طلال وبدر وعبد المحسن الى مجلس الوزراء وعين فواز حاكما للرياض. واستقال نواف من منصب وزير الداخلية وظل محايدا ، وسرعان ما عين رئيسا للديوان الملكي.

أسس الملك لجنة عليا للتخطيط وأصبح طلال أول رئيس لها. وكان من الواضح أن طلال يرمي الى تعزيز سلطته مما نفر منه أبناء سعود وأقربائه المقربين.

تزايدت البطالة في البلد عام 1961. وحاول طلال تنفيذ أشغال عامة لزيادة العمالة ، ولكن الإعتمادات لم تكن كافية، وكانت تنهب الأموال المعتمدة.

في الثامن من يونيو اسست وزارة العمل والشئون الاجتماعية وحاولت أن تخظر العمل الأضافي وتحد من تشغيل الوافدين.

في 25 يوليو صدر مرسوم ملكي بتأسيس المجلس الأعلى للدفاع برئاسة الملك ويتألف من وزير الدفاع والطيران نائبا للرئيس ، والمفتش العام للجيش ورئيس الأركان ووزراء الداخلية ، والمالية والاقتصاد ، والمواصلات ،والخارجية. وحدد المرسوم الملكي مهمة المجلس بوضع سياسة دفاعية طويلة الأمد للجيش السعودي.

نظرا لتنامي المعارضة صدر ايعاز خاص لحماية النظام الملكي نص على أن تكون عقوبة الجرائم المرتكبة ضد الأسرة المالكة والدولة الإعدام أو السجن المؤبد. وصارت عقوبة الإعدان تهدد كل من يحاول تغيير النظام الملكي أو يتطاول على أمن الدولة أو يسعى لشق القوات المسلحة.

ركزت مجموعة فيصل هجومها على طلال متحاشية المساس بالملك. وأخذ الذين يناصرون فيصل سرا أو علانية يوجون للملك بأن التجديدات سوق تؤدي به إلى الهلاك وخذروه من الوزراء الجدد. وفي الوقت ذاته عمل أنصار فيصل على عرقلة اجراءات الأمراء الأحرار. وكان المحافظون من آل سعود وكبار الموظفين يحتالفون في نشاطاتهم مع الأوساط الدينية التي خشيت من ان تؤدي الاصلاحات الى الانتقاص من دور علماء الدين في البلد.

بدأ الهجوم رجال الدين وعلى رأسهم مفتي الديار السعودية محمد بن ابراهيم آل الشيخ ورئيس جماعة الأمر بالمعروف الشيخ عمر بن حسن. فقد وجه المفتي رسالة الى الملك يذكره فيها بحقه في الاطلاع على كل القوانين الحكومية وايعازاتها قبل تطبيقها للبت فيما اذا كانت مطابقة لأحكام الشرع. وقال المفتي أنه لا يوافق على قانون العمل لمخالفته روح الإسلام. وذكر مثلا أن العامل الذي يصاب بعاهة أثناء العمل يجب أن يحصل فقط على تعويض اليوم الذي أصيب أثناءه ،لأن الإصابة قضاء وقدر. وخلافا لرأي طلال وزير المالية وافق سعود على رأي المفتي لتهدئية علماء الدين. وسرعان ما طالبت جماعة الأمر بالمعروف بغلق ستوديوهات التصوير في الرياض ، واقترح الملك على الحكومة الخضوع لهذا المطلب.وكان تنفيذ هذا الايعاز يعني الانهيار التام لهيبة الحكومة ، لذا اقدمت على حل وسط بأن أمرت برفع اليافطات عن الإستديوهات وازالة وجهاتها الزجاجية.

جوبهت محاولات طلال لتنظيم المالية بمقاومة سعود ورجال حاشيته الذين لم يعودوا الى السلطة لتقييد جشعهم. ويقول طلال في مذكراته أن الملك شارك في المضاربة بالأراضي مما أضر بمالية الدولة ،وكانت له حصة من المقاولات الحكومية ، وحصل على مبالغ طائلة بايصالات مزيفة مستخدما موظفي وزارة المالية. ورفض سعود اقتراح طلال بتأميم شركة الكهرباء الأهلية في الرياض للحصور على واردات اضافية. واستغلت جماعة فيصل هذه المحاولة لتأليب الأوساط التجارية ضد طلال وسائر الأمراء الأحرار وبثت اشاعات تزعم ان ظلال يعتزم تأميم المؤسسات الصناعية والشركات التجارية.

حاول الملك التوصل الى حل وسط مع فيصل والتضيح بطلال. وأصدر في 11 سبتمبر مرسموما اقال فيه طلال وبدر وعبد المحسن من الوزارة. وفي 16 من الشهر نفسه عين الأمير نواف بن عبد العزيز ، الذي كان يعتبر محايدا ، وزيرا للمالية والاقتصاد الوطني ، وأسندت المناصب الأخرى الى أبناء سعود.

تدخل عامل اخر في الصراع بين الأخوان ،وهو صحة الملك ، فقد ساءت الى حد بحيث نقل سعود فاقدا الوعي في 16 نوفمبر الى المستشفى الأمريكي بقاعدة الظهران ، ثم اضطر للسفر الى الولايات المتحدة للعلاج. وقد يكون للأمريكان ضلع في ترحيله ، لأن لهم مصلحة في ابعاد الملك الذي لا يرتضونه عن البلد. وقبيل مغادرة البلد ، ونزولا عند الحاح كبار افراد العائلة الملكة عين سعود للقضاء على خصومه.

في مارس 1962 اضطر الملك بسبب تدهور صحته الى تعيين فيصل رسميا رئيسا للحكومة. وطالب فيصل باقصاء الطريقي من مجلس الوزراء. فوافق سعود ، تهللت أرامكو لهذه الخطوة اذا انها كانت تعتبر وزير النفط ، كما يقول طلال ، عدوها الأول. وكانت أرامكو، في التقارير المرفوعة الى الحكومة السعودية تندد بنشاط الطريقي وتتهمه بالشيوعية. وهكذا عاد فيصل ليستلم السلطة الفعلية بعد خمسة عشر شهرا من أبعاده عن رئاسة الحكومة. وهكذا احتدم الصراع من جديد.

أمضى سعود بقية السنة في الولايات المتحدة حيث اجريت له سلسلة من عمليات الجراحة. واصل طلال الحديث عن الاصلاحات ، فقد دعا الى اجراء تغييرات في نطاث الشرع على اساس الاجتهاد ، الأمر الذي كان يعني عمليا ادخال احكام قانونية جديدة على الشرع لضبط الظواهر الاجتماعية الجديدة. ولو فتح باب الاجتهاد لتمكنت فئات اجتماعية جديدة من تقديم مطالبها والاستناد الى القيام وتفسير الشرع بما يتفق ومصالحها.

لم يجد طلال وجماعته دعما داخل البلاد فهاجروا. وفي 15 أغسطس 1962 عقد طلال مؤتمرا صحفيا ببيروت . وانتقد في تصريحاته المنشورة بصحيفة الأنوار النظام السعودي رغم انه لم يذكر الملك بالإسم. وقال الأمير أن هدف مجموعته يتمقل في اقامة ديموقراطية دستورية في الاطار الملكي. وقد أيده أربعة أمراء هم عبد المحس بن عبد العزيز وبدر بن عبد العزيز وفواز بن عبد العزيز وسعد بن فهد.

وخشية من اثارة غضب الرياض حاولت الحكومة اللبنانية التخلص من الأمراء المتمردين فغادروا الى القاهرة ، حيث استقبل طلال من قبل الرئيس عبد الناصر. وادت ثورة اليمن الى زيادة نشاط المجموعة وقتيا.

في اواخر الخمسينات واوائر الستينات دار الصراع على السلطة بين أفراد الأسرة المالكية فقط ، ولكنه كان عرضة لتأثير مختلف النزعات السياسية. فقد كان برنامج مجموعة طلال يجسد الأفكار الاصلاحية الليبرالية القومية ، ويبين مآله مدى ضآلة ما وجدته هذه الأفكار من تربة خصبة في المجتمع السعودي.

ورغم أن الأسرة المالكة كانت تتنازعها التناقضيات ، الا أنه لم يكن لديها خصوم أقوياء . فجيل الشبان المتعلمين المنحدرين من القئات الوسطى ، كان يمثل مجموعة ضئيلة جدا في الاحساء وجدة ، واقتصر نشاطها ، حسب المعلومات المتوفرة ، على توزيع منشورات ونشر رسائل مفتوحة في الصحافة بالخارج.

كما كام محدودا تأثير جبهة التحرير الوطني وهي منظمة ديموقراطية ثورية معارضة. وانحصرت مطالب الجبهة في الغاء نظام الاستباداد الملكي واقامة نظام برلماني ، ووضع سياسة اقتصادية وطنية ، واعادة النظر في كل الاتفاقيات النفطية ، والدعوة الى الحياد الايجابي ، ورفض تأجير قاعدة الظهران.

أما التأثير الأكبر فقد كان للمحافظين سواء من الأمراء أو علماء الدين أو شيوخ القبائل. ولهذا السبب بالذات لم يشارك سعود شخصيا في مؤتمر بلدان عدم الإنحياز في بلجراد لأن يوغسلافيا بلد شيوعي ملحد.

وفي 28 سبتمبر 1961 انفصلت سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة. واعترفت الحكومة السعودية فورا بالحكومة السورية الجديدة. وفي اواخر 1961 استعرت مجددا الحرب الاعلامية بين اذاعتي القاهرة ومكة بعد ان كانت قد خمدت. وانتقدت القاهرة استبداد النظام الاقطاعي في السعودية وتفشى الفساد فيه ، بينما اتهمت مكة الرئيس عبد الناصر بالتدخل في شئون الدول العربية الأخرى ، وزعمت أنه يخون القضية الفلسطينية وتساهل ازاء إسرائيل. وتأزمت العلاقات الى حد جعل الحكومة السعودية ترفض قبول كسوة الكعبة من مسلمي مصر عام 1962. وفي الوقت ذاته جرى تقابل بين النظام السعودي والأردن.

ففي 30 أغسطس 1962 اجتمع سعود وحسين في الطائف ووقعا اتفاقية حول تنسيق السياسة الخارجية وتطوير العلاقات الاقتصادية والعسكرية والثقافية ، واتفقا على رسم الحدود. وعرفت هذه الاتفاقةي بميثاق الطائف ، ولم يخف على احد أنها كانت موجهة إلى مصر.

الاقتصاد في عهده
كرس انتباهه الأقصى للشركات الصناعية والزراعية والمالية والاقتصادية. تتضمن المشاريع الزراعية الري وشبكة الصرف توجه ومشروع الرمال في الإحساء في منطقة المملكة الشرقية. بالإضافة إلى مشروع سد أبها في الجنوب، ومشروع أفوريستيشن، ومشروع موارد الحيوان وبنك التأمين الزراعي وفي فترة عهده زادت المساحة الزراعية بشكل ملحوظ والبحث عن مصادر الماء كان مشجعاً كما إنه كجزء من بحث الدولة عن المعادن أنشأت الشركة العامة للبترول والمعادن.

كما لا ينسى التاريخ له إنه استطاع إنتشال المملكة اقتصادياً وإدارياً بعد إعلان إفلاس الخزينة الحكومية. وهو من وضع الخطط الخمسية للبلاد ووضع نظام المناطق الإدارية، وهو من جلب الشركات الإستشارية الخارجية لدعم مؤسسات الدولة الخدمية، وهو أيضاً من رفع اسم المملكة عالميا وجعل لها نفوذاً وهيبة وأحترام على المستوى العربي والإسلامي والعالمي.

سياسته

King Faisal, U.S. President Richard Nixon and his wife Pat Nixon (27 May 1971)كانت سياسته تقوم على أساس عدد من الثوابت وهي حماية واستقلال وهوية البلد، والاحتفاظ بميثاق جامعة الدول العربية وبنشاط الدفاع عن التضامن الإسلامي. وطالب بمؤسسة تشمل العالم المسلم وزار عدة بلاد مسلمة لشرح الفكرة وقد نجح في إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي التي تضم الآن أكثر من 50 دولة إسلامية. كما أنه إستطاع من قطع علاقات أكثر من 42 دولة مع إسرائيل. [بحاجة لمصدر]

اغتياله
في يوم الثلاثاء 25 مارس 1975، حيث قام فيصل بن مساعد بن عبد العزيز آل سعود بإطلاق النار عليه وهو يستقبل عبد المطلب الكاظمي وزير البترول الكويتي في مكتبة بالديوان الملكي وأرداه قتيلاً، وقد كانت إحدى الرصاصات إخترقت الوريد فكانت السبب الرئيس لوفاته. خلفه من بعده في حكم المملكة ولي العهد الأمير خالد بن عبد العزيز آل سعود.

القاتل هو حفيد محمد بن طلال الرشيد، آخر حكام آل الرشيد، الذي قـُتل في الرياض عام 1954 بعد سنوات من استسلام آل الرشيد، واعطاء محمد بن طلال الأمان ليعيش في الرياض؛ وقد تزوجت ابنته وطفى من مساعد بن عبد العزيز لينجبا فيصل بن مساعد الذي يبدو أنه انتقم لجده من ابن عمه الملك.

هناك نظريات أخرى حول الدافع وراء حادثة الاغتيال فهناك من يزعم بأن ذلك تم بتحريض الولايات المتحدة وبريطانيا بسبب سياسة مقاطعة تصدير البترول التي انتهجها في بداية السبعينات. تم دفنه في مقبرة العود في الرياض.

أسرته
إخوته الأشقاء
الأميرة نورة بنت عبد العزيز آل سعود الأولى
الزوجات
الأميرة سلطانة بنت أحمد بن محمد السديري والدة الأمير عبد الله
الأميرة عفت بنت محمد بن سعود الثنيان آل سعود والدة الأمراء محمد وسعود وعبد الرحمن وبندر وتركي وسارة ولطيفة ولولوة وهيفاء
الأميرة هيا بنت تركي بن عبد العزيز آل سعود والدة الأمراء خالد وسعد ونورة
الأميرة حصة بنت محمد المهنا والدة الأميرات العنود والجوهرة
الأميرة الجوهرة بنت سعود الكبير والدة الأميرة مشاعل
الأميرة منيرة بنت سحيم الثنيان الخالدي والدة الأميرة حصة
أبنائه
الأمير عبد الله الفيصل بن عبد العزيز آل سعود
الأمير محمد الفيصل بن عبد العزيز آل سعود
الأمير خالد الفيصل بن عبد العزيز آل سعود
الأمير سعود الفيصل بن عبد العزيز آل سعود
الأمير عبد الرحمن الفيصل بن عبدالعزيز آل سعود
الأمير سعد الفيصل بن عبد العزيز آل سعود
الأمير بندر الفيصل بن عبد العزيز آل سعود
الأمير تركي الفيصل بن عبد العزيز آل سعود
الأميرة لطيفة الفيصل بن عبد العزيز آل سعود زوجة الأمير عبد العزيز بن سليمان الثنيان
الأميرة العنود الفيصل بن عبد العزيز آل سعود زوجة الأمير فهد بن خالد
الأميرة الجوهرة الفيصل بن عبد العزيز آل سعود زوجة الأمير سعد بن فهد بن سعد بن عبد الرحمن
الأميرة لولوة الفيصل بن عبد العزيز آل سعود زوجة الأمير سعود بن عبد المحسن بن عبد العزيز
الأميرة مشاعل الفيصل بن عبد العزيز آل سعود
الأميرة حصة الفيصل بن عبد العزيز آل سعود
الأميرة نورة الفيصل بن عبد العزيز آل سعود زوجة الأمير سعود بن خالد بن محمد بن عبد الرحمن
الأميرة سارة الفيصل بن عبد العزيز آل سعود زوجة الأمير محمد بن سعود بن عبد العزيز
الأميرة هيفاء الفيصل بن عبدالعزيز آل سعود زوجة الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز
المصادر

بن خلدون ولد في تونس و نبغ و مات فى مصر واصله من حضرموت وعائلته عاشت فى اشبيليه

Dr Usama Shaalan(Papyrus) برديه الدكتوراسامه شعلان
عبد الرحمن بن محمد بن خلدون المؤرخ الشهير ورائد علم الاجتماع الحديث الذي ترك تراثا مازال تأثيره ممتدا حتى اليوم. ولد في تونس عام 1332 وعاش في اقطار ( شمال افريقيا) أسرة ابن خلدون أسرة ذات نفوذ في إشبيلية في الأندلس تنحدر من أصل يمني حيث كانت تعيش في حضرموت في الهجرين، عقب بداية سقوط الأندلس بيد الإسبان، هاجر بنو خلدون إلى تونس التي كانت تحت حكم الحفصيين.

امتاز ابن خلدون بسعة اطلاعه على ما كتبه الأقدمون وعلى أحوال البشر وقدرته على استعراض الآراء ونقدها، ودقة الملاحظة مع حرية في التفكير وإنصاف أصحاب الآراء المخالفة لرأيه. وقد كان لخبرته في الحياة السياسية والإدارية وفي القضاء، إلى جانب أسفاره الكثيرة في شمالي إفريقية وغربيها إلى مصر والحجاز والشام، أثر بالغ في موضوعية وعلمية كتاباته عن التاريخ وملاحظاته.

كان ابن خلدون عالم اجتماع وهو أول من وضع علم الاجتماع على أسسه الحديثة حيث خرج بنظرياته الاجتماعية حول قوانين العمران ونظرية العصبية وملاحظاته الدقيقة حول قيام وسقوط الدول وأعمارها وأطوارها. وقد ذكر له المؤرخون كتبًا مختلفة في الحساب والمنطق والتاريخ ولكن أهم وأشهر كتبه هو كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر ويقع الكتاب في سبعة مجلدات أولها المقدمة التي تشغل ثلث حجم الكتاب وهي التي حققت له الشهرة العريضة وقد شملت الجغرافية الرياضية والعمران والفلك والأقاليم السبعة وأثر الأقاليم والوسط الجغرافيّ في حياة البشر، والجغرافيا الاقتصادية مثل: أثر الهواء في أخلاق البشر، وفي اختلاف أحوال العمران، وفي الخصب والجوع وما ينشأ عن ذلك من الآثار في أبدان البشر وأخلاقهم.

يعد ابن خلدون المؤسس لعلم الاجتماع وسبقت آراؤه وأفكاره ما توصل إليه اوگست كونت بعد ذلك بعدة قرون. [1]

النشأة
ولد ابن خلدون في تونس عام 1332م وينتمي إلى فرع من قبيلة كندة وكان أجداده يعيشون في حضرموت قبل الإسلام. دخل أجداده الأندلس، وبسقوط أشبيليا انتقلوا إلى تونس. وفيها درس العربية والقرآن، والفقه، والحديث ودرس العلوم العقلية والمنطق. عاش ابن خلدون في بيئة مضطربة سياسيًا وإمارات متنافسة ومتنازعة فيما بينها. قاده طموحه إلى تقلد بعض المناصب منها كاتب ابن إسحاق سلطان تونس عام 752هـ،1351م، ثم انتقل كاتبًا لأبي عنان سلطان فاس 756هـ، 1355م كما تقلد مناصب مختلفة من أهمها كاتب سر السلاطين في غرناطة 764هـ، 1362م ثم انتقل إلى بجاية 766هـ، 1364م وعاد إلى غرناطة 776هـ،1374م، ولم يطل به المقام بها وما لبث أن عاد قافلاً إلى تونس، حيث اعتزل السياسة وتفرغ للإنتاج العلمي، وعزل نفسه في قلعة أولاد سلامة لمدة أربع سنوات ألّف خلالها مقدمته المشهورة. غادر بعدها تونس متوجِّهًا إلى القاهرة عام 784هـ،1382م وقد كانت المركز الإسلامي الأول في ذلك الوقت، ثم زار الأماكن المقدسة في الحجاز وعاد إلى القاهرة ثانية. [1]

فكره وفلسفته
كانت لابن خلدون فلسفته الخاصة والتي بنى عليها بعد ذلك أفكاره ونظرياته في علم الاجتماع والتاريخ، حيث عمل على التجديد في طريقة عرضهم، فقد كان رواة التاريخ من قبل ابن خلدون يقومون بخلط الخرافات بالأحداث، هذا بالإضافة لتفسيرهم التاريخ استناداً إلى التنجيم والوثنيات، فجاء ابن خلدون ليحدد التاريخ بأنه “في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها” ، وذلك لأن التاريخ “هو خبر عن المجتمع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة هذا العمران من الأحوال”.

وعلى الرغم من اعتراض ابن خلدون على آراء عدد من العلماء السابقين إلا أنه كان أميناً سواء في عرضه لهذه الآراء والمقولات أو نقده لها، وكان يرجع أرائهم الغير صحيحة في بعض الأمور نظراً لجهلهم بطبائع العمران وسنة التحول وعادات الأمم، وقواعد السياسة وأصول المقايسة.

سعى ابن خلدون دائماً من أجل الإطلاع والمعرفة فكان مطلعاً على أراء العلماء السابقين، فعمل على تحليل الآراء المختلفة ودراستها، ونظراً لرحلاته في العديد من البلدان في شمال إفريقيا والشام والحجاز وعمله بها وإطلاعه على كتبها، فقد اكتسب العديد من الخبرات وذلك في عدد من المجالات سواء في السياسة أو القضاء أو العلوم، فجاءت أفكاره التي وصلت إلينا الآن تتمتع بقدر كبير من العلم والموضوعية.

شغل ابن خلدون عدد من المهام أثناء حياته فتنقل بين عدد من المهام الإدارية والسياسية، وشارك في عدد من الثورات فنجح في بعضها وأخفق في الأخر مما ترتب عليه تعرضه للسجن والإبعاد، تنقل ابن خلدون بين كل من مراكش والأندلس وتونس ومن تونس سافر إلى مصر وبالتحديد القاهرة ووجد هناك له شعبية هائلة فعمل بها أستاذاً للفقه المالكي ثم قاضياً وبعد أن مكث بها فترة أنتقل إلى دمشق ثم إلى القاهرة ليتسلم القضاء مرة أخرى، ونظراً لحكمته وعلمه تم إرساله في عدد من المهام كسفير لعقد اتفاقات للتصالح بين الدول، ومن بين المهام التي كلف بها تمكن ابن خلدون من إيجاد الوقت من أجل الدراسة والتأليف.
انظر أيضاً: مقدمة ابن خلدون
قدم ابن خلدون عدد من المؤلفات الهامة نذكر من هذه المؤلفات “المقدمة” الشهيرة والتي قام بإنجازها عندما كان عمره ثلاثة وأربعون عاماً، وكانت هذه المقدمة من أكثر الأعمال التي أنجزها شهرة، ومن مؤلفاته الأخرى نذكر “رحلة ابن خلدون في المغرب والمشرق” وقام في هذا الكتاب بالتعرض للمراحل التي مر بها في حياته، حيث روى في هذا الكتاب فصولاً من حياته بجميع ما فيها من سلبيات وإيجابيات، ولم يضم الكتاب عن حياته الشخصية كثيراً ولكنه عرض بالتفصيل لحياته العلمية ورحلاته بين المشرق والمغرب، فكان يقوم بتدوين مذكراته يوماً بيوم، فقدم في هذا الكتاب ترجمته ونسبه والتاريخ الخاص بأسلافه، كما تضمنت هذه المذكرات المراسلات والقصائد التي نظمها، وتنتهي هذه المذكرات قبل وفاته بعام واحد مما يؤكد مدى حرصه على تدوين جميع التفاصيل الدقيقة الخاصة به لأخر وقت.

ومن الكتب التي احتلت مكانة هامة أيضاً نجد كتاب ” العبر” و ” ديوان المبتدأ والخبر” والذي جاء في سبع مجلدات أهمهم “المقدمة ” حيث يقوم في هذا الكتاب بمعالجة الظواهر الاجتماعية والتي يشير إليها في كتابه باسم “واقعات العمران البشري” ومن الآراء التي قدمها في مقدمته نذكر “إن الاجتماع الإنساني ضروري فالإنسان مدني بالطبع، وهو محتاج في تحصيل قوته إلى صناعات كثيرة، وآلات متعددة، ويستحيل أن تفي بذلك كله أو ببعضه قدرة الواحد، فلابد من اجتماع القدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحُصل القوت له ولهم- بالتعاون- قدر الكفاية من الحاجة الأكثر منهم بإضعاف”.

حياته
ربما تكون ترجمة حياة ابن خلدون من أكثر ترجمات شخصيات التاريخ الإسلامي توثيقا بسبب المؤلف الذي وضعه ابن خلدون ليؤرخ لحياته و تجاربه و دعاه التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا و غربا ، تحدث ابن خلدون في هذا الكتاب عن الكثير من تفاصيل حياته المهنية في مجال السياسة و التأليف و الرحلات لكنه لم يضمنها كثيرا تفاصيل حياته الشخصية و العائلية .

كان المغرب العربي أيام ابن خلدون بعد سقوط دولة الموحدين تحكمه ثلاثة أسر : المغرب كان تحت سيطرة المرينيين (1196 – 1464 ), غرب الجزائر كان تحت سيطرة آل عبد الودود (1236 – 1556 ), تونس و شرقي الجزائر و برقة تحت سيطرة الحفصيين (1228 – 1574 ). التصارع بين هذه الدول الثلاث كان على أشده للسيطرة ما أمكن على أراضي الشمال الإفريقي.

وظائف تولاها
كان ابن خلدون دبلوماسياً حكيماً ايضاً. وقد أُرسل في اكثر من وظيفة دبلوماسية لحل النزاعات بين زعماء الدول : مثلاً ، عينه السلطان محمد بن الاحمر سفيراً له إلى امير قشتالة للتوصل لعقد صلح بينهما .. وبعد ذلك بأعوام استعان به اهل دمشق لطلب الامان من الحاكم المغولي القاسي تيمورلنك ، وتم اللقاء بينهما . ونحن في الصفحات التالية نقتطف ايضاً وصف ابن خلدون لذلك اللقاء في مذكراته. اذ يصف ما رآه من طباع الطاغية ، ووحشيته في التعامل مع المدن التي يفتحها ، ويقدم تقييماً متميزاً لكل ما شاهد في رسالة خطهالملك المغرب. الخصال الاسلامية لشخصية ابن خلدون ، اسلوبه الحكيم في التعامل مع تيمور لنك مثلاً، وذكائه وكرمه، وغيرها من الصفات التي ادت في نهاية المطاف لنجاته من هذه المحنة، تجعل من التعريف عملاً متميزاً عن غيره من نصوص ادب المذكرات العربية والعالمية. فنحن نرى هنا الملامح الاسلامية لعالم كبير واجه المحن بصبر وشجاعة وذكاء ولباقة.

وفاته
توفى ابن خلدون في مصر عام 1406 وتم دفنه بمقابر الصوفية عند باب النصر بشمال القاهرة، وذلك بعد أن ترك لنا علمه وكتبه القيمة التي مازالت مرجع للعديد من العلماء الآن. [1]

مؤلفاته
تاريخ ابن خلدون, واسمه: كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في معرفة أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر.
شفاء السائل لتهذيب المسائل، نشره وعلق عليه أغناطيوس عبده اليسوعي.
مقدمة ابن خلدون
التعريف بابن خلدون ورحلاته شرقا وغربا (مذكراته). [1]

من المعرفة
تاريخ ابن خلدون
تاريخ ابن خلدون الكتاب الذي رفعت مقدمته ابن خلدون إلى مصاف كبار فلاسفة العالم. وهي كما قال توينبي، مستعيراً كلمة المقريزي: (عمل لم يقم بمثله إنسان في أي زمان ومكان). وفيها أرسى قواعد فقه التاريخ وعلم العمران. وهو علم أعثره عليه الله كما يقول، ولم يقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة. وموضوعه: (البحث في أسباب انهيار الدول وازدهارها). وأراد أن تجد به الملوك ما يغني عن (سر الأسرار) الذي ألفه أرسطو للإسكندر. وأنجزه أولاً في مدة خمسة أشهر، من عام (779هـ) أثناء إقامته عند بني العريف في قلعة بني سلامة بوهران. ثم نقحه بعد ذلك وهذبه وألحق به تاريخ العرب وأخبار البربر وزناتة، وأهداه إلى المستنصر أبي العباس، الذي تولى إمارة تونس من سنة (772 حتى 796هـ). وكانت هذه النسخة موجودة حتى عام (1858م). كما يفهم من كلام نصر الهوريني في نشرته (1858م). فلما ترك تونس إلى مصر عكف على تهذيب الكتاب والزيادة عليه، زهاء (20) سنة، فأضاف إليه الجزء الخاص بملوك العجم، وأقساماً أخرى ألحقها بمواضعها، وأهدى هذه النسخة للسلطان برقوق فنحله لقب: (ولي الدين). (وقد وصلتنا هذه النسخة بخطه، فرغ منها سنة 797) وانتسخ منها نسخة وقفها على طلبة العلم في جامع القرويين بفاس، في تحبيسته المشهورة والمؤرخة (21/ صفر/ 799). انظر ما كتبه د. عبد الرحمن بدوي عن الكتاب ومخطوطاته وطبعاته وترجماته إلى مختلف اللغات في كتابه: (مؤلفات ابن خلدون) وفيه الحديث عن اثنين من ولاة سوريا في العهد العثماني كان لهما أكبر الأثر في ترجمة الكتاب إلى التركية ونشره، وهما الوالي صبحي باشا (ت 1886م) العلامة الجليل صاحب (عيون الأخبار في النقود والآثار) و(تكملة العبر)، والوالي أحمد جودت باشا (ت 1895) الذي ترجم القسم السادس من المقدمة، وهو أهم أقسامها، وكانت الترجمة التركية الأولى قد أغفلته. قال المقريزي في حديثه عن المقدمة: (لم يعمل مثالها، وإنه لعزيز أن ينال مجتهد منالها، إذ هي زبدة المعارف والعلوم، ونتيجة العقول السليمة والفهوم). بينما رأى فيها ابن حجر مجرد تلاعب بالألفاظ على الطريقة الجاحظية. وفي عام (1978) انعقد أول مؤتمر دولي بمناسبة مرور (600) عام على تأليف المقدمة. ومن طريف ما ألف فيها :(هل انتهت أسطورة ابن خلدون) د. محمود إسماعيل، يتهم ابن خلدون بسرقة المقدمة من إخوان الصفا.! وانظر صوراً عن الدار التي ولد ونشأ فيها، في كتاب (ابن خلدون معاصراً).

سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرين

سعد بن أبي وقاص
سعد بن أبي وقاص من أوائل من دخلوا في الإسلام وكان في السابعة عشر من عمره, ولم يسبقه في الإسلام إلا أبي بكر (رضي الله عنه) وعلي (كرم الله وجه) وزيد وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة وأحد الستة الذين توفى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو عنهم راض. كان سعد رضى الله عنه – مجاب الدعوة وهو أول من رمى بسهم فى سبيل الله، وكان فارساً شجاعاً من أمراء الرسول (صلى الله عليه وسلم) وشهد بدراً وما بعدها.

نسبه
سعد بن مالك بن أهيب الزهري القرشي أبو إسحاق من بني زهرة أهل آمنة بنت وهب أم الرسول صلى الله عليه وسلم.

إسلامه
سعد بن أبي وقاص دخل الإسلام وهو ابن سبع عشرة سنة, وكان إسلامه مبكرا, و يتحدث عن نفسه فيقول:«” .. ولقد أتى عليّ يوم, واني لثلث الاسلام”..!!» ، يعني أنه كان ثالث أول ثلاثة سارعوا إلى الإسلام، وقد أعلن إسلامه مع الذين أعلنوه بإقناع أبي بكر الصديق إياهم, وهم عثمان ابن عفان, و الزبير ابن العوّام, و عبد الرحمن بن عوف, و طلحة بن عبيد الله.

يعتبر أول من رمى بسهم في سبيل الله, وأول من رمي أيضا ، وأنه الوحيد الذي افتداه الرسول بأبويه فقال له يوم أحد: «” ارم سعد فداك أبي وأمي”..» ، ويقول علي ابن أبي طالب:«” ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفدي أحدا بأبويه الا سعدا, فاني سمعته يوم أحد يقول: ارم سعد.. فداك أبي وأمي”». كان سعد يعدّ من أشجع فرسان العرب والمسلمين, وكان له سلاحان رمحه ودعاؤه. وكان مجاهداً في معركة بدر و في معركة أحد.

وقد أخفقت جميع محاولات رده وصده عن الإسلام ، فلجأت أمه إلى وسيلة لم يكن أحد يشك في أنها ستهزم روح سعد وترد عزمه إلى وثنية أهله وذويه. لقد أعلنت أمه صومها عن الطعام والشراب, حتى يعود سعد إلى دين آبائه وقومه, ومضت في تصميم مستميت تواصل إضرابها عن الطعام والشراب حتى أوشكت على الهلاك. وحين كانت تشرف على الموت, أخذه بعض أهله إليها ليلقي عليها نظرة وداع مؤملين أن يرق قلبه حين يراها في سكرة الموت. وذهب سعد ورأى مشهد أمه وهي تتعذب ولكن إيمانه بالله ورسوله كان قد تفوّق على كل شيئ, وقال لها: «” تعلمين والله يا أمّه.. لو كانت لك مائة نفس, فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشيء. فكلي ان شئت أو لا تأكلي”.» وعدلت أمه عن صومها ، ونزل الوحي يحيي موقف سعد, ويؤيده فيقول:

{7} وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ {8}( سورة العنكبوت (29) ص 397)
معركة القادسية
خرج سعد في ثلاثين ألف مقاتل و لقاء الفرس المجتمعين في أكثر من مائة ألف من المقاتلين المدربين. المدججين بأنواع متطورة من عتاد وسلاح ويتولى قيادة الفرس رستم ، وقبل المعركة كانت الرسائل بين سعد و أمير المؤمنين الخليفة الراشد الفاروق عمر بن الخطاب ومنها :

” يا سعد بن وهيب.. لا يغرّنّك من الله, أن قيل: خال رسول الله وصاحبه, فان الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا بطاعته.. والناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سوء.. الله ربهم, وهم عباده.. يتفاضلون بالعافية, ويدركون ما عند الله بالطاعة. فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعث إلى أن فارقنا عليه, فألزمه, فانه الأمر.” ثم يقول له: ” اكتب اليّ بجميع أحوالكم.. وكيف تنزلون..؟ وأين يكون عدوّكم منكم.. واجعلني بكتبك إلي كأني أنظر إليكم”..!!
ويكتب سعد إلى أمير المؤمنين فيصف له كل شيء حتى انه ليكاد يحدد له موقف كل جندي ومكانه. وقد أوصى عمر سعد بدعوتهم إلى الإسلام ، وينفذ سعد وصية عمر, فيرسل إلى رستم قائد الفرس نفرا من صحابه يدعونه إلى الله والى الاسلام.

الحوار مع رستم
بعث سعد جماعة من السادات منهم: النعمان بن مقرن، و فرات بن حبان، و حنظلة بن الربيع التميمي، و عطارد بن حاجب، و الأشعث بن قيس، و المغيرة بن شعبة، و عمرو بن معدي كرب، يدعون رستم إلى الإسلام ودار الحوار معهم ومنهم ربعي بن عامر ، فدخل على رستم وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة، والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت، واللآلئ الثمينة والزينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه.

فقالوا له: ضع سلاحك.
فقال: إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت.
فقال رستم: ائذنوا له فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فحرق عامتها.
فقالوا له: ما جاء بكم؟
فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لتدعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضي إلى موعود الله.
قالوا: وما موعود الله؟
قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي.
فقال رستم: قد سمعت مقالتكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا؟
قال: نعم !كم أحب إليكم؟ يوماً أو يومين؟
قال: لا بل حتى نكاتب أهل رأينا رؤساء قومنا.
فقال: ما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل.
فقال: أسيدهم أنت؟
قال: لا، ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم.
فاجتمع رستم برؤساء قومه فقال: هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل؟

فقالوا: معاذ الله أن تميل إلى شيء من هذا، تدع دينك إلى هذا الكلب أما ترى إلى ثيابه؟
فقال: ويلكم لا تنظرون إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي، والكلام والسيرة، إن العرب يستخفون بالثياب والمأكل، ويصونون الأحساب.
وبعث سعد أكثر من رسول لحوار رستم ، و كان المرض قد اشتد على سعد وملأت الدمامل جسده حتى ما كان يستطيع أن يجلس, فضلا أن يعلو صهوة جواده ويخوض عليه معركة ، عندئذ وقف في جيشه خطيبا, مستهلا خطابه بالآية الكريمة: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105] ، وبعد فراغه من خطبته, صلى بالجيش صلاة الظهر, ثم استقبل جنوده مكبّرا أربعا: الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. وأستطاع جيش سعد هزيمة الفرس وقائدها رستم و وصل الجيش إلى المدائن.

موقعة المدائن
المقال الرئيسي: معركة المدائن
كانت موقعة المدائن, بعد موقعة القادسية بقرابة عامين, جرت خلالهما مناوشات مستمرة بين الفرس والمسلمين, وقد استطاع سعد هزيمة الفرس بقيادة الجيش لعبور نهر دجلة و جهز كتيبتين ، الأولى: واسمها كتيبة الأهوال وأمّر سعد عليها عاصم بن عمر والثانية: اسمها الكتيبة الخرساء وأمّر عليها القعقاع بن عمرو وقد نجحا في العبور وهزيمة الفرس. وبنى مدينة “الكوفة” بالعراق.

ولى عمر بن الخطاب على إمارة العراق سعد بن أبي وقاص فأرسى قواعد الإسلام فيها ، وحين اعتدى أبو لؤلؤة المجوسي على أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وأرضاه اختار عمر للخلافة ستة مات رسول الله وهو عنهم راض ، وكان من بينهم سعد بن أبي وقاص.

اعتزاله الفتنة
اعتزل الفتنة التي تلت مقتل عثمان وقيل عاش بالفلاة يرعى الغنم بعد ان هزم جنود الفرس، لكنه شهد التحكيم في أذرح بين علي ومعاوية ورفض ان يترشح للخلافة كحل توفيقي كما فعل معه ابن عمر. وأمر أهله وأولاده ألا ينقلوا إليه شيئا من أخبار الفتنة. وقد ذهب إليه ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص, :ويقول له: يا عم, ها هنا مائة ألف سيف يروك أحق الناس بهذا الأمر.

فيجيبه سعد: ” أريد من مائة ألف سيف, سيفا واحدا ، إذا ضربت به المؤمن لم يصنع شيئا, وإذا ضربت به الكافر قطع”. فيتركه وعزلته.
وحين انتهى الأمر لمعاوية, واستقرت بيده مقاليد الحكم سأل سعدا:

مالك لم تقاتل معنا..؟؟
فأجابه:” اني مررت بريح مظلمة, فقلت: أخ .. أخ.. ، واتخذت من راحلتي حتى انجلت عني..”
فقال معاوية: ليس في كتاب الله أخ.. أخ.. ولكن قال الله تعالى: (وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا, فأصلحوا بينهما, فان بغت إحداهما على الأخرى, فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله). وأنت لم تكن مع الباغية على العادلة, ولا مع العادلة على الباغية.
أجابه سعد قائلا: ” ما كنت لأقاتل رجلا قال له رسول الله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي”.
ومن كلامه الحسن أنه قال لابنه مصعب: يا بنى، إذا طلبت شيئاً فاطلبه بالقناعة فإنه من لا قناعه له لم يغنه المال.

وفاته
قال الزُّهرى: لما حضرت سعداً الوفاة دعا بخُلق جُبَّة فقال: كفنوني فى هذه فإني لقيت فيها المشركين يوم بدر، وإنما خبأتها لهذا اليوم. وكانت وفاة سعد (رضى الله عنه) بالعقيق خارج المدينة سنة 55هـ وكان آخر من توفى من العشرة المبشرين بالجنة.