الجدل حول الناصريه

متابعة حركة السلطة العسكرية الجديدة في مصر يكشف انه بعد أن تغلب مجلس قيادة الثورة على أعدائه وخصومه ، بدأ الدور الذي يلعبه جمال عبد الناصر – القائد المنتخب للضباط الأحرار – يصبح أكثر بروزا وتميزا … فهو بين زملائه القائد المفوض … وعند الجماهير القائد الجديد الذي يخلف محمد نجيب صاحب الشخصية البسيطة ، بعد محاكمات الإخوان المسلمين التي وقف فيها بعض زعمائهم على المشنقة ونفذ فيهم الإعدام .

كانت مسئولية الانفراد بالسلطة ، والتوجه لحل المشاكل ، وكسب ثقة الجماهير … هي العوامل التي تثقل كاهل القيادة الجديدة .

ولكن سرعان ما تبين أن قيادة وطنية ثائرة ، قد وجدت أمامها فرصة متاحة للانطلاق .

وكانت الفترة التي اخترت لها اسم ( سنوات الصعود ) .

القيادة الجديدة تصعد خلف جمال عبد الناصر في سرعة خارقة إلى قمة عالية …

توالت المواقف الوطنية التي وحدت إرادة القيادة وإرادة الجماهير … والتي جعلت جمال عبد الناصر زعيما شعبيا تلتف حوله الأمة العربية على امتداد الوطن الكبير في المدن والقرى الصغيرة ونجوع الصحراء البعيدة .

وبعد تحرير مصر والسودان ، والانتصار في معركة الأحلاف العسكرية ، وتأميم القناة ، وانسحاب قوات العدوان الثلاثي ، بدأ تشكيل المجتمع الجديد .

أين يقف العسكريون من هذا المجتمع ؟

وما هو دور الجيش في هذه المرحلة ؟

أسئلة تحتاج إلى بحث في أرجاء المجتمع وفى حشايا الجيش وفى موقفه من الطبقات المتصارعة .

كان زحف العسكريين نحو السلطة يتم في دأب وهدوء … حتى كادت تصبح معظم المراكز القيادية ، والمواقع الحساسة في أيديهم ، بعد أن استبدلوا ثيابهم العسكرية بثياب مدنية .

هرم متماسك من العسكريين تكون قمة السلطة … وشخصية الزعيم تزداد ارتفاعا وتألقا .

ولكن الساحة ظلت خالية من التنظيمات السياسية والنقابية ذات التعبير الصحيح عن إرادة الجماهير .

وبدأ تشكيل المجتمع الجديد بالإرادة الذاتية للزعيم ، وبالوسائل التجريبية التي جعلت التكتيك يسبق الإستراتيجية .

غابت الإيديولوجية كما غابت التنظيمات السياسية الحقيقية . الجيش يدعم سلطته كقوة سياسية … ولكن موقفه الطبقي غير محدد .

الحيرة تمزق الباحث … كما تغلب على تصرفات الحاكم .

والاختيار صعب … فتحديد الطريق وسط دوامة الأحداث المحلية والعالمية .. أمر شاق وعسير .

وأخيرا:

يتحدد الطريق … وتسجل الأفكار … ويبعث الميثاق – أول وثيقة مكتوبة للثورة – دليلا للعمل … نحو تشكيل مجتمع جديد … مجتمع جمال عبد الناصر .

الحرية ، الاشتراكية ، والوحدة … شعار النظام ومضمون الميثاق .

هل تحققت الاشتراكية ؟

هل مضى التطبيق في طريقه السليم ؟

أسئلة كثيرة نغوص فيها في مجتمع عبد الناصر … لنصل إلى الحقيقة .

ولابد من كلمة شكر وتقدير لكافة الذين تفضلوا فمنحوني من وقتهم ساعات وساعات ولم يترددوا في إعلان آرائهم ومواقفهم … عندما علموا أن الكلمات لن تضيع وتتبدد في الهواء … ولكنها سوف تسجل لتكون تاريخا لمصر … ولثورة 23 يوليو 1952 .

أحمد حمروش

الباب الأول: سنوات الصعود

الفصل الأول: تحرير مصر .. والسودان

خرج جنود الاحتلال البريطاني من السودان قبل مصر .. وعندما خرجوا من مصر بعدها بشهور قال جمال عبد الناصر ( والآن يبقى علينا إعادة بناء بلدنا ) .

ما أن نجحت حركة 23 يوليو في وصول الضباط إلى السلطة وتحمل مسئولية الحكم حتى فرضت القضية الوطنية نفسها ، وأصبح على الحكام الجدد أن يجدوا حلا لها بعد أن تعثرت طويلا في طريق المفاوضات .. وبعد أن كانت سوريا ولبنان قد جلت عنها القوات البريطانية والفرنسية فعلا عام 1946 .

والقضية الوطنية في ذلك الوقت لم تكن تعنى تحرير مصر وحدها وجلاء القوات البريطانية عن أرضها فقط ، ولكنها كانت تشمل قضية السودان أيضا .

والسودان هو الصخرة التي تحطمت عليها معظم المفاوضات المصرية البريطانية وخاصة التي قامت بها الحكومات الوفدية … يقول فؤاد سراج الدين ( إن فكرة الاستفتاء كانت مستبعدة ومرفوضة ، لأنه لا يمكن إقرار استفتاء لأسيوط مثلا ) … هذا يعنى أن الأساس في النظرة المصرية كان وحدة عضوية شاملة لمصر والسودان .

ويقول فؤاد سراج الدين أيضا أن محمد صلاح الدين وزير الخارجية فاجأهم قبل سفره إلى باريس في يناير 1952 لحضور اجتماعات عصبة الأم بأنه يريد إلقاء قنبلة يتحدى بها البريطانيين على أساس قبول الاستفتاء إذا خرج الموظفون البريطانيون من هناك … ولكن الحكومة لم توافق لمخالفة سياسة الوفد ، وخشيتهم من التدحرج لقبول – مبدأ الاستفتاء ، وما قد يصحب ذلك من تعثر الضمانات المطلوبة لاستفتاء حر سليم .

تراجع محمد صلاح الدين عن رأيه ، ولكن الوزارة فوجئت بخطابه يوم 23 يوليو 1952 يكرر فيه ما سبق أن قاله … واجتمع الوزراء فورا لمناقشة خطاب صلاح الدين … وانبرى بعض الوزراء لمهاجمته وفى طليعتهم الدكتور طه حسين ، الذي تحدث عن ( الخيانة الوطنية العظمى ) التي ارتكبها وزير الخارجية … وكلف مصطفى النحاس استدعاءه على أول طائرة … ولكنه وصل يوم 27 يوليو بعد إقالة الحكومة الوفدية .

مبدأ الاستفتاء الذي قبله محمد صلاح الدين بضمان خروج الموظفين البريطانيين قبل إجرائه ، كان محور اهتمام الضباط عقب وصولهم للسلطة .

كان ثلاثة من مجلس قيادة الثورة لهم صلات خاصة بالسودانمحمد نجيب ولد في الخرطوم ووالداه وخاله خدما هناك في الجيش المصري ودفنا هناك .. و صلاح سالم ولد في سكنات إحدى مدن السودان الجبلية التي تستخدم كمصيف … و أنور السادات من أم سودانية .

ولكن ذلك لم يكن يعنى ارتباط الثلاثة بالسودانمحمد نجيب هو الوحيد الذي كان له صلات شخصية بعدد كبير من السودانيين لخدمته هناك في مطلع حياته ، وإعداده لكتيب خاص عن السودان … أما أنور السادات فقد شغلته اهتماماته بقضية مصر عن تجديد صلاته بالسودانوصلاح سالم كان بعيدا تماما عن مشكلة السودان .

يقول صلاح سالم في كتاب الدكتور محمد المعتصم ( صلاح سالم ) … ( لم اقرأ في حياتي قبل 23 يوليو سوى القدر اليسير … لم اقرأ سوى كتابين – احدهما استخفنى عنوانه عن الصيد والمغامرات في غابات جنوب السودان لعطا اثنا سويس احد المؤرخين المصريين والآخر لتشرشل بعنوان ( حرب النهر ) … ولم يكن لي صديق سوداني واحد يحدثني وأتحدث معه في شئون بلاده وأهله … لم اسمع شيئا عن السودان إلا من والدي الذي امضي زهرة شبابه وحياته في ربوع هذا القطر .

وفرضت قيادة السودان نفسها على مجلس القيادة بأسرع ما توقعوا … ففي الأيام الأولى للحركة كانت مسئولية الجيش موزعة على ثلاثة هم عبد الحكيم عامر و كمال الدين حسين وصلاح سالم … وتلقى الأخير مكالمة تليفونية من البكباشي عبد الفتاح حسن الياور المصري للحاكم العام في الخرطوم يبلغه فيه أن بعض الجنود السودانيين الذين جندوا بعد حريق القاهرة ثم سرحوا وأرسلوا للسودان قد تظاهروا ضد مصر لأنهم لم يحصلوا على مكافأة ترك خدمة . ورغم أن القانون لا يسمح بصرف هذه المكافأة فان صلاح سالم اصدر قراره بصرفها باعتباره قد كلف بمسئولية قوات الجيش في السودان .

وقد توافدت وفود الأحزاب السودانية على مصر للتعرف بقادة الحركة من ضباط الجيش ، وكان محمد نجيب معروفا لأغلبهم ، وكان صلاح سالم مؤيدا الاتصال بهم بعد أن كلفه المجلس بالإشراف على شئون السودان في الوقت الذي وزعت فيه مسئولية الوزارات المختلفة على أعضاء المجلس خلال شهر أغسطس 1952 .

وكانت نقطة البدء هي توجيه الدعوة لممثلي كافة الأحزاب السودانية للحضور إلى القاهرة لمناقشة الموقف والاتفاق على رأى واحد … وخاصة أن السودانيين كانوا لا يعتبرون أنفسهم غرباء عن سياسة مصر … نشر محمد احمد محجوب قطب حزب الأمة مقالا اعتبر فيه رأى سليمان حافظ في تنحية النحاس مخالفا للقانون وحضرت وفود الأحزاب السودانية المؤيدة للاتحاد مع مصر والمعارضة له أيضا .. حضر السيد عبد الرحمن المهدي ، واعتذر عن عدم الحضور السيد على الميرغني لمرضه .

وبدأت المفاوضات مع مندوبي الأحزاب بوفد مصري شكل برئاسة اللواء محمد نجيب رئيس الوزراء ومعه على ماهر و عبد الرازق المشهوري وصلاح سالم و حسين ذو الفقار صبري .

وناقشت الوفود خلال المفاوضات موقف بريطانيا ، حيث أعلن الحاكم العام في أوائل 1952 مشروع دستور للحكم الذاتي للسودان منتهزا فرصة إلغاء وزارة مصطفى النحاس لمعاهدة 1936 واتفاقيتي السودان عام 1899 .

وهذا ما دفع محمد صلاح الدين إلى اتخاذ موقفه السابق … وهو ما دفع وفد المفاوضة المصري أيضا إلى مجابهة هذا الموقف بأسلوب جديد .

وأصبح تعبير ( تقرير المصير ) متداولا بين المصريين والسودانيين أيضا ، بعد أن كان سلاحا يشهده البريطانيون لعزل مصر عن السودان .

التنظيمات الوحيدة التي أيدت ( حق تقرير المصير ) للسودان قبل حركة 23 يوليو ، كانت التنظيمات الشيوعية التي ورد ضمن برنامجها المنشور في 17 ابريل 1951 بمجلة روزا اليوسف ( حرية الشعب السوداني وحق تقرير مصيره بنفسه وتأييد كفاحه من اجل التحرر الكامل وجلاء جميع القوات الاستعمارية البريطانية والمصرية من أراضيه ) .

ولم تستمر المفاوضات التي بدأت في نوفمبر 1952 مع الأحزاب السودانية طويلا ، فقد توصلوا إلى اتفاق يقبل به الجميع نتيجة الاستفتاء على تقرير المصير … وتوصلوا أيضا إلى توحيد الأحزاب السودانية عدا حزب الأمة عن طريق تفويض لجنة ثلاثية من الدرديرى احمد إسماعيل و خضر احمد و ميرغنى حمزة لوضع ميثاق تأليف حزب واحد .

وافق الجميع ووقفوا تحت هذه العبارة ( اقبل قيام الحزب الواحد بأي وضع يرتضيه الثلاثة ) ووقع على هذا التفويض كل من محمد نور الدين و حماد توفيق ودرديرى احمد إسماعيل و درديرى محمد عثمان و الطيب محمد خير و إسماعيل الازهرى وخضر احمد و مبارك زروق و خضر عمر و على الشيخ بشير وميرغنى حمزة و يحيى الفضلى ، ووقع معهم محمد نجيب و صلاح سالم و حسين ذو الفقار صبري .

وهكذا انبثق عن هذه اللجنة تكوين ( الحزب الوطني الاتحادي ) مع اختيار إسماعيل الازهرى رئيسا ومحمد نور الدين نائبا له … ونص دستور الحزب على جلاء الانجليز وقيام اتحاد مع مصر بعد تقرير المصير .

وهكذا أمكن للمصريين مواجهة البريطانيين بأسلوبهم مع ضمان توحيد الأحزاب السودانية في حزب واحد براى موحد هو ( الاتحاد مع مصر ) … ومع ضمان موافقة حزب الأمة على نتيجة الاستفتاء أيا كانت … وهذا مما يفسح الطريق للاتحاد مع مصر حيث كان حزب الأمة يمثل الأقلية في رأى مجلس القيادة .

وبعد ما وصلت المفاوضة مع الأحزاب السودانية إلى هذه النتيجة في 28 أكتوبر ، تشعب النشاط السياسي إلى شعبتين … سافر صلاح سالم إلى السودان في نوفمبر ، وأرسل محمد نجيب مذكرة إلى البريطانيين اقترح فيها الاتى :

1 – تمكين السودانيين من ممارسة الحكم الذاتي الكامل

2 – تهيئة الجو الحر المحايد الذي لابد من توافره لتقرير المصير .

وكان هذا التغير الجذري في إيديولوجية المفاوض المصري مفاجأة تامة للحكومة البريطانية التي لم تجد بدا من الموافقة .

بدأت المباحثات في 20 نوفمبر 1952 وتشكل الوفد المصري برئاسة محمد نجيب وعضوية صلاح سالم وحسين ذو الفقار صبري والدكتور محمود فوزي والدكتور حامد سلطان و على زين العابدين , وكان الوفد البريطاني مكونا من سير رالف ستيفنسون ومستر كوزويل الوزير المفوض ومستر باورز السكرتير الأول بالسفارة .

وكانت هذه أول تجربة يخوضها الضباط المصريون في مباحثات سياسية هامة , يتعرضون فيها إلى دبلوماسية تخالف طبيعتهم , ويجابهون مواقف تحتاج منهم إلى دراسة واطلاع .. خاصة وان بعضهم كان يجابه مشكلة غريبة عليه تماما مثل صلاح سالم حسب روايته .

الخلافات التي حدثت أثناء المباحثات أمكن التغلب عليها بحيوية الشباب فقد سافر صلاح سالم مرة ثانية إلى السودان حيث اجتمع مع ممثلي الأحزاب السودانية – الأمة والوطن الاتحادي والجمهوري الاشتراكي – في 10 يناير 1952 واتفقوا على توقيع وثيقة تؤيد وجهة نظر المفاوض المصري فيما يتعلق بموضوعات جنوب السودان واختصاصات الحاكم العام وسودنة الوظائف وجلاء الجيوش الأجنبية … وان تكون هذه الوثيقة هي أساس دستور الحكم الذاتي , وإلا فان الأحزاب تقاطع الانتخابات .

وعندما وضعت هذه الوثيقة أمام المفاوضين البريطانيين سدت عليهم سبل المناورة , ووصلوا إلى توقيع اتفاقية السودان 12 فبراير 1953 … هكذا لم تستمر المفاوضات إلا فترة تقل عن ثلاثة شهور وانتهت مشكلة السودان بأمل كبير في الاتحاد مع مصر .

وهكذا كانت الصخرة التي تحطمت عليها معظم المفاوضات المصرية هي أول المشاكل التي أمكن لضباط الجيش أن يصلوا فيها إلى حل ارتضته الأطراف الثلاثة … وكان ذلك راجعا إلى المرونة التي تبناها المفاوض المصري , بعد الرفض المطلق لمبدأ ( الاستفتاء وتقرير المصير ) .. واعتبار حق مصر في السودان حقا مقدسا لا يقبل الجدل .

ولا شك أن موقف حركة الجيش كان سليما تماما في وجهة نظر التي تقبل الاستفتاء في حق تقرير المصير وترفض إكراه شعب السودان على قبول أمر لم يختره بإرادته الحرة … وكان لمحمد نجيب دور في تبنى هذه الفكرة وإقناع زملائه بها لصلاته الوثيقة بالسودان .

وقع الاتفاقية محمد نجيب ورالف ستيفنسون ونصت على تحديد فترة انتقال مدتها ثلاث سنوات يتم فيها تصفية الإدارة الثنائية ( الانجلو مصرية ) … ويكون للحاكم العام أثناء فترة الانتقال السلطة الدستورية العليا وفقا لقانون الحكم الذاتي تعاونه لجنه خماسية مؤلفة من عضوين سودانيين ومصري وبريطاني وباكستاني … مثل مصر فيها حسين ذو الفقار صبري .. ( وتقرر تأليف جمعية تأسيسية منتخبة لتقرير مصير للسودان على أساس :

أ – ارتباط السودان بمصر على أية صورة .

ب – أو الاستقلال التام أي الانفصال عن مصر .

وان تنسحب القوات العسكرية المصرية والبريطانية من السودان فور إصدار قرار البرلمان السوداني رغبته في الشروع في اتخاذ التدابير لتقرير المصير .

كما شكلت لجنة لسودنة الوظائف خلال فترة الانتقال .

وكان توقيع الاتفاقية انتصارا لشعب السودان … وأملا لشعب مصر في اتحاد ديمقراطي مع البلد الشقيق .

يقول انطونى إيدن في مذكراته ( أعرب بعض أعضاء مجلس العموم عن شكوكهم في أهمية هذا الاتفاق وكنت أخشى لو لم يصدق البرلمان على الاتفاق أن يلقى السودانيون اللوم علينا ويتهموننا بعرقلة الجهود المبذولة لإجراء الانتخابات في بلادهم تمهيدا لتمتعهم بحق تقرير المصير وبديهي أن مصر كانت ستغتنم الفرصة فتضاعف من حملتها علينا , لهذا جاهدت في شرح الاتفاق ومزاياه لأعضاء المجلس إلى أن تمكنت من إقناعهم بسلامته , وكنت في الواقع أرى أن أستقيل لو لم يؤيد المجلس الاتفاق ويأخذ بوجهة نظري ) .

وفى سبيل ذلك قرر مجلس القيادة إيفاد صلاح سالم في زيارة إلى جنوب السودان حيث كان محرما على أبناء الشمال من السودانيين الذهاب إلى الجنوب إلا بتصريح خاص , كما حرم على الجنوبيين الخروج إلا بإذن خاص أيضا … ولكن صلاح سالم كسر هذه القاعدة ولم يحصل على إذن بالدخول … ويقول يوزباشي محمد أبو نار مدير مكتبة لشئون السودان في ذلك الوقت أن الأمريكيين قد ساعدوا في دخول البعثة المصرية إلى الجنوب عن طريق اتصالات مستر كانرى السفير الأمريكي ومستر سويني ضابط اتصال السفارة وكان اهتمام أمريكا بالسودان مؤيدا محاولتها إنشاء مكتب هناك كما نشرت المصري في 6 أكتوبر 1952 وتمت الزيارة في شهر أغسطس وهو خريف السودان وموسم الأمطار هناك .

كانت رحلة صلاح سالم إلى الجنوب ناجحة تماما … فقد زار المديرية الاستوائية ولبى دعوة المحافظ البريطاني إلى العشاء حيث كانت زوجة المحافظ على خدمتهم بنفسها … ولكن هذا لم يمنع ” صلاحا ” من إجراء مناقشة حادة مع المحافظ حول أسلوبه في معاملة الناس … وكان لهذه المناقشة تأثير سحري على الجماهير التي كانت تنظر للمحافظ كمعبود لا يجرؤ احد على معارضته , حيث كانت له سلطة العقاب وطرد المفتشين البريطانيين أنفسهم .

وهكذا اهتزت صورة المعبود وتدفقت العرائض على صلاح سالم تحمل شكاوى وآلام الناس هناك … وازدادت الزيارة نجاحا عندما زار صلاح سالم منطقة قبائل الدنكا واستقبلوه برقصة الحرب , فشاركهم فيها عاريا , ونشرت الصحف البريطانية صورته مطلقة عليه اسم ( الصاغ الراقص ) .

وخلال هذه الفترة اعتمد صلاح سالم على المساعدات والهبات المالية يقدمها إلى الزعماء السياسيين ليضمهم إلى جانب مصر … وقد أثيرت شائعات كثيرة حول مجموع المبالغ التي صرفت هناك , ولكن محمد أبو نار يؤكد أنها لم تتجاوز نصف مليون جنيه .

وحدثت عدة مساجلات بين إيدن وصلاح سالم … قال إيدن في مجلس العموم في أكتوبر 1953 أن صلاح سالم يذهب إلى السودان لإقناع السودانيين بتقسيم البرلمان , ولكنه لم ينجح – على حسب تعبير إيدن – .ولم يتردد صلاح سالم في مهاجمة إيدن علنا ,مؤكدا هزيمة السياسة البريطانية في السودان , كاشفا أن وزير الخارجية سلوين لويد كان يزور الخرطوم وقت وجود صلاح سالم هناك في محاولة لمنع مرشح الحزب الوطني الاتحادي الدرديرى محمد عثمان من دخول لجنة الحاكم العام ولكنه فشل … كما استدعى لجنة من الجنوب لتدلى برأي مناصر للاتجاهات البريطانية هناك , ولكنها لم تنجح في تحويل التيار المؤيد لمصر هناك .

وأجريت أول انتخابات في ظل الاتفاقية .

وفاز الوطني الاتحادي بأغلبية ساحقة , وتولى إسماعيل الأزهري رئاسة أول وزارة سودانية يوم 9 يناير 1954 .

وهكذا يمكن القول إن حيوية صلاح سالم وأسلوبه الذي يتفق مع طبيعة تكوينه كضابط قد حقق نجاحا لا باس به كان يمهد الطريق فعلا لوحدة وادي النيل .

الحزب الوطني الاتحادي الذي يملك الأغلبية مشكل من أعضاء مرتبطين (2)

في نضالهم الطويل بالشعب المصري , ووحدتهم كانت على أساس الاتحاد مع مصر , ولكن الأمور لم تمض في طريقها الطبيعي .

لم يسلك مجلس القيادة أسلوبا حكيما في التعامل مع السودانيين … ولم يواجه زعماءهم بوجه واحد … وإنما ترك صلاح سالم يتصرف في الأمر وحده بطريقته الخاصة , دون مناقشة جماعية مشتركة , وبغير حرص على الاستفادة من علاقة محمد نجيب الطيبة بكافة الزعماء السياسيين .

كانت ظروف العمل في مجلس القيادة لا تسمح كثيرا بالمناقشة الهادئة أو المتابعة الدءوبة , فقد كان انتقال أعضائه من أعمال محدودة معروفة أنهم جيدا في صفوف الجيش , إلى مسئوليات متعددة متشعبة معظمها مجهول لهم في بحر السياسة والإدارة المصرية , هو أمر يحتاج منذ البداية إلى تنظيم علمي هادئ وتخصص تنظيمي سليم .

تدفق الأعمال على مجلس القيادة فرض ظروفا ينفرد فيها البعض بمسئوليات تحتاج إلى التشاور … وظهور التناقضات بين محمد نجيب وأعضاء المجلس عكس ذلك على اتصالاتهم الخارجية ومظهرهم أمام الجماهير … وخاصة في السودان .

ولذا فان الأمور لم تمض في طريقها الطبيعي … وتصرف صلاح سالم في معاملاته مع بعض زعماء السودان بأسلوب الضباط وليس بأسلوب السياسيين , كما أن تجمع بعض ضباط الصف الثاني الذين كونوا شللا خاصة لكل عضو من أعضاء المجلس حل بينهما وبين الرؤية الكاملة … وسياسة توزيع الأموال على السياسيين كانت في اغلبها مفسدة .

وعندما زار عبد الحكيم عامر وصلاح سالم السودان في يناير عام 1954 بعد أيام من تولى الأزهري رئاسة الوزراء كان الاستقبال لهما طيبا , وصرح الازهرى قائلا ( إن الاتفاقية سوف توضع موضع التنفيذ نصا وروحا ) .

وقام الاثنان بزيارة كافة مناطق السودان , زيارة احتج عليها سلوين لويد وزير الخارجية البريطاني .ولكن الزيارة في مظهرها العلني لم تكن معبرة تعبيرا صادقا عن همسات بدأت تتردد عن خلافات في مجلس القيادة , يبدوا أن صلاح سالم قد خاض فيه بصراحته المعهودة , فانعكس ذلك خشية وترددا بين بعض الزعماء السودانيين .

كانت مصر قادرة حتى هذه اللحظة تحت قيادة محمد نجيب وبمجلس قيادة موحد أن تستوعب كل الآراء الوطنية في السودان لإقامة اتحاد على أساس ديمقراطي لمصلحة الشعبيين … ولكن ظهور الخلافات فتح ثغرة مناسبة لأعداء الاتحاد مع مصر ينفذون منها .

والاتحاد بين الدول لا ينجح إذا تم على أساس فوقى بين الحكام وبعضهم وإنما ينجح إذا تم على أساس جماهيري تدعمه تنظيمات واعية قوية , وكان لمصلحة البلدين فعلا ..

كان ظهور الخلافات بين محمد نجيب وأعضاء المجلس بداية لانتكاسات واضحة في تنفيذ الاتفاقية … وقد وصلت المشكلة إلى الذروة عندما فوجئت الجماهير السودانية باستقالة محمد نجيب في فبراير 1954 .

وكان لهذه الاستقالة وقع عميق في نفوس السودانيين الذين تطلعوا إلى الاتحاد مع مصر في وجود محمد نجيب – نصف السوداني – والذين أدانوا أسلوب التناقضات الحادة بين أعضاء المجلس واعتبروا موقفهم من نجيب متسما بعدم الوفاء , مما عكس عليهم هذه الصفة , وخلق في نفوس السودانيين حذرا من الاتحاد مع أعضاء المجلس , فقامت المظاهرات تهتف لنجيب في شوارع المدن السودانية .

وقد سافر إلى القاهرة فور إعلان الاستقالة وفد سوداني في محاولة لراب الصدع ولكن نجيبا كان قد عاد إلى موقعه تحت ضغط المظاهرات في الشوارع وسافر بعد ذلك فورا إلى السودان مع صلاح سالم يوم أول مارس 1956 للمشاركة في احتفالات السودان بافتتاح أول برلمان ولكن مظاهرات حاشدة أطلقها حزب الأمة حاصرت المطار تهتف ( لا مصري ولا بريطاني … السودان للسوداني ) وحدثت اشتباكات دموية قتل فيها 33 قتيلا وجرح 107 وعاد نجيب فجر اليوم التالي مع صلاح والمقابلة تشكل طعنة لا شك , فيها سرعان ما تفجر الموقف ضد نجيب مرة أخرى في شهر مارس كما سبق شرحه وانزوى نجيب في مكانه رئيسا للجمهورية بلا سلطة . حتى عين جمال عبد الناصر رئيسا للوزراء وصاحب سلطة مطلقة .

وانتهزت القوى المعادية للاتحاد مع مصر هذه الفرصة , وعبرت عن نفسها تعبيرا صريحا …

ولم يكن ذلك أمرا شاذا … فان وضع أي مواطن أمام اختيارين فقط هما الاستقلال أو الاتحاد مع مصر , يدفعه إلى اختيار الاستقلال إلا إذا كان مطمئنا تمام الاطمئنان إلى فوائد الاتحاد ومنفعته له وثقته في قيادته وخاصة إن هذا الاختيار بعد مرحلة طويلة من الاستعمار لم ينعم فيها الشعب السوداني بحريته ويمارس فيها حكم نفسه بنفسه .

وهكذا وجد الأزهري لنفسه فرصة التحول عن رأيه مدعيا انه كان يقصد بالاتحاد ( اتحاد أقاليم وقبائل السودان ) , واتخذ عدة إجراءات أسفرت عن موقفه تماما .

1 – رفض هدية من الأسلحة الحديثة عرضتها مصر في أوائل عام 1954 .

2 – رفض إرسال ضباط سودانيين للتدريب في مصر على نفقتها وأصر على تدريبهم في بريطانيا .

3 – أوقف الصحف الاتحادية وسحب ترخيص بعضها .

4 – لم يوافق على رصد مصر لمبلغ 750 ألف جنيه لتنفيذ مشروعات ثقافية وصحية واجتماعية في أرجاء السودان .

وسافر إسماعيل الأزهري إلى لندن يوم 8 نوفمبر 1954 حيث استقبلته الملكة إليزابيث , وأقام له تشرشل حفل غداء , وعقد اجتماعا مع لجنة الشئون الخارجية لحزب المحافظين كما نشرت [[صحيفة الأهرام]] يوم 8 , 9 نوفمبر .

وعقب عودته من لندن , أعلنت إقالة محمد نجيب وتحديد إقامته يوم 14 نوفمبر وأشارت الصحف إلى احتمال محاكمته لارتباطه بالإخوان المسلمين .

وأسرع من جديد إلى القاهرة وفد سوداني في محاولة لإنقاذ نجيب من المحاكمة مشكل من نجل السيد على الميرغني و يحي الفضلى و إبراهيم المفتى , واستقبل الوفد جمال عبد الناصر وصلاح سالم وتم الاتفاق بينهما على إصدار هذا البيان الذي نشر في الأهرام يوم 22 نوفمبر 1954 وجاء فيه :

( اطلع وفد الحزب الوطني الاتحادي على دقائق الأمور , وكان متتبعا لسير الحوادث التي قادت إلى الظروف الراهنة في مصر , وهو مقتنع تماما بان إجراء تنحية اللواء محمد نجيب عن منصبه , كان إجراء لا مفر منه , روعيت فيه مصلحة البلاد العليا أولا وأخيرا في تلك المرحلة التي ما كانت لتحقق للبلاد لو سارت الأمور على ما كانت عليه , ولقد تلاقت وجهات النظر مع الحسيب النسيب السيد على الميرغني ووفد الحزب الوطني الاتحادي والمسئولين في مصر على قفل هذا الموضوع نهائيا بعدم تقديم اللواء محمد نجيب للمحاكمة حتى لا تعطى الفرصة لأعداء البلاد الذين يتربصون للنيل من وحدة الصفوف وتدمير أهداف البلاد ) .

قفل هذا موضوع محاكمة محمد نجيب … وقفل أيضا فرصة الاتحاد مع مصر , نتيجة عدة عوامل أساسية نتجت عن تصرفات مجلس القيادة وهى إقالة محمد نجيب , وقسوة محاكمات الإخوان المسلمين الذين كانوا يفرخون في أحضان حزب الأمة , واعتقال الشيوعيين الذين كان لهم نفوذ كبير في السودان خاصة بين المثقفين والعمال … هذا إلى جانب نشاط الانجليز والأمريكان في محاولة احتواء إسماعيل الأزهري ومبارك زروق .

وعندما سافر إسماعيل الأزهري إلى مؤتمر باندونج … لم يقف مع الدول المتحررة , ولكنه اتخذ موقفا التقى فيه مع اتجاهات بعض الدول الرجعية مثل العراق التي كانت تهيئ نفسها لدخول حلف بغداد … كما انه قد ألف لجنة من أعضاء الحزب الوطني الاتحادي قررت التخلي عن مسألة الاتحاد مع مصر , ووافقت الهيئة العامة للحزب على ذلك .

وأخذت بذور التناقض تنمو بين الأزهري ومجلس القيادة ممثلا صلاح سالم والذي كان قد فقد بعض شعبيته هناك لموقفه الحاد مع محمد نجيب , ولكنه دخل في تناطحه مع الأزهري إلى ابعد مدى , فقد أثار ضده فريقا من الحزب الوطني الاتحادي بزعامة محمد نور الدين نائب رئيس الحزب , وأثار ضده الجنوبيين أيضا كقوة ضغط …

وطفت المعركة إلى السطح وخطب إسماعيل الأزهري في الجماهير يقول ( إن لحم أكتافي من مصر , وقد دخلتها منتعلا حذاء كاوتش … ولكن هل يرضيكم أن يحكمنا صلاح سالم والعسكريون في مصر؟ وتصرح الجماهير بصوت عال ( لا … لا ) .

واستخدم صلاح سالم في معركته ضد الأزهري كل الأسلحة المتاحة له إلى جانب انشقاق الحزب وإثارة الجنوبيين … فقد قرر التحالف مع الشيوعيين أيضا في معركته ضد الأزهري التي تبلورت إلى موقفين واضحين … أما الاتحاد مع مصر … وأما الاستغلال الذي أصبح الأزهري ينادى به علنا .

اتصل صلاح سالم بالشيوعيين السودانيين لما لاحظه من تأثيرهم السياسي في محاربة الوضع القائم كله … واتصل في هذه المرحلة بالشهيدين عبد الخالق محجوب سكرتير الحزب الشيوعي السوداني والشفيع احمد الشيخ سكرتير عام اتحاد العمال وعضو المكتب السياسي للحزب .

وعندما علم صلاح سالم أن الحزب الشيوعي السوداني هو نواة انفلقت من الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني ( حدتو ) وعملت لفترة تحت اسم الحركة السودانية للتحرر الوطني ( حستو ) , قرر أن يتصل بالشيوعيين المصريين كانوا معتقلين والبعض منهم قدم إلى المحاكمة وصدرت ضده أحكام بالسجن … ومع ذلك لم يتردد صلاح سالم في استدعاء الدكتور يوسف إدريس وكان معتقلا في سجن القناطر , والكاتب إبراهيم عبد الحليم , والكاتب فتحي خليل والفنان زهدي وكانوا معتقلين في سجن أبى زعبل .

وصل الأربعة إلى قصر عابدين – حيث كانت مكاتب وزارة الإرشاد في ذلك الوقت – بثياب ممزقة وأجسام هزيلة بعد معاملة بوليسية قاسية أعقبت إضرابا عن الطعام استمر 18 يوما من اجل مطالب إنسانية خالصة .

دخل الأربعة على صلاح سالم في مكتبه , فاستقبلهم استقبالا حارا وأبدى استنكاره لمظهرهم , واتصل تليفونيا – حسب رواية فتحي خليل – بزكريا محي الدين وزير الداخلية طالبا منه وقف المعاملة الشاذة للمعتقلين في سجن أبو زعبل .

وقدم لهم صلاح سالم تحليلا سياسيا استمر ثلاث ساعات ركز فيه على النقاط الآتية:

1 – المفهوم العام لقيادة الثورة وتصور خط سيرها مع تحفظ بعض العناصر على الاتحاد السوفييتي بتأثير دعاية الغرب .

2 – ارجع غموض موقف الثورة من الشيوعيين إلى خشية البعض من اتهام الحركة بأنها شيوعية . 3 – ابرز نقاط الخلاف مع الولايات المتحدة وخاصة رفضها إمداد مصر بالسلاح .

وخلص صلاح سالم من ذلك إلى أن هناك تغييرا في الخط السياسي للثورة يتلخص في :

أولا … في السياسة الخارجية . استقرار الثورة على توثيق العلاقة مع الاتحاد السوفييتي والصين والدول الاشتراكية .

ثانيا … في قضية الديمقراطية . وضع دستور جديد انتخابات عامة وتشكيل برلمان .

وأكد لهم صلاح سالم أن هذين الاتجاهين سوف ينطلقان بأقصى قوتهما في منتصف عام 1956 … ولعله كان يقصد بذلك تحديد موعد جلاء القوات البريطانية عن منطقة القنال .

وفاجأهم صلاح سالم بخبر لم يكن قد أعلن بعد . . . وسرا لم يعرفه احد . . . وهو تعاقد مصر مع الاتحاد السوفييتي على توريد صفقة سلاح . . . كما وعدهم بالإفراج عن جميع الشيوعيين قبل 23 يوليو 1956 .

وعرض موقفه بعد ذلك في قضية السودان , ونقد نفسه نقدا ذاتيا لاضطراره إلى السير بأسلوب حكام ما قبل الثورة للزعماء وتردى الحال بعد ذلك حتى في صفوف حزب الوطني الاتحادي , ومع إسماعيل الأزهري خاصة .

ثم انتقل إلى الحديث عن ( الحزب الشيوعي السوداني ) . . . وقال أننا تجنبناه لموقفنا من الشيوعية في مصر . . . وانه كان في التأييد والمعارضة حزبا مبدئيا شريفا . . . وانه على حد تعبيره ( حزب حقيقي وجاد وغير ملوث ) . وقال لهم صلاح سالم انه عندما اتصل بالشهيدين عبد الخالق والشفيع وعرض عليهما مساعدات في حدود العمل الوطني مثل إقامة السرادقات أو الإمداد ببعض الأموال , رفضوا في شدة .

وقال صلاح سالم انه تدور صفوف الحزب مناقشة هذا الموقف في مصر ويتأرجح الرأي بين التأييد والمعارضة , وموقف الحكومة المصرية من الشيوعيين المصريين يلعب دورا كبيرا في ترجيح جانب على آخر . . .

وانه لو تحول الموقف داخل قيادة الحزب إلى التأييد فان هذا قد يخرج الموقف في السودان من دائرة اليأس ولم يخف صلاح سالم مرارته ويأسه نتيجة تغير موقف الأزهري .

وصارحهم بأنه استأذن مجلس القيادة في الاتصال بهم فوافقوا , وانه يطلب منهم إذا اقتنعوا بصدق تحليله السياسي , فأنهم عندئذ يصبحون مطالبين بالسفر إلى السودان لإقناع قيادة الحزب هناك بتأييد القاهرة وخط الاتحاد مع مصر .

وتداول الأربعة على جانب ووجدوا انه لابد من شيئين . . . الاستيثاق من حديث صلاح سالم , والاتصال بزملائهم الهاربين خارج المعتقل .

واتفق صلاح معهم على الخروج لفترة محدودة مدتها أسبوع يعودون بعدها إلى مكتبه .

ولكن الأربعة لم يعودوا إلى مكتب صلاح سالم . . . لان الصحف نشرت في اليوم الخاص للمقابلة خبر استقالته واعتكافه في منزله .

ولم تكن استقالة صلاح سالم مفاجأة للقريبين من مجلس القيادة , فان سياسة صلاح سالم في السودان كانت موضع خلافات ومناقشات داخل المجلس , وخاصة بعد حريق اشتعل في الجنوب بتدبير من الاستعمار , ومطالبة صلاح سالم بان تطلق يده في العمل بصورة كاملة .

وقد حدث نوع من التحقيق مع صلاح سالم في تدهور العلاقة بين مصر والسودان في مارس 1955 , ولكن صلاحا كان عنيفا في مناقشاته , وسفه آراء بعض الذين اشتركوا في المناقشة من غير علم كاف , وأنهى حديثه بتقديم استقالته . . . ولكن المجلس لم يقبل الاستقالة .

وسافر صلاح سالم ضمن الوفد المصري إلى باندونج , والخلاف يثقل صدره , ومعاملة جمال عبد الناصر له يتسرب إليها البرود . . .

وكان صلاح سالم في وقت من الأوقات وبقوة اندفاعه وحيويته , وبموقفه كوزير للإرشاد , وبقدرته على تلوين الحديث , يتطلع إلى رئاسة جمهورية الاتحاد . . . ولم يكن ينظر إلى جمال عبد الناصر كمنافس له وإنما يخشى منافسة نجيب في الاستفتاء .

ولكن هذه التطلعات سواء كانت حقيقية أو غير حقيقية , تلاشت وذبلت بعد إقالة محمد نجيب . . . وبدأ صلاح سالم نفسه يتعرض بهجمات زملائه , بل وبعض ضباط الصف الثاني , وهو الذي كان عنيفا في هجومه على محمد نجيب .

وبدا مجلس القيادة يحاصر صلاح سالم . . . وخاصة بعد اتصاله بالشيوعيين المصريين . . . زكريا محي الدين قال إن الفريق الذي يعتمد عليه صلاح سالم ليس هو القوة الأساسية في السودان .

وجمال عبد الناصر انتقد سياسة التعامل مع الزعماء السودانيين بأسلوب غلبت عليه روح المنفعة الذاتية .

وحسين ذو الفقار صبري اضطر إلى مسايرة حزب الأمة لينقذ ما يمكن إنقاذه .

ووصل الخلاف إلى ذروته عندما تصادم صلاح سالم مع جمال عبد الناصر . . . ولم يستطع صلاح أن يجتذب زملائه إلى صفه . لانفراده بالعمل طوال الفترة الماضية وسخريته من بعضهم وتفوق جمال عبد الناصر في قدرته على إقناع زملائه برأيه .

وقدم صلاح سالم استقالته للمرة الثانية في سبتمبر 1955 متصورا أنها لن تقبل مثل استقالته السابقة , ولكن المجلس قبلها فورا , وكان شقيقه جمال سالم وقتها في زيارة خارج مصر .

وطويت صفحة صلاح سالم أيضا في تاريخ علاقات مصر و السودان , بعد أن طويت صفحة محمد نجيب . . . وتولى زكريا محي الدين مسئولية السودان . . . ونقل محمد أبو نار إلى وزارة الخارجية حيث عمل مديرا للإدارة الإفريقية لشئون السودان .

وأصبح واضحا بعد خلع صلاح سالم من موقعه أن الموقف السياسي بين القاهرة والخرطوم قد فقد كثيرا من نشاطه , وانه دخل مرحلة جديدة تبدد منها الأمل في انتهاء فترة الانتقال إلى ظهور الاتحاد بين دولتي وادي النيل الغربيتين .

وبعد أن أخذت إجراءات السودنة مداها , وأوشكت ثلاث سنوات الاتفاق على النهاية , أبلغت الحكومة السودانية برئاسة أزهري حكومتي مصر وبريطانيا برغبة الجمعية التأسيسية وطالبت بسحب جيش الاحتلال لإجراء الاستفتاء ( في جو حر محايد ) .

وسحبت مصر وبريطانيا جيوشهما , وتركت مصر كل الأسلحة الثقيلة التي كانت تخص جيشها في السودان وتم الجلاء فعلا في نوفمبر 1955 .

ووجدت حكومة السودان بعد الجلاء أن الأمر لا يحتاج إلى استفتاء بشان شكل الحكم بعد اتفاق كل الأطراف الحاكمة على معارضة الاتحاد . . .

وأعلنت قيام الجمهورية السودانية في 19 ديسمبر 1955 وتشكيل مجلس قيادة لرئاسة الدولة .

ولم يجد مجلس قيادة الثورة في مصر فرصة للمطالبة بإتمام الاستفتاء . . . وأعلن استقلال السودان رسميا في أول يناير 1956 , وذهب صلاح سالم إلى هناك مدعوا كشخص عادى , ورفض أزهري اقتراحا بقبوله أول سفير مصري هناك .

وهكذا تحرر السودان بفضل اتفاقية 12 فبراير 1953 , وكما كانت السودان أول دولة عربية افريقية تستقل في القرن التاسع عشر بعد ثورة المهدي , فإنها كانت أيضا أول دولة عربية افريقية تجلو عنها قوات الاحتلال أيضا .

وأصبح السودان مستقلا وغير مرتبط بمعاهدات أو أحلاف عسكرية ولا تواجدية قواعد أجنبية . . .

تم ذلك قبل مصر ذاتها . . .

بل أن جلاء القوات البريطانية عن مصر كان مشروطا بشروط معينة , وتم بعد جلاء القوات الأجنبية عن السودان بستة شهور كاملة .

وكان جلاء القوات البريطانية عن منطقة القنال هو القضية الرئيسية التي تحمل العسكريون مسئوليتها يوم وثبوا إلى السلطة .

وكان نضال الشعب المصري قد وصل إلى مرحلة الكفاح المسلح في القناة مما هدد الوجود الاستعماري في المنطقة إلى إن توقف بحريق القاهرة .

وكما كان الوفد حريصا على إجلاء القوات البريطانية قبل انتهاء معاهدة 1936 التي تمتد عشرين عاما . . . ولما كان حريصا أيضا على عدم ربط مصر بأحلاف عسكرية .

كما كان الوفد . . . كانت حركة الجيش أيضا وتصريحات أعضاء مجلس قيادة الثورة كانت تشير إلى هذا الاتجاه . . . أوضح التصريحات وأكثرهما جرأة كانت تصريحات جمال عبد الناصر . . . قال في شبين الكوم في يناير 1953 ( الجلاء عن القنال أو القتال حتى الموت ) ونشرت صحيفة الأخبار يوم 11 يناير 1953 عنوانا رئيسيا في صفحتها الأولى تحت عنوان ( اخطر تصريح لجمال عبد الناصر ) قال فيه ( لن تستطيع الدول الغربية أن تخدعنا بوعودها المعسولة إذا ما نشب صراع عالمي مسلح ثالث ونحن بعد غير معترف بحقوقنا المشروعة في الاستقلال التام ) .

وقال محمد نجيب يرد على تشرشل عندما صرح بأنه يريد رؤية إسرائيل أقوى دولة في شرق البحر الأبيض المتوسط ( إن معاهدة 1936 الملغاة فرضت على مصر تحت ضغط قوات الاحتلال ) .

ولكن حركة الجيش لم تواصل الكفاح المسلح مباشرة . . . آثرت أن تمضى في طريق المفاوضات , مستهدفة النجاح السريع كما حدث في اتفاقية السودان .

وتشكل الوفد المصري للمباحثات التي بدأت جلستها الأولى يوم 27 ابريل 1953 إن الموقف يختلف عن مباحثات السودان التي حوصر فيها الجانب البريطاني باتفاق الأحزاب السودانية على رأى موحد , والتقاء وجهات نظر المصريين والسودانيين .

كان الجانب البريطاني يستهدف ربط مصر بحلف دفاعي للشرق الأوسط , كما كان يستهدف بقاء قناة السويس قاعدة لقواته وعملياته العسكرية في المستقبل .

وكانت هذه الاتجاهات مرفوضة تماما من الجانب المصري . . . ولم تعد السودان هي الصخرة التي تتحطم عليها المفاوضات ,ولكن أصبحت الأحلاف ومواثيق الدفاع المشترك هي الخطر الذي حاول العسكريون تحاشيه .

وظهرت سلامة الموقف الوطني للمفاوضين المصريين بتصريحاتهم المتعددة المتلاحقة .

محمد نجيب قال لعضو البرلمان البريطاني ريتشارد كووسمان ( قل لإيدن أن صبر مصر أوشك أن ينفد وأن فرصة الوصول إلي اتفاق مشرف لن تظل سانحة إلى الأبد ) .

وواصل جمال عبد الناصر خطبه الداعية إلي الجلاء غير المشروط , مهددا بعودة الكفاح المسلح .

ولم تستمر المفاوضات أكثر من أيام فتوقفت في 6 مايو ونشرت الصحف قائلة إن مشكلة الخبراء البريطانيين هي سبب توقف المفاوضات , واصدر محمد نجيب رسالة للشعب يوم 19 مايو قال فيها أن قطع المباحثات كان نتيجة ( محاولة البريطانيين العبث بالمبدأ الذي جعلناه أساسا للدخول في هذه المباحثات وهو جلاء جنود الاحتلال عن أرضنا جلاء كاملا دون قيد أو شرط ) .

ولم تكد تقطع المفاوضات حتى توتر الموقف . . . ونصحت بريطانيا رعاياها بالرحيل عن البلاد في شهر مايو 53 في محاولة للضغط على مصر .

ولم تجد حركة الجيش سبيلا إلا العودة إلى الكفاح المسلح . . . ولكن بأسلوب آخر , فقد ظهر تصريح في الصحف يوم 17 مايو يقول ( إن كل شيء في المعركة السابقة كان يجرى ارتجالا ولم يكن هناك شخص مسئول , أما اليوم فلك شيء موضوع تبعا للخطة المرسومة ) .

ولم يكن هذا التصريح موفقا . . . إذ انه لم يكن هناك مبرر لخلق تناقض مفتعل بين حركة الكفاح المسلح للشعب في مراحلها المختلفة . . . بل كان الواجب إظهار كأنه حلقات في سلسلة متصلة . . . ولكن حركة الجيش في ذلك الوقت كانت حريصة على سلب الفضائل من الأحزاب عامة والوفد خاصة حتى ولو كانت مفخرته الكبرى وهى سماحه بانطلاق طاقات الشعب في كفاح مسلح مساند من الحكومة ضد القوات البريطانية في القناة .

ويقول كمل رفعت الذي كان يعمل ضابطا في المخابرات ومسئولا عن الكفاح المسلح في ذلك الوقت ( ما أن أعلن جمال عبد الناصر بيان توقف المفاوضات حتى تحركنا للعمل ) .

وشهد شهرا مايو و يونيو 1953 تحركا واسع النطاق للفدائيين . . . وقال جمال عبد الناصر في رده على خروج الأسر البريطانية ( إن الذين لا نريدهم في بلادنا هم جنود الاحتلال وحدهم دون غيرهم . . . أما الرعايا البريطانيون المدنيون من أفراد الجالية البريطانية فهم في حماية مصر ) .

وفي 14 يونيو قال أيضا ( إننا نكون جيشا كبيرا يضم 22 مليونا من المصريين وهو جيش قادر علي إخراج المستعمر من البلاد , ولن نعتمد علي فئة قليلة , ولكننا نعتمد علي المواطنين جميعا . . . إننا نوزع السلاح في جميع أنحاء البلاد ) .

ولكن طبيعة الكفاح المسلح عام 1953 , كانت تختلف طبيعته عام 1950 , 1951 . . . تحول الكفاح المسلح بعد حركة الجيش إلى عمل تنظيمي منضبط في يد ضباط المخابرات المصريين الذين انبثوا في مدن القنال . . . وكان في مقدمتهم كمال رفعت و عبد الفتاح أبو الفضل و فؤاد هلال و عمر لطفي وغيرهم .

وكانوا جميعا يعلمون تحت قيادة زكريا محي الدين الذي كان حتى ذلك الوقت مشرفا على كافة أجهزة الأمن ( وزارة الداخلية – المخابرات العامة – المخابرات الحربية ) . . . والذي قسم منطقة القناة إلي قطاعات عين لكل قطاع منها ضابطا مسئولا وكان يعقد لهم اجتماعات دورية لتنسيق وتوجيه الخطط .وكان لهذا الأسلوب الجديد في الكفاح المسلح سلبيات وايجابيات . . . فقد كان تركيزه في يد الضباط يعطيه طبيعية عسكرية قادرة علي التدريب والتوجيه وضرب المناطق المؤثرة . . . ولكن لأنهم منتمون إلى المخابرات فقد كان التنصيف السياسي للناس عندهم ذا أهمية تصل إلي المرتبة الأولي , مما عزل عن المعركة كثيرا من العناصر السياسية القادرة على توعية الجماهير وتعبئتها .

كانت المعركة تتحرك في خطوط مرسومة , وتحقق عمليات ناجحة , ولكنها لم تلتقط حرارة الجماهير أو تتحرك في أحضانها ولم تعمل علي بعث تربية قومية .

لم يكن مصرحا لكل واحد أن يحمل سلاحه ويختار كتيبته وقيادته , ويضحى بحياته في صفوف التنظيم الذي يؤمن به . . . ولكنه كان ضروريا أن يرتبط بالمخابرات ليحصل علي جواز المرور إلي التضحية والكفاح المسلح .

وكان كثير من الشباب والعناصر السياسية يرفض الارتباط بالمخابرات ويخشي اسمها فهي كفيلة بالإساءة إليه , في وقت كانت يدها فيها مطلقة في اعتقال الزعماء السياسيين وأفراد التنظيمات الشيوعية .

وهكذا اختفت أعلام كتائب الوفد ومصر الفتاة والشيوعيين التي ارتفعت عام 1951 وجذبت إليها أعدادا متزايدة من المناضلين . . . لوم يعد هناك سوى علم واحد وهو علم المخابرات وقيادة واحدة هي قيادة الضباط .

أما الإخوان المسلمون فإنهم لم يسهموا في الكفاح المسلح ضد الانجليز رغم أنهم كانوا القوة السياسية الوحيدة المصرح لها بالعمل علنا . . . واثروا أن ينكمشوا على أنفسهم , تماما كما فعلت قيادتهم أثناء حكم الوفد عندما قال حسن الهضيبي أنهم لا يعتبرون الكفاح المسلح هو الأسلوب السليم للنضال واعترض علي جموح بعض شبابهم الذين اشتركوا في معارك القتال . . . كما قال الشيخ فرغلي مسئول الإخوان في الإسماعيلية لكمال رفعت مما ورد في كتابه ( حرب التحرير الوطنية ) :

– إحنا معندناش استعداد لتحمل تهور الناس ولا يمكن نضحي بأولادنا علشان خاطر الوفد . . . الوفد عملها والوفد يتحمل نتائجها واللي حصل اليومين اللي فاتوا كانوا كلام فارغ .

وهكذا كانت سياسة الإخوان أيضا بعد الثورة . . . لم يسهموا في حركة الكفاح المسلح , في الوقت الذي عجزت فيه القوات الشعبية الأخرى عن المساهمة لوجود قادتها في المعتقلات والسجون .

واقتصر الكفاح علي المتعاونين مع ضباط مخابرات الثورة .

اقترن نشاط الكفاح المسلح بالموقف السياسي وارتبط به ارتباطا وثيقا . . . كلما تقدمت المحادثات هدأت منطقة القناة , وكلما تعثرت انفجرت الأحداث في المنطقة .

ولذا كان شهرا مايو يونيو 1953 من الأشهر الساخنة بعد توقف المفاوضات واستمر تصاعد الكفاح المسلح حني بلغ ذروته عندما اختفي الشاويش البريطاني ديجدن من السلاح الجوي يوم 7 يوليو , وأرسلت القيادة البريطانية إنذارا إلي مصر فيه تهديد باتخاذ إجراءات عنيفة بالإسماعيلية وتحددت الساعة التاسعة من صباح 13 يوليو لتنفيذ ذلك .

رفض مجلس قيادة الثورة الإنذار .

ورفض محمد نجيب مقابلة مستر هانكي الوزير المفوض البريطاني .

ونوقش موضوع اختفاء الشاويش البريطاني في مجلس اللوردات .

وقال لي صلاح سالم أنهم رحلوا الشاويش البريطاني إلي باريس حيث ظهر هناك , واستوقفت المباحثات نتيجة ذلك في 21 يوليو 1953 .

ويشير كمال رفعت في كتابه ( حرب التحرير الوطنية ) إلي ازدياد الحوادث التي تمت خلال فترة توقف المفاوضات , ويشير أيضا إلى انه بعد عودة المباحثات لم تتوقف الأحداث , بل أن السفارة البريطانية قدمت احتجاجا في نوفمبر 1953 احتجاجا علي زيادة عدد الحوادث في المنطقة .

وقد أمكن خلال هذه الفترة اعتقال عدد من الجواسيس الذين كانوا في خدمة القوات البريطانية , وحاكمتهم محكمة الثورة وأصدرت علي بعضهم الحكم بالإعدام مثل محمود صبري علي المعروف بكنج صبري , والفريد عوض ميخائيل , محمد عزت محمد , وبولس مكسيموس وأصدرت الحكم علي البعض بالأشغال الشاقة .

وخلال فترة انقطاع المفاوضات كان جون فوستر دالاس قد حضر لزيارة مصر يوم 11 مايو 1953 في محاولة لعقد صلح بين العرب وإسرائيل ودعم سياسته في تطويق الاتحاد السوفييتي بأحلاف عسكرية .

قدم دالاس إلي محمد نجيب هدية من إيزنهاور عبارة عن مسدس بلا ذخيرة أثبتت الأحداث فيما بعد انه السلاح الوحيد الذي قدمته أمريكا إلي مصر . . . بينما أرسل محمد نجيب إلي إيزنهاور تمثالا من الذهب لإله الحكمة عند قدماء المصريين .

وقد صرح دالاس عند وصوله قائلا ( ضرورة بناء قاعدة القناة لاستخدامها في حالة الحرب دفاعا عن العالم الحر ) .

ولم تقابل تصريحات دالاس بأي تأييد من جانب الشعب ولا من جانب ضباط مجلس القيادة الذين التزموا بسياسة عدم الارتباط بأحلاف عسكرية .

وكتب احمد أبو الفتح في جريدة المصري يوم 11 مايو مخاطبا دالاس مظهرا تناقضات موقف أمريكا التي تؤيد إسرائيل التي تصرح بقيام حزب شيوعي فيها , بينما مصر تعتقل الشيوعيين ومع ذلك تصر أمريكا علي مساندة انجلترا ضدها .

ولم تكن صورة الولايات المتحدة عند المصريين كما حاول أن يرسمها محمد حسنين هيكل في كتاب ( عبد الناصر والعالم ) بقوله ( كانت الولايات المتحدة تحيط بها كل معاني النجاح والفتنة , براقة متسامية علي الفشل الذر يع الذي مني به الاستعماريون القدامى , وكان الناس متجاوبين مع فكرة قيام الأمريكيين بدور رئيسي في الشرق الأوسط ومستعدين لقبولها ) .

لم يكن هذا التصوير صحيحا . . . فان كافة القوى الوطنية كانت ضد السماح للأمريكيين بأداء دور سياسي بديل لدور انجلترا , ظهر ذلك في سياسة الوفد وأحزاب مصر الفتاة والوطن الجديد والتنظيمات الشيوعية والجماهيرية , فقد كشفت أمريكا الستار عن موقفها أثناء عرض النقراشي لقضية مصر على مجلس الأمن .

وإذا استثنينا السراي التي كانت علي علاقة طيبة بالأمريكيين والإخوان المسلمين الذين حرصوا على إثبات حسن نيتهم للأمريكيين , وبعض رجال أحزاب الأقلية فان أحدا من المثقفين أو السياسيين المصريين الوطنيين لم يكن ينظر إلى أمريكا بنظرة محمد حسنين هيكل , أو نظرة مصطفى أمين في كتابه ( أمريكا الضاحكة ) أو نظرة حافظ عفيفي مؤلف ( الانجليز في بلادهم ) الذي كتب مقالا في الأهرام يوم 25 أغسطس 1951 قال فيه ( لا مانع مطلقا من أن نعقد مع بريطانيا ومع غيرها من دول المعسكر الغربي معاهدة تحقق أهدافنا وتضمن لنا ولها معونة عسكرية متبادلة عند الحاجة . . . وارى أن محالفة ثلاثية تحقق هذه الأغراض مع انجلترا وأمريكا هي خير ما اطمع في الوصول ليه وأتمناه لبلادي ) . . . وكان آجره على ذلك تعيينه رئيسا للديوان الملكي .

والضباط أيضا لم يكونوا اقل التزاما بإرادة الشعب من السياسيين الوطنيين قبل الثورة . . . ولم يكونوا أكثر اقترابا من أمريكا إلا بالقدر الذي تساندهم في الضغط على بريطانيا .

ووضح من زيارة دالاس أن احتمال ضغطه على بريطانيا سراب لا يجوز التعلق به وكان نجيب وجمال عبد الناصر صريحين معه تماما في عدم الاستجابة لرغبته في الارتباط بأحلاف غربية خوفا من الشيوعية .وفى ذلك قال جمال عبد الناصر , كما روى محمد حسنين هيكل في كتابه ( عبد الناصر والعالم ) 😦 إن الاتحاد السوفيتي يبعد عنا 5 آلاف ميل ولم نقم قط مشاكل معه كما انه لم يهاجمنا أبدا ولم يحتل أرضنا إطلاقا ولم يكن له قط قاعدة في مصر بينما لا تزال بريطانيا في مصر تمارس احتلالا استعماريا منذ سبعين عاما ) .

وزاد موقف أمريكا وضوحا عندما استجابت إلي قرار بريطانيا بحظر توريد الأسلحة لمصر وفى ذلك يقول انطوني ناتج في كتابه ( ناصر ) معلقا نتائج زيارة دالاس قائلا :

( إن الانعكاس المرير لحديث الأمريكيين عن مساعدة شعوب الدول النامية لم يكن أكثر من أفيون لتخديرها ) .

ولذا فان خطاب أيزنهاور الذي أرسله إلي محمد نجيب يؤكد فيه عزم أمريكا علي تقديم مساعدات اقتصادية وعسكرية كبيرة إلى مصر إذا وصلت إلي اتفاق مع بريطانيا كما ذكر ناتنج في كتابه ناصر – غير ذي صدي عند أعضاء مجلس القيادة .

والحقيقة أن أمريكا لعبت دور الوسيط في المباحثات . . . حاولت إقناع بريطانيا بجلاء قواتها وحاولت إقناع مصر بالارتباط بحلف دفاعي غربي .

ولكنها وجدت من الضباط إصرارا علي عدم التورط في أحلاف دفاعية , ولذا فانه عندما عقد مؤتمر لأقطاب الغرب في جزيرة برمودا بالمحيط الأطلنطي في ديسمبر 53 وحضر تشرشل رئيس وزراء بريطانيا وانطوني إيدن وزير الخارجية وجوزيف لانييل رئيس وزراء فرنسا واجتمعوا هناك بالرئيس أيزنهاور ودالاس وزير الخارجية , ونوقش موضوع تنسيق جهود الدول الاستعمارية الثلاث , اتفق رأيهم جميعا علي عدم الاستجابة لرأى مصر , وممالأة بريطانيا في موقفها المتشدد .

أخذت المفاوضات أسلوبها التقليدي في الممالة . . . وانعكس ذلك علي الشعب نقدا لأسلوب العسكريين في معالجة المشكلة بأسلوب السياسيين .

لم يكن الكفاح المسلح في القناة مشتعلا كما كان عام 1951 بدرجة مقنعة للجماهير , وبدأت روح المعارضة تتحول من همسات إلي مظاهرات قام بها الطلبة , وعاد مجلس القيادة إلي اعتقال عدد كبير من السياسيين وتقديمهم إلي محكمة الثورة , في الوقت الذي حوكم فيه الجواسيس .

وبعد انتهاء المحاكمات وخلالها لم تتوقف حوادث الكفاح المسلح في القناة , وصرح سلوين وزير خارجية بريطانيا إمام مجلس العموم في يناير 1954 بعد تولي إيدن رئاسة الوزراء عقب تخلي تشرشل عن الحكم قائلا ( إن من المستحيل الوصول إلي اتفاق مع مصر ما دامت هذه الحوادث مستمرة ) .

وفي يوم 20 يناير 1954 أطلق الانجليز الرصاص علي سيارة جيش مصري تحمل 17 جنديا من سلاح الطيران , أصيب أربعة منهم وقتل واحد . . . وكان هذا أول حادث من نوعه . . . صدام بين القوات المسلحة وبعضها .

ورد المصريون علي ذلك فورا , وتصاعد القتال في المنطقة . . . ولكنه ظل منعزلا عن الجماهير . . . بل ظل منعزلا حتى عن ضباط الجيش أنفسهم . . . ولم يتأثر بالخلاف بين محمد نجيب وأعضاء مجلس قيادة الثورة . . .

وعندما تخلص مجلس القيادة من محمد نجيب وتولي جمال عبد الناصر رئاسة الوزراء في 17 ابريل 1954 تفرغ لحل مشكلة الجلاء بعد أن وصلت الأمور إلي حد تهديد شعبية مجلس القيادة بعد أن لم تفلح العمليات العسكرية في القناة في تليين عناد البريطانيين .

واتخذ جمال عبد الناصر عدة خطوات ايجابية بناء علي تقدير موقف شخصي .

قرر من ناحية المبدأ قبول عودة القوات البريطانية إلي منطقة القناة إذا هوجمت تركيا , وهو أمر كان مرفوضا قبل ذلك من الجانب المصري . . . وقرر أيضا بعد شهر واحد من توليه الوزارة دعوة البريطانيين إلي عودة المباحثات مع وقف النشاط الفدائي بعد أن كان قد وصل الذروة كما ذكر انطوني ناتنج .

واستؤنفت المباحثات في يوليو , بعد أن كان جمال عبد الناصر قد أعلن في 18 يونيو أن مفاوضات تجري بين مصر واندونيسيا و يوغسلافيا بشأن عقد المؤتمر الأسيوي الأفريقي , وبعد أن اضرب العمال المصريون في 23 يونيو عن الذهاب إلي معسكرات القناة , وعقب قولته المعروفة في شبين الكوم ( علي الاستعمار أن يحمل عصاه علي كتفه ويرحل ) .

وفي 25 يونيو انتقلت قيادة القوات البريطانية في منطقة قناة السويس إلي قبرص , وأعلنت السفارة بيانا قالت فيه ( أن انتقال قيادة القوات إلي قبرص لا يعني إي تحويل في موقف بريطانيا من المفاوضات ) .

تشكل وفد المفاوضات المصري بعد إبعاد نجيب برئاسة جمال عبد الناصر وعضوية عبد الحكيم عامر وعبد اللطيف بغدادي وصلاح سالم ودكتور محمود فوزي ومن الجانب البريطاني السفير البريطاني سيرا رالف ستيفن سون وميجربنسون قائد القوات البريطانية ومستر رالف موري الوزير المفوض في السفارة , وحضر وزير الحربية البريطانية مستر انطوني هيد في المراحل الأخيرة .

لم تستغرق المفاوضات وقتا طويلا . بدأت في 11 يوليو وانتهت في 27 يوليو , حيث وقعت الاتفاقية بالأحرف الأولي في دار رئاسة مجلس الوزراء ووقعها عن مصر جمال عبد الناصر وعن بريطانيا مستر انطوني هيد .

قصر مدة المفاوضات بعد استئنافها , وسرعة الاتفاق والتوقيع بالحرف الأولي أمر مثير للتساؤل , وهو دليل علي أن نقاط الخلاف قد سويت قبل الجلسات , وان قبول عبد الناصر عودة القوات البريطانية في حالة مهاجمة تركيا , كان حرصا منه علي إنهاء المفاوضات للسيطرة علي الموقف الداخلي بعد تصادم الثورة مع كل القوي السياسية عدا الإخوان المسلمين الذين كانوا يتربصون ويتحينون الوقت المناسب للانقضاض .

تأكد بعد ذلك أن هذه السرعة في توقيع الاتفاق كان نتيجة وساطة أمريكية , كما ذكر لي زكريا محي الدين استهدفت حل المشكلة بين البريطانيين والمصريين لخلق جو مناسب لربط مصر بسياسة جديدة في المنطقة .

ويبدوا أن جمال عبد الناصر كان يتطلع إلي جلاء القوات البريطانية باعتباره هدفا رئيسيا , يدبر بعده من الخطط ما يحمي الاستقلال الوطني . . . واعتبر أن الاتفاقية لا تزيد عن كونها ( حبر علي ورق ) يستطيع أن يفعل توقيعها ما يشاء عقب جلاء جنود الاحتلال , وهو لم يعتبر إدراج تركيا بمثابة ارتباط تحالفي مع بريطانيا .

خاطب جمال عبد الناصر الشعب يوم 23 يوليو قائلا ( إننا نعيش الآن لحظة مجيدة في تاريخ وطننا ونقف علي عتبة مرحلة حاسمة من مراحل كفاح شعبنا , لقد وضع الهدف الأكبر من أهداف الثورة منذ هذه اللحظة موضع التنفيذ الفعلي ) .

ولكن هذا لم يكن رأى فئات كثيرة من الجماهير اعتبرت اتفاقية الجلاء اقل من طموحها وأكثر ترجعا من إرادتها . . . فهي تعني في مضمونها تحالفا مع البريطانيين قبله الوفد عام 1936 ثم رفضه رفضا باتا بعد إلغاء المعاهدة .

نصت الاتفاقية علي انسحاب القوات البريطانية خلال عشرين شهرا من التوقيع النهائي , وأنهت معاهدة 1936 وكافة ارتباطاتها , واعتبرت قناة السويس جزءا من مصر تكفل حرية الملاحة فيه اتفاقية الأستانة في 29 أكتوبر 1888 .

ونصت الاتفاقية أيضا علي بقاء أجزاء من القاعدة صالحة ومعدة للاستخدام تعود إليها القوات البريطانية إذا ما هوجمت دولة من دول معاهدة الدفاع المشترك لجامعة الدول العربية أو تركيا أيضا . . . وفي حالة التهديد بالهجوم يجري التشاور فورا بين مصر وبريطانيا .

وبين توقيع الاتفاقية بالحروف الأولى وتوقيعها النهائي تبلورت المعارضة للاتفاقية عموما ولجمال عبد الناصر بصفة خاصة . . . وظهرت بوادر ذلك في صورة نسف كوبري أبو سلطان لمنطقة القنال في 2 أغسطس 1954 عن غير ضباط المخابرات المسئولين عن الكفاح المسلح .

ويقول كما رفعت في كتابه ( حرب التحرير الوطنية ) إن ( أصابع الاتهام أشارت إلى الذين لا يريدون جلاء القوات الأجنبية عن بلادنا . . . أشارت إلى فئة لم تطلق أبدا رصاصة علي الانجليز منذ إلغاء معاهدة 1936 ) .

ويدون كمال رفعت فقرة من تقرير المخابرات البريطانية يقول من الأمور ذات المغزى إن المنقطة الواقعة شمال أبى سلطان مشهورة بأنها قلعة حصينة للإخوان المسلمين , وترد أنباء عن مستودعات أسلحة في تلك المنطقة من مصادر موثوق بها من حين إلي آخر .

إذا صح ذلك فان هذا يعني سرعة تحرك الإخوان المسلمين من جديد ضد جمال عبد الناصر , راكبين في ذلك موجة الرفض الشعبي لاتفاقية الجلاء , منتهزين فرصة الهجوم العام علي جمال عبد الناصر وشخصيته التي صورت في هذه الفترة بمظهر القسوة في معاملة محمد نجيب والزعماء السياسيين والشيوعيين … وأسيء إليها بقبول اتفاقية الجلاء . . . وفي ذلك يقول جان لاكوتير في كتابه ( عبد الناصر ) ( لم يبد البكباشي أكثر انعزالا بنظر الشعب المصري كما بدا في اليوم الذي حمل فيه إلي الشعب اتفاقية الجلاء ) .

وخطب جمال عبد الناصر يوم 21 أغسطس مهاجما الإخوان المسلمين مرددا اتصال الهضيبي بمستر ايفا نز المستشار الشرقي للسفارة البريطانية وهو ما ورد في بيان مجلس القيادة عند حل جماعة الإخوان المسلمين في يناير 1954 .

وتم توقيع الاتفاقية يوم 19 أكتوبر 1954 وقعها عن مصر جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وعبد اللطيف البغدادي وصلاح سالم ومحمود فوزي وعن انجلترا انطوني ناتنج وزير الدولة البريطاني وسير رالف ستيفن سون وميجر جنرال منسون كبير المفاوضين العسكريين .

ويروي ناتنج في كتابه واقعة طريفة حدثت وقت التوقيع عندما احتفظ ناتنج بقلم جمال عبد الناصر الذي استعاره منه للتوقيع . . .

فقال له جمال مداعبا (أظن إنكم اخدتم الكثير مني في هذه الاتفاقية . . . فهل تسمح بإعادة قلمي !)

وكاد توقيع هذه الاتفاقية يودي بحياة جمال عبد الناصر .

لم يكد يمض أسبوع واحد علي توقيع الاتفاقية حتى اعتدي محمود عبد اللطيف عضو الجهاز السري لجماعة الإخوان المسلمين علي جمال عبد الناصر بإطلاق الرصاص عليه أثناء خطاب له في ميدان المنشية بالإسكندرية . . . وبدأت بعد ذلك حملة اعتقالات واسعة ومحاكمات عنيفة ضد الإخوان المسلمين .

وكانت بريطانيا قد رفعت حظر تصدير السلاح إلي مصر في شهر أغسطس بعد أن كانت قد فرضته في عهد وزارة الوفد 1951 عقب اشتعال الكفاح المسلح في القناة .

وكان الهدوء قد عاد إلي منطقة القناة في ظاهرة . . . ولكن ضباط المخابرات المصريين ظلوا يكلفون بأعمال تتصل بالقاعدة البريطانية والحصول علي معلومات عنها .

واستمر الجلاء عن المعسكرات البريطانية واحدا بعد الآخر حتى تم جلاء البريطانيين عن آخر معقل كانوا يحتلونه في بورسعيد وهو مبني البحرية الذي تسلمه الجيش المصري يوم 13 يونيو 1956 .

يقول فتحي رضوان إن جمال عبد الناصر دخل عليه في ذلك اليوم وسأله عن موعد حادثة دنشواي فقال له انه حدث في يوم 13 يونيو 1906 أي من نصف قرن بالضبط وابلغه جمال أن الانجليز قد تم انسحابهم سرا في هذا اليوم .

واقترح فتحي رضوان أن يخرجوا إلي الجماهير ويشاركوها الفرح بالغناء والرقص في هذا اليوم البهيج .

ولكن جمال عبد الناصر ابتسم في هدوء قائلا له ( روح أنت غن وارقص لوحدك ) .

( قال له ذلك كما لو كانت النتيجة التي وصلوا إليها طبيعية . وليست نقطة نهاية وإنما نقطة بدء ) .وفي يوم 18 يونيو 1956 , الذكري الثالثة لإعلان الجمهورية في مصر , رفع جمال عبد الناصر العلم علي مبني البحرية في بورسعيد , واعتبر هذا التاريخ منذ ذلك الوقت عيد الجلاء .

تحررت مصر والسودان من الوجود الاستعماري قبل أن تمضي أربع سنوات علي قيام حركة 23 يوليو .

ويقول جان لاكوتير انه يوم توقيع الاتفاقية كان وجه جمال عبد الناصر يشوبه العبوس وعندما سأله قائلا :

– والآن ؟

رد جمال عبد الناصر قائلا :

– والآن يبقي علينا إعادة بناء بلدنا .

وقال عبد الحكيم عامر عندما سئل عن توقعاته لتعزيز الجيش .

– لن نشتري دبابات , بل سنشتري جرارات فهي أكثر فائدة لنا .

خرج الاحتلال البريطاني من مصر بعد 74 عاما .

دخل بعد أن قهر ثورة قادها عسكريون .

وخرج بعد أن قهرته ثورة قادها عسكريو

الفصل الثاني : مع الحياد .. ضد الأحلاف

( إن انتصار مصر في معركة الأحلاف انتصار للهند أيضا ) … جواهر لال نهرو أثناء زيارة القاهرة في فبراير 1955

لم يكن توقيع اتفاقية الجلاء نهاية الصراع مع الاستعمار البريطاني . . . ولكنه كان بداية لمرحلة جديدة : حاولت فيها بريطانيا بعد أن عجزت هي والولايات المتحدة عن إقناع الحكام العسكريين الجدد في مصر بالارتباط بحلفها الدفاعي للشرق الأوسط ,أن تضم دولا عربية أخري إلي هذا الحلف .

كان أقصي ما أمكن فرضه علي اتفاقية الجلاء هو النص علي عودة القوات البريطانية إلي منطقة القناة في حالة الاعتداء علي تركيا المرتبطة بحلف الأطلنطي الذي تشكل عام 1949 وقد قبل جمال عبد الناصر هذا النص تفاديا لازمات داخلية , ومحاولة لتهدئة الاستعمار حتى لا يلعب علي التناقضات الداخلية التي كانت قائمة , إلي جانب رغبته في عقد اتفاق ينهي قضية جلاء قوات الاحتلال , ليتفرغ إلي مشاكل بناء المجتمع الجديد .

ولكن الشبهة التي أحاطت بالاتفاقية باعتبارها نوعا من التحالف عرضت حياة جمال عبد الناصر للخطر وجعلته يقول لإيدن أثناء زيارته لمصر في فبراير 1955 انه تكبد الكثير بسبب هذه الاتفاقية إلي حد التعرض لإطلاق النار عليه كما ذكر محمد حسنين هيكل في كتابه ( عبد الناصر والعالم ) .

في صباح اليوم التالي لإطلاق النار علي جمال عبد الناصر ذهبنا إليه بعض ضباط الجيش في استراحة ستانلي وهي منزل صغير من دور واحد له حديقة خضراء منبسطة تشرف علي البحر , وكان هناك عبد الحكيم عامر يقول للضباط في صراحة بسيطة انه لا يعرف شيئا عما تحققه الثورة وان جمال هو الذي خطط ونفذ وهو الذي يعرف خطوات المستقبل . . . وعندما دخلنا إلي جمال عبد الناصر في غرفة جلوس صغيرة كان وجهه شاحبا فلم يكن قد نام إلا قليلا واستيقظ مبكرا بمقابلة الزائرين . . . وقال وعيناه تلمع ( الإخوان المسلمين عاملين وطنيين .. كانوا فين في معركة القناة ) . . . ثم استطرد يشرح للعدد القليل من الضباط الحاضرين مفهومه لاتفاقية الجلاء , واستبعاده الكامل لحدوث معركة تسمح للقوات البريطانية بالعودة .

كان تنفيذ الاتفاقية يمضي في طريقه المرسوم بلا تعقيدات من الجانبيين . . . القوات البريطانية تواصل انسحابها من المعسكرات واحدا بعد الآخر . . والحكومة البريطانية رفعت الحظر عن توريد السلاح إلي مصر في أغسطس 1954 .

والحكومة الأمريكية أيضا قدمت لمصر 40 مليون دولار كمساعدة في شهر نوفمبر 1954 . . أي بعد شهر واحد من توقيع الاتفاقية . . وكان قد حضر إلي مصر ضابطان أمريكيان موفدان من البنتاجون لتزويد مصر بالسلاح الذي تحتاجه للأمن الداخلي . . .وقد بذل هذان الضابطان جهدهما لإقناع جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر بان العدو الحقيقي للعرب هو الشيوعية العالمية وان هذا كاف لتحريك حوافز العرب لعقد تحالف يدفع خطر الغزو السوفييتي . . . وأجاب عبد الناصر علي ذلك بالتفريق بين خطر التغلغل الشيوعي الذي هو مسالة امن لكل بلد علي انفراد وبين خطر الغزو العسكري السوفييتي الذي لا تشعر به مصر التي تواجه عدوين هما بريطانيا وإسرائيل .

وقد دهش مندوبا البنتاجون لموقف جمال عبد الناصر . . ز وردا علي احتمال تشكيل عبد الناصر لجبهة من العرب ترفض الارتباط بأحلاف الغرب العسكرية بقولهما ( لقد تأخر كثيرا فلقد كسبنا لجانبنا كلا من العراق ولبنان و الأردن وتركيا وإيران والباكستان كما ذكر مايلز كوب لند في كتابه ” لعبة الأمم ” ) .ومع ذلك لم تفقد الحكومة الأمريكية الأمل في ربط مصر بحلف دفاعي يبقي قناة السويس قاعدة صالحة . . . ولذا أعلنت عن تقديم مساعدة الأربعين مليونا لمصر في نوفمبر 1954 , وأعطت تسهيلات بعشرين مليون دولار كمساعدة عسكرية لشراء معدات حربية .

وبدأت وزارة الحربية المصرية تعد قوائم بالأسلحة المطلوبة وتراجعها وتعد لها في مراسلات متبادلة مع المسئولين في وزارة الدفاع الأمريكية . . . ولكن ظلت المشكلة معلقة عدة شهور باعتبارها ( تحت الدراسة ) . . . ولكن الواقع انه كانت هناك خشية من استخدام جمال عبد الناصر لهذه الأسلحة ضد إسرائيل .

وعلي قدر ما طالت المفاوضات التسليح , علي قدر ما انتهت في سرعة عملية تقديم 3 مليون دولار منحة شخصية من المخابرات المركزية إلي رئيس الدولة . . . وهي قصة أثارت اهتمام الكثيرين لما أحاط بها من جدل .

بدأت القصة باقتراح من عميل المخابرات المركزية الأمريكية مايلز كوبلند والتي كشف أسرارها في كتابه ( لعبة الأمم ) عندما قال انه لولا نشره لها لظلت خمسة آلاف عام تحير الباب علماء الآثار كما تحيرها أهرامات مصر . . . ذلك أنها انتهت إلي بناء برج القاهرة في الجزيرة المواجهة للنيل والمطل أفخم فنادق العاصمة واكبر نواديها .

يحدد مايلز كوبلند تاريخ إعطاء المبلغ لضابط المخابرات حسن التهامي الذي أخذه وأحصاه في منزله بالمعادي ووجده ناقصا عشرة دولارات في شهر نوفمبر 1954 أي نفس الشهر الذي حصلت فيه مصر علي الأربعين مليونا كمعونة اقتصادية .

وينفى هذا التجديد ما نشره محمد حسنين هيكل في كتابه ( عبد الناصر والعالم ) من القول بان هذا المبلغ قد سلم إلي اللواء محمد نجيب ( وان جمال عبد الناصر عندما علم بذلك استشاط غضبا وطلب تفسيرا من محمد نجيب الذي كان آنذاك رئيسا للوزراء . . . وأصر نجيب علي انه فهم انه ليس للمخابرات الأمريكية علاقة بهذا المبلغ وانه مرسل من الرئيس أيزنهاور الذي خصص اعتمادات مالية لبعض رؤساء الدول ليتمكنوا من تجاوز مخصصاتهم المقيدة بالميزانية من اجل الدفاع عن أنفسهم وعن بلادهم ضد الشيوعية ) . . . وهنا طلب عبد الناصر علي حد قول هيكل – إيداع المال في خزينة إدارة المخابرات وأمر بعدم صرف أي شيء إلا بإذن مجلس قيادة الثورة .

ينفي تحديد تاريخ تسليم المبلغ ذلك لسبب بسيط هو أن محمد نجيب لم يكن رئيسا للوزراء في هذه الفترة بل كان رئيسا للجمهورية بلا عمل حتى 14 نوفمبر ثم معتقلا في المرج بعد ذلك وكان حسن إبراهيم وزير الدولة لشئون رئاسة الجمهورية يحضر كافة مقابلاته ويراقب كل تصرفاته . . . مما يبعد فكرة عدم معرفة جمال عبد الناصر بوقوع مثل هذا الحادث .

هذا من ناحية . . . ومن ناحية أخرى فان الأمريكيين ما كانوا ليعطوا مثل هذا المبلغ لمحمد نجيب وهو رجل معزول عن الحياة العامة تدفقت عليه الهجمات عقب إطلاق الرصاص علي جمال عبد الناصر وربطت بينه وبين الإخوان المسلمين وكان علي وشك أن يحاكم معهم .

هذا إذا أردنا استبعاد رأي مايلز كوبلند كما ورد في كتابه .

وعندما قرأ محمد نجيب ما نشره هيكل في كتابه رفع عليه قضية أمام محكمة الجيزة واضطر هيكل للاعتذار علي صفحات الأهرام , واثبت محمد نجيب أمام المحكمة قوله لنا الواقعة موضوع الادعاء غير صحيحة علي الإطلاق . . . وصمت هيكل مؤثرا الانسحاب من خطأ أساء به إلي سمعة الرجل .

ومثل هذه المبالغ كانت تدفع عادة لبعض رؤساء العالم . . . البعض تقبلها في سكون , والبعض يرفضها في صخب كما فعل رئيس وزراء سنغافورة عندما أعلن أنها محاولة لرشوته , والبعض لا يأخذها لنفسه وإنما يستخدمها لخدمة مجتمعه كما فعل جمال عبد الناصر عندما شيد بها برج القاهرة ليكون مركزا للاتصالات اللاسلكية السرية مع سفارات مصر في الخارج .

هكذا كان موقف حكومة الولايات المتحدة مع جمال عبد الناصر بعد توقيع اتفاقية الجلاء . . . أمل في ربطه بالأحلاف العسكرية , وحوار متصل حول ذلك , وإغراء بالمساعدات المالية وتقديم تسهيلات شكلية للتسليح وتوطيد للعلاقات الشخصية معه ببعض العناصر الأمريكية القادرة على اجتذاب عاطفته .

وفي هذا السبيل استبدلت الحكومة الأمريكية جيف رسون كافري بهنري بايرود الذي قدم أوراق اعتماده في 8 مارس 1955 وكان قبل ذلك وكيلا لوزارة الخارجية درس حضارة مصر القديمة وهو ضابط سابق برتبة عميد , عمره 39 عاما يستطيع أن يكون أكثر تفهما لزملائه من الضباط المصريين الذين يجمعهم عمر واحد ومهنة واحدة .

ولكن كل هذه الظروف لم تضعف من إصرار جمال عبد الناصر وأعضاء مجلس الثورة علي اتخاذ موقف الحياد ومعاداة الأحلاف العسكرية .

الرصاصات التي أطلقت علي جمال عبد الناصر في ميدان المنشية رغم أنها عمل من أعمال الإرهاب الممقوت والمدان , إلا أنها كانت صوتا من أصوات الاحتجاج علي شبهة التحالف التي وردت في اتفاقية الجلاء . . . ولذا لم يكن جمال عبد الناصر مستعدا للتورط في تحالفات عسكرية .

ليس هذا فقط . . . بل إن جمال عبد الناصر بدأ معركة ضد الدول العربية التي أخذت تنجذب إلي مغنطيس الأحلاف الغربية . . . وكان هدفا جديدا في السياسة المصرية . . . فمصر قبل الثورة كانت ترفض الأحلاف ولكنها لا تهاجم الدول العربية التي تروج الدعابة لها .

بل إن موضوع الأحلاف كان مجالا لوجهات نظر مختلفة داخل مصر . . . إسماعيل صدقي وقع بالأحرف الأولى مع اتورين بيفان وزير خارجية بريطانيا علي مشروع معاهدة تقضي بالتحالف مع بريطانيا , وكان يصحبه في المفاوضات وزير خارجيته إبراهيم عبد الهادي رئيس الحزب السعدي فيما بعد , وروج مصطفي أمين لذلك بمقال كتبه في آخر ساعة تحت عنوان ( أوقعها والعنها ) .

ومحمود فهمي النقراشي خطب في واشنطن مهاجما الشيوعية والنظام السوفييتي متحدثا عن وجوب ثقة الغرب في مصر الديمقراطية وكراهيتها للشيوعية , موافقا علي مبدأ الأمن الجماعي وهو شعار الأحلاف العسكرية الذي رفعه الاستعمار وقتها .

و عبد الرحمن عزام أمين الجامعة العربية صرح في شهر يناير 1952 بأنه علي استعداد للتحالف مع أمريكا .

أما الوفد فقد أعلن رأيه صراحة في رفض استمرار التحالف , واقترح مصطفي النحاس أثناء مفاوضاته مع المارشال سليمان تنتقل القوات البريطانية عند القناة إلي فلسطين بما يمكنها في حالة الحرب من العودة خلال أسبوع .

كان الوفد يطلب الجلاء أولا ثم النظر في موضوع التحالف بعد ذلك . . . أما الاستعمار فكان يصر علي توقيع التحالف أولا قبل إتمام الجلاء ولذا ألغيت المعاهدة وبدأ الكفاح المسلح ( أما الأحزاب التقدمية فقد اتخذت موقف الرفض والمعارضة لفكرة الأحلاف العسكرية ) .

وتغير الموقف بعد حركة 23 يوليو . . . إذ أخذت القيادة العسكرية ليس علي رفض التحالف فقط , بل علي مقاومة الأحلاف التي ترتبط بها الدول العربية مع الاستعمار .

ودخلت الثورة بذلك معركة ضارية ضد الأحلاف العسكرية .

لم تستجب لإغراء أيزنهاور بإمداد مصر بما تحتاجه من أسلحة إذا ارتبطت بحلف دفاعي مع الغرب . . . كان هذا الإغراء اقل تأثيرا علي العسكريين منه علي المدنيين الذين ارتفعت بعض أصواتهم تطلب التحالف , مثل علي ماهر الذي صرح في جريدة الأخبار يوم 25 مارس 1954 أبان اشتداد الأزمة بين محمد نجيب وأعضاء المجلس بقوله ( إن مصر لا تستطيع الوقوف موقف الحياد ويجب أن تنضم للغرب ) . . .

وكأنما يناجي بكلماته قادة الغرب ليمدوا له ولأمثاله يد المساعدة , أو لينظروا له بعين العطف من جديد .

ولم تتحول نظرة العسكريين عن موقفهم المبدئي في رفض الأحلاف ولو تدفق السلاح , . . . وكانت حكومة الولايات المتحدة قد عقدت اتفاقيات إمداد السلاح لكل من العراق وباكستان عام 1954 كمقدمة لحلف بغداد .

كما تشكل حلف جنوب شرق آسيا في مانيلا عاصمة الفلبين في 8 سبتمبر 1954 وبدأ عمله في 19 فبراير 1955 بالدول الآسيوية باكستان والفلبين وتايلاند وبعض الدول البعيدة عن المنطقة المرتبطة بحلف الأطلنطي وهي أمريكا وانجلترا وفرنسا .

ولكن كل ذلك لم يضعف من مقاومة مصر . . . بل زادها اشتعالا وجعلها طليعة الدول العربية في هذا المضمار وعندما قام إيدن بزيارته الوحيدة لمصر في 26 فبراير 1955 لم تترك الزيارة أثرا في موقف جمال عبد الناصر الذي شرح له موقفه كما سبق أن شرحه لدالاس وعندما تساءل إيدن عن سر الهجوم علي أفراد الأسرة الهاشمية ونوري السعيد في العراق لرغبتهم في الانضمام لحلف بغداد قال له جمال عبد الناصر انه لا يهاجم هؤلاء الناس شخصيا ولكنه يعتقد أن فكرة حلف بغداد تؤدي إلي تجزئة العالم العربي , وانقسامه والي عزل مصر .

ويقول ناتنج في كتابه ( ناصر ) إن زيارة إيدن ومناقشاته قد غيرت من الجو النفسي الذي حرص ناتنج علي تحقيقه بعد اتفاقية الجلاء أملا في تعاون مثمر بين الدولتين في المستقبل .

وكان مجلس قيادة الثورة قد أوفد صلاح سالم إلي العراق في صيف 1954 بعد توقيع اتفاقية الجلاء بالحروف الأولي للتعرف علي حقيقة أخبار اقتراب العراق العسكرية .

وكان الهدف من الزيارة إعادة الحرارة إلي العلاقات الباردة بين مصر والعراق ومحاولة كسب ثقة نوري السعيد الذي انتهي مشروعه القديم ( الهلال الخصيب ) الذي يضم العراق وشرق الأردن وسوريا في دولة واحدة بعد تكوين الجامعة العربية في الأربعينيات .

ذهب صلاح سالم إلي سرسنك مصيف الأسرة المالكة في شمال العراق , وكان جو اللقاء مرحا . أصر فيه نوري السعيد علي مصاحبة صلاح سالم إلي عرس كودي قبل أي مباحثات رسمية .

وفي المباحثات حرص صلاح سالم علي كبت عواطفه المتفجرة والتحدث بهدوء شديد عن أمل مصر وتطلعها في ألا يرتبط العراق بأي حلف أجنبي حتى تجلو القوات البريطانية تماما عن مصر وتجلو كافة القوات الأجنبية عن بقية البلاد العربية , وذلك حتى لا ينفذ الاستعمار إلي صفوف الدول العربية فيمزق وحدتها .

ولما أشار نوري السعيد إلي أن الشيوعية تهدد العراق وانه يحتاج إلي مساعدة لمقاومة هذا التهديد , قال له صلاح سالم إن الارتباط بأحلاف أجنبية هو الذي يدفع العناصر الوطنية إلي اعتناق الشيوعية .

ولما كان نوري السعيد لم يحدد بعد موقفا نهائيا في مقترحات بريطانيا للارتباط بحلف معها فأنه بعد أن ابدي لصلاح سالم تخوفاته من موقع العراق الجغرافي وقربه من الاتحاد السوفييتي أرجا معه دراسة الموضوع . . . ولكنه وهو السياسي العتيق خدع صلاح سالم في كلمات البيان المشترك الذي صدر بعد الزيارة .

كما أن صلاح سالم أجاب في مؤتمر صحفي أثناء الزيارة ردا علي سؤال خبيث عن موقف مصر من رغبة الوحدة في بعض الدول العربية بقوله انه إذا كان هناك شعبان أو أكثر يريدان الوحدة فان مصر لا تمانع في ذلك . . . وقد ترجم هذا الرد علي انه موافقة علي مشروع الهلال الخصيب الذي تنطوي فيه سوريا تحت جناح العراق .

وقد كان لهذه الرحلة تأثير شديد علي جمال عبد الناصر , لعدم موافقته علي آراء صلاح سالم , فابلغ السفير العراقي أن ما ورد في البيان خاصا باستشارة مصر والعراق لبريطانيا والولايات المتحدة من اجل تقوية الجامعة العربية هو أمر يتنافي مع استقلال الدولتين .

وأسرع نوري السعيد إلي القاهرة ليجابه جمال عبد الناصر بقوله انه لا يستطيع الاعتماد على الدول العربية وحدها للدفاع عن العراق وانه يعتبر ميثاق الضمان الجماعي العربي حبرا علي ورق وانه يعتقد أن بريطانيا وحدها هي التي تستطيع أن تساعده في ذلك .

وكان نوري السعيد قد زار مصر قبل ذلك عام 1953 والتقي بمحمد نجيب وجمال عبد الناصر وأعضاء مجلس الثورة , وحمل معه مشروعا يقضي باتحاد الدول العربية المتقاربة علي هذا الأساس ( السودان ومصر و ليبيا ) ثم ( العراق وسوريا والأردن ) ثم ( تونس و الجزائر و المغرب ) وأخيرا ( السعودية و اليمن والخليج ) . . . ولكن نوري السعيد لم يجد صدرا مفتوحا لمناقشة مشروعه فقد قال له محمد نجيب انه لا يريد أن يقفز لتحقيق مشروعات تبدو خيالية قبل أن يتم الجلاء عن مصر .

وحاول أن يفتح نوري السعيد ملف هذا الموضوع ثانية , ولكن جمال عبد الناصر ابلغه انه لا يمكن التفكير في وحدة الدول العربية مع بعضها إلا إذا تحررت تماما من الاستعمار وجلت عنها قوات الاحتلال .ووضح تماما أن هناك تصادما لابد وان يحدث بين القاهرة وبغداد . . . إذاعة صوت العرب تدعو كافة المواطنين العرب إلي إتباع نموذج القاهرة والتحرر من القوات الأجنبية كما فعلت مصر بعد عامين فقط من ثورة يوليو . . . وعواطف الجماهير علي امتداد الوطن العربي تلتهب مع هذه الإذاعات المثيرة . . .واتبع نوري السعيد أسلوبا جديدا في مقاومة هذا الهجوم الإعلامي عندما أعلن وزير خارجيته موسي شاهبندر , في مؤتمر صحفي إثناء اجتماع لوزراء الخارجية العرب في القاهرة بان العراق لن ينضم لحلف مع تركيا وباكستان وإنما سيستبدل ذلك بعقد اتفاقية مع بريطانيا تشابه اتفاقية مصر معها علي أن يسمح بعودة القوات البريطانية إلي العراق إذا هوجمت إيران أو تعرضت لخطر الغزو .

وأكد نوري السعيد أقوال وزير خارجيته أمام البرلمان العراقي يوم أول يناير 55 ولكن محاولته لوقف الهجوم علي العراق لم تستمر فقد هبط بغداد بعد خمسة أيام فقط من خطبته عدنان مند ريس رئيس وزراء تركيا مع وفد كبير , امضي أسبوعا في العراق وانتهي الأمر إلي صدور بيان يوم 12 يناير 1955 يفيد بان اتفاقا قد تم بين الدولتين علي توقيع حلف دفاعي مشترك في اقرب وقت ممكن , وأنهما يتطلعان إلي انضمام الدول الأخرى التي تفكر بمثل أسلوبهما ) .

وكان هذا الإعلان صدمة حقيقية لجمال عبد الناصر , إذ تأكد ارتباط العراق بحلف الأطلنطي عن طريق تركيا التي كانت أول دولة من دول الشرق الأوسط ترتبط بهذا الحلف . . . ليس هذا فقط بل إن الدولتين تسعيان لضم دولة عربية أخري .

وانقضت معركة الأحلاف إلي رحلة جديدة . . . شددت فيها مصر الهجوم علي الأحلاف إعلاميا وسياسيا .ودعت القاهرة وزراء خارجية العراق وسوريا ولبنان والسعودية واليمن وليبيا للاجتماع يوم 22 يناير 1955 لمحاصرة نوري السعيد الذي حاول إغراء العرب بان تركيا سوف تساعدهم ضد إسرائيل بناء علي تصريحات أدلي بها عدنان مندريس .

ولكن الاجتماع لم يحقق الغرض المطلوب . . . فارس الخوري وزير خارجية سوريا كان يمالئ العراق ولا يتخذ موقف المعارضة وسامي الصلح كان متجاوبا مع سياسة كميل شمعون رئيس جمهورية لبنان المعروف بتبعيته للغرب والذي زاره عدنان مندريس في طريق عودته من العراق وتوفيق أبو الهدي كان يتحرك في حدود سياسة الأسرة الهاشمية التي تحكم البلدين . والخضوع لنفوذ جلوب باشا .

وبدأ الأمر كما قاله مندوبا البنتاجون عقب مقابلتهما لجمال عبد الناصر من أن الولايات المتحدة قد كسبت إلي جانبها كلا من العراق ولبنان والأردن.

وقال فاضل الجمالي وزير خارجية العراق صراحة انه طالما أن العراق لا يريد التعاون مع الشيوعية فان الغرب لن يمدهم بالسلاح – لزرقة عيونهم – وإنما لوصولهم معه إلي اتفاق , ودعا وزراء خارجية الدول المجتمعين إلي التفاهم مع الغرب .

ولكن جمال عبد الناصر لم يتردد أمام هذه المواقف غير المشجعة . . بل زاد حملة دعائية ضد الأحلاف وضد نوري السعيد وشمعون وفارس الخوري باعتبارهم عملاء الغرب .

واستقبل جمال عبد الناصر في القاهرة خلال شهر فبراير 1955 ثلاثة من كبار السياسيين في العالم , تتنافر أفكارهم في موضوع الأحلاف العسكرية . . . انطوني إيدن رئيس وزراء بريطانيا والذي حاول عبثا خلال لقاء بارد مع جمال عبد الناصر أن يوقف حملات الدعاية ضد نوري السعيد والأسرة الهاشمية . . . وتم أيضا اللقاء الأول مع تيتو وجمال على اليخت غالب في قناة السويس أثناء عودة تيتو من الهند , وكان هذا أول لقاء بين جمال عبد الناصر وزعيم شيوعي , أصبح فيما يعد صديقا شخصيا له . . . وزار القاهرة للمرة الثانية بعد الثورة نهرو الذي كان يستعد لحشد الدول الافرو أسيوية لحضور مؤتمر باندونج والذي امضي معظم وقته مع القادة العسكريين لمصر في زيارته السابقة يحدثهم عن الديمقراطية والتخطيط والحياد الايجابي , والذي سبق له أن خطب في نقابة الصحفيين المصريين يوم 20 مايو 1953 قائلا انه ( لا يري ضرورة لقيام أحلاف عسكرية ) والذي قال في زيارته هذه عقب لقائه الثاني مع عبد الناصر ( إن انتصار مصر في معركة الأحلاف انتصار للهند أيضا ) .

وكانت بداية احتكاك جمال عبد الناصر بهؤلاء الزعماء العالميين الذين تمرسوا علي السياسة خلال نضال طويل وفي مواقع بعيدة بأساليب مختلفة فرصة فريدة له للتعرف على أحوال العالم السياسية من القائمين بادوار رئيسية فيها ومشجعا له علي اتخاذ موقف أكثر صلابة في مواجهة دعاة الأحلاف العرب . . . كما كانت هذه اللقاءات تمهيدا لإطلاق طاقات جمال عبد الناصر في ميدان السياسة الخارجية ,بعد أن كانت أفكاره مركزة علي الموقف الداخلي وحده حتى ذلك الوقت .

زاد جمال عبد الناصر بعد هذه الاجتماعات إصرارا عل خوض المعركة ضد الأحلاف بكل ما يملكه من وسائل .ولكن العراق لم يتراجع عن انزلاقه للارتباط بالأحلاف فوقع مع تركيا وثيقة حلف عراقي تركي مشترك كانت هي خميرة حلف بغداد الذي انضمت إليه بريطانيا بعد مؤتمر باندونج في شهر ابريل 1955 ومعها إيران وباكستان بعد أن أنهت معاهدتها المعقودة مع العراق عام 1930 .

وهكذا ارتبطت أول دولة عربية بأحلاف الغرب العسكرية .

واستمرت المعركة قائمة . . . بل زادت شدة وقد حدث تغيير في سوريا وخرج فارس الخوري من الوزارة وعين بدلا منه خالد العظم وزيرا للخارجية في وزارة يرأسها صبري العسلي فسافر صلاح سالم إلي دمشق في مارس 1955 حيث وقع ميثاقا للتعاون العسكري والسياسي والاجتماعي مع سوريا وهتف الزعيم شوكت شقير رئيس الأركان العامة للجيش السور بحياة الجيش العربي الواحد . وانتقل صلاح سالم مع خالد العظم وزير خارجية سوريا ووزير الدفاع إلي الأردن ثم السعودية بعرض نتيجة الاتفاق المشترك بين مصر وسوريا والذي نص على الآتي :

أولا : عدم الانضمام إلي الحلف التركي العراقي

ثانيا : إقامة منظمة دفاع وتعاون اقتصادي عربي مشترك

ثالثا : إنشاء قيادة مشتركه دائمة بها مقر رئيسي وتشرف علي تدريب القوات العسكرية تضعها كل دولة تحت تصرف تلك الدول .

رابعا : الاتصال بالحكومات العربية لعقد مؤتمر من الدول المدافعة .

وقد صدر بيان سعودي سوري مصري مشترك وقعه الأمير فيصل رئيس مجلس الوزراء السعودي وخالد العظم وصلاح سالم يفيد بان الملك سعود يوافق موافقة كاملة علي ما ورد في البيان المصري السوري ويتطلع إلي عقد مؤتمر .

وكانت السعودية في نزاع شديد مع بريطانيا حول أحقيتها في واحة البور يمي التي كانت تحت السيطرة البريطانية .

ولم تترك الدول العربية العراق ينضم إلي تركيا دون محاولة لإرجاعه فقد سافر خالد العظم إلي العراق يوم 14 مارس ولكن فاضل الجمالي صرح بان العراق لن يرجع عن تحالفه مع تركيا , وقال الملك سعود ( العراق إخوتنا وأبناؤنا والعراق يستطيع الانضمام للميثاق الجديد لينبذ حلفه مع تركيا ) ولكن موقف العراق لم يتغير . . . بل إن حكومته منحت محمود أبو الفتح رئيس تحرير المصري الذي أغلقته الثورة يوم 10 مارس الجنسية العراقية وأعطته جواز سفر عراقي .

وانضمت اليمن بعد إلي الميثاق الجديد بلا تحفظ وأعلن الإمام احمد انه مع الدول الثلاث مصر والسعودية وسوريا وحاولت تركيا أن تهدد سوريا وتضغط عليها وأغلقت الحدود بين البلدين , فترة زاد فيها التوتر . . . وأيد الاتحاد السوفييتي سوريا معتبرا أن تصرفات تركيا موجهة ضده .

وخلال هذه الفترة كان جمال عبد الناصر يستعد للسفر إلي باندونج لحضور مؤتمر الدول الأسيوية والإفريقية الذي نبتت عنه فكرة عقده في مؤتمر كولومبو عاصمة سيلان في مايو 1954 والذي حضره ممثلو خمس دول هي الهند وباكستان وسيلان واندونيسيا وبورما .

تقرر عقد المؤتمر بدعوة من اندونيسيا في مدينة باندونج عاصمة جاوه الغريبة وهي مدينه مشهورة بجمال طبيعتها وتبعد عن العاصمة جاكرتا 120 ميلا .

ودعيت إلي المؤتمر الدول المعترف دوليا باستقلالها في القارتين الكبيرتين مما أسبغ عليه صفة رسمية . . . وتقرر دعوة الصين الشعبية وعدم توجيه الدعوة إلي فور موزا , واستبعدت كوريا الشمالية والجنوبية معا للخلاف المستحكم بينهما , كما استبعدت إسرائيل أيضا لعدم قبول الدول العربية حضور المؤتمر إذا دعيت إليه , كما استبعدت دولة اتحاد جنوب إفريقيا لعنصريتها وعدائها للشعب الأفريقي الأصيل .

حاولت الدول الاستعمارية مقاومة عقد هذا المؤتمر وشنت الصحافة الغربية عليه موجات من النقد الشديد وحاولت منع الدول الخاضعة لها من الذهاب , ولكن تيار المد التحرري في هذه الفترة كان جارفا . . . وكانت الدول حديثة الاستقلال تسعي إلي التعاون والترابط وهي تخرج من قيود الاحتلال إلي عالم جديد .

وقد حاولت قوي كثيرة تعطيل سفر جمال عبد الناصر ومنعه من الظهور في هذا المؤتمر وكتب محمد حسنين هيكل قائلا : انه غير متحمس للذهاب إلي باندونج .

ولكن جمال عبد الناصر كان قد اشتعل حماسا بمقابلات نهرو وتيتو وفتح عينيه علي ميدان جديد كانت طبيعته تعشقه , ولم يتردد لحظه في الذهاب علي رأس وفد مشكل من صلاح سالم وزير الإرشاد ومحمود فوزي وزير الخارجية وقائد الجناح علي صبري الذي عين مديرا لمكتب جمال عبد الناصر والشيخ احمد حسن الباقوري وزير الأوقاف .

الدول التي حضرت المؤتمر 29 دولة تمثل أكثر من نصف سكان العالم ومن الدول العربية تسعة هي مصر وسوريا ولبنان والسودان والعراق والأردن والسعودية وليبيا واليمن .

غادر جمال عبد الناصر مصر يوم 8 ابريل وزار باكستان في طريقه إلي الهند التي امضي بها عدة أيام رافقه فيها نهرو وأتاح له فرصة الخطابة في جمع حاشد يبلغ نصف مليون والقي خطابا أيضا أما برلمان الهند . . وكان جمال عبد الناصر هو وصلاح سالم يرتديان حلتهما العسكرية , فكانا الوحيدين بين قادة الدول من العسكريين .

لم تكن موجة الانقلابات العسكرية قد اجتاحت الدول النامية الحديثة الاستقلال . . . حتى سوريا التي عرفت الانقلابات العسكرية عام 1949 حسني الزعيم كان يرأس جمهوريتها في ذلك الوقت مدني هو هاشم الاتاسي بعد أربع انقلابات متتالية واحد عشر تغييرا وزاريا .

وكانت هذه هي رحلة جمال عبد الناصر الأولي خارج مصر . . . ظهر فيها كنجم بارز يمثل حضارة عريقة ولها دور قيادي في الدول العربية التي كانت تشكل ثلث أعضاء المؤتمر تقريبا . . . وقد أحاطه نهرو وسوكارنو وشو ان لاي واونو رئيس وزراء بورما بكل تقدير .

يقول جان لاكوتير في كتابه ( عبد الناصر ) أثناء المؤتمر كان استقبال الجماهير لعبد الناصر – بفضل ترتيبات سوكارنو اشد حماسة من استقبالات القاهرة والإسكندرية , كان ظهوره علي منصة الخطابة أو في الاورقة أو الشوارع يقابل بمظاهرات حارة جدا فهو وشو ان لاي كانا رجلي الساعة , مع العلم انه عند وصوله كان يستبد به القلق والخوف من إيثار العراقيين والأتراك عليه ) .

كانت الرحلة الأولي لجمال عبد الناصر خارج مصر رحلة غير عادية . . . وطريقة استقباله فيها كانت كفيلة بالتأثير العميق علي شخصيته وأفكاره ورؤيته الشاملة للعالم .

التناقضات التي كانت قائمة بينه وبين العراق لم تجد فرصة للظهور , فقد نجح جمال عبد الناصر في الحصول علي قرار من المؤتمر يقول انه ( بالنظر إلي التوتر القائم في الشرق الأوسط بسبب الموقف في فلسطين وخطر ذلك التوتر علي السلم العالمي يؤيد المؤتمر حقوق شعب فلسطين العربي ويدعو إلي تطبيق قرارات الأمم المتحدة وتحقيق التسوية السليمة لمشكلة فلسطين ) .

وكان ذلك انتصارا للحق العربي , ودافعا لظهور الدول العربية بمظهر التضامن , في وقت لم تتوقف فيه إسرائيل عن مهاجمة قطاع غزة منذ غارتها الكبيرة يوم 28 فبراير 1955 حتى أيام انعقاد المؤتمر .

أعاد مؤتمر باندونج ثقة الدول المتحررة بنفسها , ودعم سياسة الحياد بين العسكريين في وقت كان يعتبر فيه دالاس كلمة ( عدم الانحياز ) كلمة قذرة كما قال محمد حسنين هيكل في كتابه ( عبد الناصر والعالم ) .

كانت أيام انعقاد المؤتمر من 18 إلي 24 ابريل 1955 من أهم أيام التاريخ إذ حدث تحول عميق في سياسة كثير من الدول ومنها مصر .

وينعكس ذلك علي ما يرويه مايلز كوبلند في كتابه ( لعبة الأمم ) في باب ( ناصر واتحاد المحايدين الايجابيين ) إذ يقول أن الروس قد غيروا وجهة نظرهم تجاه ناصر عندما وجدوا احتمال أن يصبح عاملا رئيسيا في الحرب ضد الامبريالية الغربية عدوهم اللدود في الدول الإفريقية والأسيوية . . . بينما ابدي الأمريكيون عليه تحفظات عديدة .

وكان غريبا أن تصدر جريدة ( الأخبار ) الموالية للأمريكيين خلال بعض أيام المؤتمر بمانشيتات مثيرة لعلامات الاستفهام .

يوم وصول جمال عبد الناصر إلي باندونج يوم 18 ابريل صدرت الأخبار بمانشيت احمر رئيسي يقول ( سيدة بلا رأس في قطار الإسكندرية ) .

وفي اليوم الذي كان جمال عبد الناصر يخطب فيه في برلمان الهند كان المانشيت الرئيسي الأحمر لنفس الجريدة ( براءة 6 متهمين في قضية قتيل شبرا ) . . . ومانشيتات فرعية بنفس المقاس تقول ( عبد الناصر خطب في البرلمان الهندي ) وتقول أيضا ( براءة زوج فاطمة أخت القتيل ورجوات زوجة ابنه ) .

ومحمد حسنين هيكل رئيس تحرير آخر ساعة ومندوب الأخبار في ذلك الوقت كتب أثناء انعقاد المؤتمر تحقيقا في الأخبار يوم 25 مارس 1955 بعنوان ( تعالي معي إلي باندونج ) يسخر فيه من اندونيسيا ويقول ( إن باندونج التي عقد فيها هذا المؤتمر ليست بلد اندونيسية . . . هي قطعة من هولندا نسيها الاستعمار علي ارض جزيرة جاوه عندما جمع حقائبه ورحل إلي اندونيسيا ) . ويحاول أن يصور اندونيسيا وكأنها تخدع الزائرين بقوله ( في كل مكان ذهبت إليه لمحت أثار الطلاء علي الأرض ) ويقول أيضا بعد حديثه عن احدي المدارس ( مطلوب من كل زائر أن يفهم مدارس اندونيسيا هكذا ) ثم يقول ( بائعات الهوى يزيفن بطاقات علي إنهن طالبات في الجامعة ) .

لا كلمة واحدة عن المؤتمر . . .

بل إن محمد حسنين هيكل يكتب أيضا في تحقيق ثان يوم 27 مارس 1955 ( وليس يعنيني ماذا قرر المؤتمر ولا كيف كان اتجاه المناقشات فيه تلك كلها مسائل ثانوية ) .

هكذا أسفرت بعض الصحف المصرية عن موقفها من مشاركة جمال عبد الناصر في هذا المؤتمر الذي غير مسار التاريخ بما اتخذه من قرارات اعتبرت دستورا للعلاقات بين الدول , وكانت تطبيقا لمبادئ التعايش السلمي , الذي احتل مكانا رئيسيا من أعمال المؤتمر , ورأس جمال عبد الناصر لجنته . نصت قرارات المؤتمر علي رفض الأحلاف كما ورد في المادة السادسة ( الامتناع عن استخدام التنظيمات الدفاعية الجماعية لخدمة المصالح الذاتية لأي دولة من الدول الكبرى ) .

وعاد جمال عبد الناصر بعد زيارة أفغانستان في طريق العودة .

وعلي قدر ما لقي من استقبالات حافلة في كل دولة زارها علي قدر ما كانت محاولة لعدم استقباله في القاهرة استقبالا شعبيا يناسب نجاح المؤتمر .

كان جمال سالم خلال زيارة عبد الناصر قد عين رئيسا بالنيابة . .

وعندما اجتمع عبد الحكيم عامر و ذكريا محي الدين وكمال رفعت و احمد لطفي وأكد مديرا مكتب جمال عبد الناصر في ذلك الوقت للبحث في إعداد استقبال شعبي , ولما عرض الأمر علي جمال سالم لم يوافق علي ذلك , وطالب أن يكون الاستقبال عاديا , ولكنهم رفضوا رأيه ونفذوا إجراءات الاستقبال وحدهم مما جعله مفاجئا له عند وصوله إلي المطار .

ولم تكن محاولة منع الاستقبال الشعبي من جانب جمال سالم وحده . . . ولكن هنري بايرود السفير الأمريكي اقنع السفراء الغربيين بعدم مقابلة جمال عبد الناصر في المطار بحجة اعتقاده أن استقبال عبد الناصر يجب أن يبقي مظاهرة أسيوية افريقية فقط كما روي كوبلند .

كان موظفو السفارة الأمريكية يطلقون علي مؤتمر باندونج ( لعبة المحتالين من سكان المدن السود ) .

وصل جمال عبد الناصر القاهرة يوم 2 مايو حيث استقبل استقبالا شعبيا حافلا وصفه جان لاكوتير في كتابه ( عبد الناصر ) بقوله ( هبت موجة حارة علي الرجل وعلي الجماهير ففي ميدان التحرير حيث أقيمت أقواس النصر تحمل أسماء عبد الناصر ونهرو وشو ان لاي فشاهدنا سيارة ( جيب ) تخترق الجماهير ويقف فيها ناصر مبتسما ابتسامة عريضة تفرج لأول مرة عن انكماش وجهه الصلب بينما يجري وراءه الشعب الذي طالما واكب في الماضي النحاس باشا أو محمد نجيب فماذا جري الآن ؟ ) .

ويجيب لاكوتير بقوله ( ذلك أن العهد قد ولج طريقا جديدة فقبل سفر البكباشي إلي آسيا بأسبوع ( ولم يكن قد تأكد بعد انه سيذهب بنفسه ) اعتقل رجال المباحث عشرات الشيوعيين وزجهم في غياهب السجون , ولكن عندما قرر ناصر السفر إلي اندونيسيا تلقي برقية من المعتقلين تقول ( عاش المناضل في المعركة ضد الامبريالية ) .

وكتب محمد حسنين هيكل متراجعا عن موقفه المعارض لسفر جمال عبد الناصر إلي المؤتمر قائلا في صحيفة الأخبار ( إن الاستقبال الكبير الذي لقيه جمال عبد الناصر بعد عودته أمس إلي ارض الوطن بعد مؤتمر باندونج المثير , وبعد الرحلة السريعة فوق بلاد الشرق الأقصى اثبت لي مرة أخري خطأ كنت قد وقعت معه . . . واعترف بأنني لم أكن متحمسا لسفر جمال عبد الناصر ولا لاشتراكه بنفسه في مؤتمر باندونج ) .

وكنت قد طلبت مقابلة جمال عبد الناصر عندما علمت باتخاذه قرار السفر بعد فترة طويلة , امتنعت فيها عن ممارسة أي نشاط سياسي نتيجة للمراقبة الشديدة , وعزلي في قويسنا بالجيش المرابط لفترة طويلة بعد أزمة مارس 1954 فكنت الوحيد من خريجي كلية أركان الحرب الذين يعملون في هذا الجيش الذي كان مكلفا بحراسة المنشآت من جنود الاحتياط .

ذهبت إليه في دار رئاسة مجلس الوزراء , فاستقبلني مع البكباشي عبد الحكيم الأعسر زميل مجموعتي للضباط الأحرار بالإسكندرية فور علمه بوجودنا .

وعندما دخلنا كان متهلل الوجه وبادرني بقوله :

_ أخيرا . . . رجعت ورضيت تيجي لنا .

وقلت له صادقا :

_ الشعب كله معاك في خطوتك . . . وأنا واحد من الناس .

وجلست معه لأول مرة بعد سنوات . . . كان مرحا منشرح الصدر . . . تحدث عن معركته ضد الأحلاف بثقة متناهية .

وعندما عاد من باندونج أرسل له خالد محي الدين خطابا قال فيه أن شقة الخلاف بينهما تضيق , وفي نوفمبر 1955 أرسل عبد الناصر إليه رسولا قال له أن يستطيع العودة لمصر , فعاد في 4 ديسمبر 1955 وقابل جمال عبد الناصر لأول مرة أيضا منذ سفره للخارج في ابريل 1954 .

كان موقف جمال عبد الناصر بعد مؤتمر باندونج في مقاومة الأحلاف وتأكيد الاستقلال الوطني اقوي منه قبل المؤتمر واشد تأثيرا .

نهرو حضر إلي مصر في زيارة انتهت إلي بيان مشترك صدر في 12 يوليو 1955 تصمن نصا علي أن الاشتراك في مواثيق وأحلاف عسكرية مع الدول الكبرى يخلق جوا يؤدي إلي الحرب ولا يخدم قضية السلام . . .

وكان ذلك أول بيان رسمي يؤكد في مضمونه الكامل كافة مبادئ باندونج .

هجمات القاهرة علي حلف وحكومة بغداد هزت أعصاب الحكام هناك . . بل دفعت سلوين لويد الذي عين وزيرا لخارجية بريطانيا إلي إبلاغ السفير المصري في أغسطس 1955 بأن بريطانيا ستكف عن بذل المزيد من الجهود لضم الدول العربية إلي حلف بغداد إذا أوقفت مصر دعايتها ضده . . .وقد سر عبد الناصر لذلك كثيرا .

ولكن المعركة مع ذلك لم تتوقف . . . فقد تلقت السياسة البريطانية ضربة شديدة عندما وصل الجنرال سير جيرالد تمبلو إلي عمان في ديسمبر 1955 ليبحث مع المسئولين هناك أمر دخول الأردن حلف بغداد , وقابله الشعب العربي في الأردن بثورة شديدة بددت الأمل في ضم الأردن إلي حلف بغداد .

ولم ينته اثر زيارة تمبلر بمغادرته عمان , فان الأمة العربية التهبت جميعها بمعاداة الأحلاف , وحضر سلويد لويد إلي القاهرة ليؤكد لجمال عبد الناصر ما سبق أن قاله للسفير المصري في لندن من رغبته في وقف حملات الدعاية ضد حلف بغداد , علي أن تجمد بريطانيا مساعيها لتوسيع الحلف , وحاول سلوين لويد التقليل من مهمة تمبلر قائلا إنها تمت تحت ضغط الأتراك والعراقيين .

وتصادف أثناء تناول الاثنين طعام العشاء حسب رواية محمد حسنين هيكل أن تلقي السفير البريطاني برقية تفيد أن الملك حسين قد طرد الجنرال جلوب وطلب منه مغادرة الأردن في نفس الليلة . . . ولكنه لم يبلغ سلوين لويد بها إلا وهما في طريقهما إلي السفارة . . . واعتبر وزير الخارجية البريطاني أن عبد الناصر كان يعلم بذلك وانه سخر منه بعدم أبلاغه .

ولكن تبين أن جمال عبد الناصر لم يعرف بالخبر إلا في صباح اليوم التالي , واعتبر انه إجراء ذكي من البريطانيين لأنه يفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين . . . ولكن سلوين لويد اعتبره أمرا يقود إلي مصير غير معلوم .

حقيقة إن جمال عبد الناصر لم يكن يعلم بالخبر وقت لقائه مع سلوين لويد . . . ولكنها حقيقة أيضا انه كان قد أرسل كمال رفعت واحمد لطفي وأكد مديري مكتبة إلي الأردن لإثارة الجماهير هناك ضد الأحلاف وضد زيارة تمبلر ودراسة أسلوب مهاجمة إسرائيل من الداخل ردا علي هجماتها المتصلة علي قطاع غزة بعد غارتها الشهيرة في 28 فبراير .

كان الاثنان يعملان بأسماء مستعارة . . . ويقول الاثنان إن الشعب الأردني قد قام بثورته ضد تمبلر بدافع ذاتي دون تدخل من جانبهما إطلاقا . . .

وقد روي جمال عبد الناصر قصة إرساله لكما رفعت ولطفي واكد إلي الأردن في مجلس الوزراء . . . وذلك تدليلا علي الدور الذي تقوم به مصر عقب إقالة جلوب .

وكان كمال ولطفي قد اتصلا ببعض الضباط الأردنيين الذين تأثروا بأفكار العسكريين المصريين , والذين لم تصل قدرتهم في ذلك الوقت إلي حد الثورة علي الملك , فقاموا بدلا من ذلك بالضغط عليه لإقالة جلوب حتى يستعيد شعبيته التي فقدها خلال زيارة تمبلر .

كان اسم جمال عبد الناصر في ذلك الوقت يتصاعد عاليا , ويكتسب ملايين الأنصار في الدول العربية . . . وقد اكتشف سلوين لويد ذلك بنفسه عندما جوبه بعد مغادرته مصر بمظاهرات عنيفة في البحرين تهتف ( ناصر . . . ناصر ) .

أصبح واضحا مع نهاية عام 1955 أن الاستعمار قد فقد قدرته علي دعم أحلافه العسكرية في الوطن العربي , وبعد أن كان مفروضا أن تصبح العراق مقدمة للدول العربية الأخرى المنضمة إذا بها تصبح الدول العربية الوحيدة المعزولة في شباك الأحلاف العسكرية .

كان البريطانيون ينظرون إلي قاعدة قناة السويس باعتبارها القاعدة الوحيدة المناسبة استراتيجيا لتكون مقرا للقيادة البريطانية في الشرق الأوسط الممتدة من مالطة إلي باكستان ومن تركيا إلي كينيا .

كانت القاعدة نتاجا لجهد الحرب العالمية الثانية بكل ما توفر منها من مصانع وورش ومحلات ومدن للحياة والترفيه , يصعب علي القيادة البريطانية أن تستبدلها بأخرى , أو تقيم قاعدة بمواصفاتها إذا تهيأ مكان استراتجي ملائم .

وكذا فانه عندما وصلت الأمور عند بريطانيا إلي مرحلة اليأس من ضم مصر إلي الأحلاف العسكرية , اثر ذلك علي حلف بغداد فلم يتحول إلي تنظيم عسكري مثل حلف الأطلنطي ولم تتكون له قيادة عسكرية مشتركة . . . ولم تتوفر له قاعدة رئيسية مثل قاعدة قناة السويس .

ومنذ أن دخل جمال عبد الناصر نادي رؤساء الدول المؤثرة في السياسة الدولية بعد باندونج استخدم تعبيرات جديدة لم تكن في قاموسه قبل ذلك . . . استخدم كلمة الاشتراكية كمرادف للعدالة الاجتماعية . . واعل ناول يونيو 1956 تأكيدا لمبدأ الحياد الايجابي بقوله ( أن سياسة مصر لا شرقية ولا غربية بل مصرية صميمة تعمل مصر وللوطن العربي الأكبر ) . . . وهي الألفاظ نفسها التي اعترض علي يوسف صديق لأنه نادي بها خطاب بمدينة بني سويف عام 1952 لان السفارة الأمريكية احتجت عليها .

تغير كبير في سياسة مصر بعد توقيع اتفاقية الجلاء وعقد مؤتمر باندونج .

تغير أكد وعمق معاني الحياد . . . ومعاداة الأحلاف العسكرية . . . مما جعلها مرادفة للاستقلال الوطني الذي عاش الشعب يناضل من اجله عشرات السنين .

ويستطيع جمال عبد الناصر أن يفخر بقيادته لهذه المعركة الوطنية التي ناضل فيها ضد الامبريالية العالمية معتمدا علي جماهير الأمة العربية . . .

كانت أياما خالدة , صلقت فيها شخصيته ولمع اسمه , واحتشد حوله الملايين في نضاله مع الحياد . . . وضد الأحلاف . . . تأكيدا للاستقلال الوطني .

الفصل الثالث : السوفييت في المنطقة

  • (صفقة الأسلحة المصرية السوفييتية اخطر إجراء منذ قيام حرب فيتنام) …جون فوستر دالاس – وزير خارجية الولايات المتحدة
  • (إن هذه الاتفاقية التجارية التي وقعناها بلا قيد ولا شرط لا تعتبر فتحا للنفوذ الروسي ولا النفوذ الأجنبي ولكنها تعتبر قضاء علي النفوذ الطويل الذي تحكم فينا وسيطر علينا)جمال عبد الناصر

لم يدخل السوفييت إلي المنطقة غزاة . . . ولم يتقدم علمهم خلف التجارة كما فعلت انجلترا في الصين . . . ولم ينتصر تنظيم ماركسي في احدي الدول . . . ولكن دخولهم كان دعوة وطنية من العسكريين .

وكان الاعتقاد السائد عند العسكريين وفي مقدمتهم جمال عبد الناصر أن الحياد ومقاومة الأحلاف العسكرية تماما مثل الاستقلال الوطني معركة لا يتم الانتصار فيها إلا بتحقيق هدفين . . . أولهما جلاء القوات البريطانية عن منطقة قناة السويس , والثاني تسليح الجيش المصري تسليحا حديثا يتناسب مع تطور العصر .

وبدأ النضال من اجل تأكيد الحياد الايجابي ورفض الأحلاف يأخذ طابعا جديدا بعد توقيع اتفاقية الجلاء . . . طابعا يختلف عن مجرد التصريحات المعلنة في فترة المفاوضات أو الكفاح المسلح بالقناة , إذا اتخذ شكلا أكثر ايجابية وحرصا علي ارتباط مصر بالدول العربية وعزل العراق وإبطال دورها في إغراء أية دولة عربية أخري .

كان تحقيق الجلاء حافزا حقيقيا علي تقديم نموذج للدول العربية , أبرزت فيه مصر إمكانية تحقيق دولة الارتباط بحلف من الأحلاف .

أما الهدف الثاني وهو تسليح الجيش . . . فكان قضية العسكريين الكبرى . . . وذلك مفهوم بحكم طبيعتهم وتكوينهم وارتباطهم المهني , وحرصهم علي تكوين جيش وطني كما ورد في أهدافهم الستة .

وبدأ الاهتمام بتسليح الجيش مبكرا . . . مع الأيام الأولي للثورة . . صرح محمد نجيب في شهر أغسطس 1952 ( لابد أن نحصل علي أسلحة حديثة من دولة ما وإذا كنت لا استطيع أن احدد من من الدول سيمدنا بالأسلحة في حالة امتناع أمريكا والديمقراطيات الغربية عن مساعدتنا فمن البديهي في هذه الحالة أننا سنلجأ إلي غيرها ) .

وصرح محمد نجيب أيضا للصحف في شهر نوفمبر بقوله ( إن النداء الذي وجهناه إلي انجلترا للحصول علي أسلحة حدث طبقا لسياسة الحكومة المصرية التي تريد تعزيز الجيش المصري تدريجيا والتوسع في قواته وتعزيز مركز مصر الاستراتيجي أيضا .

وكل ضابط في الجيش المصري كان يدرك أن الأسلحة متخلفة ولا تتناسب مع التطور الحديث الذي حققته الحرب العالمية الثانية والحرب الكورية من بعدها .

ومنذ عام 1936 والحكومة المصرية تسعي لتسليح الجيش من انجلترا بناء علي مواد المعاهدة ولكن السلاح دائما كان مثل السراب .

برنامج تطور الجيش لكي يكون قادرا علي الدفاع عن قناة السويس لم ينفذ لتوتر الموقف العالمي في سنوات ما قبل الحرب حتى عام 1939 بدعوي احتجاج انجلترا لكل قطعة سلاح . . . ثم عطلت الحرب نفسها أية محادثات جدية لتسليح الجيش , خاصة وان بريطانيا لم تعتمد علي الجيش المصري كقوة محاربة في صفوف الحلفاء كما اعتمدت علي جيوش الهند والسودان وليبيا وغانا وغيرها , وذلك لإدراكها أن في مصر بذور حركة وطنية . . . وبالتالي فإنها لم تقدم له تسليحا جديدا .

ولم تتوفر مناسبة للحديث عن تسليح الجيش حتى في مفاوضات صدفي – ليفن 1946 التي فشلت , وأعقبتها حرب فلسطين ففرضت بريطانيا حظرا جديدا لم يرفع إلا عام 1950 .

وكان محمود فهمي النقراشي قد طلب خبراء عسكريين من أمريكا وأثناء وجوده هناك لعرض القضية علي مجلس الأمن , ولكن وكيل وزارة الخارجية الأمريكية أفاد بأنه ( ليس لديهم خطة في هذا الأمر حتى الآن ) .

توصلت وزارة الوفد إلي موافقة الحكومة البريطانية علي وضع مصر في قائمة المشترين للأسلحة الثقيلة مثل الطائرات النفاثة ودبابات سنتورين . . . وأسرعت فوقعت عقدا مع الحكومة البريطانية لشراء 80 دبابة سنتورين فدفعت 80 % من ثمنها عند توقيع العقد . . . ولكن تعثر المفاوضات ثم توقفها دفع الحكومة البريطانية إلي إبلاغ الحكومة المصرية بأن طلبات حلف الأطلنطي ودول الكومنولث سوف تؤخر أسبقيتها في توريد السلاح إلي اجل غير مسمي .

هذا الحظر علي توريد السلاح لم يمنع حكومة الوفد . . . البحث عن سبيل للحصول عليه وخلال فترة الكفاح المسلح 1951 كان فؤاد سراج الدين وزير الداخلية يشتري الأسلحة من الصعيد حسب روايته – ويخزنها في بدروم منزله ثم يرسلها إلي الفدائيين الذين كان يشرف عليهم .

ويقول فؤاد سراج الدين انه اتصل بسفراء يوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا والاتحاد السوفييتي في محاولة الحصول علي أسلحة بدعوة أنها للبوليس , ولكنهم – علي حد قوله – كانوا حريصين علي عدم حدوث استفزاز للغرب , خاصة وان تبادل التمثيل الدبلوماسي مع الاتحاد السوفييتي لم يتم إلا في وزارة الوفد الأولي عام 1942 .

ولم يكن الوفد وحده هو الذي يحاول ذلك . . . صحيفته الاشتراكية دعت صراحة بعد إلغاء المعاهدة إلي عقد مفاوضات سريعة مع دول أوروبا الشرقية لإمداد مصر وجيشها بالسلاح بعد أن أخفقت في شرائه من السويد والدول الخاضعة للنفوذ الأمريكي .

وكانت قد ظهرت في مصر نبرة تدعو إلي التعاون مع الاتحاد السوفييتي بعد موقفه الواضح الصريح في تأييد قضيتنا بمجلس الأمن . .

وقام عمال الميناء في بورسعيد يوم 8 يناير 1952 بربط الأسطول السوفييتي وتموينه وتحميه بحارته رغم إضرابهم عن العمل .

وكان هناك اتجاه أجمعت عليه كل القوي الوطنية لعقد معاهدة صداقة مع الاتحاد السوفييتي خلال فترة الكفاح المسلح في القناة في بداية عام 1952 , ولكن احترقت هذه الدعوة مع حريق القاهرة , ولم تعد تتردد هذه حتى قامت حركة الجيش .

ولم يبدأ العسكريون في مصر من حيث وصل الشعب في قمة كفاحه عام 1951 , ولكنهم طالبوا البريطانيين ومن بعدهم الأمريكيين بتسليح الجيش , تماما كما حاول الوفد من قبل .

ولم يكن متصورا ن يكون هناك رفض كامل ومماطلة شديدة لهذا الطلب المشروع من عسكريين وصلوا إلي السلطة وتفرض عليهم طبيعتهم وظروفهم أن يسلحوا جيشهم بما ينفي عنه صفة الضعف , ويعيد إليه ثقته بعد هزيمة حرب فلسطين عام 1948 .

ولكن الثمن كان باهظا . . . ضرورة الارتباط بحلف دفاعي . . . وكان هذا أمرا مرفوضا تماما .أبلغت حكومة المحافظين محمد نجيب بهذا الشرط التعسفي بصفته قائد عاما للقوات المسلحة , وكان الحظر علي توريد السلاح ما زال مستمرا فقد اشتعل الكفاح المسلح في القناة .

ولجأ مجلس القيادة إلي أمريكا يطلب منها السلاح . . . وكانت المفاجأة أن مصر وأمريكا مرتبطان بعقد تسلح سري مع حكومة علي ماهر التي تولت الحكم بعد حريق القاهرة ( فبراير عام 1952 ) بمبلغ خمسة ملايين دولار .

وعندما اطلع العسكريون علي قائمة هذه الأسلحة وجدوا أنها من النوع الذي يصلح للبوليس أكثر مما يصلح للجيش . . . فلم تكن دبابات أو طائرات أو مدفعية .

وقد ناقش السفير الأمريكي كافري رغبات أعضاء مجلس القيادة في أول عشاء اجتمعوا معه فيه بمنزل البكباشي عبد المنعم أمين المطل علي النيل قريبا من كوبري الجيزة .

وقد وصل إلي القاهرة بعد ذلك في 5 نوفمبر 1952 مستر وليام فوستر وكيل وزارة الدفاع الأمريكية , الذي اجتمع مع جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وعبد المنعم أمين صاحب الصلات الطيبة بالسفارتين الأمريكية والبريطانية .

وانتهت زيارة وكيل وزارة الدفاع الأمريكية إلي الاتفاق علي قائمة أسلحة مناسبة للجيش قيمتها مائة مليون دولار واقترح فوستر إيفاد بعثة إلي أمريكا لتسهيل شحنها ومقابلة المسئولين هناك .وسافر فعلا قائد الجناح علي صبري والقائمقام حسن الفكلاوي إلي أمريكا حيث امضيا هناك عدة أشهر ينتقلان بين مكاتب البنتاجون ومكتب السفير والملحق العسكري المصري دون الوصول إلي نتيجة عملية , رغم ما أحاط بهذه البعثة من تفاؤل شامل , وما غذته عناصر الدعاية من أن الأمور تتحرك بصورة طبيعية .

وعاد إلي مصر وزير الخارجية الأمريكية جون فوستر دالاس ليقدم تبريرا إلي محمد نجيب وجمال عبد الناصر بأن الرئيس الأمريكي الجديد دوايت أيزنهاور قد استجاب لرجاء تشرشل الذي ألح عليه في ! فرض الحظر علي تسليح مصر كما تفعل بريطانيا حتى لا توجه نيران الأسلحة إلي الجنود البريطانيين في قناة السويس , وذلك بحكم زمالتهما القديمة , وقيادة أيزنهاور العسكرية لجنود الحلفاء في الحرب العالمية الثانية .

وتوافقت اللهجة الأمريكية تماما مع اللهجة البريطانية , واقترن توريد السلاح بشرط الانضمام إلي الأحلاف العسكرية . . . وتبدد التفاؤل الذي غمر العسكريين باحتمال وصول أسلحة جديدة للقوات المسلحة .

ومع ذلك لم يغرق العسكريون في بحر اليأس , واحتفظوا بصلات طيبة مع المسئولين الأمريكيين وسافرت الدفعة الثالثة عشرة من خريجي كلية أركان الحرب 60 ضابطا التي دخلت بعد 23 يوليو , والتي كنت ضابطا من أفرادها إلي الولايات المتحدة بدعوة من وزارة الحربية الأمريكية في شهر سبتمبر 1953 .

وكانت المفاجأة أننا بعد قطعنا مئات الأميال وجدنا برنامجا هزيلا يتضمن مشاهدة عرض موسيقي لفرقة من فرق الجيش في ملعب كرة , وثار ضباط الدفعة واحتجوا لدي الملحق العسكري القائمقام عبد الحميد غالب والسفير احمد حسنين علي مغزى هذا الاستقبال المهين , وتغير البرنامج فعلا في أيامه الأخيرة ليحوي زيارة بعض الوحدات ومشاهدة أنواع جديدة من الأسلحة . . . ولكن الزيارة لم تحقق نتيجة أيضا .

ولم تمتنع الحكومة المصرية عن إيفاد بعض ضباطها إلي الولايات المتحدة للحصول علي فرق عسكرية يستخدمون فيها أسلحة وتكتيكات لا تطبق في مصر . . . كما أرسلت أيضا عدة بعثات تدريبية في أعمال البوليس والمخابرات مثل الصاغ حسين عرفة رئيس المباحث الجنائية العسكري بالبوليس الحربي الذي حصل علي فرقة في معسكر كامب كوردون بولاية جورجيا . . . وهذا مثل وحيد لعشرات من الفرق .ظاهرة إرسال الضباط إلي أمريكا توضح انه كان هناك أمل في تحسن العلاقات , ورفع الحظر عن توريد السلاح . . . ولكن الأمر مضى علي عكس ذلك تماما .

ولم يقف مجلس القيادة موقفا جامدا في مواجهة الرفض والمماطلة الأمريكية . . . خاصة وانه كانت هناك بعض المظاهر المحدودة للاهتمام بدول الكتلة الشرقية .

حرص محمد نجيب وجمال عبد الناصر علي زيارة المفوضية السوفييتية بالقاهرة في عيد الثورة الاشتراكية الخامس والثلاثين يوم 7 نوفمبر 1952 رغم أن المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي الذي عقد في أكتوبر 1952 لم يشر إلي حركة الجيش المصري بأي شيء انتظارا لاستكمال الدراسة عن اتجاهاتها وأهدافها .

وتقرر سفر أول بعثة للدول الاشتراكية برئاسة حسن رجب وكيل وزارة الحربية لشئون المصانع وعضوية احمد فؤاد واليوزباشي صلاح هدايت وزير البحث العلمي الذي تخرج في كلية العلوم بعد أن أصبح ضابطا وحسن ناجي رئيس مؤسسة الغزل والنسيج فيما بعد وبعض تجار القطاع الخاص .

وكانت هذه البعثة واحدة من عدة بعثات تقرر إرسالها إلي الدول العربية ودول أوروبا الغربية . ونشرت جريدة المصري أخبار هذه البعثات يوم 11 أغسطس 1953 بمانشيت احمر رئيسي يقول ( الكتلة الشرقية يمكن أن تسد حاجات مصر من الأسلحة ) .

وكان هذا المانشيت الرئيسي إلي جانب انه من نوع الضغط على الأمريكيين والبريطانيين في محاولة الحصول علي الأسلحة , كان بداية تفكير جريء في هذا الاتجاه . . . فقد طلب حسن رجب شرفة رأي الحكومة التشيكوسلوفاكية في توريد الأسلحة . فكان الرد بعد دراسة هو ( نحن بلد نحب السلام ولا نعطي أحدا السلاح ) .

وعندما أرسل أيزنهاور خطابا يعلن فيه استعداد أمريكا لتسليح مصر وذلك أثناء زيارة انطوني هيد وزير الحربية البريطاني للقاهرة إذا تم الاتفاق مع بريطانيا التي كانت تصر علي الارتباط بحلف دفاعي – كما كتب انطوني ناتنج – تأكدت الحقيقة بأن الموقف قد أصبح يدور في حلقة مفرغة .

وخلال لقاء محمد نجيب مع السفير السوفييتي بنيامين سولود في ديسمبر 1953 تطرق الحار إلي ممالأة مصر للغرب , ثم تساءل محمد نجيب عن احتمالات تسليح الاتحاد السوفييتي لمصر . . .

وكان هذا أول حديث رسمي يدور بين مسئول مصري ومسئول سوفييتي حول هذا الموضوع .

ولكن لم يكن الحديث الوحيد . . . كان ضيق حلقة الحصار حول توريد السلاح يدفع المسئولين إلي عمل تجسسات مختلفة .

السفير المصري في موسكو عزيز المصري استفسر من السوفييت أيضا عن احتمالات تسليحهم لمصر بمبادرته الخاصة خلال عام 1954 ولكنه لم يقدم لهم طلبات أو يتابع الموضوع بطريقة رسمية كما روي لي الدكتور مراد غالب مستشار السفارة في ذلك الوقت . واحمد لطفي وأكد مدير مكتب جمال عبد الناصر اتصل أيضا بمستشار السفارة السوفيتية بالقاهرة في وقت متأخر بعد توقيع اتفاقية الجلاء لمناقشة موقفهم من سفر عبد الناصر إلي باندونج وتطرق الحديث إلي موضوع الأسلحة دون ربطه بوثائق رسمية أو خطابات متبادلة .

كان جمال عبد الناصر حريصا علي طرق باب هذا الاحتمال , فكلف حسين عرفة مدير المباحث الجنائية بالبوليس الحربي والذي كان مكلفا بالاتصال بالشيوعيين والتسرب إلي صفوفهم وتسهيل بعض الأمور لهم اكتسابا لثقتهم . . . وفي هذه الفترة تعرف ببعض التقدميين مثل محمد كامل البنداري و عبد الرحمن الشرقاوي والدكتور محمد أنيس , وحضر معهم مؤتمر الدفاع عن شعوب الشرق الأوسط ومؤتمر السلام في برلين عام 1955 . . . وطلب حسين عرفة من البنداري أن يتصل بالسفير السوفييتي باعتباره صديقا له منذ كان سفيرا في موسكو ليسأله عن إمكانية تقديم السلاح لمصر , وجاء الرد السوفييتي بأن تقديم السلاح لمصر والجنود البريطانيون يحتلون القناة سيكون معناه في النهاية تسليم السلاح للبريطانيين .

وقام حسين فهمي رئيس تحرير الجمهورية والصحفي المقرب من جمال عبد الناصر باتصال آخر بالسفير السوفييتي سولود في وقت متأخر بعد ذلك , وجاءت الموافقة علي تقديم الأسلحة من ناحية المبدأ ولما الغ حسين فهمي الموافقة لعبد الناصر كان الصمت هو الجواب .

وأعطي صلاح سالم تصريحا للصحف في فبراير 1954 قال فيه ( إن مصر قد عرضت كل مشروعاتها علي الدول المختلفة ومنها روسيا وانه توجد اتصالات في هذا الخصوص وهناك احتمال أكيد أن تقدم روسيا علي إقامة بعض المشروعات لو حصل اتفاق نهائي علي التفصيلات . . وأحب أن أضيف أن مصلحة مصر سيكون لها دائما الكلمة الصلب ) (1) .

وكان مجلس الإنتاج القومي الذي شكل برئاسة حسين فهمي قد تلقي بناء علي دراسته واتصالات البعثة التي زارت الدول الاشتراكية عروضا لإقامة مصانع في مصر .

وعندما عرض احمد فؤاد وصلاح هداية اتفاقيات البعثة علي جمال عبد النار في حضور جمال سالم ثار الأخير ثورة شديدة , معترضا علي هذا الاتجاه . . . وقال جمال عبد الناصر في هدوء لاحمد فؤاد ( تبقي تحكي الكلام ده للي ييجوا يحكموا بعدنا ) . . . وذلك لان الوقت كان في قمة التوتر لازمة أعضاء المجلس مع محمد نجيب في مارس 1954 .

ولم تسفر هذه التصريحات أو الاتصالات عن شيء إلا زيارة سولود إلي محمد نجيب بمنزله في يناير 1954 وإبلاغه أن الاتحاد السوفييتي قد وافق من ناحية المبدأ علي بيع السلاح لمصر . . . ويقول محمد نجيب انه أرسل كتابا بذلك إلي عبد الحكيم عامر بصفته قائدا عاما للقوات المسلحة يطلب منه كشفا بالأسلحة المطلوبة , وانتهت صلته بهذا الموضوع . .

فقد كانت هذه الفترة في علاقة محمد نجيب ببقية أعضاء قيادة الثورة , وهى التي انتهت إلي أزمة مارس 1954 ثم إعطاء نجيب صفة شكلية كرئيس للجمهورية حتى تم عزله في 14 نوفمبر 1954 .

إذا صحت هذه الرواية فهي لا تعني أكثر من اندفاع نجيب في مطالبته للسلاح من السوفييت في وقت كان جمال عبد الناصر يعتقد فيه أن الوقت لم يكن ملائما بعد لاتخاذ هذه الخطوة الجريئة التي تعني احتمال حدوث صدام مع انجلترا وأمريكا في وقت لم تكن فيه اتفاقية الجلاء قد وقعت بعد . . . بين انطوني هيد وزير الحربية وجمال عبد الناصر .

وعقب توقيع اتفاقية الجلاء بالحروف الأولي في يوليو 1954 رفعت بريطانيا الحظر عن توريد السلاح إلي مصر في شهر أغسطس 1954 , وكان هذا يشير بأن مصر سوف تحصل علي احتياجاتها من الأسلحة دون صدام مع الدول الاستعمارية .

أرسلت بعثة عسكرية إلي أمريكا في شهر سبتمبر 1954 برئاسة اللواء محمد إبراهيم رئيس أركان حرب الجيش , وعضوية الاميرالي مصطفي يوسف مدير التدريب والقائمقام عبد المحسن كامل مرتجي مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة , والبكباشي صبري كمال أركان حرب المدرعات . . . ولكنها لم تحقق مثل علي صبري السابقة أية نتائج .

كان موقف الرفض والمماطلة ما زال مستمرا , خاصة وان موقف جمال عبد الناصر من معركة الحياد ومعاداة الأحلاف قد أصبح أكثر وضوحا وتأثيرا في المنطقة .

وحدث في ذلك الوقت حادث كانت له ابعد الآثار في سياسة مصر خلال هذه المرحلة وما بعدها . . . وهو اعتداء إسرائيل علي قطاع غزة والإغارة علي معسكر للجيش المصر وقتل 38 جنديا مصريا يوم 28 فبراير 1955 .

تم هذا الحادث في وقت لم تكن فيه العلاقات المصرية الإسرائيلية في حالة من التوتر الشديد , بل كانت هناك فرص للتفاهم لم تقبلها المؤسسة العسكرية في إسرائيل كما سيأتي توضيحه في فصول قادة .

ووجد جمال عبد الناصر أن موقف الجيش المصري يحتاج إلي علاج سريع فالأسلحة قديمة متخلفة ورغم رفع انجلترا للحظر المفروض علي مصر فإنها لم تورد سوي 32 دبابة سنتورين من الدبابات الثمانين التي تم التعاقد عليها ودفع ثمنها في عهد حكومة الوفد . . . وتبين أن رفض أمريكا لتوريد السلاح لم يكن من اجل إجبار مصر علي دخول الأحلاف فقط , وإنما كان من اجل إسرائيل أيضا . . . فهي رغم أنها لم تكن تصدر لها السلاح حتى ذلك الوقت , فإنها لم تكن توافق علي ترجيح كفة الدول العربية علي إسرائيل .

وحاولت مصر كسر هذه القيود . . . فأرسلت بعثات إلي الدول الأوروبية لشراء السلاح . . واتضح أن فرنسا تشترط عدم مساعدة ثوار الجزائر وأنها تورد السلاح لإسرائيل , وأنها تعاقدت معها علي توريد طائرات المستير النفاثة علي أن يتم التسليم في منتصف عام 1956 . . . وتعاقدت إسرائيل أيضا مع كندا للحصول علي الطائرات الأمريكية سابر .

أما البعثات العسكرية المصرية التي ذهبت إلي سويسرا والسويد وايطاليا واسبانيا فإنها لم تستطع الحصول علي أسلحة ثقيلة متطورة لان إنتاج هذه البلاد محدود .

وعرضت علي جمال عبد الناصر في هذا الوقت وثيقة سرية للغاية حصل عليها احد ضباط المخابرات المصرية كانت قد طبعت من 12 نسخة فقط وهي تنص علي النقاط الآتية بعد مقدمة عن تطور العلاقة بين انجلترا وإسرائيل .

1 – اتفاقية الجلاء لن تحول دون عودة القوات البريطانية لاحتلال قاعدة القناة مرة ثانية .

2 – إن بريطانيا لن تمد مصر بالسلاح إلا إذا ارتبطت معها بحلف عسكري .

3 – وجود تعاون وثيق وتأييد كامل لسياسة إسرائيل وهجومها علي قطاع غزة وتطلب الوثيقة من القيادة البريطانية في الشرق الأوسط تجنيد بعض المصريين للتعاون معها في حالة العودة .

وسافر جمال عبد الناصر وصلاح سالم إلي باندونج وهما يحملان هموم الغارة الإسرائيلية علي غزة , والحصار المضروب علي مصر لمنع حصولها علي السلاح . . . إلي جانب الإصرار علي مقاومة التسري الغربي داخل الوطن العربي عن طريق جذب بعض دوله إلي الأحلاف العسكرية .

وكان مؤتمر باندونج نقطة تحول رئيسية في مسار السياسة المصرية . . . صقلت شخصية عبد الناصر , واكتسب في المؤتمر شعبيته إحاطة اسمه بهالة من التقدير كقائد وطني , وزادت معتقداته في أهمية الحياد ورفض الأحلاف صلابة .

ليس هذا فقط بل أتاحت له الظروف أيضا فرصة فريدة لنقل موضوع الحصول علي السلاح إلي مرحلة أكثر ايجابية انتهت إلي كسر الاحتكار الذي فرضته الامبريالية العالمية .

قال لي صلاح سالم أن الفيللا التي أقام بها كانت قريبة من سكن شو ان لاي رئيس وزراء الصين الذي شاركه عبد الناصر في دائرة الضوء والاهتمام داخل المؤتمر وخارجه علي نطاق عالمي . . . وفي احدي الزيارات المتبادلة , صارحه سالم بحاجة مصر إلي السلاح لمقاومة تهديدات إسرائيل وبناء جيش وطني قادر علي تثبيت مبادئ الحياد الايجابي وسأله عما إذا كان يمكن للصين أن تقدم له حاجته من السلاح .

واعتذر شو ان لاي قائلا أن الصين تستورد سلاحها من الاتحاد السوفييتي وانه إذا وافق صلاح فسيبذل جهده للاتصال بالسوفييت ومعرفة رأيهم في موضوع توريد السلاح لمصر . . . ووافق صلاح فورا .

وقابل جمال عبد الناصر السير رالف ستيفن سون السفير البريطاني وأطلعه علي الوثيقة بعد أن طمس نمرتها , ونفي له السفير علمه بها . . . ولكن الجنرال هل قائد القوات طلب من اللواء عامر نقل ضابط مخابرات منطقة القنال إلي القاهرة حتى لا يؤثر ذلك علي تنفيذ الاتفاقية ولكن طلبه رفض إلي لحظتها باعتباره تدخلا في شئون مصر الداخلية .

بدأ الشك ساور عبد الناصر في تواطؤ انجلترا وإسرائيل معا علي ضياع اثر اتفاقية الجلاء وثبوت التعاون بينهما وخاصة بعد تصريح تشرشل الذي قال فيه انه يود أن يري إسرائيل اقوي دولة في المنطقة .

وكانت غارة غزة قد أثبتت أن هناك نقصا في ذخيرة الجيش المصري .

وأصدرت إدارة المخابرات توجيهاتها إلي ضباطها في منطقة القناة بمحاولة الاستيلاء علي ذخائر كانت تنقص مدفعيتنا المضادة للطائرات والمضادة للدبابات من مخازن القاعدة وذلك بعد محاولة شرائها من الجيش البريطاني ورفض قادته الموافقة علي ذلك .

وقد أمكن فعلا سرقة عدد من القطارات والدبابات المحملة بالذخيرة من أبو سلطان سلمت لمدير مكتب السفير للتسليح .

والشيء المقطوع ب هان صلاح سالم لابد وانه ابلغ جمال عبد الناصر بحديثه مع شو ان لاي . . . وانتهي المؤتمر والطلب معلق بلا جواب .

وبعد العودة لمصر وفي شهر مايو 1955 اتصل دانيال سولود السفير السوفييتي بصلاح سالم وابلغه موافقة الاتحاد السوفييتي علي توريد ما تشاء مصر من أسلحة , وأبدى له استعداد السوفييت أيضا للمساهمة في المشروعات الصناعية التي يحتاجها تطوير المجتمع .

ابلغ صلاح سالم جمال عبد الناصر بحديث السفير السوفييتي , ويقول أن صلته بعد ذلك انتهت بهذا الموضوع , فقد حمل مسئولية الاتصال بعد ذلك علي صبري مدير مكتب جمال عبد الناصر .

ومع وجود هذا العرض المفتوح من جانب السوفييت والذي تم الاتفاق عليه مع جمال عبد الناصر فان التعاقد لم يوقع عليه أو ينفذ . . . فقد كان جمال عبد الناصر شديد الحذر في اتخاذ هذه الخطوة التي تعنى صداما مباشرا مع الأمريكيين والبريطانيين الذين ما زالت بعض قواتهم في منطقة القناة لم ترحل بعد .

واستخدم جمال عبد الناصر اتفاقه مع السوفييت كقوة ضغط على الغرب في محاولة أخيرة لإجبارهم على توريد السلاح . . . اتصل جمال عبد الناصر بسفيري أمريكا وبريطانيا وابلغهما أنباء الصفقة وحذرهما من اضطراره لقبولها , إذا لم تصله أسلحة من الدولتين .

واقبل شهر يونيو دون أن يتلقى جمال عبد الناصر ردا عليه من السفيرين . . . في الوقت الذي كان يستعجل فيه السفير السوفييتي موقف مصر لإبلاغ موسكو . . .

ولم يجد جمال عبد الناصر بدا من عرض الأمر علي مجلس قيادة الثورة خشية تراجع السوفييت عن موقفهم بعد مضي عدة أسابيع دون تعاقد . . . واقترح السفير السوفييتي سولود في شهر يونيو دعوة شبيلوف رئيس تحرير البرافدا والنجم الصاعد في سماء السياسة السوفييتية لحضور احتفالات عيد الثورة الثالث في القاهرة .

وجهت الدعوة إلي شبيلوف الذي حضر إلي القاهرة , حاملا معه تفويضا انتهي إلي مشروع اتفاق يقدم به الاتحاد السوفييتي أسلحة لمصر قيمتها 80 مليون جنيه وتشمل طائرات نفاثة من طراز ميج المقاتلة , وقاذفة القنابل اليوشن , ودبابات ستالين الشهيرة علي أن يتم الدفع بالقطن المصري خلال 12 عاما واتفاقيات الدفع بالقطن كانت ترفضها أمريكا لتوفر القطن عندها .

وتم الاتفاق علي أن يكون التعاقد بين الحكومة المصرية والحكومة التشيكوسلوفاكية, وقد رأى جمال عبد الناصر أن ذلك قد يقلل من حجم المشكلة أمام الغرب , خاصة وان تشيكوسلوفاكيا كان قد سبق لها إمداد إسرائيل بالأسلحة أثناء حرب فلسطين ثم توقفت بعد عدة شهور , عودة لسياسة ستالين التي تقضي بعدم تقديم أي مساعدات عسكرية أو اقتصادية لأي دولة غير شيوعية .

كان مشروع الاتفاق تغييرا حقيقا في سياسة الاتحاد السوفييتي بالمنطقة , لما مسه في الثورة المصرية من معاداة للاستعمار والأحلاف العسكرية وارتباط بالقوى التحررية في باندونج .

وكان الاتحاد السوفييتي قد قطع علاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل في فبراير 1953 عقب إلقاء قنبلة علي مفوضيته في تل أبيب .

وكانت مصر أول دولة غير شيوعية تتلقي أسلحة من الاتحاد السوفييتي , علي أساس السياسة الجديدة التي تقضى بمساعدة قوى التحرر الوطني دون شروط أو التزامات , ودون تحديد لنوع السلاح أو كميته .وهكذا اسقط مشروع الاتفاق المصري السوفييتي كل القيود التي كان يفرضها الغرب علي توريد السلاح .ومع ذلك ظل الاتفاق سرا غير معلن وغير موقع . . . فقد كان جمال عبد الناصر يريد له أن يأخذ مداه كقوة ضغط علي الغرب يعقبه من تصادم محتمل منه .

( ظل جمال عبد الناصر مترددا بأمل تغير يحدث في الساعة الحادية عشرة في موقف الغرب ) كما يقول ناتينج .

كان جمال عبد الناصر يعتمد علي رأى السفير الأمريكي هنري بايرود الذي ساند طلبه في الحصول علي معدات عسكرية معتقدا انه ليس ثمة خطر من استخدام ناصر لهذه الأسلحة ضد المصالح الأمريكية ويتطلع إلي إفراج الحكومة البريطانية عن توريد 32 دبابة سنتورين ومن مدرعتين خلال الشهور التالية رفع الحظر في أغسطس 1953 .

واستدعي جمال عبد الناصر الملحق الجوي في سفارة مصر بواشنطن قائد الجناح وابلغه أن هناك مشروع اتفاق نهائي لم يوقع بعد بصفقة أسلحة مع السوفييت وان عليه إبلاغ المسئولين في واشنطن باضطرار مصر للحصول عليها إذا ظلت أمريكا في موقف الرفض .

ولكن كل هذه المحاولات انتهت إلي لا شيء .

ولخص الأميرال برا وفورد هذه الحقيقة أمام احدي لجان الكونجرس بقوله ( إن المصريين يريدون شراء أنواع من السلاح لا نريد لهم أن يحصلوا عليها ) .

ولم يكن هناك بد من توقيع الصفقة والإعلان عنها .

أول من سرب أخبارها كان صلاح سالم في لقائه مع الشيوعيين الأربعة الذين استدعاهم إلي مكتبه يوم أول سبتمبر 1955 للاتصال بالحزب الشيوعي السوداني وهم يوسف إدريس وفتحي خليل وإبراهيم عبد الحليم وزهدي .

وأخبار الصفقة وموضوعها لم يعرض علي مجلس الوزراء مطلقا حتى أعلنها جمال عبد الناصر كما روي لي فتحي رضوان .

وصرح جمال سالم في كلكتا أثناء زيارة قام بها إلي الشرق الأقصى والتي استقال خلالها شقيقه صلاح سالم من مناصبه بقوله ( إن مصر ستشتري أسلحة من روسيا إذا تخلت الدول الأوروبية عن تعاقداتها ) .كما نشرت الأهرام يوم 6 سبتمبر 1955 .

وسافر أول وفد صحفي إلي الاتحاد السوفييتي برئاسة حسين فهمي رئيس تحرير الجمهورية وعضوية علي أمين و احمد بهاء الدين و انجي رشدي خلال شهر سبتمبر وهو أول وفد صحفي يزور موسكو في تاريخ العلاقات بين البلدين .

والذي يتابع أخبار الصحف في هذه الفترة التي امتدت من يوم الغارة علي غزة في 28 فبراير حتى شهر سبتمبر يجد أن مانشيتات الصحف لم تتوقف خلال هذه المدة عن الإعلان عن اعتداءات إسرائيلية واشتباكات مع الفدائيين وقوات الجيش المصري , الأمر الذي كان يستهدف الضغط علي مصر , والذي كان يدفعها في نفس الوقت إلي محاولة الحصول علي السلاح دفاعا عن أرضها واستقلالها وحيادها أيضا .

ونشرت جريدة الأهرام فجأة يوم 26 سبتمبر مانشيت رئيسي يعلن ( أمريكا تعرض بيع أسلحة علي مصر ) وتقول ( العرض الروسي بتقديم الأسلحة لمصر يزعج وزارات الخارجية والدفاع في أمريكا – منع الروس من دخول الشرق الأوسط أهم الأمريكان إرضاء إسرائيل ) .

ونشرت أيضا ( إن قوات إسرائيل المسلحة مزودة بأسلحة أفضل من كل قوات البلاد العربية مجتمعة وذلك لأنها كانت قد ابتاعت في الماضي مقادير كبيرة من الأسلحة من بريطانيا ) .

وظهرت الأهرام أيضا في اليوم التالي 27 سبتمبر بمانشيت رئيسي يقول ( أمريكا تباحث مصر لتزويدها بالسلاح ) وتقول فيه ( العرض الأمريكي جاء بعد رفض قبول أسلحة مجانا مقابل انضمامها لميثاق الأمة المتبادل ) .

وفي اليوم التالي 28 سبتمبر كان العنوان الرئيسي للأهرام ( جمال عبد الناصر يشرح قصة تسليح الجيش المصري ) .

وكان جمال عبد الناصر قد اختار أن يعلن النبأ الحاسم من داخل الجيش , واختار فرصة افتتاح معرض للصور الفوتوغرافية إقامته الشئون العامة للقوات المسلحة يوم 27 سبتمبر ليعلن علي العالم صفقة الأسلحة التشيكوسلوفاكية .

روي جمال عبد الناصر قصة الأسلحة منذ بدايتها وقال ( إن هذه الاتفاقية التجارية التي وقعناها بلا قيد ولا شرط لا تعتبر فتحا للنفوذ الروسي ولا للنفوذ الأجنبي ولكنها تعتبر قضاء على النفوذ الطويل الذي تحكم فينا وسيطر علينا . . . إن مصر , مصر المستقلة مصر الثائرة القوية لن تمكن لنفوذ أجنبي في بلادنا ) .

وأعلن جمال عبد الناصر أن الاتفاق قد وقع نهائيا منذ أسبوع واحد فقط . . . وهذا يعنى انه وقعه بعد أن استنفد كل وسائله مع أمريكا وبريطانيا للحصول على السلاح .

وفي اليوم التالي لإعلان الخبر أرسلت بريطانيا وأمريكا تحذيرا إلي الاتحاد السوفييتي .

ووصف دالاس الصفقة بأنها ( اخطر إجراء منذ قيام حرب فيتنام ) .

وكان دالاس قد حاول منع الصفقة في الدقيقة التاسعة والخمسين وأرسل إلى القاهرة كير ميت روزفلت عميل المخابرات المركزية الأمريكية . . . ( وتتناقض أقوال محمد حسنين هيكل في كتابه ( عبد الناصر والعالم ) مع أقوال مايلز كوبلن في لعبة الأمم . . . الأول يقول أن عبد الناصر قرر أن يقطع الطريق على كير ميت روزفلت بإعلان الخبر قبل مقابلته . . . والثاني يقول أن كير ميت روزفلت قابله قبل إعلان الصفقة فعلا ووجد من الحكمة إلا يعترض عليها بعد أن انتهت وإنما حاول إقناع عبد الناصر بأن بعضها أسلحة دفاعية وانه على استعداد لان يقبل مشاركة الإسرائيليين للقيام بجهد مشترك بغية الوصول إلي سلم دائم .

ولكن عبد الناصر لم يعلن شيئا من هذا إما لأنه لم يقابل كير ميت روزفلت قبل الإعلان . . . وإما لحدوث خلاف بينه وبين السفير الأمريكي بايرود وفي احدي الجلسات الخاصة , جعله يرفض الاستجابة لأي طلب أمريكي .

أعلن جمال عبد الناصر في 2 أكتوبر أثناء الاحتفال بتخريج دفعة جديدة للكلية الحربية ( لقد كانت حادثة 28 فبراير 1955 والاعتداء اليهودي المدبر على غزة الذي وصفه مجلس الأمن بأنه اعتداء وحشي على جنود امنين . . . كان هذا الاعتداء نقطة تحول ) .

ولم يقبل دالاس في سهولة أن تتخطي مصر نقطة التحول في طريقها الجديد . . . وبعد أن عجز مندوبه كير ميت روزفلت عن إقناع عبد الناصر بالعدول عن الصفقة , قرر أن يرسل له إنذارا مكتوبا في رسالة مغلقة مع وكيل وزارة الخارجية الأمريكية جورج الين , وقيدت وكالات الأنباء الأمريكية هذا الخبر .

وغلت الدماء في رأس عبد الناصر عندما سمع بخبر الإنذار واتخذ خطوات ايجابية حاسمة .

استدعي كير ميت روزفلت وابلغه انه إذا جرؤ الين على تقديم الإنذار فانه سأمر بطرده من مكتبه وسيعلن قطع العلاقات الدبلوماسية مع أمريكا .

اتصل جمال عبد الناصر في نفس الوقت بأوسع دائرة من الضباط الأحرار وابلغهم انه سيقاوم الإنذار الأمريكي حتى ولو اضطر إلي الكفاح السري المسلح وقد استخدم تعبير under ground وهو يبلغ ذلك إلي محمد فؤاد ولطفي واكد . . . لتتصل بالشيوعيين استعدادا للمقاومة الشعبية .

طلب من قيادة الجيش توضيح أبعاد صفقة الأسلحة وما تحققه لمصر من كسر الخضوع لاحتكار السلاح وتأكيد الاستقلال الوطني . . . وقد ألقيت محاضرات وكلمات وعقدت ندوات في كافة وحدات الجيش حول هذا المضمون .

كلف ضباط المخابرات المنبثين في منطقة القنال بمراقبة تحركات القوات البريطانية التي لم تكن قد انسحبت كلها من القاعدة بعد . . . وأعطى إنذارا لقوات الجيش بأن تكون علي استعداد وفي حالة طوارئ .

وقد تصرف بايرود وكير ميت روزفلت بمبادرتهما الخاصة واتصلا بجورج الين وهو في الجو ليطلبا منه عدم الإدلاء بتصريحات للصحفيين عند هبوطه من الطائرة , وأقنعاه بعدم بعد مقابلته بعدم تقديم الإنذار المكتوب , تفاديا لانفجار يحدثه الموقف الشديد التوتر كما ذكر هيكل في كتابه ( عبد الناصر والعالم ) .

واستقبل عبد الناصر جورج الين الذي لم يقدم الإنذار واكتفي بأن قال له أن دالاس في ضيق , وكان رد عبد الناصر ( وليكن . . . ولكن شعبي مهدد ) .

وحاول الين للمرة الأخيرة أن يثنيه عن تنفيذ الصفقة بقوله انه في حالة إلغائها فان الولايات المتحدة تتطلع إلي إمداده بالسلاح .

وأجابه عبد الناصر قائلا : لقد فات الأوان .

نعم كان الأوان قد فات . . . وعلق موشي شاريت على الصفقة قائلا ( إنها خطر لا مثيل له ومن المحتم أن تؤثر تأثيرا بالغا على امن إسرائيل . . . كما أنها غيرت ميزان القوي تغييرا حاسما وضع حدا لتفوق إسرائيل النوعي على مصر . . . أنها خطر داهم لم تشهده إسرائيل منذ حرب الاستقلال ) .

واستقبل الشعب المصري أنباء الصفقة استقبالا حماسيا وازداد اسم جمال عبد الناصر لمعانا , وارتفع نجمه في سماء الأمة العربية بل وفي العالم الثالث رمزا لقدرة النضال على مواجهة الاستعمار .

وكان إتمام صفقة السلاح بعد 160 يوما فقط من افتتاح مؤتمر باندونج تأكيدا لاستمرار سنوات الصعود , وبعثا للثقة في نفوس الجماهير التي شعرت للمرة الأولي إنها تملك إرادتها وأنها قادرة على تحقيق ما يشبه المعجزات .

يقول جان لاكوتير في كتابه عبد الناصر ( نسقت الدعاية الرسمية والحركة اليسارية جهودهما للمرة الأولي وأثارتا لدى الجماهير ردات فعل حماسية عارمة ) .

والحقيقة القاطعة أن اليسار المصري قد رحب بهذه الخطوة ترحيبا شديدا , واعتبرها نقطة تحول في مسار السياسة المصرية , تدفع قرارات باندونج لتطبيق عملي . . . ولكن معظم قيادات الحركة الشيوعية كانوا في السجن ومن هناك ارسلو برقيات تأييدا لجمال عبد الناصر .

وكما لم يشترط الاتحاد السوفييتي أية شروط تتعلق بصفقة الأسلحة من حيث الكمية أو النوع أو طريقة الدفع . . . فإنهم لم يشترطوا أيضا طريقة الإفراج عن الشيوعيين المصريين واعتبروا هذا أمرا داخليا لا يجوز التدخل فيه . . . وان مراحل النضال وحدها هي الكفيلة بإبراز الدور الوطني للشيوعيين .

تحطم الاحتكار الغربي للسلاح في سهولة ويسر , ولم تحدث ردود فعل عنيفة أكثر من محاولة تقديم إنذار دالاس . . . وفتحت مصر الباب لمزيد من صفقات الأسلحة بين دول منطقة التحرر الوطني والاتحاد السوفييتي .

وحضر إلي مصر عقب إعلان الصفقة وزير خارجية سوريا صلاح البيطار على رأس وفد سوري للتعرف على إبعاد الصفقة .

وبعد أيام انتهت المباحثات بين مصر وسوريا إلي عقد ميثاق عسكري في أكتوبر 1955 اعتبر فيه أن أي اعتداء على أي دولة من الدولتين يعتبر اعتداء على الأخرى وقررن مصر تسجيل هذا اليوم 20 أكتوبر باعتباره ( يوم الجيش ) تحتفل به كل عام . ( ولم تمض عدة شهور حتى تعاقدت سوريا مع الاتحاد السوفييتي على شراء السلاح وتبعتها أفغانستان ولم يمض وقت طويل حتى كانت اليمن هي الدولة الرابعة , ومن بعدها توالت تعاقدات الدول , وكأنها مسبحة انفرط عقدها من يد الامبريالية العالمية التي كانت تقبض عليها .

كانت نتيجة هذه الصفقات المتتالية نهاية مرحلة كانت الامبريالية العالمية تسيطر فيها علي كافة دول العالم غير الشيوعية وتراقب مراكزها وتحدد قوتها وتسلب منه إرادتها إلى جانب ما تستولي عليه من المواد الخام ومن جهد الإنسان .

ومن الأمور الرئيسية التي ساعدت على تحقيق هذه الصفقة وإحداث تغيير جذري في موازين القوى العالمية حرص العسكريون في مصر على تزويد الجيش بأحدث الأسلحة الممكنة .

طبيعة العسكريين لعبت دورا كبيرا ف شق هذا الطريق الذي كان يبدو وعرا يصعب السير فيه . . . ولكنهم أقدموا على خوضه بكل ما يملكون في أنفسهم من اندفاع تلهبه حماسة الشباب , وكل ما في صدورهم من إصرار على خلق جيش يحمي مصر من العدوان .

والأسلحة التي حصلت عليها مصر كانت حديثة تماما . . . أدخلتها عصر النفاثات في عالم الطيران , ووفرت لها الدبابات الثقيلة وشبكة اتصالات اليكترونية , ومحطات رادار حديثة , وقوارب توربيد . . . وكاسحات ألغام . . . وكانت هذه أسلحة يسيل لها لعاب العسكريين .

ووصول هذه الأسلحة إلي بلد غير شيوعي من الاتحاد السوفييتي ما كان ليتم لولا وفاة ستالين وحدوث تغيير في سياسة الحزب الشيوعي السوفييتي ظهرت واضحة في قرارات المؤتمر العشرين الذي عقد في فبراير1956 وقرار الانفتاح علي شعوب آسيا وأفريقيا ودعم حركات التحرر الوطني .

ولم يجد الاتحاد السوفييتي في ذلك تعارضا مع سياسة التعايش السلمي التي تبناها لان مساندة دول التحرر الوطني بالسلاح يخدم استقلالها الوطني وحيادها ومعاداتها الأحلاف , وهي الأمور التي تحاصر جموح الامبريالية العالمية , وتجبرها على قبول مبدأ التعايش السلمي .

وقد فرض هذا الأسلوب السوفييتي في التعاون مع الدول غير الشيوعية أسلوبا جديد في تعامل أمريكا مع الدول غير المرتبطة معها بأحلاف دفاعية . . . وهو الأمر الذي انتهي إلي إقرار مشروع أيزنهاور في 5 يناير 1957 , مما سيأتي تفصيله فيما بعد , وإمداد الأردن ولبنان وتونس وغيرها بالأسلحة رغم عدم ارتباطها بأحلاف دفاعية .

وهكذا أدت صفقة الأسلحة إلى انقسام الموقف في الشرق الأوسط إلي دول وطنية متحررة تشتري السلاح من الاتحاد السوفييتي بلا قيود أو شروط , ودول أخرى تابعة للامبريالية ومرتبطة معها إما بأحلاف عسكرية أو بقبول ما ورد في مشروع أيزنهاور .

هذا الموقف الجديد لمصر أتاح لها للمرة الأولى منذ ثلاثينيات القرن الثامن عشر في عهد محمد علي أن تحصل على السلاح الذي تريد لتحقق أمال قادتها العسكريين ومصر لم يحكمها عسكريون مهنة واصلا منذ عهد محمد علي وإبراهيم إلا محمد نجيب وجمال عبد الناصر .

استقبلت الأسلحة السوفيتية استقبالا جيدا من جانب ضباط القوات المسلحة المصرية , لأنهم وجدوا فيها بديلا عظيما عن الأسلحة البسيطة التي كان يشتريها الجيش من السويد أو سويسرا فقط .

وسافر إلى تشيكوسلوفاكيا ثم الاتحاد السوفييتي ضباط مصريين للتدريب لأول مرة في التاريخ وكانوا يسافرون بأسماء مستعارة تحاشيا للأمريكيين .

ووصل الخبراء السوفيات العسكريون في عام 1958 بدءوا بإعداد محدودة على مستوى القيادات العليا فقط , واشتركوا في إعادة تنظيم الجيش على أساس توحيد مدارسه .

كان الجيش حتى ذلك الوقت خليطا من أفكار واتجاهات ومدارس مختلفة . . . الأسلوب والتنظيم التقليدي البريطاني الذي نظم الجيش على أساسه منذ الاحتلال عام 1882 , والدراسات الأمريكية المستحدثة من ذهاب عدد متزايد من الضباط إلي دورات تدريبية في أمريكا, وصلت إلي مستوى قادة السرايا , واستيراد عدد من الخبراء العسكريين الألمان وعلى رأسهم الجنرال فون باخر الذين خدموا في عهد النازي وتأثيرهم المتزايد في الأبحاث والصواريخ والمخابرات . . . وأخيرا وصول الأسلحة السوفيتية الحديثة .

وتنظيمات الجيش على مختلف المستويات من الجماعة إلي الفرقة تعتمد على التسليح , بل ترتبط به . . . ولذا كان ضروريا أن يعاد تنظيم الجيش علي أساس العقيدة السوفيتية , وان تتوحد مدارسه . . . وقد تم ذلك على مراحل متدرجة .

وأرسلت إلى الاتحاد السوفييتي أيضا فرق لدراسة نظم المخابرات السوفيتية حتى يكون هناك تناسق كامل بين أسلوب المعاملات وأسلوب القتال , وكان من أوائل الذين حصلوا على هذه الفرقة هناك شعراوي جمعة أمين عام التنظيم بالاتحاد الاشتراكي ووزير الداخلية فيما بعد , عندما كان يعمل وكيلا لإدارة المخابرات العامة .

ويعتبر العسكريون أن أفضل فترات الجيش بعد الثورة كانت هي فترة استقراره على أسس العقيدة والتنظيمات السوفيتية , وذلك بعد الانهيار الذي حدث في ( الضبط والربط ) العسكري بعد 23 يوليو , وارتباط كثير من الضباط بشلل تحيط بأعضاء مجلس القيادة أو ارتباطهم بأعمال خارجية , وظهور اصطلاح ( مدينة القيادة ) الذي احدث خلخلة في تماسك الجيش .

كان وصول الخبراء السوفييت للقوات المسلحة المصرية بعد خبرتهم العالية في الحرب العالمية الثانية بداية مرحلة اهتمام جدي بالتدريب لم يعرفها الجيش المصر من قبل . . . وبداية وصول القوات الجوية والقوات البحرية إلى مستوى عال لم يتوفر لها من قبل مما حقق بعثا جديدا للجيش المصري بعد الضغوط التي تعرض لها عقب معاهدة لندن في عهد محمد علي .

ولم تقف إسرائيل جامدة أمام هذا التغير الجذري الذي حدث في صفوف الجيش , فأنهى مرحلة كان نقص السلاح وقلة الخبرة وضعف القيادة هي عناصر القيادة الرئيسية . . . وكانت فرنسا هي ربيبة إسرائيل في ذلك الوقت لأنها منذ خرجت من الشرق الأوسط بعد انتهاء الانتداب على سوريا ولبنان عقب الحرب العالمية الثانية , ومنذ واجهت طلائع الثورة الجزائرية وهي تأخذ موقفا معاديا للعرب . . . فكانت ارض فرنسا هي مكان تدريب الهاجانه الإسرائيلية في منتصف الأربعينيات . . .

وعندما تردد أيزنهاور في إعطاء إسرائيل طائرات نفاثة ودبابات لحفظ رجحان كفتها على مصر , بادرت فرنسا بإمدادها بما تريد , الأمر الذي دفع جمال عبد الناصر إلى عقد صفقة ثانية للسلاح مع الاتحاد السوفييتي رفع مجموعها إلي 300 مليون دولار وحصل بها على طائرات ميج 17 .

وحاولت حكومة الولايات المتحدة احتواء الموقف , وأرسل دالاس روبرت أندرسون مندوبا له في نهاية 1955 لا يحمل إنذارا مثل جورج الين , وإنما يحمل مشروعا لحل المشكلة الفلسطينية وإنهاء حالة الحرب بين مصر وإسرائيل . . . ولكن جمال عبد الناصر – كما يقول محمد حسنين هيكل في كتابه عبد الناصر والعالم – درج على تسمية هذا المشروع باسم يتصل بنداء الطبيعة لاهتمامه بالفرعيات والشكليات دون تقديم حل سليم ودائم للمشكلة .

وتمت محاولة أخرى لفرض حظر على تصدير الأسلحة إلى الشرق الأوسط بدأتها المعارضة المالية في انجلترا باقتراح عقد مؤتمر رباعي يضم ممثلين للاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة وفرنسا وانجلترا وذلك إحراجا لحكومة المحافظين .

ولكن فرنسا لم يجذبها الاقتراح , وكانت قد رفضت الاشتراك في حلف بغداد من قبل , ولم يزعجا وصول الأسلحة السوفيتية إلى مصر . . . لأنها كانت المصدر الرئيسي لإمداد إسرائيل بالسلاح . كما أنها كانت متهمة بموقفها في الجزائر .

وانتهز انطوني إيدن فرصة زيارة خروشوف وبولجانين إلى لندن في ابريل 1956 واقترح عليهما فرض حظر على تصدير السلاح إلى الشرق الأوسط , ورد عليه خروشوف بأن الاتحاد السوفييتي لا يمانع إذا كان ذلك ضمن خطة شاملة تتم تحت إشراف هيئة الأمم المتحدة .

ولكن التزامات بريطانيا إزاء دول حلف بغداد ( تركيا والعراق ) أنهت هذا الاقتراح وركنته على الرف كما يقولون .

وعندما بلغ عبد الناصر خبر هذا الاقتراح من السوفييت بادر باتخاذ قرار الاعتراف بحكومة الصين الشعبية في 16 مايو 1956 بعد أيام من مغادرة خروشوف وبولجانين لندن , وذلك تفاديا لحظر محتمل على الأسلحة , تستطيع فيه إسرائيل بتسربها إلى أماكن النفوذ والسلطة في بعض الدول أن تحصل على ما تشاء بينما تظل الدول العربية محرومة من السلاح .

وكان الاعتراف بالصين الشعبية مبادرة جريئة من مصر فلم تكن هناك دولة في الوطن العربي أخذت هذا الموقف في وقت كانت حكومة الولايات المتحدة فيه كالنمر الهائج ضد كل ما هو صيني . . . حتى أن جوازات سفر الأمريكيين كان يصرح لهم فيها بالسفر إلى كل دول العالم عدا الصين وكوريا الشمالية .

وخلال هذه الفترة كانت علاقات الصين مع الاتحاد السوفييتي وثيقة ولم تكن قد ظهرت فيها أية خلافات أو تناقضات , وكان ماوتسى تونج قد حضر المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي في فبراير 1956 وخطب فيه منددا بستالين ومشيدا بدور الاتحاد السوفييتي في مساعدة حركات التحرير .

امن جمال عبد الناصر بهذه الخطوة حق مصر في استيراد السلاح , حتى لو فرض حظر على المنطقة تحت رعاية هيئة الأمم المتحدة .

وبعد أيام قليلة في شهر يونيو 1956 حضر إلى مصر مرة أخري شبيلوف رئيس تحرير البرافدا الذي أصبح وزيرا لخارجية الاتحاد السوفييتي لحضور احتفالات جلاء آخر جندي بريطاني عن مصر .

وهدرت في شوارع القاهرة يوم العرض العسكري احتفالا بعيد الجلاء لمدة أربع ساعات دبابات ستالين وقاذفات اللهب , والمدفعية الخفيفة والثقيلة , وغطت السماء أسراب طائرات الميج النفاثة وقاذفات القنابل الاليوشن .

وانبهرت الجماهير بما أرادته من تسليح حديث , وزغردت النساء وتأثر العرب الذين حضروا العرض العسكري مشاركة لمصر في احتفالها التاريخي . . . أرسل الأردن كتيبة من الفيلق العرب وأرسل لبنان مجموعة من جنود التزحلق , واليمن جماعة من تلاميذ المدارس الحربية , وليبيا والسعودية وسوريا وحدات نظامية .

كان يوما حافلا بالنشوة والابتهاج , وخاصة للعسكريين الذين حققوا هدفا من أعظم أهدافهم , ولم تعد استعراضاتهم العسكرية هزيلة أو متخلفة .

ولم يدخل السوفييت إلي المنطقة بدعوة العسكريين المصريين لهم للحصول على السلاح فقط , ولكنهم دخلوا أيضا من باب آخر , غير باب السلاح .

وكانت حركة 23 يوليو قد ركزت على بعض المشاريع الهامة لتنفيذها منذ البداية . . . ومنها قانون الإصلاح الزراعي ومشروع السد العالي .

تابع المشروعان قائد الجناح جمال سالم الذي عرف بحدة طبعه وذكائه وتصرفاته الرعناء أحيانا .

استطاع جمال سالم أن يصدر قانون الإصلاح الزراعي مع وزارة محمد نجيب الأولي يوم 9 سبتمبر 1952 .

ولكن مشروع السد العالي لم يكن قانونا يصدر فينفذ , ولكنه كان مشروعا يحتاج إلي بحث ودراسة وتمويل . . . وصبر أيضا .

فكرة المشروع قديمة . . . عرضها مهندس مصري من أصل يوناني اسمه أدريان دانينوس على بعض حكومات ما قبل الثورة منذ عام 1947 ولكنه لم يجد منها قبولا . . . إلى أن التقى مع جمال سالم وعندما درس جمال سالم المشروع فتنه وتبناه أمام أعضاء مجلس القيادة , وأصبح محور حديثه الدائم , وموضع اهتمامه ومتابعته , حتى أن أحدا من أعضاء المجلس لم يبذل جهدا لمعرفة تفاصيل المشروع والقي العبء كله عليه .

وبدأ جمال سالم يقوم بدراسات مصرية للسد العالي , واعترض عليها بعض كبار المهندسين مثل عثمان محرم وعبد العزيز احمد ولكنه واصل أبحاثه مع بعض بيوت الخبرة الأجنبية . . . وأجريت مفاوضات مع مجموعة فرنسية انجليزية أمريكية .

جميع بيوت الخبرة العالمية وافقت على المشروع من الناحية الفنية . . . وما يزال يوجد حتى اليوم نموذج كامل للسد العالي في قرية جرينوبل بفرنسا عندما تعاونت مصر في مجال البحث مع إحدى الشركات الفرنسية . . . وذلك حسب مشاهدة حسن إبراهيم وروايته تدليلا على سلامة المشروع .

وأعطى جمال سالم باعتباره نائبا لرئيس الوزراء دفعة جديدة للمشروع وقف إلى جانبه المهندس سمير حلمي الذي عين وزيرا للصناعة فيما بعد , وكانت الوقفة الرئيسية عند اختيار المكان المناسب بناء الهرم الجديد .

استمر مجلس القيادة متابعا لموضوع السد العالي من بعيد . . . تهتم به كلما عرض عليهم جمال سالم مزيدا من التفاصيل . . . وعندما ابلغهم أن كل الدراسات أصبحت جاهزة , ولم يعد باقيا إلا التمويل , نبتت أمامهم علامة استفهام كبيرة , فقد كان الموقف السياسي متوترا مع الغرب بعد عقد صفقة الأسلحة المصرية التشيكوسلوفاكية .

ولكن وزارة الخارجية الأمريكية أصدرت تصريحا للمساهمة في أكتوبر 1955 تقول ( أن الولايات المتحدة على استعداد للمساهمة في تمويل مشروع السد العالي وفي مشروع وادي الأردن وان هناك ( مشروع مارشال ) أمريكي للشرق الأوسط على نمط المشروع الأوروبي ) . . . وطلبت إرسال مسئول مصري لدراسة الموقف مع واشنطن , بدا الأمر كما لو أن حكومة الولايات المتحدة لا تريد أن تفقد كل صفقات مصر . . . واستقبل الدكتور عبد المنعم القيسوني وزير الاقتصاد والمعروف بميله إلي الغرب في نوفمبر 1955 استقبالا حافلا في واشنطن وحمله دالاس رسالة حسب ما ورد في كتاب محمد حسنين هيكل ( عبد الناصر والعالم ) يقول فيها لعبد الناصر انه إذا كان الاتحاد السوفييتي يساعد مصر بالسلاح وان ذلك يعني الموت , فان الولايات المتحدة مستعدة إلى مساعدة مصر على بناء السد العالي وهذا يعني الحياة .

كان الموقف يدعو إلى التفاؤل وجمال سالم يكاد يحلق من الابتهاج . . وخاصة في منتصف ديسمبر 1955 عندما أصدرت الحكومتان البريطانية والأمريكية بيانا أعلنتا فيه مساهمتهما في تمويل المرحلة الأولى للسد العالي بما قيمته 70 مليون دولار تدفع منها بريطانيا 14 مليون , ثم تبحث الحكومتان بعدئذ اشتراكهما في المرحلة الثانية .

وتم الاتفاق أيضا على أن يقرض البنك الدولي للإنشاء والتعمير مصر 200 مليون دولار دفعة أولى بعد مفاوضات استمرت مدة أسبوعين بين جمال عبد الناصر وصلاح سالم ورئيس البنك يوجين بلاك . . . وأعلن الاتفاق يوم 8 فبراير 1956 على أساس إعطاء البنك حق الحصول على معلومات عن الاقتصاد المصري وحق الإشارة بالخطوات اللازمة دون حق الإشراف على الاقتصاد وهو ما كان يطالب به .

وكان البنك الذي أنشئ عام 1946 بهدف إعادة بناء اقتصاد الدول المنكوبة من العمليات الحربية والذي تملك الولايات المتحدة 32 % من أصوات مجلس إدارته ولا يعيد رئيسا له إلا أمريكي قد حاول أن يفرض على مصر عدم الحصول على قروض خارجية ولا أي اتفاقيات دفع إلا بموافقته الأمر الذي رفضه جمال عبد الناصر تماما . . . لان ذلك كان يعني حظر التعامل أو استيراد السلاح من الاتحاد السوفييتي . كان مفروضا أن يمضي مشروع السد العالي في طريقه الطبيعي بعد ذلك , ولكن اتضح أن حكومة الولايات المتحدة كانت تهدف إلى ربط الاقتصاد المصري بها طوال مدة بناء السد العالي التي تمتد عشر سنوات وقد تزيد .

كتبت النيويورك تايمز تقول ( تربط حكومة الولايات المتحدة بين مقترحاتها بمساعدة مصر مساعدة طويلة المدى لمدة عشر سنوات لبناء السد العالي وتسوية النزاع المصري الإسرائيلي , وتعتقد حكومة الولايات المتحدة الأمريكية أن المساعدة الاقتصادية لمصر تستطيع أن تؤدى إلى تسويه عامة للموقف في الشرق الأوسط ) .

ووضع هربرت هوفر وكيل الخارجية الأمريكية ومستشار دالاس لشئون الشرق الأوسط , وهو من رجال شركات البترول الأمريكية ومن أبطال الانقلاب الإيراني الذي قامت به المخابرات المركزية ضد مصدق وأسقطته مذكرة تقول ( السد العالي مقابل الصلح ) .

وصارح هوفر السفير احمد حسنين بذلك طالبا إليه أيضا أن تعلن مصر في بيان رسمي امتناعها عن عقد المزيد من صفقات السلاح مع الاتحاد السوفييتي .

واتضحت خطة حكومة الولايات المتحدة الأمريكية في محاولة السيطرة على الاقتصاد المصري وإخضاعه لنفوذها بعد أن فلتت منها فرصة منع مصر من عقد صفقة السلاح مع السوفييت .

يقول انطوني إيدن في مذكراته ( كان المطلوب أن يعطى المصريون وعدا بأن يجعلوا لمشروع السد العالي الأولوية على غيره من المشروعات الأخرى وان لا يقوموا بتنفيذ غيره من المشروعات وان يرفضوا المساعدات التي تعرض عليهم من المصادر الشيوعية ) .

وبدأت بوادر تحلل الحكومتين البريطانية والأمريكية من وعودهما تظهر في تصريحات وأحاديث المسئولين . . . وتتسرب إلى جمال عبد الناصر خلال وزير عراقي سابق أرسل وثائق ما دار في جلسات حلف بغداد في شهر ابريل 1956 ومنها تبين أن الحكومة البريطانية كانت قد قررت الانسحاب من ارتباطاتها .

أكد هذه الواقعة ما ورد على لسان انطوني إيدن أيضا في مذكراته عندما كتب ( كانت نقطة لا يمكن تجاوزها في عملية تمويل السد ذلك انه كان علينا أن نراعي أيضا مراكز حلفائنا ولاسيما العراق . . . وكانت له احتياجاته الخاصة . . . وكانت الحكومة العراقية قد اشتكت بالفعل في أوائل ذلك العام من أن المصريين استفادوا بمعاداتهم للغرب أكثر دون أن يتعاونوا معه . . . وكان العراقيون قد حصلوا على 3 ملايين جنية وعدد قليل من الدبابات أما المصريون فقد بدا أنهم سيفوزون بالسد العالي , فإذا كان لابد من تقديم إحسان فان من حق الدول العربية الصديقة أن تسعي للحصول على نصيبها من هذا الإحسان , ولم يكن من المتوقع من هذه الدول أن تنظر بحماس إلى تقديم الغرب مبالغ كبيرة من المال لمشروع مصري في الوقت الذي تزداد فيه الروابط بين مصر وروسيا السوفيتية ) .

وقال فولبرايت في تقرير رسمي أعدته لجنة الشئون الخارجية للكونجرس ( تثبت الأدلة أن الحكومة الأمريكية قد بدأت تراجع قرارها للرجوع عنه بعد بضعة أسابيع فقط من تقديمه ) .

وطلب جمال عبد الناصر من حسن إبراهيم أن يجس نبض اديناور مستشار ألمانيا الغربية لبحث إمكانية المساهمة في تمويل السد . . . وحسن إبراهيم يقول انه رغم اهتمام اديناور الشديد بالمشروع ورغم فائدته للشركات الألمانية فانه لم يعرض المساهمة أبدا . . . ورفض البحث فيها . . ربما خشية من حكومة الولايات المتحدة .

كان رفض أعضاء مجلس القيادة الخضوع لطلبات الحكومتين الأمريكية والبريطانية في وقف التعامل والتسليح مع السوفييت وقبول الصلح مع إسرائيل هما حجر الزاوية فيما اتخذ من قرار سحب الحكومتين العرض فيما بعد . . . ولم يكن موضوع الاعتراف بالصين الشعبية هو الإساءة لموقف جمال عبد الناصر , وتصويره بمظهر المستفز الذي يجبر خصمه على اتخاذ خطوات عنيفة ضده , ولكنها ربما كانت النقطة التي فاض بعدها الإناء .

إسرائيل ربيبة أمريكا اعترفت بالصين الشعبية عام 1950 دون أن يحدث ذلك صدى في علاقتها مع واشنطن . . . وأمريكا لم تسحب موافقتها إلا بعد شهرين من اعتراف مصر بالصين .

الأمر غير ذلك تمام فانه عندما حضر السفير المصري احمد حسين وابلغ جمال عبد الناصر أن دالاس محرج أمام الكونجرس الأمريكي لرفض مصر لشروط القرض قال له جمال عبد الناصر الذي كانت قد توفرت له المعلومات واليقين بأن الحكومة الأمريكية قد قررت سحب موافقتها , انه يمكن أن يذهب إلى دالاس ويبلغه أن مصر قبلت كل الشروط ثم يبلغه رد فعله .

ولم تكن مصر قد تعاقدت مع السوفييت كما أشيع بعد زيارة شبيلوف الثانية لمصر لحضور احتفالات الجلاء في 18 يونيو 1956 .

قابل دالاس السفير المصري في حضور هوبرت هوفر وجورج الين الذي سجل المقابلة هو في هذه الكلمات .

دخل السفير المصري إلي مكتب دالاس وكان هناك هوبرت هوفر وانا وكان السفير حسين متأمركا جدا وكان يرهق عبد الناصر دائما بمكالمته التليفونية التي يحثه فيها على تأييد أمريكا , وقال حسين لدالاس انه قلق من العروض الروسية وما سوف تثيره وانه لابد وان تقوم الولايات المتحدة ببناء السد وبأسرع وقت .

رد دالاس بهدوء ( إننا بحثنا الأمر جديا وتقدر أهميته ولكن بصراحة إن موقفنا الاقتصادي يجعل من المتعذر على الولايات المتحدة الاشتراك ونحن نسحب العرض الذي قدمناه ) .

وفي اللحظة التي دخل فيها السفير احمد حسين لمكتب دالاس وكان المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية يوزع بيانا على المراسلين يعلن فيه سحب العرض الأمريكي كما كتب محمد حسنين هيكل في كتابه ( عبد الناصر . . والعالم ) .

كان البيان يحاول الوقيعة بين مصر من جهة والسودان من جهة وأثيوبيا واوغندة من جهة أخرى إذ جاء فيه ( انتهت الحكومة الأمريكية إلى انه من غير العملي في الظروف الحاضرة أن تشترك في المشروع إذا لم يتم الاتفاق بين الدول المشتركة في موارد مياه النيل ) ويحاول هدم سمعة الاقتصاد المصري بقوله ( إن مقدرة مصر على تخصيص موارد كافية تضمن نجاح المشروع صارت أكثر انتقادا للتوكيد ما كانت عليه عند تقديم العرض ) .

هل تكون سبعة شهور فقط غيرت من حقيقة الوضع في مصر بين يوم إعلان الموافقة ويوم سحبها ؟؟ .

وقد لخص فولبرايت حقيقة الموقف الأمريكي بقوله في تقرير اللجنة الشئون الخارجية بالكونجرس .

( كانت صفقة الأسلحة هي السبب في الإسراع بعرض المساهمة وكانت هي السبب أيضا في سحب العرض ) .

ويقول التقرير أيضا أن الأسباب التي أعلنت لم تكن من الأسباب الحقيقة بالطبع ولم تجد اللجنة أي دليل على أن الاقتصاد المصري قد ساءت حالته قبل سحب العرض .

وأعلنت بريطانيا بعد 24 ساعة سحبها للمساعدة التي التزمت بها . . . ويقول انطوني إيدن في مذكراته ( أبلغتنا الحكومة الأمريكية بهذا القرار دون أن تتشاور معنا بشأنه ولهذا لم تنح لنا أية فرصة لانتقاده أو إبداء رأينا فيه قبل إبلاغه إلي السفير المصري وكانت النتيجة أن الغي البنك الدولي أيضا القرض الذي كان سيقدمه لمصر ) .

وقد نار يوجين بلاك عندما شعر انه أدي دور دمية متحركة في يد دالاس وإيدن وقال ( إن دالاس لا يملك الحكم على الاقتصاد المصري . . . هذه هي مهمة البنك الدولي , وقد كلفنا أن نجيب على سؤالين محددين هما : هل المشروع ممكن ؟ وهل يتحمل الاقتصاد المصري ؟ وأجاب البنك عن السؤالين بالإيجاب .

وبرر دالاس تراجعه ليوجين بلاك بقوله أن الكونجرس لم يصدق على مساعدات خارجية كافية لإمداد تيتو في يوغوسلافيا وعبد الناصر في مصر . . . وانه أي دالاس – بفضل أن يقدم مساعدات لتيتو الذي يبتعد عن الكتلة الشيوعية أكثر من عبد الناصر الذي يقترب من هذه الكتلة .

وفي ليلة صدور البيان الأمريكي كان جمال عبد الناصر وعبد اللطيف البغدادي في الطائرة مع نهرو عائدين من بريوني بعد لقاء ثلاثي مع تيتو . . . وقدم المرافق الجوي له رسالة لاسلكية بملخص البيان , وكان تعليقه على ذلك قوله لرفيقه في الرحلة عبد اللطيف البغدادي أن هذا ليس سحبا للعرض , انه هجوم سافر على النظام الحاكم ودعوة الشعب المصري إلى إسقاطه .

وعندما اطلع عبد الناصر نهرو على البيان قال الزعيم الهندي ( يا لصلافة هؤلاء الناس ) لم تكن مصر قد اتصلت بالسوفييت اتصالا رسميا من اجل تمويل السد العالي . . . ولم بكن هناك دراسات سوفيتية للمشروع .

وكان جمال عبد الناصر قد قرر تأميم قناة السويس . . . وقرر في نفس الوقت أن يبدأ اتصالا جديدا مع السوفييت لتمويل السد العالي .

وكان سولود السفير الذي تمت في عهده صفقة الأسلحة لا يبدي اهتماما بمشروعات اقتصادية لا تطلبها مصر . . . ولا يحاول الظهور في مظهر الحريص على عقد اتفاقيات خاصة وقد قيل انس ولود قد ابلغ سفير الهند بأن الاتحاد السوفييتي لم يقرر تمويل السد العالي بعد ويبدوا أن ذلك مبدأ سوفيتيا يفرض عليهم الحرص على الظهور بمظهر البعيد عن المشاكل الداخلية , الذي لا يبدي رأيا إلا إذا طلب منه ذلك .

كلف جمال عبد الناصر اللواء عبد الحكيم عامر للاتصال بالسفير السوفييتي الجديد كيسلييف لمعرفة رأى الاتحاد السوفيتي في تمويل المشروع .

وبعد أسبوع وصل الرد بالموافقة من حيث المبدأ . . . وتحرك المشروع من جديد . . . ولكن جمال سالم الذي تبني فكرته لم يكن قد أصبح عضوا في الوزارة . . . اثر أن يستقيل بعد انتهاء فترة الانتقال وأصر على موقفه في إلحاح . . . وصدرت وزارة 29 يونيو 1956 أول وزارة يشكلها جمال عبد الناصر بعد انتخابه رئيسا للجمهورية في 25 يونيو 1956 . وليس فيها جمال سالم ولا شقيقه صلاح سالم الذي قبلت استقالته من قبل أغسطس 1955 وتولى جمال عبد الناصر أعماله في وزارة الدولة للسودان ووزارة الإرشاد القومي لمدة شهرين حتى عين فتحي رضوان . . .

وعلى قدر ما كانت صفقة الأسلحة المصرية التشيكية حدثا كبيرا مؤثرا في العالم الثالث كله , ومغيرا لموازين القوى العالمية , على قدر ما كانت دعوة المصريين للسوفييت لبناء أعظم واخلد أعمال الشعب المصري في العصر الحديث , بداية تعاون جديد في مجال الاقتصاد والصناعة .

وهكذا وصل السوفييت إلى المنطقة وكأنهم عامل إنقاذ من طغيان الامبريالية العالمية التي حاولت فرض الاحتكار على الساحة وفشلت والتي حاولت احتواء مصر عن طريق تمويل السد العالي باتفاقية تضع مصر تحت إشرافها ثم تراجعت وانسحبت , عندما وجدت أن خطتها لن تعيد حلقة الحصار من جديد .

وصل السوفييت إلى المنطقة فكانوا عاملا مساعدا ومشجعا في سنوات الصعود للعسكريين وأصبحوا عنصرا رئيسيا من عناصر الحركة السياسية المؤثرة في المنطقة .

الفصل الرابع : القناة .. والعدوان

  • ( إن رجلا له سجل ناصر يحب ألا يسمح له بأن يطبق يده على رقبتنا ) …انطونى إيدن
  • ( إن عبد الناصر يجب أن يلفظ القناة ولا يبتلعها )…جون فوستر دالاس
  • ( أنا في القاهرة سأقاتل معكم ضد أي غزو إلى آخر نقطة دم )جمال عبد الناصر من فوق منبر الأزهر

كان سحب تمويل الأمريكيين والبريطانيين لعرض تمويل السد , واتهام الاقتصاد المصري بعدم القدرة على انجاز هذا المشروع الكبير , ضربة شديدة لجمال عبد الناصر الذي جعل من السد العالي محورا من أهم محاور التقدم للمجتمع والثورة .

ولم يكن من الطبيعي أن يتلقي هذه الضربة المهينة في هدوء . . . ولم يكن عنده حتى هذه اللحظة عرض آخر لتمويل المشروع رغم تصريحه لصحيفة نيويورك تايمز الذي نشرته الجمهورية يوم 12 ابريل 1956 بقوله ( إذا انقطعت المفاوضات الخاصة بالمساعدة الغربية لتمويل السد العالي فان مصر ستضطر بكل تأكيد إلى الموافقة على العرض السوفييتي لتمويل هذا المشروع . . . إننا لم نرفض العرض السوفييتي فقد كان هذا العرض عاما جدا .

ونبتت فكرة تأميم قناة السويس .

لم تكن فكرة طارئة أو رد فعل عفوي لسحب عرض التمويل . . . وإنما هي فكرة قديمة تابعتها حركة الجيش منذ بدايتها , ولكن دون أن يكون هناك قرار واضح للعالم .

وقناة السويس تمثل مأساة في حياة الشعب المصري . . . مات من أبنائه 120 ألفا وهم مسخرون في حفرها . . . بعد أن كانت مشروعا درسته حملة نابليون , وأخطأ مهندسو الحملة بقولهم أن هناك فارقا قدره 9 أمتار بين مستوى البحر الأحمر والبحر الأبيض مما يجعل شق القناة مستحيلا . . . ولم تستمر الحملة لتصحيح الخطأ .

وتبنى المشروع بعد ذلك فرنسيون أيضا من إتباع المفكر الاشتراكي الخيالي ( سان سيمون ) وحضر زعيمهم ( بروسبير انفنتان ) محاولا إقناع محمد علي بالمشروع , الذي رفض قائلا انه لا يريد ( بوسفورا جديدا ) .

ولم تكن مصر تملك شيئا من أموال شركة القناة , بعد أن باع الخديوي إسماعيل 176000 سهم إلى الحكومة البريطانية عام 1875 بمبلغ 4 ملايين جنيه , كلفت مصر 16 مليون جنيه وأغرقت الشعب المصري بديون بلغت 100 مليون جنيه , دفعت عنها فوائد بلغت 300 مليون جنيها . وكانت هناك اتفاقية عقدت عام 1949 بين الشركة والحكومة المصرية حصلت بموجبها على 7 % من الأرباح , وتعيين خمسة مصريين في مجلس الإدارة الذي يضم 25 انجليزيا وفرنسيا .

ومنذ الشهور الأولى لحركة الجيش تكون مكتب لقناة السويس كان مقره مجلس الشيوخ وتابع لرئاسة مجلس الوزراء عمل به الدكتور مصطفى الحفناوي الذي أثارت الشركة اهتمامه وأحلامه واصدر مجلة خاصة باسم ( قناة السويس ) وكان جمال عبد الناصر قد استدعاه لإلقاء محاضرة يفتتح بها الموسم الثقافي لنادي ضباط الجيش في نوفمبر 1952 – طالب فيها بالتأميم . . . وكان ذلك عقب لقاء تم بينه وبين عبد الناصر في أغسطس 1952 .

ثم دعم المكتب وصدر به قرار جمهوري في نوفمبر 1954 وتولي رئاسته الدكتور حلمي بهجت وضم الدكتور حامد سلطان و محمد على الفتيت ومحسن شفيق وأصبح اختصاصه دراسة شئون قناة السويس وإعداد أبحاث حول احتمال تأميمها .

وعندما حاولت حركة الجيش الحصول على شروط أفضل . . . تمسكت الشركة بمد مدة الامتياز التي كان مفروضا أن تنتهي عام 1968 في مقابل زيادة نسبة الأرباح وزيادة عدد المصريين . . . ورفضت الشركة زيادة عدد المرشدين المصريين رغم وجود عجز 20 % , وظل الموقف كما هو40 مرشدا مصريا فقط من 205 تستخدمهم الشركة .

واهتمت إدارة التعبئة العامة للقوات المسلحة بشئون قناة السويس أيضا بتوجيه من جمال عبد الناصر وأرسلت إليها مندوبين للبحث لاستكمال المعلومات في مشروعي الحصر الصناعي والكفايات الفردية . . . التي كانت تقوم بها على مستوى الجمهورية ونشرت عدة مقالات في بداية عام 1956 في مجلتها الشهرية الهدف التي كنت رئيسا لتحريرها . . . مقالات تحت عنوان ( هذه القناة ملكنا ) وكلف جمال عبد الناصر وجمال سالم وعبد الحكيم عامر في جلسة مشتركة ضابط المخابرات المسئول في منطقة القناة في أغسطس 1955 بالحصول على معلومات تثبت تدخل شركة القناة في الشئون الداخلية لمصر مستغلة الأموال التي تتدفق عليها من عوائد المرور .

وتبين من المعلومات التي حصلوا عليها أن الدخل الحقيقي للشركة يختلف عن الدخل الذي كانت تخطر به الحكومة المصرية . . . كما أنها كانت تدفع مصروفات سرية للموظفين المصريين العاملين بها وصلت أحيانا إلى 200 جنيه شهريا .

وكانت الشركة حتى ذلك الوقت تمثل إقطاعية خاصة لا تسمح لضباط الجيش بارتياد ناد بها . . . وحدث حادث طريف إذ فكر قائد المنطقة في طريقة يكسر بها هذا الحاجز , فأطلق عددا من جنود الجيش للسباحة في القنال عرايا تماما حتى اقتربوا من النادي الخاص للشركة , وعادوا سباحة . . . فما كان من احد الموظفين المصريين بالشركة – نجم الدين شاهين الضابط السابق بالجيش – إلا أن هرع إلى قيادة الجيش يعلن السماح للضباط بالاشتراك في النادي .

واستدعي جمال عبد الناصر الضابط المسئول عن مخابرات القناة مرة أخرى في مايو 1956 وطلب منه إعداد دراسات خاصة عن الموقف إذا ما حدث تأميم قناة السويس .

وعندما عين ثروت عكاشة نائبا لمدير المخابرات في مايو عام 1956 بدرجة وكيل وزارة , كلفه جمال عبد الناصر بإعداد دراسات خاصة عن تأميم القناة , دون أن يلمح له بشيء عن الهدف في ذلك . وكان جمال عبد الناصر يلقي بفكرته عن تأميم شركة قناة السويس أحيانا إما بعض خلصائه بطريقة عابرة ليدرس ردود الفعل عندهم .

عندما ابلغ احمد حسنين السفير المصري بواشنطن أثناء أزمة تمويل السد العالي أصابه الذعر وطلب منه التريث وعدم الاندفاع في هذا التفكير .

وصارح تيتو أيضا أثناء زيارة وليوغوسلافيا بأنه يفكر أحيانا في إعادة قناة السويس للشعب المصري , ولكن الأمر لم كن ملحا بما يجعل المناقشة جادة ومركزة .

ويبدو أن بعض هذه الأخبار كان قد تسرب إلى الخارج فطلب المستر بيتون النائب المحافظ في مجلس العموم من الحكومة البريطانية أن تتشاور مع الدول الغربية والولايات المتحدة حول مستقبل قناة السويس كممر مائي دولي .

وكتب أنور السادات في جريدة الجمهورية ردا عليه يقول ( أما عن مستقبل قناة السويس فالقناة إذا كان السيد بيتون لا يعلم فهي جزء لا يتجزأ من مصر كما اعترف العالم اجمع ) .

كان ذلك دليلا على أن فكرة التأميم لم تكن طارئة , أو رد فعل فوري وإنما كانت تعيش في رأس جمال عبد الناصر امتدادا لنداءات رفعها مصريون من قبل , وتعبيرا عن مشاعر مكبوتة في نفوس المصريين منذ عشرات السنين .

برنامج الحزب الشيوعي المصري كان يدعو صراحة إلي تأميم قناة السويس . واحمد حسنين رئيس الحزب الاشتراكي بدأ حملة مطالبا بتأميم قناة السويس فورا أثناء حركة الكفاح المسلح في القناة , خطب مناديا بذلك , وكتبت مجلة الاشتراكية تدعو لذلك في أعداد كثيرة , كما نشر في كتابه ( الأرض الطيبة ) .

وكان محور تفكير وكتابات الدكتور مصطفي الحفناوي في مجلته الدعوة لتأميم الشركة . . .

وقد أكد جمال عبد الناصر ذلك فيما بعد بتصريح لمجلة لوك الأمريكية يوم 24 يونيو 1957 قال فيه ( كنا ندرس مسألة تأميم القناة , ولكننا لم نكن قد وصلنا إلي قرار فجعلتمونا انتم نستقر على قرار ) .

لم يطل الوقت بين سماع جمال عبد الناصر لخبر التمويل مساء 19 يوليو وبين اتخاذه قراره بتأميم القناة صباح يوم السبت 20 يوليو .

واعتمد جمال عبد الناصر في تنفيذ قراره علي السرية المطلقة .

لم يطلع ضيفه وصديه نهرو الذي كان في ضيافته , والذي غادر مصر قبل الموعد المحدد لانتهاء الزيارة عندما شعر بأن المشاغل تستهلك وقت وتفكير جمال عبد الناصر .

ولم يطلع مجلس الوزراء على فكرته كما أكد لي فتحي رضوان .

ولم يبلغ الذين عهد إليهم بالتنفيذ إلا يوم 24 يوليو عندما استدعى المهندس محمود يونس زميله في التدريس بكلية أركان الحرب وابلغه بالخطة فلم يتمالك نفسه من تقبيله في خده وهو يهنئه .

ولكنه جمع زملاؤه أعضاء مجلس قيادة الثورة الذي كان كيانه قد انتهى بانتهاء فترة الانتقال وانتخاب جمال عبد الناصر رئيسا للجمهورية في 25 يونيو 1956 . . . عقد اجتماعا صغيرا حضره معه عبد الحكيم عامر وعبد اللطيف بغدادي وذكريا محي الدين لمناقشة الموضوع . . اقترح عبد الحكيم عامر الاكتفاء بزيادة الرسوم . . . ولكن جمال عبد الناصر أوضح له بأن ذلك لا يكفي لتمويل السد العالي , بل أن صافي أرباح الشركة وهي 32 مليون جنيه في العام ( ودخلها 91 مليون ) يعتبر أقل مما يتطلبه هذا المشروع الكبير . وفي هذه الجلسة تم تكليف عبد الحكيم عامر بالاتصال بالسفير السوفييتي لبحث إمكانية تمويل السوفييت لمشروع السد العالي .

وعقد اجتماعات منفردة أخرى مع زملائه أعضاء المجلس . . . ولم ينس استدعاء جمال سالم وحسن إبراهيم اللذين لم يكن لهما مركز رسمي في جهاز الحكم في هذا الوقت .

وافق الجميع بلا تردد .

يقول زكريا محي الدين أن أعضاء المجلس الذين اجتمع بهم جمال عبد الناصر قد ناقشوا المخاطر التي قد تتعرض لها مصر عقب التأميم , وأنه قد استقر الرأي علي أن نسبة المخاطر تمثل 30% إلي 40 % , ولذا فقد استقر الرأي على السير في هذه العملية على اعتبارها ( مخاطر محسوبة ) .

وكان الاحتمال الأغلب عندهم هو دفه إسرائيل للهجوم وكان هذا احتمالا مرجحا عن أي غزو بريطاني أو فرنسي .

وبعد هذه الجلسة بدأ اتخاذ الخطوات التنفيذية للتأميم .

كلف جمال عبد الناصر وزير الاقتصاد الدكتور عبد المنعم القيسوني بإعداد مشروع قانون التأميم .

واشترك في وضع القانون محمد علي الفتيت عضو مكتب هيئة قناة السويس حيث كان رئيسه الدكتور حلمي بهجت بدوي متغيبا في الخارج , المستشار بدوي حمودة ممثلا لمجلس الدولة والمستشار حسن نور الدين مستشار وزارة الداخلية .

اقترح بعض المستشارين وضع الشركة تحت الحراسة مستندين إلي مخالفات الشركة وتلاعبها . . . ولكن جمال عبد الناصر أصر على التأميم .

وأستدعى جمال عبد الناصر الدكتور مصطفي الحفناوي يوم 24 يوليو من عزبته قريبا من الإسكندرية عن طريق ضابط شرطة لا يعرف سبب الاستدعاء ثم طائرة حربية إلي القاهرة , وأخيرا إلى حديقة منزل جمال عبد الناصر بمنشية البكري , الذي صارحه بأنه سيحقق فكرته يؤمم القناة , وطلب منه المساهمة في إعداد مشروع التأميم .

ولكن الدكتور مصطفي الحفناوي أصابه الهلع وطلب تأجيل التنفيذ عدة شهور لتهيئة الرأي العام قائلا له ( أنى أكاد اسمع بأذني أزيز الطائرات التي ستهجم علينا ) .

حتى الذين عاش التأميم حلم حياتهم , والذين حصلوا على الدكتوراه عن القناة , والذين بشروا بهذه الدعوة في الكتب والندوات وأصدروا مجلة خاصة لهم صدمتهم المفاجأة في مواجهة الأمر الواقع واهتزت أعصابهم . . . إلا أن جمال عبد الناصر كان قد حسم رأيه وقر قراره .

وطلب من الدكتور مصطفي الحفناوي أن يروي قصة القناة لعدد من الأشخاص لم يكن يعرفهم . . . استدعاهم جمال عبد الناصر فرواها إلى ما بعد منتصف الليل , ليزيد الحاضرين وضوحا عن أبعاد المأساة , ويضاعف عزمهم على مجابهة هذه الخطوة الجريئة . . . وأخيرا طلب منه جمال عبد الناصر الا يتصل بأحد مطلقا حتى يعد القانون ويحضره له في اليوم التالي , حيث كان اللقاء في مكتبه بمجلس قيادة الثورة يوم 25 يوليو في العاشرة مساء .

وقال له جمال عبد الناصر أنه يتفاءل من هذه الغرفة التي اتخذ فيها قرار صفقة الأسلحة , وراجع معه القانون واجري عليه بعض التعديلات ثم تفرغ لكتابة خطبته التي كان مقررا أن يلقيها مساء 26 يوليو في الإسكندرية كما اعتاد كل عام وهو ذكرى رحيل الملك فاروق من مصر عن طريق ميناء سراي رأس التين . كان الخير كبيرا . . . والدول الكبيرة تتابع خطوات جمال عبد الناصر لمعرفة رد فعله على قرار سحب التمويل . . . وتأرجحت التوقعات وخاصة بعد خطبته التي هاجم فيها أكاذيب الأمريكان عن موقف الاقتصاد المصري وقال لهم موتوا بغيظكم أن مصر ستبني السد العالي ولو بأظافر أبنائها . . .

ماذا كان يريد ؟ عقد حلف مع الاتحاد السوفييتي ؟ قطع العلاقات مع الولايات المتحدة ؟ كان الصحفيون كخلية نحل يبحثون عن الخبر المثير الذي توقعه الجميع في خطاب المنشية .

ولم يصل احد إلى الحقيقة . . . عندما قال احد مخبري السفارة الفرنسية يوم 23 يوليو باحتمال التأميم قوبل كلامه بسخرية مهذبة كما يقول جان لاكوتير في كتابه عن عبد الناصر .

وقبيل خطابه في ميدان المنشية استدعي جمال عبد الناصر أعضاء الوزارة إلى منزله الصيفي أثناء ذلك العام , وأبلغهم بخبر التأميم الذي سيعلنه بعد دقائق .

لم يعترض احد من الوزراء , ولكن فتحي رضوان اقترح عدم الربط بين سحب تمويل السد العالي وبين تأميم القناة , لان لذلك – حسب رأيه – عيبين أولهما أنه ينتقض من حق مصر في التأميم , والثاني عدم رغبته في الربط بينه وبين الاعتداء علينا حتى لا يقال أننا نستغل القناة في الضغط الوطني .

كان اعتراض فتحي رضوان شكليا لا يتناسب مع حجم الخبر نفسه , ولم يؤثر في مشروع الخطبة التي أعدها جمال عبد الناصر .

كان ميدان المنشية كعادته كل يوم يزخر بعشرات الألوف من الناس , ولكن مشاعرهم في هذا العام كانت تختلف عن مشاعرهم في الأعوام السابقة . . .

كان جمال عبد الناصر قد حقق عدة انتصارات . . . منها هزيمة حلف بغداد وقصر دخوله على العراق من الدول العربية , وعقد صفقة الأسلحة التشيكوسلوفاكية التي قوبلت بتأييد شعبي جارف وإعلان الدستور والإفراج عن عدد كبير من المعتقلين السياسيين وبعض الذين حكمت عليهم محكمة الثورة واحتفال البلاد يوم 18 يونيو بجلاء آخر جندي بريطاني عن أرض مصر .

لم تكن مشاعر الجماهير غاضبة أو سلبية كما كانت عام 1954 عندما استغل الإخوان المسلمين موجة الرفض لاتفاقية الجلاء لما أحاط بها من شبهة التحالف مع بريطانيا , وأطلقوا الرصاص علي جمال عبد الناصر في نفس الشرفة التي وقف يخطب فيها اليوم .

كانت خطبة جمال عبد الناصر في ذلك اليوم , 26 يوليو 1956 قمة خطبه , وأعظمها تأثيرا في الجماهير , وأشدها إثارة . . . فهو لم يعلن خبر التأميم دفعة واحدة وإنما مهد له بطريقة درامية , وأختار اسم ديلسبس إشارة لفريق تنفيذ التأميم برئاسة المهندس محمود يونس , لكي يبدأ عمله .

وأثناء إلقاء الخطبة توجه فريق إلي مبني الشركة الرئيسي بجار دن سيتي بالقاهرة وفريق آخر برئاسة محمود يونس إلي مقر الشركة بالإسماعيلية , أما محمد رياض محافظ بورسعيد فقد قابل محمود يونس في الإسماعيلية عصر يوم 26 يوليو وأبلغه بقرار التأميم واستدعى إلى مكتبه مديري الشركة , بينما احتل فريق ثالث كل مكاتب الشركة في بورسعيد .

تمت العملية في هدوء ودقة رغم ضيق الوقت الذي مضى بين الإبلاغ والتنفيذ . . وارتجت مصر كلها قبل أن تنتهي الخطبة بالتصفيق وهتاف التأييد وكلمات الحماس . . وارتج العالم الذي هزه الإجراء الكبير .

كان تأميم القناة حلما بل خيالا , فأصبح حقيقة . . . وتشكل أول مجلس إدارة مصري لإدارة القناة من الدكتور حلمي بهجت بدوي رئيسا والمهندس محمود يونس نائبا للرئيس والدكتور محمد احمد سليم والمهندس محمد القشيري والدكتور مصطفي الحفناوي والمستشار بدوي حمودة ومحمد علي الفتيت وبرهان سعيد .

وأثناء إلقاء جمال عبد الناصر لخطبته في ميدان المنشية , كان إيدن يتناول العشاء في داو ننج ستريت مع الملك فيصل ونوري السعيد وبلغه خبر التأميم من أحد سكرتيريه الخصوصيين , فأبلغ ضيوفه بذلك .

ويقول في مذكراته أنهم ( رأوا فيه بوضوح قلبا لكل الاتجاهات والأفكار والآمال التي كنا نتحدث فيها ) وأدركوا على الفور أن الكثير يتوقف على الهزيمة التي سيقابل بها هذا التحدي .

كان نوري السعيد أكثر الموجودين تحمسا لضرب عبد الناصر بينما كان إيدن يتوقع لمصر الفشل في إدارة القناة .

وانتهى العشاء مبكرا ليجتمع إيدن مع كبار السياسيين والعسكريين في حكومته ومع السفير الفرنسي والقائم بالأعمال الأمريكي .

وعلق إيدن على سحب عبد الناصر لمبلغ خمسة ملايين جنيه مصري من أموال الشركة كانت مودعة في البنك العثماني بقوله ( إن رجلا له سجل ناصر يجب ألا يسمح له بأن يطبق يده على رقبتنا ) .

وبدأ أيدن حركته نحو استخدام العنف , فاتصل بأيزنهاور برقيا يوم 27 يوليو وأوضح له أن الضغط السياسي والاقتصادي وحدهما قد لا يكفيان لردع جمال عبد الناصر وأنه لابد من وضع احتمال تدخل عسكري . . . وأرسل أيزنهاور روبرت مورفي من وزارة الخارجية الأمريكية إلي لندن , ثم تبعه دالاس الذي كان في رحلة إلي أمريكا اللاتينية يوم التأميم .

وأرسلت الحكومة البريطانية مذكرة احتجاج رسمية إلى الحكومة المصرية احتجاجا على الاستيلاء على قناة السويس . . . ولكن المذكرة أعيدت إلى السفارة البريطانية – كما كتب إيدن في مذكراته – مشفوعة بقصاصة غير ممضاة مكتوب عليها ( تعاد إلي السفارة البريطانية ) .

وبدأ الضغط الاقتصادي على مصر فورا . . . جمدت بريطانيا حسابات مصر الجارية من الإسترليني وفرضت الحماية على أموال وممتلكات شركة قناة السويس في لندن كما حظر تصدير أي أسلحة أو مواد عسكرية إلى مصر . ومنعت أربع مدرعات مصرية كانت في الموانئ البريطانية من السفر .

كان جملة ما جمدته بريطانيا 112 مليون جنيه إسترليني , وتبعتها أمريكا فجمدت 60 مليون دولار كانت لمصر هناك , ولكنها لم تجمد العمليات الجديدة كما فعلت بريطانيا .

وعقد أول أغسطس اجتماع بين وزراء خارجية بريطانيا ( سلوين لويد ) والولايات المتحدة ( جون فوستر دالاس ) وفرنسا ( كريستيان بينو ) . . . ولخص دالاس موقف أمريكا فيما يلي :

1 – إن بقاء القناة تحت سيطرة دولة واحدة بغير إشراف دوالي لا يحتمل .

2 – القوة هي آخر طريق يلتجأ إليه ولكن الولايات المتحدة لا تستبعد استخدام القوة .

3 – يجب تعبئة الرأي العام العالمي لصالح فكرة وضع القناة تحت إدارة دولية .

5 – يجب أن نحاول جعل آراء الدول الثلاث مقبولة من أغلبية تتألف على الأقل من ثلثي مؤتمر الدول البحرية المزمع دعوته .

وقال دالاس في معرض تفسيره لموقف أمريكا ( إن عبد الناصر يجب أن يلفظ القناة ولا يبتلعها ) .

ولكن السياسة الأمريكية لم تكن تجاري حدة الرغبة الفرنسية الانجليزية في الوصف بجمال عبد الناصر , لاقتراب موعد الانتخابات الأمريكية وحرص أيزنهاور على عدم الدخول في مناورات تعرض موقفه الانتخابي للضعف , بينما الفرنسيون يخشون من تأثير تأميم القناة مع رفع معنويات الثوار الجزائريين .

كان دالاس يتبنى فكرة أن جمال عبد الناصر كان يفكر في تأميم القناة منذ وقت طويل بينما كان بينو يرى أن أمريكا هي المسئولة عن القرار لسحبها تمويل السد العالي وأنه يجب ألا تخفي نفسها من الاهتمام بعواقبه .

وتقرر الدعوة لعقد مؤتمر من الدول البحرية يوم 16 أغسطس وتضمن البيان الثلاثي الذي صدر في 2 أغسطس تحديد هذه بالدول الثمانية التي وقعت على معاهدة القسطنطينية , ست عشرة دولة رئيسية تستخدم القناة (1) .

لم تحضر دولتا مصر واليونان .

لم يذهب جمال عبد الناصر إلى المؤتمر رغم نصيحة نهرو وتيتو له بالذهاب . . لهجوم إيدن عليه قائلا ( معركتنا ليست مع مصر ولكنها مع ناصر ) . . . وأرسل بدلا منه علي صبري ليكون قريبا من أعضاء الوفود في لندن لمناقشتهم وتوضيح الأمور لهم . . . ولم تذهب اليونان لعلاقتها الخاصة ومصالحها المرتبطة بمصر .

كان واضحا أن المؤتمر خاضع للنفوذ الغربي . . . فأغلبية الثلثين المطلوبة كانت لدول منضمة إلى حلف الأطلنطي أو حلف جنوب شرقي أسيا . . . ولكن في يوم انعقاده 16 أغسطس – اضرب 80 مليونا من العرب تأييدا لحق مصر وصدق إيدن عندما قال في مذكراته أن قناة السويس أصبحت قناة العرب .

انتهي المؤتمر في 22 أغسطس إلي قرارات تتضمن في تأكيد مبدأ الإشراف الدولي , والاعتراف بحق السيادة المصرية مع ضمان دخل عادل مقابل استخدام القناة , واقترح الدخول في مفاوضات بشأن عقد اتفاقية جديدة توكل مهمة إدارة القناة إلى لجنة تضم مصر وعددا من الدول تختارها الدول الموقعة علي الاتفاقية .

رفض القرار الاتحاد السوفييتي والهند واندونيسيا وسيلان ,

واقترحوا تشكيل هيئة استشارية بحتة ليس لها أي سلطة على إدارة القناة .

وتقرر بناء على بيان الدول الثمانية عشرة إرسال لجنة لعرض الأمر على جمال عبد الناصر يرأسها روبرت منزيس رئيس وزراء استراليا ومعه وزراء خارجية إيران وأثيوبيا والسويد ولوي هند رسون ممثلا الولايات المتحدة ويلاحظ أنها تمثل دولة واحدة من كل قارة .

ووصلت اللجنة إلى القاهرة يوم 2 سبتمبر , ولكن جمال عبد الناصر رفض قبول فكرة الإشراف الدولي رفضا باتا , وفشلت البعثة في تحقيق غرضها رغم محاولات روبرت منزيس رئيسها .

وكان أيدن قد أعد خطة متشعبة . . . عرض الأمر على مجلس حلف الأطلنطي , ونجح في الحصول على موافقته بعدم دفع رسوم القناة . . . وكانت السفن البريطانية والفرنسية تدفع كل عام نحو 55 % من هذه الرسوم تليها السف الأمريكية ثم الايطالية فالهولندية والنرويجية والألمانية . . . وكان الجميع متفقين مع فكرة الحكومتين البريطانية والفرنسية في عدم دفع الرسوم إلا الولايات المتحدة التي أعلن دالاس في مؤتمر صحفي ( قناة السويس لا تمثل مركزا رئيسيا من اهتمام الولايات المتحدة ) .

وبدا واضحا أن تغيرا ما قد حدث في موقف حكومة الولايات المتحدة الأمريكية عبر عنه إيدن في مذكراته بقوله أن دالاس قد غير رأيه فجأة يوم 4 سبتمبر بعد عودته من عطلة نهاية الأسبوع التي قضاها في جزيرة البط على بحيرة انتاريو . . . فقد بدأ ينادي بتكوين جمعية للمنتفعين .

وقررت الحكومتان البريطانية والفرنسية الاستجابة إلى ذلك قبل عرض القضية على هيئة الأمم المتحدة . هذا ما كان في لندن وباريس بعد التأميم . . . استعداد وتحفز لسلوك كافة السبل بما فيها الاستعداد للقتل .

أما في مصر , فان شعبية جمال عبد الناصر قد ارتفعت إلي مستوى لم يحصله زعيم عربي في التاريخ الحديث , واتخذ موقفا صلبا في مواجهة المؤامرات الاستعمارية . . . رفض فكرة التدويل وأطلق عليها ( لفظ ) (مؤامرة ) . . .

وبذلت الإدارة المصرية لقناة السويس جهودا خارقة لإدارة القنال في وقت رفض فيه 60 مرشدا كانوا في أجازات بالخارج العودة إلى مصر من مجموع 205 مرشدين . . وازداد ضغط الشركة وإغراؤها للمرشدين بترك العمل في مصر . . . عرض رئيس الشركة جاك جورج بيكو مرتب ثلاث سنوات مقدما لمن يرفض العمل مع المرشدين تحت الإدارة المصرية , ثم هدد بفقدان المرشدين الباقين لمعاشهم .

وكانت النتيجة خروج جميع المرشدين الأجانب عدا 11 يونانيا رفضت حكومتهم التصريح لهم بمغادرة موقعهم في هيئة قناة السويس . . .

وبذا أصبح المجموع 51 مرشدا انضم إليهم عدد مناسب من المرشدين السوفييت واليوغوسلاف واليونانيين والأمريكيين أيضا ولم تؤثر الضغوط الاقتصادية التي فرضتها بريطانيا وفرنسا على مصر حيث كانت تدفع بواخرهم رسومها في لندن , دون أن تمنعها الإدارة المصرية من المرور , تفاديا لحدوث أزمة مفتعلة .

وكان جمال عبد الناصر قد قرر أن نجاح التأميم وسيطرة مصر على القناة يتأكد إذا مضى شهر دون تدخل البريطانيين . . . قال ذلك للوزراء أثناء اجتماعهم به قبيل خطبته يوم 26 يوليو , وقال أيضا أن البريطانيين حسب المعلومات المتوفرة لديه لن يهاجروا قبل شهرين , كما استبعد احتمال تدخل إسرائيل وذلك ردا على استفسار احد الوزراء .

وعندما تتابعت الأحداث ووصلت إلى حد الدعوة لانعقاد ( نادي المنتفعين ) في مؤتمر لندن الثاني يوم 19 سبتمبر , أرسل بولجانين خطابا إلى إيدن يقول له فيه أن الاتحاد السوفييتي يطلب تسوية سلمية مع النظر إلى مصالح كل الدول التي يهمها الأمر .

وتساءل بولجانين في رسالته ( كيف لا يبدي الاتحاد السوفييتي العطف على موقف مصر في الوقت الذي تدافع فيه عن سيادتها وأرضها الوطنية ) ؟

تحققت الفكرة الأمريكية وانعقد نادي المنتفعين في مؤتمر لندن الثاني . . ومنه تقرر عرض الأمر على هيئة الأمم المتحدة , تحقيقا لرغبة بعض الدول التي أرادت أن يساعد موقفها قرار في الهيئة .

قدمت المذكرة بريطانيا وفرنسا دون أن توقع عليه الولايات المتحدة , وعرضت القضية يوم 5 أكتوبر على مجلس الأمن الذي عقد جلسات سرية لمدة تسعة أيام ثم حولها إلى علنية بعد قرار جماعي قائم على مبادئ ستة هي :

1 – أن تكون الملاحة في القناة حرة ومفتوحة ودون تمييز .

2 – أن تحترم سيادة مصر .

3 – أن تكون إدارة القناة منفصلة عن سياسات أي دولة كانت

4 – أن تحدد رسوم القناة بالاتفاق بين مصر والمنتفعين بالقناة .

5 – أن تخصص نسبة عادلة من العائدات لتحسين القناة وتطويرها .

6 – في حالات النزاع يسوي الأمر بالتحكيم .

واعتبر هذا الاتفاق نصرا لمصر التي أثبتت نجاحها في إدارة القناة وقال همرشولد بعد التصويت على المبادئ الستة للدكتور فوزي وزير خارجية مصر ( أنها نتيجة ممتازة فبعدما أنهى البريطانيون استعداداتهم العسكرية ضدكم , مر القطار وفات المحطة ) .

ولكن القطار لم يكن قد فات المحطة بعد .

كانت بريطانيا وفرنسا قد قدمتا توصيتين الأولى تقدم ضمانات للمنتفعين بالقناة هي في مضمونها ما اقترحته الدول الثانية عشرة والثانية توصي بفتح حركة المرور عبر القناة وفق معاهدة 1888 هادفة بذلك السماح لإسرائيل لعبور القناة . . . وكانت مصر تمنع المراكب الإسرائيلية من العبور رغم قرار مجلس الأمن الصادر في أول سبتمبر 1951 بصورة رسمية ولو أنها سمحت بمرور 60 راكبا في الفترة من 1951 إلى 1954 لمراكب إسرائيلية لا ترفع العلم الإسرائيلي .

استخدم شيلوف وزير خارجية الاتحاد السوفييتي الفيتو ضد التوصيات الانجليزية الفرنسية معتبرا أن فيها ( قسرا لمصر على سلوك معين ) .

وتقرر اجتماع وزراء خارجية انجلترا وفرنسا ومصر في جنيف يوم 29 أكتوبر بحث أسلوب تتغير المبادئ الستة .

ولكن 29 أكتوبر كان يوم العملية المدبرة سرا للعدوان الثلاثي على مصر ,

لم يكن العدوان مفاجأة , ولكنه كان مستبعد في تقدير عبد الناصر .

كل المعلومات كانت تشير إلي استعدادات عسكرية تدبر لمهاجمة مصر .

1 ) ثروت عكاشة الملحق العسكري بفرنسا وصلته خطة تحركات القوات الفرنسية قبل العدوان بعشرة أيام عن طريق بعض الشيوعيين من المصريين الذين أبعدوا عن مصر وأرسلها إلى جمال عبد الناصر بخطاب خاص مع الملحق الصحفي عبد الرحمن صادق لتسليمه شخصيا إلى جمال عبد الناصر . . . وقد كتبه بخط يده من نسختين فقط , أرسل واحدة واحتفظ بالأخرى .

2 ) زكريا العادلي أمام الملحق العسكري بتركيا وسفيرنا في الصين والهند بعد ذلك عرف كافة أسرار الحشد العسكري في قبرص وإسرائيل عن طريق بعض المندوبين الأتراك الذين أرسلهم إلى هناك , عقب ملاحظته أن الأتراك قد الغوا الأجازات وأعلنوا حالة الطوارئ القصوى . . . وأرسل نتيجة معلوماته برقية يوم 6 أكتوبر تقول ( ستوجه انجلترا وفرنسا إنذارا نهائيا إلى مصر يعقبه عدوان جماعي بالتعاون مع إسرائيل في منتصف نوفمبر ) ثم تبعها ببرقية أخرى تقول ( رغم أن المعلومات عندي بأن الهجوم في منتصف نوفمبر إلا أن الظواهر تدل على انه سيكون قبل آخر أكتوبر ) . . . أرسلها مع الملحق الإداري الذي سافر وعاد فورا , وردت عليه المخابرات الحربية بأنه الملحق العسكري الوحيد الذي ابلغهم مثل هذه المعلومات . . . ولما استشعر الخطر سافر بنفسه إلى القاهرة يوم 19 نوفمبر ليبلغ عن أمرين . . . أولهما تدريب إسرائيل لفرد من عائلة الحوت لاغتيال جمال عبد الناصر , والثاني تأكيد أخبار العدوان . . . وقد التقى زكريا بعبد الحكيم عامر وابلغه بكل ما يعرفه دون أن يتلقى ردا شافيا ثم غادر القاهرة يوم 27 أكتوبر دون أن تتاح له فرصة مقابلة جمال عبد الناصر رغم إصراره على ذلك .

3 ) عقب عودة صلاح سالم من لندن حيث كانت هناك وقت انعقاد المؤتمر الثاني ابلغ جمال عبد الناصر بأن العدوان مؤكد وحتمي

4 ) سرب الأمريكيون معلومات إلي سفيرنا في واشنطن بأن الجنرال كيتلي قد اختير لقيادة غزو مصر وأنه يدرب رجاله في قبرص .

وهكذا لم تكن احتمالات العدوان جهولة . . . فان تصريحات إيدن أمام مجلس العموم كانت تشير إلى ذلك عندما أوضح انه إذا رفضت الحكومة المصرية تقديم القدر اللازم من التعاون معها فإنها ستكون قد خرقت اتفاقية 1888 ( وفي هذه الحالة سيكون لحكومة جلالة الملكة والأطراف المعنية الأخرى حرية اتخاذ أية خطوات تراها لازمة إما عن طريق الأمم المتحدة أو بوساطة وسائل أخري لضمان حقوقها ) .

وتهديدات روبرت مانزيس بأن مؤتمر لندن الأول لم يستبعد استعمال القوة قبلت لجمال عبد الناصر شخصيا .

وتصريحات أيزنهاور في مؤتمر صحفي عقد يوم 19 سبتمبر عندما سئل عما إذا كان سيؤيد بريطانيا وفرنسا إذا اضطرنا لاستخدام القوة فقال ( إن هذه البلاد لا يمكن أن تخوض حربا ما دمت أتولى منصبي هذا إلا إذا دعي الكونجرس للانعقاد وأعلن الحرب ) . . . دليل على أن احتمال العدوان الانجلو فرنسي كان واردا ( وسحب فرنسا لسفيرها بالقاهرة بحجة ضبط سفينة مصرية تحمل أسلحة لثوار الجزائر ) .

ولكن جمال عبد الناصر كان له تقدير خاص للموقف , يوم 22 يوليو أدلى به إلى كينيث لوف في حديث صحفي بعد ذلك بثماني سنوات , قال فيه انه ( استبعد لجوء البريطانيين إلى التحالف مع الإسرائيليين لاستعادة القناة بالقوة لأنهم يعرضون مراكزهم ومصالحهم في الشرق الأوسط للخطر . . . أما بالنسبة لفرنسا فكانت غير راضية عن حلف بغداد وكنت اعتقد أنهم منهكون في الجزائر بما لا يسمح لهم بالحملة ضدنا . . . أما الأمريكان فكان انطباعنا أنهم لن يلجئوا إطلاقا إلى استعمال القوة ) .

وتقدير الموقف الذي نشره محمد حسنين هيكل في كتابه ( عبد الناصر والعالم ) والمؤلف من 14 نقطة يظهر مختلف الاحتمالات , ولكنه يخلق تناسبا عكسيا بين الزمن واحتمالات العدوان . . . كلما مضي الزمن كلما قل احتمال الغزو . . . وانه إذا مضي شهر على التأميم فأنه سيكون في أمان من الغزو .

ويقول هيكل في نفس الكتاب انه ( لما تمت الموافقة على المبادئ الستة قرر الرئيس عبد الناصر أن نسبة خطر الغزو قد انخفضت إلى 10 في المائة بل انه استبعد عمليا احتمال الغزو ) .

لم يتحقق استنتاج جمال عبد الناصر من تقدير موقفه . . . وفوجئ يوم 29 أكتوبر بخبر يقول أن الإسرائيليين قد أعلنوا أنهم أرسلوا طابورا مدرعا إلى سيناء للقضاء على الفدائيين ثم أعلنوا في نفس الليلة أن قواتهم تقترب من السويس , وذلك عندما أرسلوا قوات المظلات إلى ممر متلا .

واجه أعضاء مجلس قيادة الثورة الذي اجتمع بهم جمال عبد الناصر الموقف على انه هجوم إسرائيلي فقط . . . لم يشذ احد منهم برأي خاص , ولم يحاول أن يربط بين ذلك الهجوم واستعدادات انجلترا وفرنسا لغزو منطقة قناة السويس .

ويقول زكريا محي الدين أن المعلومات عن احتمالات غزو انجليزي فرنسي لم تستبعد تماما , وإنما نظر إليها على أنها محاولة خداعية لصرف النظر إلى غزو إسرائيل ولذا فانه عندما بدأ الغزو الإسرائيلي بدا الأمر كما لو إن تقدير موقفهم كان سليما .

ومع ذلك فان خطة الجيش كانت قد وضعت على أساس عدم استبعاد احتمال الغزو البريطاني الفرنسي نهائيا , بل إن الخطة الدفاعية قد أعدت على أساس احتمالات إنزال في بورسعيد أو الإسكندرية . . . وكان احتمال الإسكندرية أكثر ترجيحا لقربها من القاهرة مركز الحكم إذا كانت نية الهجوم هي القضاء على النظام .

وهنا يجب ملاحظة أن قوات الجيش المصري كانت ما زالت في مرحلة الانتقال من جيش لا تتوفر له الأسلحة الحديثة . ولا تنظم وحداته على أساس التشكيلات القتالية بل على أساس أسلحة متباعدة غير مترابطة ( مدفعية مشاة – مهندسين الخ ) كما كان قبل الثورة . . . إلى جيش بدأت تتدفق عليه الأسلحة السوفييتية الحديثة وما يتبعها من تنظيم جديد وعقيدة قتالية جديدة .

كان الجيش في رحلة الانتقال غير مستقر على ارض ثابتة من نواحي التسليح والتدريب والتنظيم والعقيدة القتالية أيضا .

وفي هذا الجو صدرت الأوامر للقوات المصرية المسلحة باحتلال ممر متلا بلواء مدرع ومهاجمته جوا . . . وتحركت القوات فعلا .

ولكنه مع فجر اليوم التالي اتضحت الصور الخافية . . . ظهرت طائرات الاستطلاع البريطانية , واستدعي السفيران المصريان في لندن ( سامي أبو الفتوح ) وباريس ( كمال عبد النبي ) لمتابعة المسئولين في وزارة الخارجية الانجليزية والفرنسية حيث تسلما إنذارا جافا يطلب من كل من مصر وإسرائيل أن توقف إطلاق النار وتنسحب عشرة أميال بعيدا عن جانب قناة السويس , مع قبول مصر لقوات أنجلو فرنسية في بورسعيد والإسماعيلية والسويس على أن يتم ذلك خلال 12 ساعة تنتهي في الساعة 30 , 6 من صباح الأربعاء 31 أكتوبر وإلا فان قوات المملكة المتحدة وفرنسا ستتدخل بأية قوة تحتمها الضرورة لتأمين تنفيذ ذلك .

كان التحرك الإسرائيلي والإنذار الانجلو فرنسي خيوطا مشتركة في نسيج واحد , وخطة مدبرة لغزو مصر والإطاحة بنظامها الذي اخذ خطوات تقدمية غير منتظرة هزت من ثبات الاستعمار في المنطقة .

نبتت رغبة إسرائيل في العدوان عقب حصول مصر على الأسلحة السوفيتية , فقد استدعى بن جوريون موشي ديان في أكتوبر 1955 بعد أيام من إعلان الصفقة وإعلان إقامة قيادة عسكرية مشتركة بين مصر وسوريا في 19 أكتوبر 1955 وكلفه بإعداد خطة الحرب قائلا في صراحة ( لابد أن يسقط النظام في مصر قبل أن تصل الأسلحة الروسية ) .

يقول موشي ديان في مذكراته ( اجتمعت مع بن جوريون في حجرته بفندق هاناس ) بالقدس . . . وفي نهاية الحديث أمرني باعتباره وزيرا للدفاع أن أكون مستعدا لاحتلال مضايق تيران مع شرم الشيخ ورأس نصرني وجزيرتي تيران – صنافير – بفض تأمين الملاحة الحرة في خليج العقبة والبحر الأحمر ) .

اعد موشي ديان الخطة وعرضت على مجلس الوزراء الإسرائيلي في ديسمبر 1955 وتحدد موعد الهجوم بعد شهر من بدء العام الجديد . . . ولكن مجلس الوزراء رفض الموعد قائلا انه لابد من وجود مبرر . . . وقال ديان ( وكان من السهل خلق المبرر ) .

وحصلت إسرائيل خلال هذه الفترة على طائرات مستير 4 التي تنتجها فرنسا لحلف الأطلنطي وذلك بعد موافقة أيزنهاور ودالاس التي حملها مبعوثهما الخاص ( هوبرت هنري ) .

وكتب بن زوهار مؤرخ حياة بن جوريون الرسمي يقول ( كانت أزمة السويس بعدئذ طارئة وهي لم تغير في شيء من خطط إسرائيل الذي كانت ستهجم على أية حال ولكنها سهلت لها أصعب الأمور , السلاح والحلفاء وطبعا المبرر ) .

وكانت خطة بريطانيا العودة إلى منطقة قناة السويس وقاعدتها بأي ثمن , وقد ثبت ذلك ممن تعليمات حصلت عليها المخابرات المصرية في منطقة القناة مرسلة من رئاسة القوات في لندن إلي قيادة القوات في القناة , وذلك عام 1956 وفيها تشير إلى ضرورة عمل مخابئ تحت الأرض في 6 معسكرات لتكون مخازن تخزن فيها الأسلحة والدبابات والمدفعية الباقية في منطقة القناة ولا ترحل . . . وتشير التعليمات إلى ضرورة حفظ علاقات طيبة مع بعض العملاء واحتمال عودة القوات خلال الشهور الستة الأولي بعد الانسحاب .

وعندما علم جمال عبد الناصر بهذه التعليمات توجه سرا مع ضابط المخابرات المسئول إلى منطقة القناة حيث أمضى الصباح في منزله ثم نزل ليلا بنفسه ليتفقد المخازن السرية ووجد مدخلها من احد المكاتب إلى دهليز ثم سلم حديد ينزل إلى عمق 5 أمتار , ثم يمتد بطول نصف كيلو واتساع 10 أمتار وهو مليء بالمدافع المشحمة وصناديق الذخيرة .

ومع ذلك كانت ردود الفعل عند جمال عبد الناصر هادئة . . . أوقف عمليات الفدائيين في غزة تحاشيا لاستفزاز الإسرائيليين وخلق مبرر لهم للهجوم . . كما صرح للخبراء البريطانيين بسحب الذخيرة من قاعدة القناة وإرسالها للخارج دون اعتراض وذلك تنفيذا لبنود الاتفاقية وحرضا على عدم التصادم رغم علمه بأنها قد تستخدم في غزو جديد لمصر .

واجتمع مجلس الوزراء مساء نفس اليوم – 30 أكتوبر – واتخذ قرارا برفض الإنذار بعد أن اتفق الرأي على ذلك سوف يكون عودة للاحتلال , كارثة على مصر . . . واستدعى سير هنري تيليان وابلغه رفض مصر .

وتحول جمال عبد الناصر كلية إلى مواجهة الموقف العسكري . . . وتغير تقدير موقفه بعد أن ظهرت كل خيوط المؤامرة , ووجد أن إرسال قوات إلى سيناء يعني التضحية بها بين القوات الإسرائيلية من الشرق والقوات الانجليزية الفرنسية المشتركة التي تستهدف احتلال القنال فتحصرها من الغرب .

وكان جمال عبد الناصر حتى ذلك الوقت قريب العهد من عمله مدرسا في كلية أركان الحرب كما كان عنده أيضا الحس الشعبي الذي انفعل به من تعاطف الجماهير وتأييدها الجارف . . . ولذا قرر سحب قوات الجيش إلى منطقة لتقف مع الشعب في دفاعه عن حريته وقناته , بدلا من دفعها إلى سيناء وهي 8 / 1مساحة مصر كلها والقوات المتيسرة ليست كافية للدفاع عنها في ظروف تفرض الصحراء فيها متاعب إدارية وفنية كبيرة .

ولم يدرك عبد الحكيم عامر للوهلة الأولى فكرة عبد الناصر من الانسحاب , وظل في مناقشة عاصفة معه طوال الليل مما أخر سحب الدبابات قليلا .

وحدث خلاف جديد بين جمال عبد الناصر وبين العسكريين من رجال الجيش الذين تصوروا أن التحام الشعب بالجيش يكون بسحب القوات إلى غرب القناة حيث تزيد كثافة السكان ونقلوا مركز الرئاسة إلى الزقازيق فعلا . ولكن جمال عبد الناصر أوضح لهم انه لا يجوز ترك القناة عارية بلا دفاع لان ذلك يسهل للمهاجمين اقتحامها دون عناء وأنهم سيقفون عند حدود ذلك دون رغبة في اقتحام الدلتا أو الوصول إلى القاهرة .

لذا كان الإنذار البريطاني الفرنسي بمثابة صدمة كهربائية أفاقت كل الحواس وأظهرت الأمر الواقع , ووضعت جمال عبد الناصر في مواجهة احتمالات خطيرة .

وثبت فيما بعد أن خطة العدوان قد وضعت اللمسات النهائية فيها خلال اجتماع أحبط بسرية شديدة وتم في ضاحية سيفر قريبا من باريس في الفترة من 22 أكتوبر إلى 24 بين بن جوريون ومشي ديان وسلوين لويد وزير الخارجية البريطانية , وجي موليه رئيس وزراء فرنسا وكريستيان بينو وزير خارجيتها .

تمت سيفر في الوقت الذي كان أعضاء مجلس الأمن ينهكون فيه أنفسهم ببحث موضوع التأمين وتوصلوا فيه إلى النقط التي اختاروا 29 أكتوبر موعدا لاجتماع جنيف بين وزراء خارجية مصر وفرنسا وبريطانيا . . . ولكن اجتماع سيفر اختار هذا التاريخ موعدا للعدوان وليس موعدا لاجتماع من اجل السلام .

ووقع الاختيار بعد مناقشة خطة ( شال ) الفرنسية وخطة ( موسكتير ) البريطانية التي وضعها جنرال ستوكوبل , على اختيار الخطة البريطانية بعد تعديلات بسيطة أدخلت عليها وسميت ( موسكتير الجديدة ) .

وكان الهجوم الإسرائيلي في الموعد المقرر . . . والإنذار الفرنسي البريطاني المشترك تبعا للخطة الموضوعة والتوقيت .

الغريب أن بن جوريون صرح بعد اجتماعات سيفر بأنه يسعي للسلام ويود أن يجتمع مع جمال عبد الناصر بشأن عقد تسوية في الوقت الذي كانت فيه كل خيوط المؤامرة قد نسجت . وذلك لما ورد في حديث لعبد الناصر يوم 25 ابريل 1960 .

واستقرت الخطة الدفاعية على أساس تفكير جمال عبد الناصر , وأعدت خطة الدفاع عن القناة , وبدأ التنسيق بين القوات المسلحة وبين جيش التحرير الشعبي الذي شكل وعين كمال الدين حسين قائدا له في 9 أغسطس 1956 , واتخذ من مدينة الإسماعيلية مقرا له . . . وعندما بلغ جمال عبد الناصر أن عملية الانسحاب قد تمت قال ( شعرت على الفور ساعة أخطرت أن مصر كسبت المعركة حين أحبطت خطة العدو . . . ولو أن قرار الانسحاب قد تأخر 24 ساعة فقد كان الأمر كله قد انتهي ) .

وتباينت في مواجهة العدوان ردود فعل أعضاء مجلس القيادة الذين لم يكن يجمعهم شكل تنظيمي ولكن جمال عبد الناصر كان دائم الاستشارة لهم , حريصا على الارتباط بهم من موقعه الشرعي رئيسا للجمهورية . . . وقد ظهر التباين في أوضح صورة بعد بدء الغارات البريطانية على المطارات الحربية يوم 31 أكتوبر .

كان عبد الحكيم عامر القائد العام للقوات المسلحة غير مؤهل في شخصيته لتولي هذا المنصب الخطير , ولكن جمال عبد الناصر عينه فيه خلال أزمة التناقض مع محمد نجيب ليضمن السيطرة على الجيش لثقته من ولاء عبد الحكيم له باعتباره صديق عمره والذي كان يسكن معه في سكن واحد قبل الزواج .

ولذا فان مواجهة عبد الحكيم عامر للعدوان لم تكن ايجابية ولا ديناميكية . . . وشخصيته الطيبة المحبوبة لم تكن ذات تأثير نافذ في ظروف المعركة . . . كان تحريكه للقوات وإعداده للخطط , رغم استعانته حتى ذلك الوقت في مكتبه بعدد من خيرة الضباط أركان الحرب , لم يكن متناسبا مع خطورة الموقف . . . فاصدر أمرا لمحمد رياض محافظ بورسعيد بتولي قيادة القوات المسلحة في بورسعيد وهو مدني متخرج في كلية الحقوق , كما أن مساعده قائد القوات الجوية محمد صدقي محمود ترك طائرته فريسة للهجوم وهي رابضة على الممرات الجوية دون تحليق , مما أدى إلي تحطيمها فعلا في يوم واحد , رغم أن خطة المعتدين قد قدرت لذلك يومين .

أما صلاح سالم فقد كان رد الفعل عنده أكثر وضوحا . . . صارح جمال عبد الناصر وقنابل البريطانيين تتساقط فوق المطارات ومحطة الإذاعة وبورسعيد بأنه قد أدى دوره وخدم بلده في حدود قدراته , وأن عليه أن يذهب إلى السفير البريطاني ويسلم نفسه له لأنهم يطلبونه شخصيا كما قال إيدن .

والتفت جمال عبد الناصر إلى زملائه بهدوء وبلا انفعال يسألهم عما إذا كان هناك احد يتفق مع صلاح في الرأي . . . ولكن أحدا لم يكن معه .

وقد برر صلاح سالم هذا الموقف فيما بعد بأنه لم تكن عنده أية فسحة من الأمل في مقاومة عدوان ثلاثي على مصر في وقت لم يكن الجيش فيه قد استكمل معداته أو تدريبه أو تنظيمه . . . وانه كان في موقف الاختيار بين جمال عبد الناصر وبين مصر . . . فاختار مصر .

لم يتخذ جمال عبد الناصر موقفا فوريا من صلاح سالم الذي ذهب إلى القيادة العامة للقوات المسلحة حيث دارت بينه وبين عبد اللطيف وعبد الحكيم عامر مناقشة حول موقفه انتهت إلى قيامه ولبسه ملابس جندي المراسلة الذي يقدم القهوة وصدور تعليمات له من عبد الحكيم عامر بالذهاب إلى السويس ليكون مسئولا عن المقاومة الشعبية فقام من فوره وسافر إليها دون أن يتوجه إلى منزله .

قال جمال عبد الناصر فيما بعد أن أكثر من اثنين من أعضاء مجلس القيادة اظهرا حماسا وتأييدا لاقتحام المعركة كانا عبد اللطيف بغدادي وذكريا محي الدين .

ويقول عبد اللطيف البغدادي انه ظل ملازما جمال عبد الناصر في كل تحركاته إلى الحد الذي جعلهما ينامان في غرفة واحدة بمبني مجلس قيادة الثورة طوال مدة العدوان .

وتفرغ زكريا محي الدين للسيطرة على الموقف الداخلي وإعداد المقاومة السرية .

كان جمال عبد الناصر قد قرر أن يقاتل ولا يستسلم . . . أعلن ذلك من منبر الأزهر المكان الذي خرجت منه المظاهرات الوطنية على مدى التاريخ . . . بصوت متحشرج فقد كانت الانفلوانزا قد داهمته قبل العدوان وسمعه الملايين من العرب يقول ( أنا في القاهرة سأقاتل معكم ضد أي غزو والى آخر نقطة دم . . . سأبقى في القاهرة مع أولادي . . . لن نستسلم أبدا سنبني بلدا وتاريخا ومستقبلا . . . وسننتصر ) .

ومع ذلك اجتمع عدد من رجال الأحزاب وقرروا مطالبة جمال عبد الناصر بالتنحي عن منصبه لأن العدوان يستهدفه أكثر مما يستهدف مصر . . . ولكنهم لم يجدوا من يجرؤ على رفع هذا الطلب إليه . . . كانوا كمن يبحث عمن يضع الجرس في رقبة القط .

وصل هذا الخبر إلى أجهزة الأمن المصرية عن ريق احد الذين حضروا الاجتماع وهم سليمان حافظ و محمد صلاح الدين .

واعتقل معهم عدد من السياسيين السابقين مثل فؤاد سراج الدين و إبراهيم فرج حيث بقوا في المعتقل حتى أفرج عنهم في منتصف فبراير 1957 .

وقد استدعى هذا الموقف من رجال الأحزاب , موقفا آخر من اللواء محمد نجيب الذي كانت إقامته ما زالت محدودة في فيلا زينب الوكيل حرم مصطفي النحاس بالمرج , وكان يعيش حياة قاسية بعد أن انتزع بعض ضباط الشرطة العسكرية أثاث منزله وحرموه من مكتبه ومذكراته وأصدقائه .

صدرت الأوامر بنقل محمد نجيب إلى طما في جنوب الصعيد ليكون بعيد عن القاهرة في حالة ما إذا حاولت قوات العدوان الاستعانة به إذا انتصرت . . . وكانت الرحلة شاقة وقاسية وعومل فيها معاملة لا تليق بقائد ثورة ورئيس جمهورية وضابط برتبة لواء . . . وكان ذلك بتصرف ذاتي من بعض صغار الضباط الذين لا يرون في أنفسهم إلا أدوات تعذيب وامتهان دون تفكير . . . واستمر محمد نجيب في هذا المكان القصي في منزل محام قريب لأحمد أنور مدير الشرطة العسكرية حتى تم الجلاء الثاني , وعاد إلى تحديد الإقامة من جديد في منزل المرج . وإذا استثنينا محمد نجيب الذي لم يأخذ موقفا مضادا لقيادة جمال عبد الناصر ولم يصدر منه تصريح مضاد , ولم يكن في ظروف تسمح له بالتعبير عن رأيه . . . فإننا نجد أن موقف السياسيين السابقين الذين هرعوا للاجتماع ومطالبة عبد الناصر بالتنحي . . وموقف صلاح سالم في الوهلة الأولى, وموقف عبد القادر حاتم الذي كان مسئولا عن مصلحة الاستعلامات , والذي نبهه جمال عبد الناصر إلى مسئوليته هي رفع بمعنوية الجماهير , وليس التحذير من خطر العدوان لما حادثه في ذلك كما يرويه انطوني ناتنج في كتابه ( ناصر ) .

موقف هؤلاء يدل على عدم سلامة تقديرهم لظروف مصر في مواجهة العدوان .

كان جمال عبد الناصر خلال الفترة التي أعقبت خروج محمد نجيب قد استطاع أن يؤكد زعامته الوطنية وأن يشق طريقا تقدميا للجماهير , يثبت فيه معالم بارزة مثل قرارات باندونج والانتصار في معركة الأحلاف , وصفقة الأسلحة وإبراز دور القومية العربية وتأميم القناة . . . ومن هنا اكتسبت شخصيته ثقة الناس . . . وتخلى والكثيرون عن ارتباطاتهم الحزبية القديمة ووجدوا فيه بديلا ثوريا معبرا عن إرادة الملايين من أبناء الأمة العربية .

وبذا لم يعد الفصل سهلا أو ممكنا بين شخصية جمال عبد الناصر وبين الشعب . . وسقطت الدعاية الاستعمارية التي حاولت في ذلك الوقت أن تظهره في مظهر الديكتاتور . . فهو لم يكن في هذه الفترة قد أصبح حاكما مطلقا بعد , ولكنه كان قائدا يقود الجماهير في سلم الصعود .

كان قصورا في تفكير هؤلاء الساسة المشتركين في الاجتماع , وتصورا بأنهم قادرون في مرحلة المد الوطني أن يركبوا الموجة من جديد .

بدأ العدوان الذي استبعد جمال عبد الناصر احتمال وقوعه إذا تأخر عن التأميم شهرا . . . وقع بعد ثلاثة شهور نتيجة للظروف السياسية التي سبق توضيحها ونتيجة أيضا لبعض المشاكل العسكرية البريطانية , الأمر الذي أجبرهم على تأجيل الخطة التي وضعت وصدق عليها في أواخر يوليو 1956 .

كان هناك نقص في جنود المظلات البريطانيين ونقص في عدد الطائرات التي تحملهم ونقص ثالث في عدد السفن حاملة الجنود , مما اضطر الانجليز إلى الاعتماد على الفرقة الفرنسية العاشرة من جنود المظلات بعد إدماج الالاي 16 البريطاني معها . . كما أن القيادة البريطانية اضطرت إلى اتخاذ جزيرة مالطة مركزا للعمليات بدلا من قبرص التي لا تصلح عمق موانيها لاستقبال بواخر الإنزال والمسافة بينها وبين بورسعيد 900 ميل تستغرق ستة أيام كما ورد في مذكرات إيدن .

بدأت العمليات في ظروف معارضة متزايدة للحكومة البريطانية , كانت وزارة الظل لحزب العمال قد أعلنت أنها لا تبرر استخدام القوة إلا بقرار من الأمم المتحدة ومعني ذلك رفض الموافقة على استخدام القوة إلا بقرار من الأمم المتحدة ومعنى ذلك رفض الموافقة على استخدام القوة كما أن دعوة الاحتياط للجيش أثار تيارا من المعارضة ظهر على صفحات الصحف ,

وقامت المظاهرات ضد إيدن أثناء تحركاته في لندن كما قال في مذكراته يوم هاجمته الجماهير يوم عيد زواجه . . . ولم يساند إيدن حضور تشرشل زعيم حزب المحافظين السابق جلسة العموم .

كانت خطة الغزو مقسمة إلى ثلاث مراحل . . . الأولى ضرب المطارات والطائرات والسفن التي قد تسد القناة . . . والثانية ضرب الأهداف والمنشئات العسكرية بقصد تدمير أي دفاع منظم . . . والثالثة إنزال جنود المظلات من قبرص ثم وصول القوات بعد ذلك من مالطة بعد 24 ساعة على أن تستغرق العملية منذ الطلقة الأولى إلى احتلال منطقة القناة فترة لا تزيد عن عشرة أيام إلى أسبوعين أي من 7 إلى 11 نوفمبر .

كانت الخطة بطيئة نوعا ما تخشي مفاجأة وجود عدد من الخبراء السوفييت يقودون الطائرات أو المدرعات المصرية , خاصة وأنه كانت هناك معلومات بأن مصر كانت قد تلقت غواصتين سوفييتيتين كما ذكر إيدن في مذكراته . ويذكر الدكتور مصطفي الحفناوي أنه كان قد أرسل خطابا يرجو دعم السلاح البحري بغواصتين بعد التأميم لحماية مداخل القناة من خطر إغراق الأعداء لبعض السفن فيها .

ولكن الظروف هي التي أجبرت مصر على سد القناة عندما تحركت في منطقة البحيرات المرة ست من سفن الشحن محملة بالاسمنت لإغراقها في القناة عند بدء الغزو , وعلم الانجليز بها فأغاروا عليها لمنعها من ذلك , ولكن واحدة منها نجحت في سد القناة سدا محكما ونجحت الأخرى شكل حاجز جعل العبور في القناة مستحيلا .

وتشعب اثر العدوان في عدة اتجاهات . . . العمليات العسكرية والصراع السياسي في هيئة الأمم ومواقف التأييد العربية , وموقف الاتحاد السوفييتي ثم موقف الولايات المتحدة ودول عدم الانحياز .

وإذا كانت مصر قد تلقت الإنذار وحدها فان ردود الفعل في معظم أنحاء العالم كانت معها تساندها وتشد من أزورها .

في العمليات العسكرية توقف الهجوم الإسرائيلي بعد الإنذار الانجلو فرنسي بعيدا عن القناة تبعا للخطة المشتركة , وواصلت الطائرات البريطانية عملياتها التمهيدية تنفيذا للخطة التي قادها من قبرص جنرال تشارلس كفيلي مع الاميرالد الفرنسي بيير بارجو .

وعرضت القضية على مجلس الأمن صباح 30 أكتوبر , وقدم هنري كابوت لودج مندوب أمريكا مشروع قرار بانسحاب إسرائيل إلى ما وراء خطوط الهدنة , ولكن انجلترا وفرنسا استخدمتا حق الفيتو لان إيدن اعتقد أنه ( كان هدف أمريكا من هذه الحركة هو أخذ الموضوع في يدها بدلا من فرنسا وبريطانيا وجعل النداء الذي وجهناه إلى مصر وإسرائيل لا داعي له ) .

واستخدم البريطانيون والفرنسيون الفيتو مرة أخرى في مشروع قرار سوفييتي , وحاولت يوغوسلافيا والهند نقل الموضوع إلى هيئة الأمم التي كانت تضم 80 في ذلك الوقت ويتسع فيها المجال لإدانة العدوان .

وصدر فعلا من الجمعية العامة قرار من 64 دولة بوقف إطلاق النار وانسحاب القوات الأجنبية , ولكن لم تكن له قوة التنفيذ وانفجر الموقف في البلاد العربية كما لم يحدث من قبل . . عندما ضربت محطة إذاعة القاهرة في أبو زعبل يوم 2 نوفمبر , أعلنت عمان ودمشق من محطاتها ( هنا القاهرة) . . . واتصل الملك حسين بجمال عبد الناصر قائلا أنه سيهاجم إسرائيل ولكن جمال أوضح له ضخامة المؤامرة وطلب منه التريث , وكان الموقف في الأردن مواتيا فقد تولى سليمان النابلسي رئاسة الوزارة يوم 24 أكتوبر 1956 بعد نجاح القوى الوطنية في الانتخابات وقطعت الأردن والعراق علاقاتهما السياسية مع كل انجلترا وفرنسا ودمر العقيد عبد الحميد السراج قائد المكتب الثاني السوري ( المخابرات ) ونائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة فيما بعد أنابيب ضخ البترول التابعة لشركة بترول العراق . . . وذهب شكري القوتلي الذي كان قد انتخب رئيسا لجمهورية سوريا في سبتمبر 1955 إلى موسكو في زيارة معدة من قبل , وناقش مع خروشوف وبولجانين والماريشال زوكوف ضرورة التدخل العسكري لنجدة مصر , ونصحه هؤلاء بضرورة استنفاذ كافة الوسائل القانونية والسياسية المتاحة في هيئة الأمم المتحدة , حتى يصبح التدخل هو السهم الأخير .

وتحدد موقف مصر في المقاومة دون الاستسلام وقال جمال عبد الناصر ( صدرت الأوامر بتوزيع السلاح وعندنا منه الكثير وسنقاتل في معركة مريرة من قرية إلى قرية ) .

الاتجاه إلى الشعب كان تفكير جمال عبد الناصر في وقت الأزمة , كما حدث عندما اعتقد أن جورج الين وكيل وزراء الخارجية الأمريكية سيقدم له إنذارا بعد صفقة السلاح , وقرر المقاومة السرية . كان زكريا محي الدين هو المسئول عن إعداد ترتيبات المقاومة السرية . . . وقد بدا فعلا في اتخاذ الإجراءات الضرورية مؤكدا انه لم يكن هناك خطر على اشتراك أي قوة سياسية في هذه المعركة الوطنية , وانه لم تتخذ أية إجراءات أمن إلا ضد بعض السياسيين القدامى الذين سبق ذكرهم مع محمد نجيب الذين كان يمكن أن يكونوا أوراقا يلعب بها الاستعمار من جديد .

كانت هناك 48 ساعة حاسمة اتخذت فيها كافة ترتيبات المقاومة السرية من إعداد عربات بنمر مدنية , وأوراق تحقيق شخصية مزيفة , وأجهزة لطبع أي منشورات أو مجلات وحتى جوازات السفر , وأجرت بعض الشقق بأسماء مستعارة , كما كلف بعض الأفراد بتشكيل هيكل للتنظيم السري , واعدت أجهزة اتصال لاسلكي , ومخازن سرية للسلاح , ومعدات وأدوات للتفجير .

كانت الاستعدادات تسير في هذا الاتجاه بجدية شديدة دليلا على الإصرار على القتال وعدم التسليم , ولكن عندما أجبرت الظروف قوات المعتدين بوقف إطلاق النار , تغير التفكير في معالجة الموقف وأصبحت المقاومة من موقع السلطة . . . ووضعوا جانبا المدافع الرشاشة التي كان كل منهم يتحرك بها .

وينفي زكريا محي الدين ما ذكره انطوني ناتنج في كتابه من أنهم أعدوا حيات من سباتيد البوتاسيوم للانتحار بها وقت الحاجة , وقال أنه كان هناك اقتراح بذلك ولكنه رفض باعتبار ضد الدين الإسلامي , وأنهم طالما يدافعون عن قضية عادلة فعليهم أن يتحركوا والمدافع في أيديهم .

وأرسلت مصر في الوقت بيانا لكل الدول تقول فيه :

( في هذه اللحظة الحاسمة تناشد مصر العون من المتطوعين والأسلحة وغير ذلك من كل أولئك الذين ما زالوا يحترمون في جميع أنحاء العالم كرامة الإنسان وحكم القانون في العلاقات الدولية . . . إن شعب مصر يخوض معركة البقاء والشرف , وهو لا يقاتل من اجل نفسه وبلده فقط , بل هو يقاتل من اجل العالم المتحضر كله ) .

انتقلت المعركة مع الاستعداد العسكري إلى الساحة الشعبية . . . وبدأت حركة المقاومة مع إنزال البريطانيين لجنود المظلات في بورسعيد يوم 5 نوفمبر , واسهم فيها الشيوعيون الذين كان قد أفرج عن آخر المعتقلين منهم بعد تأميم القناة . . . وبدأت تتكون مجموعات من العسكريين والشيوعيين واليساريين معا .

وكانت في بورسعيد من قوات الجيش اللواء 7 والكتيبة 4 مشاه إلى جانب المدفعية الساحلية والمضادة للطائرات . . ولكن عندما نزلت القوات البريطانية في الجميل تبعثرت القوات العسكرية نتيجة انهيار القيادة المسئولة – قائمقام عبد الرحمن قدري – وإصدار قائد المحطة – أميرالاي صلاح الموجي – الأوامر بوقف إطلاق النار ثم إلغائها بعد ذلك , وفشل قائد المقاومة الشعبية – صاغ غريب الحسيني – وقائد جيش التحرير الشعبي – صاغ عبد المنعم الحديدي – في إقناع الجماهير بالتحرك معهم لبعدهم عن فهم روح الشعب الحقيقية ثم هربهم بعد ذلك من بورسعيد . . . وقد تم فصل هؤلاء الأربعة من الجيش بعد انتهاء المعركة . . .

وعندما تشتت القوات وغلبت الحيرة صغار الضباط طلب حمدي عبدوه ومحمد أبو نار من الضابط منير موافي الذهاب لمقابلة شمس بدران مدير مكتب عبد الحكيم عامر الذي كان يفتش علي الحرص الوطني في المنصورة , وقال له أن الحل الوحيد هو في السماح للشيوعيين بالدخول إلى بورسعيد لأنهم اقدر من غيرهم على فهم نفسية الجماهير والتعامل معهم . . . وقد رجع شمس بدران إلى القاهرة ثم وافق على ذلك , ورفع الحظر بعدها عن تحركات الشيوعيين .

ويقول محمد أبو نار أن رجال المباحث العامة خلال القتال كانوا يراقبون تحركات الشيوعيين في الوقت الذي هرب فيه قائد المباحث العامة من بورسعيد وسلم البوليس أسلحته كاملة . . . ويقول أيضا أن الانجليز كانوا يقبضون من سجلات البوليس على الشيوعيين والإخوان المسلمين .

طالب الناس بالسلاح منذ أول لحظة في عدوان إسرائيل , ولكن تعطل ذلك لكي يتم تحت إشراف المباحث العامة بشكل روتيني ومظهري وغير فعال , ورغم الغارات على بورسعيد فان عددا قليلا من السلاح كان قد تم توزيعه .

ولكن مع هبوط جنود المظلات ووصول قطار محمل بالسلاح والذخيرة إلى محطة بورسعيد بدأ توزيع السلاح على الأهالي دون نظام . . . السلاح في الشحم والناس غير مدربة أو منظمة تتحرك وراء أي صوت يدعوها للهجوم على العدو في أي مكان , الأمر الذي قلل من فاعليتها وعرضها لبعض الخسائر .

وهكذا تم توزيع السلاح على الشعب في اللحظة الأخيرة وكأنه طوق نجاه يلقى لغريق .

كان في مقدمة العسكريين كمال رفعت و حمدي عبيد ومحمد أبو نار و محمد فايق وسعد عفره ومنير موافي و صلاح زعزوع وفي مقدمة الشيوعيين واليساريين عبد المنعم شتلا واحمد الرفاعي و سعد رحمي ويوسف إدريس و حسن فؤاد و علي الشلقاني وحرمه نانا سالم واحمد عباس صالح و محسن لطفي و إبراهيم اجوج و احمد مجاهد و عبد المنعم القصاص و أمينة شفيق وغيرهم .

ويقول محمد رياض محافظ المدينة الذي كان يقود بورسعيد إداريا من غرفة عمليات خشبية بدائية غير محصنة أنه عندما استقبل الجنرال ستوكوبل قائد القوات البريطانية رفض تسليم المدينة , تنفيذا لتعليمات زكريا محي الدين قبل العدوان لان اتصالاته السلكية بالقاهرة كانت قد انقطعت مع بدء عمليات الإنزال , وقد أمضت المدينة أياما قاسية حيث رفض المحافظ قبول الأكل من الانجليز الذين فتحوا مخازن الترانزيت وتركوا الأهالي يأخذون منها ما يريدون بينما كاميرات السينما والتليفزيون تسجل المشهد للدعاية في الخارج بينما دماء القتلى لم تكن قد جفت بعد .

كانت المقاومة الشعبية تقاتل في بورسعيد بينما توقف الجيش عمليا عن القتال بعد انسحابه من سيناء . . وإعداده للدفاع عن مدينة الإسماعيلية تحت قيادة كمال الدين حسين الذي استخدم قوات الجيش وقوات الشعب أيضا بالتنسيق مع اللواء علي عامر قائد القيادة الشرقية .

وفي السويس كان صلاح سالم قد حول المدينة إلى حصن كله خنادق ودشم وجزاعل مما يجعل اقتحامها صعبا جدا على الغزاة , وتكلف في ذلك ما يقرب من نصف مليون جنية صرفت خلال أيام قليلة قبل أن يتوقف إطلاق النار , واعتمد في ذلك على الجماهير بالدرجة الأولى .

وعلى قدر ما كان إصرار جمال عبد الناصر على القتال سببا في التهاب حماسة الشعب المصري والأمة العربية والأحرار في كل الدول . . . على قدر ما كان قرار إيدن وجي دي موليه سببا في تعرضهما لموجات عنيفة من النقد والمعارضة ووصلت المظاهرات ذروتها في لندن وباريس بعد وصول أخبار الإنزال بالمظلات . . . وتحول ميدان الطرف الآخر إلى كتل من البشر تهتف بسقوط إيدن وقاد الشيوعيون المظاهرات في فرنسا ضد جي موليه .

ووصلت الضجة المعارضة إلى مجلس العموم إلى حد لم تعرفه التقاليد البريطانية من قبل , وأدان الخطباء هذا ( العمل البوليسي ) الشنيع , ورفعت الجلسة لتهدأ ثورة الأعضاء .

كانت الحلقة تضيق على إيدن وجي موليه . . . تنفيذ الخطة لا يتم بالسرعة المطلوبة . . . القناة أصبحت مسدودة . . . الرأي العام العالمي يساند مصر . . . الشعب البريطاني والفرنسي يثور ضد العدوان . . . وزير الدولة انطوني ناتنج يستقيل احتجاجا يوم 3 نوفمبر . . الولايات المتحدة تأخذ موقفا معارضا لانجلترا وفرنسا . . انقسم الكومنولث انقساما يهدد كيانه . . . وهيئة الأمم تصدر قرارا بالانسحاب .

ولكن الأمور لم تصل غايتها إلا مساء يوم 5 نوفمبر عندما تبين لقادة الاتحاد السوفييتي أنهم استنفذوا كل الضغوط السياسية والقانونية الممكنة في إطار الأمم المتحدة وغيرها , قال له فيه ( إن الحرب في مصر يمكن أن تتطور إلى حرب عالمية ثالثة ) ثم تساءل . . .

( في أي وضع كانت بريطانيا تجد نفسها إذا هاجمتها دولة أقوى منها تملك كل نوع من أنواع الأسلحة الحديثة الفتاكة , وهناك اليوم دول لا تحتاج الآن لأن ترسل الأساطيل أو القوات الجوية إلى شواطئ بريطانيا , وإنما تستطيع أن تستخدم وسائل أخرى كالصواريخ مثلا , إننا عاقدو العزم على استخدام القوة لسحق المعتدين وإعادة السلام إلى الشرق ونحن نأمل أن تظهروا الحكمة وتستخلصوا من هذا النتائج المناسبة ) .

وأرسل بولجانين خطابا ثالثا إلى بن جوريون مختلفا في صيغته إذ قال له في قسوة ( أوضحت تصرفات إسرائيل قيمة كل التأكيدات الزائفة عن حب إسرائيل للسلام ورغبتها في التعايش السلمي مع جيرانها العرب , وإسرائيل وهي تعمل لحساب الغير ووفق التعليمات التي تصدر إليها من سادتها وتلعب لعبا إجراميا وغير مسئول بمصير السلام وبمصير شعبها ) .

أثار الإنذار السوفييتي فزعا في العالم الغربي كله . . . وكان الاتحاد السوفييتي قد أطلق ( سبوتنيك ) وظهر تفوقه في عالم الصواريخ على الولايات المتحدة ذاتها . . ولم يكن متوقعا أن يأخذ قادة الاتحاد السوفييتي هذا الموقف الصلب الحازم في وقت تعرضت فيه المجر لثورة مضادة وطلبت الحكومة فيها من القوات السوفيتية الانسحاب من المجر وكانت موجودة بحكم اتفاقيات حلف وارسو . . . انسحبت القوات السوفيتية فعلا , وهلل الين دالاس رئيس المخابرات المركزية الأمريكية شقيق دالاس وزير الخارجية وقال ( إننا نشهد معجزة وأن الثورة الشعبية يمكن أن تقوم وتنجح بالرغم من كل القوات وكل الأسلحة الكبيرة والحديثة ) وأضاف ( إننا على حافة نصر عظيم عملنا له وانتظرناه طويلا ) .

وتبين سريعا أن حركة المجر قد استهدفت ضرب الاشتراكية عندما ذهب الكاردينال مندزنتي رئيس الأساقفة والذي أصبح الزعيم الدولي للحركة إلى الإذاعة وطالب بإلغاء الإصلاح الزراعي . . . وساد التردد والعجز أعضاء الحكومة المجرية إلى أن انشق جناح تزعمه ( جانوس كادار) وهو أحد المطالبين بالإصلاح وطالب القوات السوفييتية بالعودة والتدخل لإنقاذ المجر الاشتراكية وأوروبا الشرقية عموما .

عادت القوات السوفيتية وقضت على المؤامرة خلال ساعات بثمن باهظ لم يكن هناك من سبيل لتفاديه . . . . وعجزت أجهزة دالاس عن الود إلا بحرب نووية شاملة لا يجرؤ على إعلانها عاقل .

عاد الهدوء إلى المجر يوم 4 نوفمبر . . . وفي اليوم التالي مباشرة كانت إنذارات بولجانين قد وصلت إلى حكام دول العدوان الثلاثي . . . وهكذا سقطت المؤامرة الأمريكية في المجر . . . وواجهت المؤامرة الثلاثية أعنف رد تعرضت له .

وصل الخطاب إلى إيدن وموليه في مساء يوم 5 بعد أن كان بولجانين قد أعلن مضمونه قبل وصوله وظهرت الصحف البريطانية والفرنسية تحوي عناوين مفزعة باحتمال ضرب لندن بالصواريخ . . . وفي الساعة العاشرة إلا ربع من صباح اليوم التالي 6 نوفمبر اجتمع مجلس الوزراء البريطاني وقرر وقف القتال وذهب أيدن في المساء إلى مجلس العموم ليعلن قرار وقف إطلاق النار في منتصف ليلة 6 / 7 نوفمبر بتوقيت جرينتش أي الثانية بعد منتصف الليل بتوقيت بورسعيد .

ولكن النار لم تتوقف في الموعد المحدد , بل واصل البريطانيون إنزال قواتهم في الصباح , وأصدرت القيادة العامة المصرية بلاغا ذلك .

ولم تركن المقاومة الشعبية إلى الهدوء , لان البريطانيين فرضوا حظر التجول من الخامسة مساء حتى السادسة صباحا , واستولوا على كثير من المنازل الصالحة لسكن القوات وطردوا الناس منها كما استولوا على المستشفيات . . . واستمر القتال بين الشعب وجنود الاحتلال تحت قيادة مجموعة من الضباط الوطنيين وعدد من الشيوعيين تحت علم ( الوحدة الوطنية ) دون محاولة من الشيوعيين لفرض سيطرتهم على المليشيا الوطنية كما أشار محمد حسنين هيكل في كتابه ( عبد الناصر والعالم ) . . . بل أن القنصل السوفييتي في بورسعيد ( اناتولي تشيكوف ) كان ينقل المنشورات والأسلحة ويسهل خدمة أفراد المقاومة بطريقة سرية .

اعترف الجنرال ستوكوبل يوم انسحابه من بورسعيد أن المقاومة السلبية نجحت تماما ( ولم تقدم لنا أي مساعدة من أي جهة من الجهات ) .

وقال الجنرال كيتلي ( قاتلنا ضد شعب جهزه قواته المسلحة بأحدث الأسلحة والطائرات واستمات أفراده في الدفاع عن بورسعيد بإصرار وعناد وحنكة ) .

الجنرال ستوكوبل عمل بعد ذلك في وظيفة كتابية بوزارة الحربية البريطانية وأحيل الجنرال كيتلي إلى التقاعد .

لم يكن الشيوعيون هم الذين حاولوا فرض سيطرتهم إذا كما ادعي هيكل في كتابه ( عبد الناصر . . والعالم ) ولكنهم كانوا من أوائل الذين بادروا للدفاع عن بورسعيد والاشتراك في المقاومة الشعبية مع سكانها . . . ومع ذلك تعرضوا لموقف معاد من السلطة ظل يلاحقهم طويلا .

بدأت السلطة البوليسية وتتعقبهم , والفت نشرة المقاومة الشعبية ولاحقتهم بتقارير كاذبة . . . يعلل زكريا محي الدين هذا الموقف بأنه من الطبيعي إذا اشترك تنظيم سياسي سري في عملية جماهيرية فانه لا شك سيحاول تقوية صفوفه بتجنيد عناصر جديدة , وخلق نفوذ له بيد الجماهير . . . وانه من الطبيعي أيضا أن تتحرك أجهزة الأمن للتعرف على هذه الاتجاهات .

ولكنه يؤكد أن السلطة لم تتخذ إجراء من شيوعي نتيجة اشتراكه في المقاومة الشعبية كما انه لا يذكر أن صداما قد حدث بين السلطة وبين الشيوعيين في هذه المرحلة .

ولكنه عندما طويت صفحة العدوان الثلاثي , ووصل التاريخ إلى عام 1959 وقد بعض الشيوعيين إلى المحاكمة بتهمة أنهم عملاء لدول أجنبية طلب الدفاع عن عبد المنعم شاتيلا 13 ضابطا في الخدمة أو على المعاش للشهادة , ولكن لم يحضر منهم سوى خالد محي الدين واحمد لطفي وأكد عضوا قسم الجيش في حدتو سابقا , ويقول محمد أبو نار أن حسن المصيلحي رئيس قسم مكافحة الشيوعية في المباحث العامة قد استدعاه ونصحه بعدم الشهادة , ثم استدعاه بعد ذلك عباس رضوان وطلب منه الشهادة فاعتذر عنها مرغما .

كانت المقاومة الشعبية في بورسعيد هي الوجه المشرق للشعب المصري . . . بينما لم تؤد القوات المسلحة جانبها على الوجه الأكمل لظروف متعددة سيأتي شرحها فيما بعد , الأمر الذي أدى إلى إخراج 30 ضابطا فيها بعد العدوان , والى شكوى جمال عبد الناصر من كثرة الخسائر بلا مبرر . وخلال معارك بورسعيد تأثر بعض صغار الضباط من دور الشيوعيين في المقاومة الشعبية , وذبلت في نفوسهم الحساسية المزروعة فيها من الدعاية المركزة ضد الشيوعية .

وعندما انتهت المعركة وانسحب جنود الاحتلال , ذهب عبد اللطيف بغدادي إلى بورسعيد لإعادة تعميرها , واصدر أوامره بجمع السلاح من الأهالي . . . ولم يتردد أفراد الشعب في تسليم أسلحتهم , وكان يرضيهم فقط أن يحصلوا على شهادة تقول ( فلان كان يعمل في المقاومة الشعبية وأدى دوره بأمانة وشرف ) .

كان توقف الهجوم العدواني الذي وصل إلى مدينة الكاب جنوب بورسعيد ثمرة لعدة عوامل تفاعلت جميعها بنسب مختلفة وانتهت إلى هذه النتيجة ويمكن تلخصيها فيما يلي :

أولا : إصرار القيادة على القتال ورفض الاستسلام .

ثانيا : توزيع السلاح على الجماهير وإطلاق المقاومة الشعبية والبدء في اتخاذ ترتيبات المقاومة السرية .

ثالثا : الإنذار السوفييتي العنيف المهدد بضرب لندن وباريس بالصواريخ إذا لم يوقف إطلاق النار .

رابعا : الموقف الأمريكي المعارض للخطة البريطانية الفرنسية لأسباب إستراتيجية أمريكية .

خامسا : التضامن العربي والتأييد الايجابي لموقف مصر .

سادسا : قرار هيئة الأمم المتحدة بأغلبية 64 صوتا من 80 وهو قرار معبر عن الرأي العام العالمي .

سابعا : تمزق الموقف الشعبي في انجلترا وفرنسا ووجود تيارات ومظاهرات معادية متزايدة .

هذه هي الأسباب التي تجمعت وأنهت العدوان الثلاثي . . . ولكنه كانت هناك تناقضات أخري ثانوية بين القائمين على تنفيذ الخطة من القادة البريطانيين وحلفائهم الفرنسيين الأمر الذي لم يدفع انطلاقهم إلى جنوب الكاب رغم توفر الظروف المهيأة لذلك أمامهم .

لم يعصف العدوان بجمال عبد الناصر ولم يهدم النظام الذي إقامته حركة 23 يوليو , وإنما عصف بانطوني إيدن رئيس وزراء بريطانيا الذي أذاع وقواته ما زالت بعد في مصر يوم 20 نوفمبر انه يعاني إرهاقا شديدا , وان بيكر حامل أختام الملكة سيراس اجتماعات مجلس الوزراء في غيبته .

وبقى إيدن في جزيرة جامايكا بالبحر الكاريبي حتى اعتزل منصبه بالاستقالة يوم 9 يناير 1957 وخلفه وزير ماليته هارولد ماكميلان احد المتحمسين للعدوان على مصر .

ولم يذهب إيدن وحده . . . ذهب معه جي موليه فقد سقطت وزارته أيضا في 21 مايو 1957 .

وتلكأت القوات البريطانية الفرنسية في تنفيذ الجلاء . . . ولكن المقاومة الشعبية لم تهدأ , وقررت مصر عدم البدء في تطهير القناة وإعادة الملاحة فيها قبل انسحاب أخر جندي .

بدأ الانسحاب مع شهر ديسمبر , ورحل آخر فوج من المعتدين يوم 22 ديسمبر 1956 وارتفع العلم المصري فوق بورسعيد وأصبح يوم 23 ديسمبر يوما تحتفل به مصر كل عام , واعتاد جمال عبد الناصر أن يزور المدينة في مثل هذا اليوم ويوجه من هناك خطابا للشعب .

انسحب الانجليز والفرنسيون , ولكن إسرائيل تحدت قرارات الانسحاب ورفضت الانسحاب من غزة ورفح وشرم الشيخ وجزيرتي تيران وصنافير ومنطقة ساحلية طولها 220 كيلو مترا وعرضها 28 كيلو مترا بطول خليج العقبة .

أعلنت وزيرة خارجية إسرائيل أنها لن تنسحب بعد ذلك إلا إذا أخذت ضمانات لحرية مرور السفن الإسرائيلية في خليج العقبة وعدم استخدام غزة قاعدة ضدها , ورفضت مصر أي شرط للانسحاب .

تدخلت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تتربص الفرصة المناسبة للنفوذ إلى المنطقة , فأسهمت في إضعاف موقف بريطانيا وفرنسا للانتهاء من نفوذهما ومصالحهما في المنطقة وضغطت على إسرائيل للانسحاب وضغطت على مصر لتبقي قوات طوارئ دولية فقط في شرم الشيخ حتى لا تتاح للقوات المصرية مستقبلا فرصة قفل خليج العقبة ومنع الملاحة فيه .

ولم يشأ جمال عبد الناصر أن يعاند ويواصل تحدي أمريكا , لأنه وجد في ذلك على حد تعبيره – موقفا غير سياسي – وقبل هذا الشرط مرغما كما يقول ناتنج .

وكانت المظاهرات لا تتوقف في غزة تطالب بعودة الإدارة المصرية , وتؤرق القوات الإسرائيلية . . .وبدأت إسرائيل الانسحاب بعد تدمير كامل لجميع منشئات سيناء . . . من آبار بترول ومناجم وخطوط سكة حديد وصهاريج مياه ومباني . . .

وغادرت قواتها العريش يوم 14 يناير 1957 ثم رفح وخان يونس . . . وأخيرا انسحبت من غزة يوم 6 مارس ومن شرم الشيخ يوم 7 مارس , بعد أن صرح بن جوريون قبل ذلك بيوم واحد ( إن إسرائيل لن تنسحب من غزة أو شرم الشيخ ) .

لم ترسل مصر حاكما عسكريا لغزة كما كانت الأمور من قبل , وإنما عينت حاكما مدنيا ولم ترسل معه قوات عسكرية , بل اكتفت بفريق من الشرطة العسكرية .

وتم تطهير القناة وأعيد فتحها يوم 29 مارس 1957 وحاولت بريطانيا وفرنسا مقاطعتها ولكنهم اضطروا للعودة إليها بعد أسابيع بإدارتها المصرية الكاملة .

وانتهت ( اتفاقية الجلاء ) عمليا مع انتهاء عدوان عام 1956 , وتمزقت شروطها وتحررت مصر نهائيا من شبهة التحالف التي وردت ضمن بنودها بعودة القوات البريطانية إليها في حالة الهجوم أو احتمال الهجوم على تركيا وثبتت سلامة تقدير موقف جمال عبد الناصر وزملائه أعضاء مجلس القيادة في أن تحقيق الجلاء هو الأساس الرئيسي لانطلاق مصر بعد ذلك في سياستها الوطنية بإرادتها الحرة .

وأصبحت مصر لأول مرة منذ الاحتلال البريطاني متحررة من القوات الأجنبية , مستقلة استقلالا كاملا غير مرتبط بأية اتفاقيات أو أحلاف .

واستولت مصر على المخالفات البريطانية في القاعدة التي بنت من اجلها المخازن والمستودعات تحت الأرض والتي بلغت قيمتها 300 مليون جنية إسترليني .

وقبلت مصر قوات الطوارئ الدولية لتكون حاجزا بينها وبين القوات الإسرائيلية حتى لا تتكرر الاشتباكات المسلحة التي ظلت تحتل العناوين الرئيسية في الصحف على فترات متقاربة منذ غارة غزة 28 فبراير 1955 حتى عدوان 1956 .

ووجدت أفكار جمال عبد الناصر التي عبر عنها إلى مجلة ( الشئون الخارجية ) الأمريكية وهي مجلة ربع سنوية ذات قيمة في السياسة الدولية في فبراير 1955 قبل تصاعد هذا التوتر فرصتها للتحقيق من جديد فقد قال يومئذ ( ليس هناك حل للحرب مع سياستنا الإنشائية التي قررنا ها لتحسين مستوى الشعب ) .

الباب الثاني : العسكريون في مركز السلطة

الفصل الخامس : زحف العسكريين . . نحو السلطة

  • ( لا يمكن للقوات المسلحة أن تكون ولم تكن يوما ولن تكون أبدا محايدة ) …”لينين”

كان جلاء قوات العدوان الثلاثي على أرض مصر , انتصارا للشعب , ونقطة ارتكاز لحركة العسكريين , غيرت طابعها الانقلابي , وأكدت الفرق المميز بينها وبين كافة الانقلابات العسكرية التي حدثت في الوطن العربي , أو في دول العالم الثالث عامة .

واكتسب جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية المنتخب رصيدا شعبيا هائلا , جعل النسبة التي حصل عليها وهي 99,9 % في المائة يوم 25يونيو 1956 حقيقة راسخة ( عدد الناخبين 5,494,555 وغير الموافقين 5,267 ) .

كان الانتخاب قد تم بناء على قواعد الدستور , الذي أعلنه جمال عبد الناصر يوم 16 يناير 1956 في مؤتمر شعبي كبير عقد بميدان الجمهورية من 196 مادة , وجاء في مقدمته أنه صادر عن الشعب المصري ( الذي انتزع حقه في الحرية والحياة , بعد معركة متصلة ضد السيطرة المعتدية من الخارج والسيطرة المستغلة من الداخل ) وليس صادرا كمنحة من الملك مثل دستور 1923 .

كان جمال عبد الناصر هو المرشح الوحيد , ولم يسمح لغيره بالترشيح , وكان طبيعيا أن يحصل على النجاح في الاستفتاء الشعبي , عقب مواقفه الوطنية في باندونج , ضد الأحلاف العسكرية , وتأكيد الاستقلال الوطني , وكسر احتكار السلاح , وبعد جلاء آخر جندي عن ارض الوطن .

ولا شك انه كانت هناك أصوات تعارض أسلوب الانتخاب , وتثير الشكوك في صحة النسبة التي حصل عليها . . . ولكنه بعد تأميم القناة , ومقاومة العدوان الثلاثي , والانتصار عليه عمليا بإجباره على الانسحاب والجلاء مرة ثانية خلال ستة شهور من جلائه الأول , أصبح انتخاب جمال عبد الناصر مدشنا بإرادة شعبية خارقة .

وصل قائد الضباط الأحرار المنتخب إلى منصب رئيس الجمهورية الشرعية ووصلت مجموعة الضباط الأحرار , التي قامت بحركتها ليلة 23 يوليو بعدد لا يتجاوز المائتين من شعب بلغ 23 مليونا , إلى قمة انتصاراتها .

ولكنها لم تصل كما بدأت . . . تنظيما للضباط الأحرار , وإنما وصلت بعد فترة انتقال انتهى معها تشكيل مجلس قيادة الثورة , ولم يعد له كيان رسمي , كما سبق أن انتهى تنظيم الضباط الأحرار وتوقف عمله , واستبدل بتنظيمات شخصية هاشمية , تركزت أخيرا في يد قيادة الجيش الجديدة المؤلفة من القائد الأعلى جمال عبد الناصر والقائد العام عبد الحكيم عامر ومدير مكتب القائد العام الصاغ شمس بدران .

وكان موقف أعضاء المجلس بعد انتهاء المرحلة الانتقالية – 23 يوليو 1956 – متباينا . . . صلاح سالم كانت قد قبلت استقالته في أغسطس 1955 .

أما شقيقه جمال سالم فقد كان قد بدأ يتخذ موقفا معارضا لانفراد جمال عبد الناصر المتزايد بالسلطة قبل حل المجلس , بعد أن كان في البداية من اشد المهاجمين لمحمد نجيب المبايعين لجمال عبد الناصر , الأمر الذي جعله في 2 نوفمبر 1955 نائبا لرئيس الوزراء , ونائبا لرئيس الجمهورية في غيبته بالخارج .

كان قد حدث تجمع داخل مجلس قيادة الثورة عام 1955 من ضباط الطيران الثلاثة . . . جمال سالم وعبد اللطيف بغدادي وحسن إبراهيم وانضم إليهم صلاح سالم . . وقرروا حسب رواية حسن إبراهيم إلا يشتركوا في الحكم بعد انتهاء فترة الانتقال , وإلا يستقيلوا قبلها أيضا .

كانوا يستهدفون بفكرة استقالتهم الجماعية تنبيه الجماهير لانفراد جمال عبد الناصر بالسلطة مما يمثل في نظرهم بعثا لسلطة الفرد . . . ولكن التدبير لم ينفذ لاستقالة صلاح سالم المبكرة ولاعتقاد البغدادي أنه قادر خلال وجوده رئيسا لمجلس الأمة – حسب ما تم اتفاقهم عليه – على خلق روح وحياة ديمقراطية .

الغريب أن هذا الاتفاق قد تم بين أطراف متناقضين . . . حسن إبراهيم كان قد اشتكى لجمال عبد الناصر من أسلوب العمل داخل مجلس قيادة الثورة , وشاركه الرأي عبد اللطيف البغدادي لأن المناقشات كانت تدور تحت ضغط التوتر من عصبية جمال سالم المبالغ فيها , وسخرية صلاح سالم المبالغ فيها أيضا . كانت عصبية جمال سالم وسخرية صلاح سالم لا تسمحان بالمناقشة العميقة , وتدفعان إلى الجمود , ويقول حسن إبراهيم انه لا يستبعد وجود صلات جانبية بين عبد الناصر وجمال سالم وصلاح سالم لأنهم كانوا يحضرون اجتماعات المجلس كتلة واحدة .

ولكن سرعان ما استنفذ كل من الشقيقين دورهما وكانا أول الخارجين من المجلس .

ولكن الواقع أن جمال عبد الناصر كان أكثرهم تقدما في طريق الوعي والتطور , وأشدهم حرصا على تطبيق العدالة الاجتماعية , إلى جانب تماسك شخصيته القيادية وثباتها .

كان مختلفا على سبيل المثال عن جمال سالم احد الخارجين على المجلس في أفكاره التي أدلى بها إلى جان لاكوتير ممثل وكالة الأنباء الفرنسية ونشرتها جريدة المصري يوم 24 يناير 1954 .

قال جمال سالم ( هناك عائلات من كبار الملاك تتعاون معنا مثل عائلة البدراوي )

وعندما سأله لاكوتير هل أنت اشتراكي ؟

أجاب ( هذا ليس بصحيح . . لست اشتراكيا – وليس هذا لأني اكره انتهاج سياسة التأميم في مصر , بل لأني أؤمن بان اقتصاديات هذا البلد لن تتقدم إلا بالمنافسة الحرة ) وفسر أفكاره بقوله ( لم نصل إلى المرحلة الاشتراكية لأننا لم نصل إلى الاحتكار إلا في الزراعة أما صناعتنا فما زالت طفلا يحتاج إلى رؤوس الأموال الخاصة ) .

وهكذا طويت صفحة مجلس قيادة الثورة , وطويت معه أيضا فرصة المناقشة المحدودة في مركز إصدار القرار وانتهت بنهايته إمكانية مراجعة الموقف من وجهات نظر مختلفة . . . وتحول الأمر من سلطة المجلس إلى سلطة الفرد .

ربما كانت الآراء تختلف يمينا ويسارا , وربما كانت الأفكار تتنافر حول القضايا المعروضة . . . ولكن الأمر في نهايته كان يقتضي من القائد إما تطويع زملائه لآرائه وأفكاره , والصبر على مناقشتهم حتى تتوفر لهم في النهاية وحدة فكرية في القضايا الإستراتيجية الكبيرة . . . وإما التخلص منهم لينفرد برأيه سواء أكان أكثر صوابا أم أكثر اندفاعا .

والواقع أن جمال عبد الناصر طوال فترة وجود مجلس قيادة الثورة كان حريصا على ان تأخذ المناقشات غايتها وان تمتد وتطول حتى يصفى كل المواقف والاراء المعارضة له بالحجة والاقناع . . . الامر الذي جعل معظم قرارات المجلس تصدر بالاجماع كما يؤكد زكريا محي الدين اذا استثنينا بعض القرارات التي صدرت في عهد ولاية محمد نجيب لرئاسة الجمهورية ووجود يوسف صديق وخالد محي الدين في المجلس .

كانت الشعبية الجارفة التي رفعت جمال عبد الناصر إلي القمة قد جعلته في مركز الواثق في سلامة رأيه وصحة رؤيته .

أول وزارة شكلها جمال عبد الناصر باعتباره رئيسا شرعيا للجمهورية صدرت مراسيمها يوم 26 يونيو باعتبارها القرار الجمهوري رقم 1 وخرج منها جمال سالم نائب رئيس الوزراء , وخرج منها أيضا حسن إبراهيم وزير الدولة لشئون رئاسة الجمهورية , ودخلها عبد الحكيم عامر وزيرا للحربية , ونقص عدد العسكريين فيها من ستة إلى خمسة كلهم من أعضاء المجلس , ويلاحظ أنهم اخذوا أسبقية خاصة على الوزراء المدنيين السابقين لهم في التعيين , مما يعد نوعا من تثبيت وضع خاص لهم بعد حل مجلس القيادة . . . أول الوزراء في القرار الجمهوري كان عبد اللطيف البغدادي يليه زكريا محي الدين ثم حسين الشافعي فعبد الحكيم عامر وكمال الدين حسين . . .

تحول الوضع الرسمي لأعضاء مجلس قيادة الثورة , إلى أقدم وزارة في المجلس . .

وانتهت العوامل التي كان يمكن أن تصور حركة 23 يوليو باعتبارها انقلابا عسكريا , كما صورت يوم وقوعها , ويوم اصدر الدكتور راشد البدراوي كتابه المعروف ( حقيقة الانقلاب الأخير في مصر ) , فالانقلاب حدث عارض لا يغير نظام الحكم وإنما يستبدل شخصية الحكام ولا يقوم مساندة شعبية , وإنما يعتمد على سطوة القوة العسكرية .

أما حركة 23 يوليو فقد بدأت ولها كل مظاهر الانقلاب إلا أنها في مسارها أخذت طابع الثورة .

ومنذ البداية لم تكن انقلاب جنرالات يمالئ نظام الحكم القائم ويحافظ على استمراره . . وإنما كانت انقلاب صغار الضباط الذين وقفوا منذ البداية ضد النظام ومع التغيير .

صحيح أنها لا تحمل أسلوب ثورة 14 يوليو 1789 ( الثورة الفرنسية ) ولا ثورة 7 نوفمبر 1917 في روسيا ( الثورة الاشتراكية العظمى ) لأنها لم تقم بجماهير الشعب , رغم حصولها على تأييده منذ اللحظة الأولى نتيجة لفساد الحكم الملكي السابق .

سنوات الصدام مع القوى السياسية المختلفة ( الوفد والشيوعيين والإخوان المسلمين والعناصر المعارضة في صفوف الجيش ) دفعها إلى اتخاذ إجراءات إدارية أعطتها طابعا عسكريا قاسيا , إلى جانب أنها اقتصرت في حركتها منذ اللحظة الأولى على حركة القوات المسلحة وتجنبت التفاعل مع الجماهير الشعبية في حذر .

وكانت أزمة مارس 1954 التي أطاحت بمحمد نجيب رئيسا لمجلس قيادة الثورة , وحاصرته رئيسا للجمهورية لمدة شهور خرج بعدها في 17 نوفمبر أثناء الصدام مع الإخوان المسلمين وبدء محاكمتهم بعد محاولة اغتيال جمال عبد الناصر في أكتوبر 1954 . . أزمة ذات وجهين .

جماهير الشعب خرجت في فبراير تؤيد محمد نجيب بعد استقالته , وتجبر مجلس قيادة الثورة على إعادته , وقبل أن تمضي عدة أسابيع كانت هيئة التحرير وبعض الضباط الموالين للمجلس قد استطاعوا تحريك جانب آخر من الجماهير بمساعدة صاوي احمد صاوي سكرتير اتحاد عمل النقل حتى وصل الأمر إلي حد التظاهر والإضراب . . الأمر الذي سهل لهم انتزاع نجيب من موقعه والرجوع عن قرارات 5 مارس أي 25 مارس المعروفة ( انظر الجزء الأول ) .

هذا الحدث في ذاته , ورغم دور الجماهير في دعم وجود المجلس واستمراره , ترك تأثيرا مباشرا في جمال عبد الناصر إذ أشعره بأنه يمكن التلاعب بالجماهير وأنها أمام القوات المسلحة يصبح دورها محدودا .

قال جمال عبد الناصر لعدد كبير من أصدقائه ومنهم خالد محي الدين أن الخروج من أزمة مارس لم يكلفهم سوي عدة آلاف من الجنيهات دفعت للمتظاهرين والمضربين .

وقال لأكرم الحوراني في مناقشة ( لا تحدثني عن الشعب فأني اعرف كيف تتحرك الجماهير ) !

ولكن الثورة مع ذلك كانت تكسب تأييد الجماهير بلا ضغط يوما بعد يوم من خطواتها الوطنية , حتى ارتبطت مع الشعب تماما في مواجهة العدوان الثلاثي , وأصبحت تستحق أن يطلق عليها اسم ( الثورة ) لأنها تحولت إلى قيادة حقيقية قادرة على تحريك الجماهير , معبرة عن إرادتهم , مناضلة عن أهدافهم . . .

وهكذا تحول الانقلاب إلى ثورة , ودخل 23 يوليو في تاريخ ثورات التحرر الوطني .

وتأكدت زعامة جمال عبد الناصر وأصبح يتلقى مئات الرسائل في اليوم الواحد , وانحسرت محاولات الانقلاب عليه , وتراجعت في مواجهة التأييد الشعبي الهائل . . . ولم تضبط إلا محاولة قام بها القائمقام عاطف نصار الملحق العسكري بالهند , متعاونا مع خمسة مدنيين منهم محمد صلاح الدين وزير الخارجية وعبد الفتاح حسن وزير الدولة في وزارة الوفد وستة من ضباط الجيش بالإسكندرية , وقدمت للمحكمة العسكرية العليا يوم 20 أكتوبر 1957 , وصدر فيها الحكم بالأشغال الشاقة المؤبدة على عاطف نصار , ومحمد صلاح الدين 15 سنة وعبد الفتاح حسن 12 سنة وعلى الباقين بأحكام مختلفة وبراءة اثنين . وضبطت مؤامرة أخرى تولتها إدارة المخابرات البريطانية واشترك فيها ضابط سابق ( حسين خيري ) , اتصل بأحد ضباط مخابرات الطيران ( عصام خليل ) وموله بمبالغ بلغت جملتها 165 ألف جنيه من أجل إعادة الملكية لمصر . . . وقد نظرت القضية أمام المحكمة العسكرية العليا , وأصدرت الحكم يوم 28 ابريل 1958 على مرتضى المراغي وزير الداخلية السابق في وزارة نجيب الهلالي وحسين خيري بالأشغال الشاقة المؤبدة , ومحمود ناموق 15 سنة , وكانت الأحكام غيابية لوجوده خارج القطر . . . وقد قبض بعد ذلك بشهور على محمود ناموق في بغداد عقب ثورة 14 يوليو 1958 في العراق .

ولكن الموقف في صفوف الجيش كان قد هدأ واستقر , ولم تعد المحاولات الانقلابية , ترتبط بعدد واسع من الضباط . . لم تعد في صورتها التي كانت بها قبل تصفي محمد نجيب وثبوت سلطة عبد الحكيم عامر , الذي كان مفروضا أن يحاسب عسكريا على موقفه القوات المسلحة في عدوان 1956 التي ثبت يقينا أنها لم تؤد دورها كما يجب مع تقرير وجودها في رحلة انتقال في التسليح والتدريب والتنظيم والعقيدة القتالية , كما سيأتي شرحه تفصيلا فيما بعد .

كان قانون التجنيد الذي اصدر عام 1947قد تغير مرة أخرى عام 1955 بصدور القانون رقم 505 الذي رفع الحد الأدنى لذوي المؤهلات ليكونوا من حملة القانون العامة بخدمة سنة ونصف . وخفض مدة الخدمة لخريجي الجامعات لتكون سنة واحدة يعدون ليكونوا ضباط احتياط , وزاد سن تأجيل التجنيد ليصبح 29 سنة , 9 شهور .

ولم تكن الفرصة كافية لجني ثمار هذا القانون إذ صدر قبل عدوان 1956 يوم واحد , تماما كما صدر قانون 1947 للتجنيد قبل عام واحد من حرب فلسطين . . . الأمر الذي لم يجعل لهما تأثيرا كبيرا على مستوى الجيش من ناحية القتال الحديث . . ولعل هذا كان عذر المشير عامر .

يقول عبد اللطيف البغدادي وحسن إبراهيم انه تقرر في ذلك الوقت عزل قائد القوات الجوية محمد صدقي محمود , ويقول زكريا محي الدين أنه كان هناك قرار بعزل قادة القوات البرية والبحرية والجوية , ولكن عبد الحكيم عامر تشبث بهم ورفض إخراجهم .

ووافقه جمال عبد الناصر ولم يأخذ موقفا حاسما في مواجهة الأخطاء كما اخذ موقفا حاسما في مواجهة الأعداء .

وإذا كان التهاون قد بدأ في محاسبة العسكريين في المواقف الوطنية فانه لابد وان ينسحب إلى التهاون أيضا في محاسبة الآخرين في المجالات المختلفة , إذا وجدوا من يدافع عنهم , ليس أمام القضاء , ولكن أمام السلطة .

وصعب أن يضع الكاتب نفسه في مقعد القاضي , ولكنه أمر معروف في كل الجيوش أن القائد المهزوم لا يجوز له أن يواصل القيادة في موقعه .

كان استثناء عبد الحكيم عامر من المحاسبة والإبقاء على قادة القوات الثلاثة , راجعا إلى الطبيعة الخاصة في علاقات جمال عبد الناصر بزميل عمره وموضع ثقته . . . وراجعا أيضا إلى أن الظروف التي وضع من اجلها عبد الحكيم عامر قائدا عاما للقوات المسلحة وهو غير مؤهل لذلك ما زالت قائمة . . . الرغبة في السيطرة على القوات المسلحة بكل تفاصيلها عن طريق اشد زملائه إخلاصا له .

كان جمال عبد الناصر ما زال يعتمد على الجيش كمؤسسته الرئيسية رغم انتصاراته الشعبية , ورغم أنه بدأ يخلع مع زملائه ملابسهم العسكرية بعد انتهاء فترة الانتقال .

وكان في ذلك أكثر ميلا إلى الرأي العام القائل بأن الجيش هو القوة الوطنية ( الجامعة والوحيدة ) القادرة على تزعم ثورة التحرر الوطني , وهو الرأي الذي يتعارض تماما مع القول بأن السلطة السياسية الناتجة عن الانقلاب العسكري هي سلطة رجعية وعسكرية .

والواقع أن الرأيين لا يمثلان حقيقة الواقع في مصر في ذلك الوقت , فالرأي الأول ينفي وجود قوي سياسية أخري قادرة على تزعم حركة التحرر الوطني وهو أمر غير صحيح . . . والرأي الثاني يدين كل حركة عسكرية بأنها رجعية وانقلابية ولا تحمل بذورا وطنية تقدمية . . . وهو أمر غير صحيح أيضا . الجيش كانت تتعايش فيه الأفكار المختلفة الموجودة في المجتمع الأمر الذي دفع أصحاب كل اتجاه إلى محاولة السيطرة على الجيش وبالتالي على المجتمع .

والجيش ليس طبقة أو فئة اجتماعية واحدة , كما أنه ليس جهازا معزولا عن عمليات الصراع الطبقي .

ولكن الجنود في الجيش المصري لم يتحركوا كقوة مستقلة , ولم يدخلوا حركة الصراع الوطني والطبقي مستقلين عن قيادتهم كما حدث مثلا في ثورتي فبراير وأكتوبر 1917 في روسيا , عندما تصرف الجنود كفلاحين يحملون السلاح . . .

الجنود المصريون كانوا خاضعين تماما لسلطة الضباط .

وكان جمال عبد الناصر واعيا بحركة الصراع داخل الجيش وقد حاول حسمها لصالح مجلس القيادة في السنوات الأولي التي أعقبت الحركة , واضطر في سبيل ذلك إلى اتخاذ إجراءات عنيفة أحيانا .

ولكنه وقد وقف على قمة التأييد الشعبي بدأ يخلع أنصاره الذين استنفذوا أغراضهم , والذين شوهت صورتهم أمام الجماهير في اندفاعهم الحماسي المحموم , والذين وقفت أفكارهم عند حدود دورهم المرسوم بلا رؤية جديدة ولا إدراك عميق لطبيعة الصراع في المجتمع وأفاق التطور .

وتساقطت في هذه الفترة أسماء كان الشعب قد فاض به الكيل من كثرة ما سمعه عنها وما لمسه من تصرفاتها . . . جمال سالم الذي كانت له مع كبار الموظفين والإداريين اعتداءات وتصرفات مثيرة للدهشة البالغة , وكانت له في محكمة الثورة أساليب وعبارات في غاية القسوة . . . أحمد أنور قائد البوليس الحربي الذي اقترن اسمه بالاعتقالات والتعذيب بعد أن وزعت قواته على تشكيلات الجيش المختلفة . . . إبراهيم الطحاوي واحمد عبد الله طعميه وهما اللذان أوكل إليهما الإشراف على هيئة التحرير دون خبرة سياسية سابقة مما جعل اسمهما معا محل تندر بعض الناس .

بدأت هذه الأسماء تتساقط . . . رغم أدوارها البارزة في دفع عجلة الثورة للأمام وتأكيد سلطة العسكريين , وتغليب كفة مجلس القيادة في أزمة مارس 1954 وضرب القوى السياسية المعارضة . . . وظهرت أسماء أخرى من العسكريين أيضا .

تساقطت هذه الأسماء ومعها أجهزتها . . . الشرطة العسكرية وهيئة التحرير . وكان هذا من دوافع تحول الانقلاب إلى ثورة .

وكانت هذه الأجهزة من معوقات الارتباط بين الشعب والعسكريين فالشرطة العسكرية كانت صورة العذاب والإرهاب بعد أن أعطى لضباطها صفة الضبطية القضائية بعد اعتراض المحامين في كثير من القضايا . . . وهيئة التحرير عجزت عن اكتساب ثقة الجماهير .

ومع بداية تطبيق الدستور وانتخاب جمال عبد الناصر كانت معظم المعتقلات قد صفيت وخرج المعتقلون منها . . . أفرج عن يوسف صديق عضو مجلس قيادة الثورة السابق بعد اعتقال استمر 13 شهرا في مايو 1955 وأفرج بعدها بأيام عن زوجته أيضا وكانت عضو في الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني ( حدتو ) . . . وظلا بعدها في تحديد الإقامة حتى منتصف عام 1956 حيث أفرج عنه .

الوحيد من العسكريين الذي ظلت إقامته محددة , غير المحكوم عليهم بالسجن كان اللواء محمد نجيب . كانت هناك انفراجة نسبية في موضوع المعتقلين والمعتقلات , ويذكر أنه حتى هذه الفترة وما بعدها لم تخل معسكرات الاعتقال من نزلاء تتغير ألوانهم السياسية تبعا للظروف .

كان الاعتقال بلا تحقيق , أمرا إداريا بسيطا كاد من تكراره لبعض الشخصيات أن يصبح من روتين حياتهم . . .

وأجهزة الأمن منذ 23 يوليو تنمو وتزدهر . . . الذي أوكلت إليه مسئوليتها منذ البداية كان زكريا محي الدين , وهو يقول أن ذلك قد تم مصادفة عندما كان أعضاء المجلس يتولون في البداية توزيع المسئوليات فيما بينهم . . . جمال سالم للاقتصاد وعبد اللطيف البغدادي للتعمير والشئون البلدية وصلاح سالم للسودان وعبد المنعم أمين لشئون العمال ويوسف صديق للأوقاف , وخالد محي الدين للصناعة والصحة وهكذا .

قدم الأمريكيون منذ اللحظة الأولي خبرتهم لتنظيم المخابرات بعد أن كانت في عهد الملك محدودة الأثر محصورة في البوليس السياسي الذي كان يشرف عليه مأجور سانسون الذي أسس جمعية ( إخوان الحرية ) المتصلة بالمخابرات البريطانية , والذي أصبح فيما بعد ضابط أمن بالسفارة البريطانية حتى رحل عن مصر فجأة يوم 31 يناير 1953 كما نشرت الصحف المصرية وعين بعد ذلك في ليبيا وألف كتابا عن حياته في مصر باسم ( تجسست على الجواسيس ) .

قبل 23 يوليو , لم يكن هناك جهاز أمن يعرف باسم المخابرات العامة وكان عدد ضباط المخابرات الحربية في الجيش 15 ضابطا فقط , وعدد ضباط القسم المخصص بالبوليس السياسي 24 ضابطا . وقد استعان زكريا محي الدين بعدد من الخبراء الألمان إلي جانب تقرير المخابرات المركزية الأمريكية التي كانت تقترح توحيد أجهزة الأمن .

واعد زكريا محي الدين مشروع قانون المخابرات على أساس الهيمنة على كافة أجهزة المخابرات في إدارة واحدة منعا لازدواج الجهد وكثرة التكاليف . . . وهذا لا يعني ضمها في جهاز واحد وإنما يعني التنسيق بينها بفكر ورأى واحد .

وقد تحقق ذلك فعلا لفترة محدودة , وكان زكريا محي الدين هو المشرف على كافة أجهزة الأمن القائمة في ذلك الوقت ( المخابرات العامة – مخابرات الجيش – المباحث العامة بالداخلية ) .

ولم يستمر ذلك الأمر طويلا فقد بدأت الإرادات المختلفة تتجاذب أجهزة المخابرات وبدا ذلك بالقوات المسلحة عقب تولى عبد الحكيم عامر القيادة العامة , فانفصلت مخابرات الجيش عام 1955 , وتكونت فيما بعد مخابرات أخرى منفصلة للقوات الجوية .

وعندما عين زكريا محي الدين وزيرا للداخلية ترك الإشراف على إدارة المخابرات العامة بعد عدة شهور , وعين علي صبري نائبا لمديرها , ثم مديرا لها في يونيو 1956 .

كان ضباط المخابرات العامة قد تحولوا إلى مدنيين في سبتمبر 1955 , وأنشئ في نفس العام المعهد الاستراتيجي بجوار برج القاهرة الذي دفعت المخابرات المركزية الأمريكية ثمن إنشائه – 3 ملايين دولار – كما سبق ذكره . . . وكانت تدرس فيه محاضرات المخابرات المركزية الأمريكية عن طريق شركة بوز الف وهاملتون لضباط المخابرات والمباحث وضباط امن الوزارات وبعض أعضاء السلك الدبلوماسي بالخارجية , وذلك حسب رواية فريد طولان مدير المعهد في ذلك الوقت .

كان النموذج الأمريكي هو المثال الذي تهتدي به أجهزة المباحث والمخابرات في ذلك الوقت , وقد تسربت أجهزة المخابرات الأمريكية إلى بعض ضباط هذه الإدارات , كما حدث عندما ذهب البكباشي أحمد حلمي مدير قسم مكافحة الشيوعية بالمباحث العامة إلى أمريكا لعمل غير معروف دون استئذان أو إبلاغ الجهات المختصة إذ كان قد أبلغ بأنه يمضي أجازته السنوية في قبرص وشوهد هناك مصادفة ولما علم زكريا محي الدين بذلك اصدر قرارا بإحالته إلى الاستيداع حيث بقى لمدة عام , وانتقل بعد ذلك إلى أجهزة البوليس العادية بغير محاكمة .

حدث التسرب الأمريكي رغم أن وزارة الداخلية لم تحتفظ في المباحث العامة سوى بأربعة ضباط فقط من رجال البوليس السياسي السابقين , ورغم أن العسكريين فرضوا إشرافهم على وزارة الداخلية منذ الأيام الأولي , حيث تبادل هذه المسئولية عدد من ضباط الجيش مثل البكباشي مصطفي لطفي الذي عين في الخارجية وتدرج في مناصبها حتى أصبح وكيلا للوزارة ثم اليوزباشي محي الدين أبو العز الذي أشرف على تكوين المباحث العامة وعين محافظا للفيوم , وعندما تولى جمال عبد الناصر وزارة الداخلية عقب إعلان الجمهورية في 18 يونيو 1953 ودخول أربعة من أعضاء المجلس إلى الوزارة , أعطى صلاحيات كبيرة ليوزباشي البوليس صلاح الدين دسوقي الذي انتهي محافظا للقاهرة .

كان جمال عبد الناصر يعتمد على أجهزة الأمن ولكنه يشك في سلامة موقفها وإخلاصها للثورة , كما يشك أيضا في قدرة أفرادها على متابعة أفكاره , ويشك أخيرا في احتمال وجود صلة بين بعض ضباطها وأجهزة المخابرات الأجنبية .

كانت هذه الشكوك تعيش في نفسه , وتنمو مع الوقت ولعل هذا الشعور هو الذي دفعه إلى الموافقة على تعدد أجهزة الأمن والمخابرات بقيادات مختلفة , بحيث تصب كافة معلوماتها في النهاية عنده وحده . . . بل انه انشأ في مكتبه فيما بعد جهازا خاصا للمخابرات والعمليات والاتصالات الخاصة , كان يشرف عليه سكرتيره الخاص للمعلومات سامي شرف , دون تبعيته لأي جهاز آخر من أجهزة الأمن . . . الأمر الذي يدل على عدم ثقة عبد الناصر الكاملة في هذه الأجهزة والذي خلق ازدواجية متكررة , وكبد الدولة تكاليف باهظة .

كان جمال عبد الناصر مؤمنا ومعتقدا بأن أجهزة الأمن لا تسير في خط متوافق مع أفكاره , وكان يقول ساخرا – حسب رواية أحمد أنور وحسين عرفة – (لولا أنني رئيس للجمهورية وقلت الكلام ده , كانت المباحث حطتني في السجن ) ومع ذلك لم يبذل جهدا ايجابيا لتسييس أجهزة الأمن , بل أنها نمت واتسع نفوذها بأيديولوجيتها الجامدة المتخلفة , ووسائلها الوحشية , وأطماعها الذاتية .

وعندما كلف مدير مكتبه احمد لطفي وأكد بالاتصال بالسوفييت اتصالا سريا قبل باندونج , حذره من خطر معرفة المباحث والمخابرات لهذه الاتصالات , واستدعاه مرة إلى منزله في حضور عبد الحكيم عامر ليشهده بأنه كلف لطفي وأكد بهذه الاتصالات , حتى لا يتهم بالاتصال بجهات أجنبية في حالة إذا ما تعرض جمال عبد الناصر نفسه للخطر أو الموت .

ولازمت هذه الحالة جمال عبد الناصر لسنوات طويلة , حتى انه لما فكر في تطبيق الميثاق عام 1963 وتشكيل طليعة الاشتراكيين داخل الاتحاد الاشتراكي , حرص على إن تكون تنظيما سريا بعيدا عن رؤية المباحث والمخابرات , رغم أنه كان يهدف فيما بعد إلى الدمج بينهما بتوحيد شخصية أمين التنظيم ووزير الداخلية في شعراوي جمعه .

وكان هذا موقفا انفصاميا من جمال عبد الناصر . . . يعتمد على أجهزة للأمن لا يثق في قيادتها ولكنه يعتمد على تقاريرها . . .

وقد اخذ نفوذ أجهزة الأمن المتعددة ينمو ويستشري وخاصة في الجيش حيث أصبح الضباط مطاردين بعناصر منهم منبثة في صفوفهم , تدفع الجميع إلى الحذر والحرص ثم إيثار السلبية والبعد عن السياسة .

كان تنظيم الضباط الأحرار قد انتهى تماما كما سبق أن وضحنا , ولم يعد هناك أي ارتباط تنظيمي داخل الجيش إلا تنظيم أجهزة الأمن والمخابرات .

وانفضت أيضا الرابطة التنظيمية لأعضاء مجلس القيادة , وانفرطت مسبحة تنظيمهم , وأصبحوا أفرادا تنازعهم أفكارهم ومواقفهم الخاصة . . . وأصبح جمال عبد الناصر هو القوة الوحيدة القادرة على إعطائهم فرص العمل التي يراها مناسبة لهم سواء في الوزارة أو خارجها .

أول الذين عهد إليهم بعمل خاص كان صلاح سالم الذي تولى رئاسة مجلس إدارة جريدة ( الشعب ) الجريدة الثانية للثورة بعد ( الجمهورية ) التي رأسها أنور السادات وبعد مجلة ( التحرير ) التي أصدرتها ورأست تحريرها في 16 سبتمبر 1952 .

ولم يبق صلاح سالم طويلا في منصبه فقد اقبل بعد موقفه أثناء فترة العدوان الثلاثي بخطاب جاء فيه ( هناك مواضيع ليس من المصلحة في أن تخوض فيها الآن مما يدعو إلى الاستغناء عن خدماتك ) . . . وظل في منزله بلا عمل حتى أعيد لميدان الصحافة مرة أخرى رئيسا لمجلس إدارة دار التحرير للطبع والنشر في 8 مارس 1959 .

وعين جمال عبد الناصر خالد محي الدين أيضا رئيسا لمجلس إدارة ( المساء ) التي أصدرت يوم 6 أكتوبر 1956 وبذا أصبح للثورة ثلاث جرائد يومية ومجلة أسبوعية وأخرى شهرية باسم ( نداء الوطن ) أصدرها أمين شاكر كدير مكتبه فيما بعد .

كان اهتمام جمال عبد الناصر بالسيطرة على أجهزة الإعلام والصحافة أمرا ملحوظا . . بل أن تعييناته في مجال الصحافة كانت تعتبر إحساسا للتنبؤ بحركته السياسية في المستقبل .

لم يتوقف تعيين جمال عبد الناصر لزملائه أعضاء المجلس عند حدود الصحافة , بل عينهم في المراكز الدينية .

عين أنور السادات سكرتيرا عاما للمؤتمر الإسلامي , ولحقه فيه مساعدا له أمين شاكر ثم حسن التهامي . . . ووصل الأمر إلى تولي عبد الحكيم عامر تنظيم الطرق الصوفية مع إلغاء القيود التي كانت مفروضة على تسيير هذه المواكب كما نشرت الأهرام يوم 18 مارس 1955 .

وحتى نهاية فترة الانتقال كان الضباط الأحرار يحتفظون برتبهم في الجيش إلا الذين حوكموا منهم أو أبعدوا , وتحددت نشرة 23 يوليو 1956 باعتبارها أخر نشرة عسكرية يمكن للضباط الذين يرغبون في الخروج من خدمة الجيش أن يلحقوا بها .

وفضل بعض الضباط أن يخرجوا من صفوف الجيش لممارسة حياة مدنية , وكان مفروضا أن تغلق أبواب الخروج بعد ذلك .

ولكن نشرة 23 يوليو 1956 أو نهاية فترة الانتقال لم تكن حدا فاصلا , ولم تكن حاجزا يحول دون تسرب الضباط إلى الحياة المدنية .

لم يتوقف زحف الضباط على الحياة المدنية تحت إغراء ما توفره لهم من حرية ومكافأة مادية تزيد عن مرتباتهم المقيدة بقواعد الترقية العسكرية .

وانتشر الضباط في مختلف المجالات ولكنهم تركزوا أساسا في عدة جهات . . . أجهزة العمل السياسي والخارجية وشركات التجارة والصناعة .

ولم يكن خروج الضباط من الجيش يتخذ موقفا طبقيا يخلص الجيش من العناصر المضادة أو مقرونا بكفاءتهم وقدرتهم على الإنتاج في الأعمال التي كلفوا بها . . . ولكنه إذا استثنينا الضباط الأحرار الذين كانت صلتهم بالعمل السياسي قد جعلت عودتهم لقيود الجيش عملية صعبة , كان الخروج يتم تحت تأثير عدة عوامل .

أولا : الرغبة في تقديم خدمة لبعض الضباط من الأصدقاء المقربين .

ثانيا : الرغبة في التخلص من بعض العناصر التي لا تفكر في تدبير انقلاب ولكنها ليست من الانتهازيات والمنافقين مما يجعل لها شخصية بارزة .

ثالثا : تطهير الجيش من بعض العناصر سيئة السلوك والتي لا سند لها .

رابعا : الاستفادة من بعض العناصر التي تولت أعمالا مدنية وأثبتت فيها كفاءة مرضية خلال السنوات الأولى للثورة .

تحت ضغط هذه العوامل الأربعة استمر تيار الخروج متدفقا من الجيش لا يتوقف رغم تصريح أنور السادات لجريدة المصري يوم 7 يوليو 1952 بأن أحدا من العسكريين لن يعين في موقف مدني .

واستمرت قيادة الضباط للتنظيم السياسي الجديد فعين كمال الدين حسين مشرفا عاما على الاتحاد القومي , بعد أنور السادات سكرتيره العام الذي عين وكيلا لمجلس الأمة .

وزرع الضباط أيضا في أول برلمان منتخب بعد 23 يوليو .

وتبعا لمواد الدستور الجديد وقانون الانتخاب الذي صدر في 3 مارس 1956 خفض سن الناخب إلى 18 سنة بعد أن كان 21 سنة لانتخاب النواب , 25 سنة لانتخاب الشيوخ وأعطى للمرأة حق الانتخاب لأول مرة في تاريخ مصر . . . ومنح العسكريون أيضا حق الانتخاب وصدر قانون عضوية مجلس الأمة في 11 يونيو لانتخاب مجلس مؤلف من 350 عضوا بدلا من مجلس للشيوخ والنواب وحدد سن العضو بثلاثين سنة على الأقل مع خفض قيمة تامين الترشيح من 150 جنيها إلى 50 جنيها , وتحديد المكافأة الشهرية بمبلغ 75 جنيها .

صدرت التعليمات لعدد من الضباط بترشيح أنفسهم في دوائر معينة , حتى في الدوائر البعيدة مثل الوادي الجديد ( محمد أبو نار ) وسيناء ( فتحي رزق ) ومرسى مطروح ( فؤاد المهداوي ) . . . وشكلت لجنة خاصة من العسكريين ضمت زكريا محي الدين وعلى صبري وعدد من ضباط المخابرات لفرز الترشيحات للمجلس واستبعاد الذين لا يتلاءمون مع إرادة السلطة العسكرية .

وقد استبعد نتيجة لذلك عدد كبير من المرشحين . . . وعلى سبيل المثال شطب حق الترشيح في دائرة ( تكلا العنب ) البحيرة من تسعة مرشحين كنت واحدا منهم لتقفل الدائرة على فتحي الشرقاوي المحامي .

لم تكن المسألة هي إدخال الضباط للمجلس . . . وإنما إدخال الضباط الموالين والسائرين في ركب السلطة , تجنبا للمعارضة . . .

وهكذا قضي منذ البداية على فرصة وجود معارضة بعد أن أعطى الدستور للاتحاد القومي حق الاعتراض على المرشحين . . . وقد اعترض على 1188 من 2508 مرشحين .

أجريت الانتخابات في هذا المجلس بحرية نسبية دون تدخل وأغلقت كافة الدوائر التي رشح فيها أعضاء مجلس قيادة الثورة تجنبا لاتهامات بالتزوير ومواجهة صريحة للجماهير بالرغبة في إدخالهم إلى مجلس الأمة . . . واصدر وزير الداخلية زكريا محي الدين أوامره بالحياد المطلق بين كافة المرشحين . وكان دليل ذلك سقوط والد كمال الدين حسين في القليوبية وسقوط شقيق زوجة محي الدين نفسه في الشرقية .

عدد الدوائر التي أغلقت كانت 43 دائرة وعدد الضباط من الجيش والبوليس الذين دخلوا مجلس الأمة كانوا 59 ضابطا وقد انتخب عبد اللطيف البغدادي رئيسا للمجلس وأنور السادات وكيلا له . أضفى مجلس الأمة شرعية ديمقراطية على نظام الحكم , ولكنه ظل في مضمونه عسكريا يقبض العسكريون فيه على زمام السلطة التي أصبحت تتركز في يد جمال عبد الناصر .

ابرز أزمة فجرت تناقضات العسكريين داخل مجلس الأمة كانت أزمة مجدي حسنين ومديرية التحرير . . . كان هو الذي أنشأها ثم طرد منها يوم 3 نوفمبر 1957 بعد منعه لقوات البوليس من تنفيذ أمر صادر بإخلاء منطقة معروفة من سكانها وأعاد أثاث المنزل بعد إخراجه بالقوة باعتباره نائبا للمنطقة .

قدم عشرة نواب اقتراحا بطرد مجدي حسنين من المجلس هو والنواب الدكتور محمود القاضي وإسماعيل نجم المحامي والصاغ احمد شفيق أبو عوف باعتبار أن مجدي حسنين قد أفسدهم بتعيينهم في مديرية التحرير . . . والدستور يعطي لمجلس الأمة حق الموافقة على ميزانية الحكومة ومصروفاتها , وبذا كان في مقدوره أن يعترض على الحكومة التي يعينها رئيس الجمهورية الذي يعين بوساطة المجلس وتستفتى في شأنه الأمة ومع ذلك فللرئيس سلطة حل مجلس الأمة .

قرر عبد اللطيف البغدادي رئيس المجلس تشكيل لجنة دستورية لتحقيق على أن تنتهي منه خلال 48 ساعة .

كان جمال عبد الناصر قد أظهر تخليه عن مجدي حسنين فتحمس ضده عدد كبير من أعضاء المجلس . . . ولكن مراجعته للموقف واستماعه لبعض الضباط جعله يعتقد أن قرار فصل مجدي حسنين من مجلس الأمة سوف يعتبر إدانة لمشروع مديرية التحرير وهو الذي تحمس له عند إنشائها باعتباره من مشاريع الثورة الهامة وشكل لها مجلس إدارة على مستوى عال برئاسة الدكتور عبد الرازق صدقي وزير الزراعة وعضوية الوزراء عبد اللطيف البغدادي وكمال حسين واحمد فؤاد ووكيل وزارة الخزانة وعدد من أساتذة الزراعة في مصر . . . وكان مجدي حسنين هو العضو المنتدب ووقف ضد رأي جمال سالم الذي كان يعارض إشراف الدولة على الزراعة والذي حمل لواء المعارضة في اجتماع مشترك لمجلس الثورة ومجلس الإنتاج ومجموعة من مديرية التحرير دعا إليه عبد الناصر لمناقشة المشروع .

وبعد أن كان قد ابلغ البغدادي موافقته على فصل مجدي عاد فابلغ بعض النواب العسكريين المقربين منه بعدم موافقته . . . وهنا تحول تيار المجلس , وفترت حماسة المهاجمين لمجدي حسنين وتحول بعضهم إلي موقف التأييد له والدفاع عنه .

وعندما شعر عبد اللطيف البغدادي بهذا التحول وهو الذي كان على وشك تنفيذ إجراءات فصل مجدي حسنين ترك منصة الرئاسة وخطب في الأعضاء قائلا أن هناك خللا دستوريا وتدخلا من السلطة التنفيذية في شئون السلطة التشريعية .

طالب الأعضاء بأن تكون الجلسة سرية بعد أن أعلن البغدادي أنها ستكون علنية ولذا قرر في نهايتها أن يستقيل ومعه مجموعة من أعضاء المجلس . . . ولكنه فوجئ وهو في طريق عودته ومروره على منزل جمال عبد الناصر أن هؤلاء الأعضاء عنده .

وانتهت الأزمة بجلسة طويلة بين جمال عبد الناصر والبغدادي فسر له فيها جمال رأيه في احتمالات تطور الموقف بما اقنع البغدادي وأعاد الهدوء إلى نفسه .

وانتهت أزمة مجدي حسنين بعد أن عرض التحقيق على المجلس ووقف بجانب مجدي 230 عضوا من 350 هم عدد أعضاء المجلس .

وأسفرت هذه الأزمة عن ظهور التناقضات بين أعضاء مجلس القيادة إلى المجال العلني بعد أن كانت مطوية في نطاق السرية .

وقدم كمال الدين حسين إلى عبد اللطيف البغدادي استقالته من عضوية مجلس الأمة احتجاجا على تصرفات مجدي حسنين ولكنه سحبها بعد تدخل شخصي من جمال عبد الناصر ,

لم تكن هذه أول استقالة لكمال الدين حسين ولكنها كانت الثالثة . . . قدم الأولي في الشهر الأول من حركة 23 يوليو دون أن يذكر بها أسبابا معينة . . . وقدم الاستقالة الثانية أثناء غياب جمال عبد الناصر في باندونج احتجاجا على بعض تصرفات جمال سالم .

أدت هذه المواقف والاستقالات المرفوضة إلى زيادة اعتماد جمال عبد الناصر على عناصر جديدة من العسكريين غير الذين أدو أدوارهم في بداية الحركة . . . ولمعت أسماء لم تكن في تنظيم الضباط الأحرار .

زحف العسكريين نحو السلطة , يأخذ طابعا جديدا .

وفي الوزارة التي شكلت يوم 6 مارس 1958 عين علي صبري وزيرا لشئون رئاسة الجمهورية , واللواء فتحي رزق نائبا لوزير الحربية وكمال الدين رفعت نائبا لوزير شئون رئاسة الجمهورية .

وكان هذا بداية تسرب العسكريين من خارج مجلس قيادة الثورة إلى مراكز السلطة الرئيسية فتح الباب بعده لمزيد من التعيينات , فضمت الحكومة المركزية التي شكلت في 7 أكتوبر من نفس العام 1958 حسين ذو الفقار صبري نائبا لوزير الخارجية ومحمد عبد القادر حاتم نائبا لوزير شئون رئاسة الجمهورية بعد تعيين كمال رفعت وزيرا للدولة .

ودخل المجلس التنفيذي للإقليم المصري في نفس التاريخ الوزراء العسكريون ثروت عكاشة للثقافة والإرشاد القومي وعباس رضوان للداخلية والدكتور محمد محمود نصار للصحة ومحمد توفيق عبد الفتاح للشئون الاجتماعية وأحمد عبد الله طعميه للأوقاف .

مثل هذه التعيينات الجديدة خلقت فارقا واسعا بين مركز السلطة المتمثل في جمال عبد الناصر وبين الذين عينوا وزراء . . . فقد كان بعض هؤلاء ومن جاء بعدهم أبعد ما يكونون عن السياسة , ووصولهم إلى المسئولية الوزارية لم يكن عن طريق النضال السياسي وإنما عن طريق الاختبار الشخصي . . . وبذا أصبحت تبعيتهم كاملة لشخصية الزعيم وخاصة في غيبة التنظيم السياسي الفعال , حيث بدت تجربة الاتحاد القومي على أنقاض هيئة التحرير هشة وغير جذابة للجماهير .

معظم المراكز القيادية والوزارات أخذت تسقط بالتدريج في يد العسكريين وأصبحوا هم الكادرات التي يعتمد عليها النظام . . . ويقول ماكسم رودنسون ( احتاج الأمر إلى وقت أطول ليتبين أن الجيش جماعة أنانية متلهفة إلى الاستمرار في السلطة والى زيادة امتيازاتها , وأنها بعيدة عن الطبقات العاملة لم يكن واردا حتى هذه اللحظة . . . وتعبير العسكريين عن أهدافها كان تصورا بعيدا عن الواقع والحقيقة .

بقى الجيش هو السند الرئيسي للنظام . . . وفي سبيل ذلك منح ضباطه كثيرا من الامتيازات

الرتبة المرتب عام 1952 المرتب عام 1962 المرتب عام 1972
عسكري 69 قرشا شهريا 250 قرشا 300 قرشا
ملازم ثان 12 جنيها شهريا 20 25
لواء 90 جنيها شهريا 110 125

ارتفعت المرتبات بنسبة أسرع كثيرا من ارتفاع مرتبات خريجي الجامعة :

وتقررت للضباط بدلات جديدة مثل بدل التمثيل الذي كان قد قرر للوزراء ووكلائهم ورؤساء مجالس الإدارة في صورة مرتب الاستقبال ( فريق 1350 جنيها سنويا , لواء 750 جنيها سنويا , عميد 375 جنيها سنويا ) للرتب الكبيرة فقط , وارتفعت قيمة بدل السكن , وبدل الإقامة في محافظات أسوان والبحر الأحمر وقنا وسوهاج , ومنح مرتب امتياز للخدمة ( يتراوح من 14 جنيها شهريا لرتبة اللواء , وعشرة جنيهات شهريا للملازم والنقيب ) .

كما زادت العلاوات عدد وقيمة . . أصبح هناك علاوة تدريس وعلاوة تعليم وعلاوة تشكيل وعلاوة مترجم . . الخ .

كانت هذه العلاوات والبدلات والمكافآت مرضية للضباط أصحاب الرتب الكبيرة , وكانت تخلق في نفس الوقت فروقا اجتماعية وطبقية حادة بين الضباط والمجندين , تماما كما كانت الحال في الجيش قبل الثورة , ولكن بصورة أخف قليلا . . . مع ضرورة مراعاة ارتفاع مستوى الجنود الاجتماعي بعد قانون تجنيد عام 1955 .

وتقرر أيضا رفع سن الإحالة على المعاش ( المشير 65 سنة والفريق 62 سنة واللواء 60 سنة ) وهكذا تتدرج تنازليا حتى تصل إلى سن الخمسين لرتبة الرتبة الرائد ( الصاغ ) , 44 للملازم .

وكانت شخصية عبد الحكيم عامر الذي حصل على رتبة المشير في أول يونيو 1958 بعد الوحدة وأصبح نائبا لرئيس الجمهورية مساندة لهذا الاتجاه فهو بحكم تكوينه ودود , يغدق على كل من يلجأ إليه من الضباط , ويهتم بالمسائل الاجتماعية أكثر من اهتمامه بالمسائل العسكرية .

والمكتب العسكري الفني للقائد العام الذي ضم عددا من خيرة الضباط مثل حافظ إسماعيل ونور الدين قرة ومحسن إدريس وعبد المحسن مرتجي وغيرهم لم تعد له سلطة أمام مكتب شئون الإفراد الذي يديره شمس بدران . . ونقل معظم الأكفاء من المكتب إلى الوظائف المدنية بعد انفجار التناقضات والخلافات . وكانت الحاشية التي أحاط المشير نفسه بها قد عرفت فيه هذه الصفات فتمادت في سلوكها اللا أخلاقي واستغلت أموال الدولة أسوأ استغلال .

كل الذين اقتربوا من رجال مكتبه الذين كان يقودهم الصاغ على شفيق صفوت , كانت تأخذهم الدهشة من الجموح المكشوف في مجال اللهو والبذخ المبالغ فيه , الأمر الذي أثر تأثيرا شديدا على قمة القيادة العسكرية وانعكس على بقية مستويات الضباط .

وبقى الجيش هو المصدر الرئيسي لتوريد الوزراء والمحافظين ورؤساء مجالس الإدارة ووكلاء الوزارات والسفراء وغيرهم من أصحاب المناصب الرئيسية . . . يزداد ذلك وضوحا كلما مضت الأيام . . . وخاصة في عهد الوحدة مع سوريا حيث ظهرت مناصب جديدة لنواب رئيس الجمهورية وأعضاء مجلس تنفيذي في مصر وسوريا . . .

وظهرت فئة جديدة من الضباط المؤهلين خريجي الجامعات وخاصة المهندسين الذين تدفقوا على الأعمال المدنية بعد بداية الحركة ثم وصلوا إلى مناصبها الرئيسية مع تعيين القائمقام محمود يونس نائبا لرئيس هيئة قناة السويس واللواء المهندس عبد الوهاب البشري نائبا لوزير الحربية والصاغ صلاح هدايت خريج كلية العلوم أيضا وزيرا للبحث العلمي ,

بدا هؤلاء الضباط التيكنو قراط يمثلون فئة جديدة من فئات السلطة العليا . . .

كما بدا الضباط يتولون أعمالا بعيدة عن اختصاصهم ولا تدخل في مجال العمل السياسي وإنما تحتاج إلى تخصص وتأهيل فتولى في وزارة 18 أكتوبر 1961 بعد الانفصال . . . كمال رفعت وزارة العمل وعبد المحسن أبو النور وزارة الإصلاح الزراعي وإصلاح الأراضي . . . وأحمد عبد الله نوابا لرئيس الجمهورية واحتفظوا بأعمال تنفيذية مثل عبد اللطيف البغدادي وزيرا للخزانة والتخطيط وذكريا محي الدين للداخلية وعبد الحكيم وعامر للحربية والقيادة العامة وحسين الشافعي للأوقاف والشئون الاجتماعية وكمال الدين حسين وزيرا للإدارة المحلية والإسكان والمرافق .

نقطة تحول:

كان هذا هو الاتجاه حتى عين على صبري رئيسا للمجلس التنفيذي في مصر يوم 27 سبتمبر 1962 بعد تشكيل مجلس الرئاسة من جمال عبد الناصر رئيسا وعبد اللطيف البغدادي وعبد الحكيم عامر وذكريا محي الدين وحسين الشافعي وكمال الدين حسين نوابا لرئيس الجمهورية وأنور السادات وحسن إبراهيم وعلى صبري والدكتور نور الدين طراف والمهندس الزراعي احمد عبده الشرباصي وكمال الدين رفعت أعضاء .

كان لتعيين على صبري رئيسا للجهاز التنفيذي بعد تشكيل مجلس الرئاسة بداية لسحب السلطات التنفيذية والإدارية من بين أعضاء مجلس قيادة الثورة , واقتصار عملهم على الشئون السياسية وما يعرض عليهم من أمور في محاولة شكلية للقيادة الجماعية , ومحاولة فعلية للإشراف المباشر على أعمال مجلس الوزراء عن طريق على صبري . . . واعتبر ذلك التاريخ نهاية فعلية لسلطات أعضاء المجلس المباشر ولو في مناصب وزارية عدا عبد الحكيم عامر الذي ظل في موقعه وزيرا للحربية حتى النهاية .

علل جمال عبد الناصر ذلك لزكريا محي الدين ان وجودهم في المناصب التنفيذية يسبب له حساسيات ويضعف من إرادته في التغيير .

كما كان تعيين على صبري رئيسا للمجلس التنفيذي أول تكليف لعسكري من خارج مجلس قيادة الثورة بعمل رئيسي وإيذانا بالاستعانة الوزراء بعدد من العسكريين الجدد في مناصب وزارية . . . لم يخرج أحد من الوزراء العسكريين القدامى وإنما أضيف إليهم البكباشي طلعت خيري وزير دولة للشباب وعين عبد العظيم فهمي أول ضابط شرطة وزيرا للداخلية كما تم تعيين صدقي سليمان وزيرا للسد العالي في وزارة 25 مارس 1964 ,

ومحمود رياض وزيرا للخارجية ثم دخول شعراوي جمعه وزيرا للدولة في وزارة زكريا محي الدين أول أكتوبر 1965 ومعه عبد الفتاح حسن وزير دولة . . . واحمد حمدي عبيد وزيرا للإدارة المحلية , ونور الدين قرة وزيرا للتموين والتجارة الداخلية , وأمين هويدي وزيرا للإرشاد .

بلغت نسبة الضباط خلال الفترة التي أعقبت الانفصال أعلى نسبة في تاريخ الحركة .

مجلس الرئاسة 10 عسكريين من 12 عضوا بنسبة 3/1 83 % .

مجلس الوزراء أثناء رئاسة علي صبري 10 وزراء ونواب وزراء من 29 عضوا بنسبة 2 % 34 % .

ثم ارتفعت النسبة في وزارة 25 مارس 1964 لتكون 50 % للعسكريين من بين رئيس الوزراء ونواب رئيس الوزراء رئيس الوزراء واحد عشر نائبا . . . ولتصبح 25 % من الوزراء 6 عسكريين , 18 مدنيا .

ارتفعت هذه النسبة في وزارة زكريا محي الدين لتصبح 10 وزراء عسكريين , 16 مدنيا بنسبة 39 % تقريبا .

كان عدد الوزراء عموما أكثر مما تحتمله طاقة مصر . . . الوزارة البريطانية بعد الحرب كانت تشكل من 18 إلي 16 وزيرا والوزارة الأمريكية تشكل من 12 وزيرا .

واضح من هذا الاعتماد المتدرج على العسكريين أن الجيش كان السند الحقيقي للسلطة وأنه لم يكن هناك مصدر رئيسي آخر يعتمد عليه . . .

وان الوزارات التي ابتعد عنها العسكريون وتولاها مدنيون منذ بداية الحركة لم تتجاوز وزارة العدل والأشغال والاقتصاد فقط . . . أما بقية الوزارات فقد مر عليها العسكريون في مرحلة أو أخري .

والعسكريون في عملهم لهم طبيعة خاصة . . . وكل مهنة لها مواصفات معينة تجمع المنتمين إليها وتصبغهم بصبغتها .

والحياة العسكرية تنمي في الضباط الروح الفردية والطاعة لان كل فرد في العسكريين له سلطة إصدار الأوامر على من هم احدث منه , وعليه واجل تنفيذ أوامر من هم أقدم منه بلا اعتراض أو مناقشة .

ومثل هذه الحياة تخلق في الضباط ما يسمي ( عيوب المهنة ) ولكل مهنة عيوبها كما لها فضائلها . . . وهي عند الضباط تتمثل في هذا الالتزام الغريب بتنفيذ الأوامر , وتجنب المناقشة أو عدم القدرة عليها , والانعزال عن المجتمع لارتباطهم غالبا بحياة المعسكرات , ووجود صلات شخصية وثيقة بينهم لتواجدهم الدائم مع بعضهم وخاصة في المناطق الخارجية والنائية , وعزوفهم عن الثقافة والقراءة الجادة حيث لا تلتزم حياتهم بذلك إلا في حدود الشئون العسكرية .

الوجه الآخر للتشكيل المهني للضباط هو إجادتهم وتفوقهم في الأعمال الإدارية , وانضباطهم في تنفيذ التعليمات . . . الأمر الذي يجعل الشركات الصناعية في الخارج تستعين بكفاءة الضباط المتقاعدين في الأعمال الإدارية .

ولذا فان استعانة مركز السلطة بالعسكريين كان اختيارا للطريق السهل . . . بدلا من اختيار الطريق الصعب في تكوين كادرات من خارج الجيش عن طريق الانفتاح على الجماهير وإتاحة الفرصة لظهور العناصر ذات الطاقات والمواهب .

وظاهرة أخرى هامة تشير إلى نوعية الضباط المختارين لمنصب السلطة العليا . . . معظمهم كانوا ضباطا في المخابرات العامة أو الحربية ( علي صبري وكمال رفعت وطلعت خيري وثروت عكاشة وعبد القادر حاتم وشعراوي جمعه وأمين هويدي وتوفيق عبد الفتاح وعبد المحسن أبو النور ) وبذا يمكن القول انه إذا استثنينا التكنو قراطيين مثل صدقي سليمان ومحمود يونس وعبد الوهاب البشري فان بقية العسكريين كانوا من المدربين في أجهزة المخابرات المخرجين فيها . . . الأمر الذي انعكس على أسلوبهم في الحكم , حيث اعتمدوا على السرية والانفلاق والتقارير ولم ينفتحوا انفتاحا حقيقيا على الجماهير .

كان مركز السلطة يحتم اهتماما مركزا برؤية ما يدور في المجتمع ليس عن طريق التفاعل الحيوي الطبيعي , وإنما عن طريق الرؤية المحدودة لأجهزة الأمن .

وكانت أجهزة الأمن والمخابرات تزداد في العدد والإمكانيات المادية بصفة مستمرة . . .

وكان طريق الوصول للسلطة هو كتابة التقارير . . . فهي معيار الإخلاص وميزان الولاء . . وكان مطلوبا من الجميع في مراكز السلطة أن يسهموا في ذلك كل على قدر طاقته .

وكان هذا دافعا أيضا إلى اهتمام أجهزة العمل السياسي على مختلف تشكيلاتها ( هيئة التحرير – الاتحاد القومي – الاتحاد الاشتراكي ) بكتابة تقارير تساند أجهزة الأمن في عملها .

ولم يقتصر هذا الأسلوب على العسكريين وحدهم وإنما امتد إلى المدنيين أيضا . . . عدد من الوزراء المدنيين كانوا يعملون ويتعاونون أصلا في المخابرات .

وكان هذا دافعا أيضا إلى اهتمام أجهزة العمل السياسي على مختلف تشكيلاتها ( هيئة التحرير – الاتحاد القومي – الاتحاد الاشتراكي ) بكتابة تقارير وتعطى لمركز السلطة معلومات قد لا تصل إليها أجهزة الأمن , أو تبرز لها صورة خافية أو مختلفة .

ويبدو أن ذلك كان قد أصبح قاعدة طبيعية , وعملا مطلوبا من الذين يعهد إليهم بأعمال مسئولة .

قال جمال عبد الناصر للصاغ لطفي واكد عندما عهد إليه برئاسة تحرير جريدة الشعب , انه عندما طلب بعض المعلومات عن عدد من الوزراء احضرها له مصطفي أمين في نصف ساعة , بينما اقتضي ذلك من المخابرات أكثر من أسبوع . . . وقال له أن هذا دليل على أن عنده جهاز معلومات قادرا ونشيطا . . . بعض المسئولين عن الصحف كانوا يلعبون دور أجهزة الأمن للمعلومات أيضا .

وطلب من لطفي واكد أن يعد جهازا خاصا في صحيفته للحصول على مثل هذه المعلومات .

كانت بعض المؤسسات الصحفية تؤدي هذا الدور أيضا . . . وكانت هذه التقارير هي سلم الترقي .

وهكذا نمت أجهزة الأمن والمعلومات واتسعت شباكها حتى كادت تستوعب المجتمع كله . . . وفقد الناس الثقة في بعضهم , وبذر الخوف في قلوبهم , فانعقدت ألسنتهم واثروا الصمت والسلبية والبعد عن المخاطر .

وفي هذا الجو تغلبت نظرية تغليب الإخلاص على الخبرة . . . ولم يعد غريبا ظهور عنصر العسكريين وخاصة المرتبطين بأجهزة الأمن في مراكز تبعد تماما عن طبيعتهم ومعرفتهم . وكما حدث في مناصب الوزراء حدث في كثير من المناصب الأخرى الحساسة .

أول تطبيق لنظام الإدارة المحلية وتعيين المحافظين صدر في 10 سبتمبر 1960 وشمل تعيين 21 محافظا منهم 11 ضابط جيش , 5 ضباط شرطة في مناصب المحافظين . . وهي مناصب سياسية من درجة نائب وزير يسقط شاغلوها مع انتهاء مدة رئيس الجمهورية , والذي يخرج منها يحال للمعاش دون تولي منصب أخر .

كان من بين المحافظين سبعة فقط من الضباط الأحرار ( وجيه أباظة , حمدي عبيد , إسماعيل فريد , محمد البلتاجي , محي الدين أبو العز , حمدي عاشور ثم صلاح الدين دسوقي ضابط الشرطة الذي عين محافظا للقاهرة ) , وكان هناك أيضا بعض الضباط الذين وقفوا إلى جانب مجلس الثورة في أزمة مارس 1954 مثل سعد الدين زايد . . .

ومنذ القرار لتعيين المحافظين , أصبح الجيش مصدرا رئيسيا من مصادر توريدهم , واحتفظ الضباط دائما بالأغلبية العددية بين المحافظين .

وكان عدد السفراء العسكريين في وزارة الخارجية يزيد ويتضاعف .

في عام 1952 لم يكن هناك سفراء عسكريون سوي اللواء علي نجيب في بيروت واللواء محمد سيف الدين في عمان . .

تزايد تدفق الجيش إلى الخارجية حتى بلغ عدد الضباط في مناصب وزارة الخارجية الكبرى 72 ضابطا من 100 عام 1962 . . . وكان جميع سفراء أوروبا خلال ذلك العام من الضباط عدا 3 من المدنيين .

ولم يقتصر الأمر على المناصب الكبيرة فقط . . ولكن طمعت الوزارة أيضا بعدد من الضباط أصحاب الرتب الصغيرة نسبيا في مناصب المستشارين والسكرتيرين ولكن نسبتهم لم تتجاوز 29 ضابطا في المائة منصب الثانية وذلك تبعا لما ورد في كشف أقدمية أعضاء السلكيين الدبلوماسي والقنصل الصادر من وزارة الخارجية في أول يناير 1964 .

واستولي العسكريون على المناصب القيادية في نطاق الشباب أيضا , واشترك أعضاء مجلس قيادة الثورة السابقون في ذلك .

ولم يكتف عبد الحكيم عامر بمنصب القائد العام للقوات المسلحة والمشرف على الطرق الصوفية , بل أصبح رئيسا لاتحاد كرة القدم اللعبة الشعبية الأولى في مصر , وعين حسين الشافعي رئيسا لاتحاد الفروسية , وعلي صبري رئيسا لاتحاد السباحة , ومجدي حسنين رئيسا لاتحاد التنس , وعلي شفيق مدير مكتب المشير رئيسا لاتحاد الملاكمة . . . الخ .

لم يكن تدفق الضباط إلى هذه المناصب المتعددة شرا كله . . . وان كان المبدأ في ذاته خاطئا ومدمرا لأنه حطم تقاليد الجيش , وخلق بين الضباط تطلعات ذاتية وطبقية , واغرق بعض الجهات بأفراد ابعد ما يكونون عن الخبرة , لا يعتمدون إلا على صلاتهم الشخصية وملابسهم العسكرية السابقة .

ولا شك انه كانت هناك سلبيات وايجابيات في أهل الثقة , كما كانت موجودة أيضا في أهل الخبرة .

لم يبذل مركز السلطة جهدا ايجابيا في كسب ثقة أهل الخبرة بعد ضربات العنف التي وجهها لأعداء الثورة , وبعد اعتماده الواضح على الجيش كمؤسسة وعلى أجهزة الأمن كمصدر تفريغ للمسئولين على كافة المستويات .

ولذا فان أهل الخبرة لم يكن عندهم اقتناع واضح بخطوات الثورة , ولم يقدروا رغبة قيادتها الصادقة في تطوير المجتمع بعد تأكيد استقلاله الوطني . . . فظلوا في عزلتهم يفرزون آراءهم المضادة دون محاولة جادة للتعرف على ما يدور في المجتمع من تغيرات اجتماعية .

لم يكن تحقيق التناسق بين أهل الثقة وأهل الخبرة عملية عسيرة معقدة , ولكن مركز السلطة لم يفطن إلى أنها ضرورة لبناء المجتمع على أسس عملية سليمة , واثر الراحة والاعتماد على خلصائه الأوفياء من العسكريين الذين جعلوا من أنفسهم حاجزا يعزل أهل الخبرة عن الوصول إلى أماكنهم الطبيعية .

كتب محمد حسنين هيكل ينقد المثقفين في سلسلة مقالات تحت عنوان أزمة المثقفين في [[صحيفة الأهرام]] خلال شهر يونيو 1961.

أين كان المثقفون ؟

وأين كان دورهم الطليعي ؟

كان بروز القيادة الثورية من الطلائع العتيقة التي تحركت من صفوف الجيش ونجاحها في التعبير عن مطالبها تذكيرا دائما لهذه الفئات المثقفة بعجزها عن أداء دورها الطليعي .

ويلخص هيكل أزمة المثقفين في ثلاث نقاط :

1 – المطالبة بعودة الجيش إلى الثكنات

2 – المطالبة بعودة الحياة النيابية والأحزاب السياسية .

3 – أهل الثقة وأهل الخبرة .

ويخلص هيكل إلى القول ( أزمة المثقفين هي تعبير عن فشلهم في الحياة ) .

ودخل صلاح دسوقي في حملة الحديث عن أزمة المثقفين في مجلة البوليس بقوله ( ليست هناك أزمة ) وهاجم مثقفي الإقطاع والرجعية والأحزاب السياسية . . . واعتبر المثقفين أشد المعارضين للنظام وأقصي الرافضين لرأى الغير .

كان هذا الموقف دليلا على محاولة العسكريين إدانة المثقفين واتهامهم بالانطوائية دون محاولة جادة لاجتذابهم إلى المشاركة الفعالة في مجالات الحركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

وغريب أن تظهر هذه المقالات في وقت كان فيه خيرة مثقفي مصر وأكثرهم إخلاصا لها داخل المعتقلات والسجون بتهمة الشيوعية .

ولكنها فيما يبدو كانت تعبيرا عن إحساس مركز السلطة بوجود فراغ فكري في المجتمع يعجز العسكريون عن ملئه .

لم يكن قد ظهر تحديد قطعي واضح بعد بوجود الجيش في خدمة البرجوازية أو الصغيرة أو الطبقة العاملة .

ويقول لينين ( لا يمكن للقوات المسلحة أن تكون , ولم تكن يوما , ولن تكون أبدا محايدة ) .

ولكنها خلال هذه الفترة كانت في مرحلة تثبيت إقدامها , واستكمال قدراتها , وتأكيد نفوذها لتؤدي دورها الطبيعي بعد ذلك في خدمة طبقتها كما سيأتي توضيحه في الفصول القادمة .

ولا يمكن النظر إلى العسكريين ككتلة واحدة . . . فانه فيما بين الضباط توجد تناقضات . . . وفيما بين الضباط والجنود توجد ثغرة واسعة .

وقد ظلت العزلة الاجتماعية والفكرية بين الضباط والجنود هي المظهر المستمر .

الأغلبية الساحقة من الجنود كانوا من القرية أبناء الفلاحين البسطاء . . . والضباط من المدينة أبناء البرجوازية الكبيرة والصغيرة .

والقاعدة التي وضعها الاحتلال البريطاني بمنع ترقية الجنود وصف الضباط إلى رتب الضباط كما كان قائما في القرن التاسع عشر . . . الأمر الذي أدي إلى ترقية احمد عرابي وزملائه وثورتهم بعد ذلك ضد الخديوي والضباط الشراكسة والتدخل الأجنبي .

هذه القاعدة استمرت قائمة ولم تنفذ إلا بطريقة شكلية عندما فتحت أبواب الترقي أمام الميكانيكية والفنيين وخريجي مدارس ضباط الصف عام 1953 حيث أصبح مسموحا بترقيتهم إلى رتب الضباط حتى رتبة رائد شرف .

ولكن تحدد سن إحالتهم إلى المعاش بالوصول إلى سن الخمسين من العمر .

لم يكن هذا القانون الجديد تحطيما للفروق القائمة بين الضباط وصف الضباط بطريقة تجعل من أبناء الجيش وحدة واحدة . . . التفوق فيها للأفضل . . . أعطي بعض الحقوق للجنود . . . ولكنه وقف حائلا دون وصولهم إلى راتب القيادة العليا مهما بلغت كفاءتهم .

وهكذا استمرت الثغرة بين الجنود والضباط قائمة . . . وفي حرب عام 1956 عندما اسر الإسرائيليون عشرات الضباط وتم استجوابهم , صرح لهم بعد ذلك بتقديم أسئلة أو التقدم بطلبات خاصة .

ويقول أليزير بيبري في كتابه ( ضباط الجيش في السياسة والمجتمع العربي ) إن أغلبية الضباط طالبت بتحسين ظروفهم المعيشية , وتساءلت عن خط سير المعركة , وسأل البعض عن عدد من زملائهم الضباط . ولكن أحدا من الضباط لم يسأل عن جنوده .

سواء صح ذلك أم لم يصح فان حرب 1956 لم تغير الواقع العسكري إلا في أضيق الحدود . . . وغطى النصر السياسي على العيوب التي تكشفت . . . وبدلا من علاجها أثرت القيادة السياسية تغطيتها حتى لا تشوه صورة النصر .

ثم حدثت بعد ذلك تحولات واضحة في حياة الضباط أدت إلى ارتفاع مركزهم الاجتماعي , وزيادة ثقتهم الشخصية بأنفسهم , وظهورهم كقوة سياسية .

وكان ذلك نتيجة للخدمات التي قدمت لهم في صورة جمعيات تعاونية لبناء المساكن بالتقسيط في أفخر أحياء العاصمة , وفي تقسيط أثمان العربات الخاصة لهم وإعطائهم أسبقية خاصة في الحصول عليها , وفي رفع البدلات الممنوحة لهم وإقرار بدلات جديدة , وفي تسهيل سفرهم وسفر أسرهم للعلاج في الخارج , وإعطائهم حق العضوية في مختلف الأندية طالما هم أعضاء في نوادي ضباط القوات المسلحة , وساعدت زيادة الجيش على سرعة الترقيات ووصل الضباط إلى الرتب العالية ( لواء وعميد ) وهم في بداية الأربعينات من العمر , على غير ما كان موجودا قبل الثورة .

محمد نجيب حصل على رتبة عقيد ( قائمقام ) وهو في السابعة والأربعين من عمره .

ورغم أن قيادات الملك فاروق قد عزلت وصفيت من الجيش , إلا أن القيادات الجديدة كانت تنتمي إلى نفس المدرسة , وينهج اغلب أفرادها عد الثوريين منهم نفس الأسلوب القديم , في إحاطة الرتب الكبيرة بمظاهر اجتماعية مشابهة لما قبل الثورة . . . يصعب القول بأن تغيرا جذريا قد حدث في الواقع الفكري والاجتماعي لضباط الرتب الكبيرة خصوصا . . .

ولذا فأنهم بقوا حيث هم بالنسبة إلى المجتمع . . . أكثر تخلفا من الناحية الثقافية واشد انطواء من الناحية السياسية .

كانت طبيعة وجود فئة من العسكريين في قمة السلطة تفرض ذلك وتشجعه حتى لا تختمر الانقلابات العسكرية العلوية . . أي انقلابات الجنرالات .

الثقافة لم تكن موضع اهتمام للعسكريين , بل أنها كانت تمثل عندهم معاناة وشيئا ثقيلا . . .

أثناء احتفالات الجيش بعيد الثورة في بداية الستينات اقترحت بصفتي مديرا لمؤسسة المسرح تقديم رقصة بورسعيد للفرقة القومية للفنون الشعبية , وهي عمل فني راق ومتكامل ومعبر عن المقاومة الشعبية عام 1956 , ولكن المشير عبد الحكيم عامر طلب بدلا من ذلك تقديم عمل هزلي رخيص كان اسمه ( دكتور . . . الحقني ) لثلاثي أضواء المسرح .

وكان إبعاد الجيش عن السياسة هدفا من أهداف العسكرية الحاكمة , وخاصة بعد تصفية محاولات الانقلاب , واخرج العناصر المضادة أو ذات الشخصية من الجيش وزيادة نفوذ أجهزة الأمن .

والعسكريون في مصر لم يلعبوا دور العسكريين في بعض البلاد الإفريقية , التي كان العسكريون فيها منضمين إلى جيوش الدول المستعمرة وبذا كانوا أكثر ثقافة وتقدما وانفتاحا على العالم من جماهير شعوبهم التي فرض عليها الاستعمار الفقر والتخلف .

الموقف في مصر كان يختلف عن ذلك تماما . . . فالاستعمار كان يفرض على الجيش المصري كما سبق أن أوضحنا العجز والجمود والتخلف . . . بينما تقدمت الحياة في المجالات الأخرى , ووصل بعض المثقفين إلى مستوي العصر .

وهكذا ظل الجيش المصري متخلفا في واقعه عن بعض الجيوش الأفريقية . . . لان المجتمع المصري كان أكثر تقدما في العلم والثقافة والحضارة .

وظلت الطبيعة تلازمه بدرجة أقل بعد الثورة . . . فمما لا شك فيه أن الانفتاح الكبير الذي حدث في سنوات الثورة الأولي على المجتمع والسياسة , قد بعث في صفوف حيوية جديدة .

ولكن تثبيت نفوذ ثورة 23 يوليو وحرصها على إبعاد الجيش عن السياسة , وعدم تسييس الضباط قد عاد وفرض نوعا من الانطوائي الإجبارية في الجيش . . . واقتصرت حياة الضباط على العسكرية دون التفتح الضروري على حياة المجتمع الفكرية والثقافية والسياسية .

وبذا عاد الجيش تدريجيا إلى طبيعته السابقة على الثورة , ولكن بشكل آخر . . . ارتبط كبار قادته بمركز السلطة , وذبلت الحركات المضادة بين صفوفه أما اقتناعا بما يحدث في المجتمع من تطور وفي الجيش من تقوية , وإما خوفا من سلطة أجهزة الأمن .

والاستقرار الذي حدث للنظام العسكري في مصر ليس له نظير في الدول العربية أو البلاد النامية وقد أرجح دمكجيان ذلك في كتابه ( مصر في عهد ناصر ) إلى عدة عوامل يمكن تلخيصها فيما يلي :

1 – الترابط بين مجموعة الضباط الأحرار وزملائهم العسكريين .

2 – التحييد والإبعاد المستمر للطبقات والفئات التي كانت مسيطرة في المجتمع .

3 – الجاذبية والدور البارز الخاص للسلطة الشرعية .

4 – التأثير التضامني الناتج من الوحدة ضد العدوان الخارجي .

5 – اختيار وتطبيق أيديولوجية خاصة .

ولكن لا شك أن تصفية الثورة لأعدائها بطريقة غير دموية جعلتها ثورة بيضاء تتناسب في حركتها مع طبيعة الشعب المصري المسالم .

كما أن انتصارات جمال عبد الناصر الوطنية قد خلقت منه ليس زعيما مصريا فقط بل زعيما عربيا أيضا له ثقل ووزن في استقرار وثبات دعائم النظام .

لم تعد تقاس قوة السلطة بعد العدوان بقوة الجيش وحده وإنما بشخصية الزعيم .

وهنا كانت الفرصة متاحة وكاملة أمام جمال عبد الناصر لاختيار الطريق الذي يمضي فيه المجتمع , وسلوك الأسلوب الذي تستقر عليه القيم الجديدة , وتنمية الأفكار والإيديولوجية التي يقتنع بها .

كان ممكنا لزعامة جمال عبد الناصر في مصر أن تحقق كل ذلك , لو كانت هناك إيديولوجية واعية مدركة لحركة التاريخ , مؤمنة بالتفاعل العلمي للعوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية , وتنظيما سياسيا .

كانت هذه هي صورة المجتمع . . . طيعة في يد الزعامة التي أحاطتها بها المحبة الشعبية رغم أنها كانت عسكرية وفردية .

ولكن جمال عبد الناصر لم يشأ أن يختار الطريق الاصوب . . . لم يشأ أن تنضج الحياة السياسية في مصر وتثمر تنظيمات شعبية حقيقية . . . ولم يخصص جانبا من وقته وجهده ليبعث الحيوية والوعي في تنظيماته السياسية المتكررة . . . ولكنه اعتمد منذ البداية على العناصر القريبة منه من العسكريين . . . وأتاح لهم الفرص والإمكانيات للسيطرة على جهاز الدولة وجهاز العمل السياسي . . . زحف العسكريين نحو السلطة ظل مستمرا بطريقة متزايدة . . . وكبت التنظيمات الشعبية . . . نقابية أو مهنية أو سياسية ظل طابع المرحلة . . . لا يتواجد في مراكز القيادة إلا من رضت عنه العسكرية الحاكمة أو استطاع التجاوب معها .

واختيار المتعاونين من العسكريين بدأ مع الوقت يأخذ طبيعة خاصة . . . ليبتعد عن أعضاء مجلس قيادة الثورة والضباط الأحرار الذين مهما قيل فأنهم كانوا يمثلون جوا أدنى من الروح الوطنية والإقبال على التضحية لا تتجاوز قدراتهم حدود التبعية المطلقة والأداء الوظيفي المحدود .

عندما شكلت هيئة التحرير عين حسن إبراهيم مراقبا عاما لها . . . ولكن احمد طعمية وإبراهيم الكحلاوي كانا لا يتصلان به في حركتهما اليومية ولا يرجعان إليه في معظم الأمور . . . وعندما ناقش الأمر مع جمال عبد الناصر قال له في بساطة صريحة ( إنهما يقومان بأعمال غير نظيفة لا تستطيع أنت القيام بها ) . . وغادر حسن إبراهيم موقعه .

كان الاتجاه تنازليا من مجلس قيادة الثورة إلى الضباط الأحرار والى غيرهم .

ورغم أن جمال عبد الناصر كان حريصا على أن يبعد ثورة يوليو عن مظهرها العسكري – كما يقول زكريا محي الدين – . . . ورغم أن الشعب قد تجاوب معه خلال مواقفه الوطنية تجاوبا لم يحصل عليه زعيم مصري من قبل . . . إلا أن تواجد العسكريين ونموهم أصبح طابع الثورة , وكان الانتماء للجيش هو جواز التغلب على المصاعب وتسهيل الأمور والحصول على المناصب .

وخلال هذه الفترة التي تدعم فيه نفوذ العسكريين في المجتمع وشكلوا هرما وظيفيا متماسكا , يمكن القول بأن الجيش كان يعمل لحساب نفسه كقوة سياسية غير مرتبط بالتعبير الواضح الصريح عن طبقة معينة . . . ولو أن اتجاها واضحا للعدالة الاجتماعية كان يظهر في قرارات وقوانين الإصلاح الزراعي وخفض إيجارات المساكن , وإخضاع المساكن الجديدة لشروط معينة , ورفع الحد الأدنى لمرتبات العمال , والسماح بالترقية من رتب الصف ضابط إلى الضابط , ومجانية التعليم في كافة المراحل وإنشاء الوحدات الصحية .

هذه القرارات كانت تعبر عن اتجاه شعبي عند قمة القيادة العسكرية , . . . ولكن الجيش لم يكن بعد قد أصبح في خدمة طبقة محددة . . . كان في خدمة نفسه لتثبيت سلطته وتأكيد دوره . . .

لم تكن قد وضحت خلال هذه المرحلة طبيعة الطبقة التي توجه السلطة . . . ولينين يقول في المجلد 29 ( أن القضية الجوهرية لكل ثورة هي دون شك قضية السلطة , فالطبقة التي تقبض على السلطة تقرر كل شيء ) .

ولم تكن في مصر طبقة واحدة قد استطاعت أن تقبض على الجيش . . . وتشكل له إيديولوجيته وتثبت أفكاره وأهدافه .

كان الجيش خلال مسيرته يقوي من سلطته , ويضرب في كل اتجاه تبعا للظروف . . . يضرب البرجوازية الكبيرة وفي نفس الوقت يحاول دعمها . . . يضرب الشيوعيين ويقدم خدمات للطبقة العاملة . . . يحاكم الإخوان المسلمين وينمي في نفس الوقت الاتجاهات المحافظة .

كانت حركة الجيش في مسيرته تمثل تقدما إلى الأمام , ولكن في خط متعرج غير مستقيم , يميل أحيانا إلى اليمين وأحيانا إلى اليسار .

غياب الإيديولوجية كان يخفي الطريق . . . ويجعل من التجريبية السبيل الوحيد لمجابهة الأمور .

الحيرة كانت تتجسد كثيرا أمام المشاكل . . . والاختيار كان يبدو صعبا .

والقوة السياسية الوحيدة المتوفرة . . . كانت قوة العسكريين .

والمجتمع الطيع في يد القائد والزعيم لم يتشكل سياسيا أو اقتصاديا بطريقة مستقرة ثابتة .

ويصدق خلال هذه المرحلة قول ابن خلدون ( ثمة بلدان لا يعرف القلق منها سبيلا إلى قلب السلطان لندرة الثورات فيها ففي مصر مثلا لا تجد غير السيد المطاع والرعية المطيعة ) .

والسيد المطاع سمح بزحف العسكريين إلى مراكز السلطة . . . وترك الرعية المطيعة بلا تنظيمات حية تطلق طاقتها وتعبر عن إرادتها .

السيد المطاع محبوب , ويزداد الناس له حبا . . . ولكن الحيرة التي تجعل السيادة للتكنيك وليس للإستراتيجية , تفقد الناس الوضوح , وتبذر في النفوس التساؤلات .

وبين الحيرة . . . والاختيار . . . حديث يطول .

الفصل السادس :الحيرة والاختيار

  • ( لا تبصق في بئر قد تحتاج إلى مياهه ) … مثل روسي خروشوف في خطاب جمال عبد الناصر

كان العسكريون قد وثبوا إلى معظم المراكز الرئيسية في المجالات المختلفة . . . الوزارة والتنظيم السياسي والمؤسسات والشركات الاقتصادية والصناعية ووزارة الخارجية .

وكان جمال عبد الناصر قد استكان إليهم بحكم طبيعتهم الخاصة , ومصالحهم المشتركة , ومعرفته لهم من علاقات العمل السابقة . . . في وقت حوصر فيه كل الذين عملوا في ميدان السياسة قبل الثورة عدا أفراد معدودين .

وبذا كون الضباط حلقة تحيط بالزعيم . . . وكونوا مع الوقت حاجزا بينه وبين الجماهير .

كانت الفرصة متاحة أمام جمال عبد الناصر لتشكيل المجتمع بالصورة التي يراها , فكل شيء طيع بين يديه , والشعب متعلق به , بعد انتصاره في المعارك الوطنية .

ولكن لم تكن هناك إيديولوجية معينة تضيء الطريق . . .

كل ما كانت تملكه حركة 23 يوليو . . . الأهداف الستة التي تعتبر شعارات مجردة تحتاج إلى تفسير وبرنامج . . . وخبرتها في مجال الصراع الوطني مع الاستعمال البريطاني . . . ثم دخولها مع باندونج في نادي السياسة الدولية الذي أصبح جمال عبد الناصر عضوا بارزا بين أعضائه .

كتاب ( فلسفلة الثورة ) إذا جاز لنا أن نعتبره فلسفة , يشخص حالة المجتمع بكلمات جمال عبد الناصر ( إننا نعيش في مجتمع لم يتبلور بعد , وما زال يفور ويتحرك ولم يهدأ حتى الآن أو يتخذ وضعه المستقر ويواصل تطوره التدريجي بعد مع باقي الشعوب التي سبقتنا على الطريق ) .

ثم يتساءل :

وإذن ما هو الطريق ؟

وما هو دورنا على هذا الطريق ؟

أما الطريق فهو الحرية السياسية والاقتصادية .

وأما دورنا فيه فدور الحراس فقط , لا يزيد ولا ينقص . . . الحراس لمدة معينة بالذات موقوتة بأجل .

ولكن

الحراس أصبحوا حكاما .

والإيديولوجية غائبة .

( فلسفة الثورة ) ليس أكثر من خواطر شاب وطني , يحمله الأمل إلى أفاق محلية وعربية , ولكنه لا يقدم دليلا للعمل أو نظرية للتجمع .

الكتاب يتحدث عن دوائر عربية وافريقية وإسلامية كمجال لاهتمام مصر . . . ولكن ولا كلمة عن القومية العربية كتأصيل للفكرة . . . ولا كلمة أيضا عن الاشتراكية .

ومن قبل . . . كان برنامج هيئة التحرير بلا كلمة واحدة عن ( القومية العربية ) أو الاشتراكية .

والاتحاد القومي . . . التنظيم الجديد يعلن يوم 28 مايو 1957 . ويتولى منصب السكرتير أنور السادات ثم يصدر جمال عبد الناصر قرارا بعد عدة شهور بتعيين كمال الدين حسين مشرفا عاما يمارس أعمال السكرتير العام الذي خرج من دائرة تنظيم وعمل الاتحاد . . . بينما يتولى هو منصب رئيس الاتحاد .

تحرص قيادة الثورة على إبعاد شبهة أن يكون الاتحاد القومي حزبا بعد حلها للأحزاب فتعلن أنه ليس حزبا أو ضد الأحزاب .

كلمة الاشتراكية التي ظهرت في قاموس الثورة بعد باندونج , سجلت في أهداف التنظيم الجديد ( الاتحاد القومي ليس حكومة ولكنه تنظيم يضم الحاكمين والشعب , ويتيح الفرصة الحقيقية لتعاونهم على علاج المشاكل المحلية والقضايا العامة في ظل المجتمع الاشتراكي الديمقراطي التعاوني وهو سبيلنا إلى الديمقراطية السليمة التي تشعر الشعب أنه يحكم نفسه بنفسه ) .

وعندما قال كمال الدين حسين في مؤتمر الاتحاد القومي ( اشتراكيتنا هي اشتراكية التمليك وليست اشتراكية المصادرة ) وقف عباس محمود العقاد في وسط القاعة مصفقا بحرارة . وهو الذي لم يكتب كلمة واحدة في تأييد الثورة وعاتب جمال عبد الناصر بعد ذلك كمال الدين حسين – حسب قوله – على توصيفه للاشتراكية قائلا له إننا لا نعرف ظروف المستقبل وما قد تدفعنا إليه لتطبيق قد يقتضي المصادرة .

ويعتبر كمال الدين حسين أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة المتمسكين بتعاليم الدين الإسلامي المحافظين على ارتباطهم بجماعة الإخوان المسلمين رغم موقف الثورة العدائي منهم .

أصدر قرارا في فبراير 1954 عند تولية وزارة الشئون الاجتماعية يقضي بضرورة بدء كل المكاتبات باسم الله الرحمن الرحيم وان تنتهي بالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

كان المشرف على الاتحاد القومي شديد التحفظ فيما يتعلق بأمور الدين , يرفض أن يتجاوز التفتح العقلي والاجتماعي عند حدود الشريعة الإسلامية .

والإسلام عنده وعند كثيرين غيره هو أكثر من دين . . . انه عقيدة وقدوة للسلوك . . . وهذا ما جعله في مصر أكثر تأثيرا في القرن العشرين عن مناطق تميزت بالاتجاهات الدينية مثل ايطاليا وغرب ألمانيا وجنوب أمريكا وبورما .

وعلى قدر ما وجد الضباط في الإسلام حافزا على ثورتهم ضد النظام الملكي لما فيه من تهتك , على قدر ما وجدوا في بعض رجاله ما يمنعهم من الاندفاع لتغيير المجتمع . . . ولذلك صدر قرار بحل جماعة كبار العلماء بعد صدور قانون الإصلاح الزراعي باثني عشر يوما , ثم صدر قانون جديد للجماعة حدد سن أعضائها من 45 إلى 65 عاما وبذا خرج منها ثلاثة من شيوخ الأزهر السابقين عبد المجيد سليم وإبراهيم حمروش ومحمد الخضر حسين .

ولم يتخذ الضباط موقفا معاديا من الدين مطلقا . . . ولكنهم كانوا يريدون تغيير المجتمع ونقله إلى حضارة العصر بخطوات سريعة لا تتفق أحيانا مع آراء رجال الدين .

عندما نبتت فكرة تحديد النسل في مصر صرح الشيخ محمد خضر حسين شيخ الأزهر للصحافة بقوله ( الدعوة لتحديد النسل هدم لكيان الأمة وجريمة في حقها ) كما نشرت المصري يوم 29 سبتمبر 1953وقال البابا بيوس ( تحديد النسل جريمة في حق الطبيعة واعتراض على مشيئة الخالق ) .

ومع ذلك لم يتردد الضباط مع الوقت من القيام بحملة لتحديد النسل , ولم يرفع رجال الدين صوتهم احتجاجا عليها أمام موجات الدعاية الهائلة التي ربطت بين تخلف المجتمع وزيادة السكان .

ووصلت موجة تحطيم السدود التي وقف خلفها بعض رجال الدين المحافظين إلى حد إلغاء المجالس الملية والحسبية والمحاكم الشرعية . . . ويعتبر فتحي رضوان أن التخلص من هذا النوع من المحاكم انجازا من أعظم انجازات الثورة لمصلحة الجماهير .

ولم يكن يعني هذا وفقا لتطبيق الشريعة الإسلامية , ولكنه كان تطهيرا لها من جمود أحاط بها , ذلك لان المحاكم المدنية ظلت تطبق قواعد الدين الإسلامي والمسيحي في المنازعات الشخصية .

وامتد الإصلاح إلى إلغاء الأوقاف التي حولت الأرض إلى قطع صغيرة تتوارئها الأجيال ويسيطر عليها نظار ينهبون ريعها . . . كما وصل إلى الأزهر نفسه فحوله إلى جامعة عصرية في يونيو 1961 لتضم مختلف الكليات العملية والعلمية إلى جانب كلياته الثلاث القديمة ( أصول الدين – الشريعة – اللغة العربية ) .

وكانت الثورة قد أقامت تنظيمات إسلامية جديدة . . . عندما قام جمال عبد الناصر والتقى بحاكم باكستان والسعودية في مكة اصدر بيانا يدعو فيه إلى وحدة الإسلام ضد الغرب . . . وتكون المؤتمر الإسلامي في سبتمبر 1954 الذي عين أنور السادات سكرتيرا عاما له .

والتقت إرادة رجال الثورة مع علماء المسلمين عندما أصدرت هيئة كبار العلماء بيانا في 17 نوفمبر 1954 تدين فيه إرهاب الإخوان المسلمين .

وتكون أيضا المجلس الأعلى للشئون الإسلامية , وأنشئت مدينة البعوث الإسلامية للطلبة المغتربين .

كان موقف رجال قيادة الثورة حريصا على الجمع بين عقيدة الدين وإرادة التطور في وقت واحد معا . . . ولكنهم لم يكونوا جميعا بنفس درجة الاقتناع .

البعض منهم لم يكن يهتم بأداء الفرائض أو الظهور في الجوامع . . . والبعض منهم لم يكن يتورع عن سلوك ما يعتبر منافيا لقيم الدين من ناحية الخمر والنساء وغيرها . . . والبعض منهم كان محافظا على عقيدته شكلا وموضوعا .

هذه التيارات لم تحدث بينهم تصادما . . . أو تنافرا . . . لأنهم جميعا كانوا مع الدين حتى الشيعيين في مجلس القيادة يوسف صديق وخالد محي الدين حجوا إلى بيت الله . . . وسبق القول بأن خالد قد اشترك مع جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وبعض الضباط في جلسات تحضير الأرواح .

لم يسلك احد من الضباط العسكريين في مصر مسلك أتاتورك الذي أخذ موقفا صريحا معاديا لرجال وتقاليد الدين .

ولم يظهر من بينهم من يمتلك الجرأة مثل الحبيب بورقيبة الذي صدرت في عهده ( فبراير 1960 ) فقرة تسمح للعمال بالإفطار في شهر رمضان , وكذلك أجاز شرب البيرة . . . وعندما اعترض عليه بعض رجال الدين طالبهم بإتباع فتواه تمسكا بالآية التي جاء فيه ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) وهو ولي الأمر في تونس .

وبكن تشكيل مجلس قيادة الثورة من مسلمين فقط وعدم وجود غير ضابط قبطي واحد بين الضباط الأحرار قد أدى إلى تغيير شكلي واضح في التعاون مع الأقباط الذين تتراوح نسبتهم إلى السكان بين 6 , 7 % أي يوجد قبطي واحد بين كل 14 مسلم تقريبا .

كان تقليدا أن يشترك في الوزارات وزيران قبطيان أو أكثر , ووصل احد الأقباط إلى رئاسة الوزراء ( بوغوص نوبار باشا ) في عهد الخديوي إسماعيل ثم بطرس غالي باشا . . . وكان مكرم عبيد سكرتيرا للوفد أكبر الأحزاب المصرية ثم رئيسا لحزب الكتلة الوفدية . . . وكان أقرب المحيطين بالملك من المسيحيين وخاصة في السنوات الأخيرة ( الياس اندوراس وكريم ثابت وادجار جلاد وأنطوان بولي ) .

أما بعد الثورة فلم يعد هناك إلا وزير قبطي واحد في كل وزارة , وشخصيته لم تتغير لسنوات طويلة ( كمال رمزي ستينو ) الذي كان وزيرا للتموين .

وظلت تقاليد إبعاد الأقباط عن الرتب العسكرية الكبيرة سارية , وامتد ذلك إلى تقليص وجودهم في السلك الدبلوماسي بعد زحف العسكريين عليه , حتى لم يعد هناك سفير قبطي واحد .

وليس هذا دليلا على موقف تعصبي طائفي من العسكريين . . . ولكنه انجراف وراء تيار سياسي نما في غيبة إيديولوجية تناقش موقف الوحدة الوطنية بطريقة علمية , وتبادر إلى إذابة التناقضات قبل تحولها إلى صخور تعوق الطريق .

ولذا فأنه عندما أجريت انتخابات مجلس الأمة بعيدا عن الانتماءات الحزبية لم ينجح في مجلس 1957 ولا قبطي واحد وصدر قرار جمهوري بتعيين عشرة نواب كان منهم ثمانية من الأقباط ومسلمين فقط هما ثروت عكاشة واحمد فؤاد .

ولم يكن في قيادة الاتحاد القومي احد من الأقباط أيضا .

وكان حرص كمال الدين حسين على صبغ حركة الاتحاد بالصبغة الدينية شديدا . . . ولكن جمال عبد الناصر كان يتطلع إلى الدين والدنيا معا .

القومية العربية ظهرت أيضا في تقديم الاتحاد القومي باعتباره . . . ( منظمة قومية عربية تعمل على تحقيق وحدتنا ووحدة الشعب العربي الذي جمعته وتجمعه أصول تاريخية وروحية واحدة كما جمعته وتجمعه وحدة اللغة والعقائد والتقاليد والدم والمصالح المشتركة . . . وحدة هذا الشعب العربي في الوطن العربي المتحرر من كل أثر من أثار الاستعمار وأعوان الاستعمار ) .

دستور 1956 ينص في المادة 192 على أن ( يتولى الاتحاد القومي الترشيح لعضوية مجلس الأمة ) . . . نصت المادة السابقة على أن ( يقوم الاتحاد القومي بفحص طلبات الترشيح خلال 15 يوما من تاريخ إقفال باب الترشيح ) . . . ونصت المادة الثامنة على أن يعد الاتحاد القومي كشفا بأسماء المرشحين الذين لا اعتراض عليهم في كل دائرة انتخابية ويكون قراره في هذا الشأن نهائيا غير قابل للطعن فيه بأي طريق من الطرق ) .

فكرة الاتحاد القومي استوردت من البرتغال , حيث كان سالا زار الديكتاتور الذي حكم 34 عاما حكما مطلقا معتمدا على تنظيمه ( الاتحاد القومي ) أيضا .

سافر علي صبري لدراسة التنظيمات هناك , وتأخر إعلان التشكيلات القيادية عدة شهور بعد صدور الدستور , لظروف العدوان , والرغبة في التعرف على طبيعة التنظيم في مجال العمل اليومي والسياسي .

يقول زكريا محي الدين أن جمال عبد الناصر كان يريد أن ينزع من الثورة صفتها العسكرية . . . لذا كانت محاولاته لتكوين تنظيم شعبي .

استكمل الاتحاد القومي تكوينه , وليس تنظيمه , فهو لم يكن تنظيما بالمعنى المعروف ولم تكن له ميزانية خاصة ولا قيادات متفرغة . . . كان يصرف له شيك بمبلغ خمسين ألف جنيه بتوقيع جمال عبد الناصر تستعوض بعد نفاذها . . . وأقصى مبلغ صرف له في عام واحد كان مائة وخمسين ألفا من الجنيهات , كما يؤكد عبد المجيد شديد مدير مكتب كمال الدين حسين في ذلك الوقت .

منع الشيوعيين والإخوان المسلمين من دخول الانتخابات , ومعظم من نشط سياسيا قبل الثورة , ظل بعيدا عن المشاركة في الاتحاد القومي .

لم تشكل للاتحاد لجنة تنفيذية عليا . . . شكلت له فقط لجنة عامة ( مركزية ) , ولم يشأ جمال عبد الناصر أن يقيم تنظيما قياديا جديدا يكون بديلا لمجلس قيادة الثورة , واثر أن تكون حركة الاتحاد القومي بين يديه وحده , دون سلطة أخرى . عين كمال حسين عددا من مديري المكاتب للاتحاد من 16 ضابطا و 8 مدنيين (1) كانوا بمثابة قلب التنظيم , والحق بمكتبه أيضا مندوبا من كل وزارة تسهيلا للاتصال والعمل أي بمثابة مجلس وزراء محدود . واعتمد كمال الدين حسين في حركة الاتحاد على المؤتمرات التي كان يحضرها معه عدد من الوزراء في محاولة لحل المشاكل المحلية على الطبيعة , والتي واصلت الذروة بمؤتمر في الإقليم المصري ومؤتمر شامل في ج . ع . م . عقد في يوليو 1960 .

ومجلس الأمة دخله الأعضاء أيضا من باب الاتحاد القومي . . . اللجنة التي نظرت في أسماء المرشحين كانت تحت إشراف زكريا محي الدين وضمت عسكريين فقط علي صبري و إبراهيم الطحاوي و احمد عبد الله طعمية و عباس رضوان و مجدي حسنين و كمال الحناوي و مصطفي المستكاوي من ضباط الجيش .

ومع ذلك لم يكن المجلس خاضعا تماما لإرادة العسكريين . . . صورة المجالس النيابية القديمة وما توفر لها من حرية المعارضة أغرت بعض النواب بتقديم أسئلة تحرج الحكومة . . . وإذا تجاوزنا قضية مجدي حسنين واستقالة كمال الدين حسين وجدنا أن تيار المعارضة قد وصل إلى بعض العسكريين أنفسهم .

الصاغ محمد أبو الفضل الجيزاوي قدم سؤالا إلى زكريا محي الدين عن عدد المعتقلين الشيوعيين داخل المعتقلات وعن أسباب اعتقالهم . . . وكان هذا جديدا في حياة المجلس لم تحتمله أعصاب القيادة العسكرية , خاصة بعد أن قدم طلب آخر إلى عبد اللطيف البغدادي رئيس مجلس الأمة يطلب فيه إنشاء معارضة داخل المجلس .

كان رد الفعل هو فصل ستة نواب من عضوية الاتحاد القومي مع استمرار عضويتهم في المجلس فابتعدوا بذلك عن فرصة الاتصال بالجماهير وتحاشاهم النواب هم محمد أبو الفضل الجيزاوي دكتور محمود القاضي و إسماعيل نجم و حيرم الغمراوي والثلاثة الآخرون كانوا في قضية مجدي حسنين .

وعندما أعلنت الوحدة مع سوريا لم ينتخب مجلس جديد , وإنما تم تعيين مجلس الوحدة من النواب السابقين , وسقطت العضوية عن النواب الذين فصلوا من الاتحاد القومي وعن غير الموالين .

المؤسسات الديمقراطية والتنظيمات الجماهيرية اصطدمت في حركتها مع عقلية المسيطرين على النظام من العسكريين .

والتزيد في عمليات الأمن يتناقض تماما مع الاتجاه إلى الشعب الذي يعتمد على وفاق واسترخاء ضروريين . وحركة التنظيم حائرة , تدور بكلمات حماسية تشتعل وتخمد حسب الظروف , وليست هناك عقيدة أو إيديولوجية واضحة . . . واللجان الأولي للاتحاد القومي اجتازها أعضاء مجلس الأمة بلا انتخاب فكانت من المؤيدين لأعضاء المجلس فقط وانعزل عنها الآخرون حتى قال جمال عبد الناصر عنهم بعد ذلك بعد ذلك في المؤتمر الوطني للقوى الشعبية جلسة 14 يوم 4 يوليو 1962 ( بعد ما تكونت اللجان كل واحد نام نوما عميقا . . . حطوا يافطة وناموا ) ولما أجريت الانتخابات بعد ذلك بعام لم تفلح في بعث الحيوية في الجهاز الذي اعتبر الجميع أعضاء فيه بلا كادرات قيادية أو تنظيمية .

حاول كمال الدين حسين أن يبلور الفكر في الاتحاد القومي فاستعان ببعض المثقفين فرادى مثل سليمان حزين و لبيب شقير و حسن عباس زكي و سعيد العريان . . . ولكن هذه المحاولات كانت اضعف من أن تشيد أساسا فكريا وعقائديا لبناء الاتحاد القومي .

تشكل التنظيم . . . وغابت الإيديولوجية

الاشتراكية الديمقراطية التعاونية . . . ليس لها تفسير سوى مجموعة أفكار مختلطة بعيدة عن البصيرة العلمية . . تستهدف تطوير المجتمع بالكلمات الطيبة وأحيانا بالإجراءات الإدارية الحازمة التي تعتمد على جهاز دولة متخلف وبيروقراطي معادي للديمقراطية والجماهير .

وكان تطبيق نظام الإدارة المحلية وتعيين المحافظين بسلطات إدارية واسعة في مناصب سياسية عامل من أهم العوامل التي حملت إلى الريف سلبيات وايجابيات كثيرة .

كان المحافظ مطلق السراح في تنفيذ ما يريد معتمدا على أفكاره الخاصة وطبيعة شخصيته مع عدم وجود تنسيق كامل لسياسة موحدة الأمر الذي جعل المحافظون يتركون وهم فاقدو الاتجاه البعض منهم يهتم بالثقافة والبعض يهتم بقضايا تافهة . . البعض يهتم بالدعاية لنفسه والبعض يركز على مشاكل الجماهير .

لا شك أن تجربة الإدارة المحلية قد بعثت حيوية في الريف ولكنها لم تنطلق بالقدر اللازم لرفع مستوى المجتمع .

في مجال الصناعة والاقتصاد

كانت هزيمة العدوان الثلاثي وصدور الأمر العسكري في 2 نوفمبر 1956 بمنع التعاقد مع الرعايا البريطانيين والفرنسيين وفرض الحراسة على مؤسساتهم وأموالهم في مصر , فرصة نبهت الأذهان إلى ضرورة اتخاذ إجراءات تهدف إلى القضاء على بقايا صور الاستغلال والسيطرة الأجنبية .

وفي يناير 1957 صدرت قوانين التمصير للبنوك وشركات التأمين والوكالات التجارية . . . ونصت على أن تكون جميع الأسهم اسمية ومملوكة للمصريين , وجميع أعضاء مجلس إدارتها والمسئولين عن الإدارة فيها مصريين , على أن تكون مزاولة أعمال الوكالات التجارية مقصورة على المصريين أيضا .

الفرصة متاحة تماما لانتعاش البرجوازية المصرية في ظل نظام يحافظ على الأمن ويستهدف التقدم الاقتصادي .

ازدادت الأرباح

144 شركة ربحت عام 1957 / 58 مبلغ 41,2 مليون جنيه وزاد الربح إلى 44,2 في العام التالي . . . وهو يشكل نسبة 35 % من رأس المال , 23 % من مجموع ما يملكه المساهمون كما ورد في كتاب الدكتور أنور عبد الملك ( مصر . . . نظام جديد يبنيه العسكريون ) .

23 شركة لها مركز احتكاري يسعى للسيطرة على الاقتصاد المصري .

احمد عبود له 14 % من أسهم بنك مصر , 10 أشخاص يملكون 20 % , 50 شخصا يملكون 42 % .

ولكن السلطة لم تكن في يد البرجوازية الكبيرة . . . وإنما كانت في يد العسكريين . . . ولم يعد عبود أو غيره قادرا على الضغط لإسقاط الوزارات بل لم يعد قادرا على تغيير وزير واحد . . . ولم تعد الفرصة كاملة أمامه لشراء الصحف وكبار الصحفيين . . .

يدلل عبد اللطيف البغدادي على ذلك بقوله أن احمد عبود قد زاره في مكتبه بعد أن قررت الحكومة خفض طن السماد من 24 جنيها إلى 21 جنيها وشكي له احمد عبود من هذا الإجراء . . وبعد حديث قصير تبين أن احمد عبود كان يملك في الشركة 168000 سهم يكسب فيها كوبونات سنويا قيمتها 150000 جنيه ( الكوبون يصرف 90 قرش ) هذا غير زيادة رأس المال بارتفاع قيمة الأسهم من 4 إلى 9 جنيه .
وعندما طالبه البغدادي بشيء من القناعة بكى احمد عبود وانهارت الدموع على خديه كما يؤكد البغدادي .

الرأسمالي الكبير كان عبدا لأمواله .

ولم تنج أيضا محاولة البرجوازية المصرية الكبيرة والاستيلاء على الممتلكات والشركات الممصرة . . . قال جمال عبد الناصر ( إن الحكومة إذا باعت ما أصبح تحت إشرافها بعد التمصير فان النتيجة الحتمية لذلك هي مجرد إتاحة الفرصة للذين يملكون فعلا لكي يملكوا مرة أخري ) .

اثبت العسكريون أنهم ليسوا في خدمة البرجوازية الكبيرة .

والنظام الجديد يستهدف تغيير المجتمع , ويحتفظ في يد الدولة بما تمت مصادرته أو وضع الحراسة عليه . . . وتغيرت النظرة إلى الشئون الاقتصادية .

كان اتحاد الصناعات قد دعا إلى توظيف رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية في المشاريع الصناعية معبرا بذلك عن موقف البرجوازية الكبيرة . . . وكانت نسبة المساهمة المصرية الإجبارية التي صدرت في قانون رقم 138 عام 1947 قد عدلت بعد الثورة لتكون 49 % بدلا من 51 % وكذا استمر التعاون مع النقطة الرابعة وأعلن أيضا دكتور حسن فهمي رئيس مجلس الإنتاج بأن كل من يقوم بعدم استيراد رأس المال الأجنبي يعتبر خائنا .

والكتاب السنوي لاتحاد الصناعات عام 1954 قال صراحة ( إن ادخارنا لا يكفي عادة لتلبية احتياجات البلد العادية لذلك طالبنا تشجيع الاستثمارات الخاصة الأجنبية المورد ما أمكن ذلك وقد أعترف المسئولون أخيرا بصحة وجهة نظرنا ) .

ولكن رأس المال تردد في المساهمة الصناعية .

الاستثمارات الصناعية كانت 26,208,405 ملايين عام 1956 هبطت لتصبح 12,907,432 مليونا عام 1957 .

يقول الدكتور أنور عبد الملك في كتاب ( مصر . . . نظام جديد يبنيه العسكريون ) . . .

( إن ما حمل زعماء الجناح الصناعي للبرجوازية المصرية على التردد في توظيف أموالهم رغم كل الدعوات هو أن الجيش مصمم على رسم سياسته بنفسه أي أنه مصمم على احتكار السلطة ووضع مصر كلها بما فيها البرجوازية الصناعية تحت وصايته ورهن إشارته ) .

العسكريون يحكمون وحدهم . . . والجيش لم يستند بعد إلى طبقة معينة . . . والبرجوازية تتردد في التصنيع . . . 28,5 مليون جنيه أنفقت على البناء عام 1957 بينما استثمر 7,7 مليون جنيه في الصناعة فقط .

18 ابريل 1957 حولت المصارف الانجليزية والفرنسية والتركية إلى مصارف مصرية المؤسسة الاقتصادية التي رأسها حسن إبراهيم ضمت 5 بنوك , 6 شركات تأمين .

الشئون الاقتصادية أصبحت من هموم العسكريين .

وبدأت فكرة التخطيط تجذب أفكارهم .

أنشئ ( مجلس التخطيط الأعلى ) برئاسة جمال عبد الناصر ويتولى تحديد الأهداف الاقتصادية والاجتماعية للدولة وإقرار خطط التنمية في مراحلها المختلفة .

( ولجنة التخطيط القومي ) ورأسها عبد اللطيف البغدادي وزير الدولة لشئون التخطيط .

وهكذا أصبح التخطيط تحت إشراف أعلى مستوى عسكري في الدولة .

وادمج مجلس الإنتاج القومي ومجلس الخدمات العامة في لجنة التخطيط القومي .

وأنشئت المؤسسة الاقتصادية لتدبر ما أمم من أموال أجنبية بعد عام 1956 . . . رأسها حسن إبراهيم وأحيلت إليها المشروعات التي كان يشرف عليها مجلس الإنتاج .

يقول حسن إبراهيم انه كون شركتين عام 1958 هما شركة النصر لصناعة الأفلام – أول مرة يستخدم اسم النصر – وشركة البويات والصناعات الكيماوية . . . وأن جمال عبد الناصر أسهم فيها بمساهمة رمزية دليلا على تأييده لفكرة تشجيع البرجوازية المصرية .

المؤسسة الاقتصادية كانت تحاول أن تقوم بما يعجز عنه القطاع الخاص من ناحية المال والخبرة . . . ولكنها لم تنجح إلى فرض سيطرة الدولة .

وأنشئت إدارة التعبئة التي كان يتولاها عسكري – اللواء أمين أنور الشريف – وتطورت حتى أصبحت الجهاز المركزي للتعبئة والحصاد . . . وكانت لها لجان في مختلف الوزارات يمثلها عسكريون أيضا , ويتدخلون في كافة المشاريع لربطها باتجاهات القوات المسلحة .

وبعد ذلك تشكلت وزارة الصناعة لأول مرة وتولاها الدكتور عزيز صدقي في أول وزارة يشكلها جمال عبد الناصر بعد انتخابه رئيسا للجمهورية يونيو 1956 .

لم تكن هناك وزارة . . . مكاتب المعاونين في الممرات . . . هكذا يقول عزيز صدقي ثم يتساءل ويبحث عن دور الدولة في الصناعة .

عزيز صدقي يعد قانون التنظيم الصناعي بعد 6 شهور . . . واتحاد الصناعات يعد تقريرا من 30 صفحة يعارض فكرة تدخل الدولة ومراقبتها للإنتاج الصناعي .

أول مبلغ يرصد للصناعة 12 مليون جنيه في ميزانية عام 1958 .

جمال عبد الناصر طلب من عزيز صدقي زيارة يوغوسلافيا , ووقع قانون التنظيم الصناعي ليلة سفره إلى يوغوسلافيا في سبتمبر 1957 .

المؤتمر الصحفي الذي أعلن فيه برنامج الصناعة كان في العيد الخمسيني لاتحاد الصناعات الذي أخذ موقف المعارضة .

بعض العسكريين لم تأخذهم الحماسة لبرنامج التصنيع . . . عارضه في مجلس الوزراء عبد اللطيف البغدادي ومعه وزير الاقتصاد دكتور عبد المنعم البسيوني . . . ونبتت التناقضات بين العسكريين في المؤسسة الاقتصادية ( حسن إبراهيم و صدقي سليمان ) وبين وزارة الصناعة التي سلبت منها سلطة الإشراف على الشركات .

يقول حسن إبراهيم أنه لم يكن موافقا على بعض الإجراءات غير المدروسة التي تنفذ من باب الدعاية في مجال الصناعة وقد قدم استقالته الأولي يوم 2 مايو 1959 عندما صدر قرار لم يخطر به لنقل الإشراف على البنك الصناعي من المؤسسة الاقتصادية إلى وزارة الصناعة , ولكنه سحبها بعد لقاء له مع جمال عبد الناصر في استراحة القناطر .

ولكن حسن إبراهيم لم يلب ثان استقال مرة أخرى من المؤسسة الاقتصادية في 18 أكتوبر بخطاب طويل من 22 صفحة . ومن هذا الخطاب يتضح وجود خلافات بين وجهات النظر منها رغبة حسن إبراهيم في بيع ما تملكه المؤسسة من أسهم الشركات للجمهور على أساس احتفاظها بنسبة 35 % فقط ورفض جمال عبد الناصر لهذا الاتجاه .

وزادت المعارضة عند عقد أول اتفاقية لتمويل الصناعة المصرية مع الاتحاد السوفييتي يوم 29 يناير 1958 بمبلغ 700 مليون روبل تسدد على 12 سنة .

الدكتور عبد الجليل العمري محافظ البنك الأهلي يحذر في 27 مارس من الاتجاه إلى التجارة مع الاتحاد السوفييتي .

ويدخل العسكريون ميدان الصناعة والاقتصاد أيضا . مؤسسة مصر يرأس مجلس إدارتها الصاغ مهندس حلمي السعيد مدير مكتب جمال عبد الناصر ويضم الضباط المهندسين سمير حلمي و احمد توفيق البكري و السيد عويس ثم حسن مرعي و محمد علي حسن .

ولكن هذا التنظيم لا يستمر طويلا . . . تصدر وزارة الصناعة تنظيم المؤسسات على أساس نوعي وتلغي مؤسسة مصر ونصر والمؤسسة الاقتصادية وذلك عام 1960 بعد الاستقالة الثانية لحسن إبراهيم من المؤسسة الاقتصادية في بداية العام .

وتتركز السيطرة في يد الدكتور عزيز صدقي وزير الصناعة .

وقطاع الصناعة كان أقل القطاعات انفتاحا للعسكريين . . . اتخذ الدكتور عزيز صدقي موقف الاختيار للكفء أولا بصرف النظر عن طبيعته العسكرية أو المدنية .

عندما عمل أول تنظيم للوزارة لم يضع فيها الأميرالاي حسين الحلواني مستشار الصناعة والأميرالاي محمود يونس مستشار البترول . . . وحاول زكريا محي الدين إقناعه بغير ذلك ولكنه تمسك برأيه .

كما اعتذر عن عدم قبول تعيين الفريق محمد نديم رئيس إدارة الجيش بناء على اقتراح الرئيس عبد الناصر الذي قبل وجهة نظره وحوله إلى هيئة النقل البحري .

ولذا كان عدد العسكريين في قطاع الصناعة محدودا . . . ولكنهم في ميدان الاقتصاد كانوا أكثر انتشارا .

قال جمال عبد الناصر في محادثات الوحدة بعد ذلك عام 1963 ( إحنا بدأنا في هذه العمليات من سنة 56 بس لان طلعنا في 52 كنا عسكريين لا نعرف إلا القطعة 18 على حد تعبير الأخ فهد – المقدم السوري فهد الشاعر احد قادة حزب البعث – وكنا نقعد مع جماعة اقتصاديين من الطراز التقليدي بيعقدوا المشاكل ولا يجدوا لها حل . . . لكن بعد كده مشينا في العملية . . . ودرسنا وحاولنا نتعلم بجد وإخلاص ) .

وأرسل يستشير شركة ( ارتر ليتل كومباني في بوسطن ) عن احتمالات التقدم الصناعي والاقتصادي في مصر وجاء الرد التالي ( حتى لو حصلت على مليار من الدولارات التي تحتاج إليها في خطتك الخمسية , وحتى لو نجحت خطتك الخمسية نجاحا كاملا بدون أي تعثر أو توقف , وحتى لو بذل كل فرد في المجتمع المصري قصارى جهده وغاية طاقته مستخدما كل الخبرة والمعرفة الأجنبية فان أفضل ما تستطيعه حينئذ هو المحافظة على الوضع الراهن والحيلولة دون تقهقر أكثر إلى الوراء ) وذلك كما ورد في كتاب مايلز كوبلند ( لعبة الأمم ) .

صدر قرار جمهوري في 10 فبراير 1957 باستخدام اللغة العربية في جميع العقود والتسجيلات .

في أغسطس 1958 صدر القانون رقم 114 ينص على أن مجالس الإدارة لا تزيد عن سبعة ولا تقل عن ثلاثة . . . والعضو لا يجمع بين مجالس إدارة أكثر من شركتين بعد أن كانت ستة والعضو المنتدب على شركة واحدة . . . وحدد مكافأة ومرتبا وبدل حضور ومزايا العضو بمبلغ 2500 جنيه في السنة فقط .

وكان قد صدر في 18 مارس 1955 أول قانون للشركات بعد مناقشات طويلة يقول احمد فؤاد أنها كانت تمتد أحيانا طوال الليل وانتهت بإخراج أعضاء مجلس الإدارة الذين تجاوزوا الستين مع استثناء الأعضاء المنتدبين وأصحاب ال 10 % من الأسهم وقصر عضوية مجالس إدارات البنوك على بنك واحد ومنع الجمع بين وظائف الحكومة والشركات .

ولحق ذلك قانون آخر في يناير 1959 يلزم الشركات المساهمة بتجنيب 5 % من الأرباح الصافية لشراء سندات حكومية , تحديد الحد الأقصى للأرباح عام 1958 مضافا إليه 10 % فقط ثم حدث تراجع عن هذا البند بعد أن تأثرت بورصة الأوراق المالية وكسد النشاط فيها .

وكانت بعض الشركات الأمريكية ما زالت تربطها بمصر صلات تعاون . . . مثل شركة بوز الن اند هاميلتون التي تعاقد معها زكريا محي الدين لتقديم خدمات لأجهزة المخابرات العامة وإعداد دراسات مطلوبة حسب رواية فريد طولان مدير المعهد الاستراتيجي بالمخابرات العامة سابقا .

إحدى هذه الدراسات أشارت بأن الحكومة المصرية لا يجوز أن تستخدم أكثر من 200 ألف موظف .

الشركات الأمريكية تعرض صورة قائمة لاحتمالات تقدم المجتمع صناعيا واقتصاديا . . . وتقيم سدا في وجه خريجي المعاهد والجامعات لزيادة العمالة عن حدودها .

رفض جمال عبد الناصر هذه النظرة المتشائمة التي قدمتها الشركات الأمريكية , وأصر على تغيير المجتمع ,

في وقت واحد . . . البرجوازية الكبيرة تنتعش . . . والدولة تزيد قبضتها في مجالات الصناعة والاقتصاد .

وفي وقت واحد أيضا . . . تنمو العلاقة مع الاتحاد السوفييتي . . . ويستجلب تنظيم الاتحاد القومي من البرتغال الدولة الفاشية .

تتعايش التناقضات في هذه المرحلة .

والاشتراكية الديمقراطية التعاونية , مثل الفيل يراه الأعمى من المنطقة التي يلمسه منها .

في مجال الثقافة والإعلام :

والعسكريون أيضا يتولون المراكز الحساسة في توجيه الرأي العام . . . ويقتربون من مجال الفكر والثقافة .

حرص جمال عبد الناصر دائما على وضع العسكريين في رئاسة مجالس إدارات الصحف ورئاسة تحريرها .

مجلة التحرير تولى رئاسة تحريرها ثروت عكاشة بعد إعفائي من العمل فيها في نوفمبر 1952 , ثم ضمت إلى دار الجمهورية حيث كان أنور السادات رئيسا لها بعد إعفاء ثروت عكاشة أيضا .

المساء تولى رئاستها خالد محي الدين ثم مصطفي المستكاوي .

الشعب تولاها صلاح سالم ثم لطفي واكد , حتى انضمت إلى جريدة الجمهورية .

بناء الوطن المجلة الشهرية رأسها أمين شاكر .

الثورة مجلة أسبوعية أصدرتها منظمات الشباب ورأسها صاغ وحيد الدين جودة رمضان .

وعهد إلى بإصدار مجلة أسبوعية جديدة تحت اسم ( الفجر ) عام 1956 , وشكلت لها مجموعة تحرير ضمت محمود أمين العالم , سعد لبيب , عبد المنعم القصاص , منير حافظ , صالح موسى , سامي الليثي , بهيج نصار , محمد صدقي , راجي عنايت , فهمي حسين , جورج البهجوري , ولكنها لم تصدر رغم طبع ثلاث إعداد منها للتجربة ولم يكن هناك جواب شاف .

كل الصحف التي أصدرت عن الحكومة رأسها عسكريون ولكنها لم تكن جميعا تعبر عن رأي واحد .

جريدة المساء لعبت دورا في ظهور الفكر اليساري المتقدم , ومخاطبة الجماهير بآراء يسارية متحررة , واهتمت بالثقافة الجديدة , وتابعت قضايا المجتمع متابعة موضوعية تميزت بها عن غيرها من الصحف اليومية .

بينما بناء الوطن كانت تدعو إلى الاقتصاد الحر والثقافة الغربية .

وجريدة الجمهورية عانت من انقلابات إدارية وفكرية لكثرة تغيير الذين تولوا مسئوليتها بعد أنور السادات . . . الصاغ محسن عبد الخالق ثم القائمقام عبد الرءوف نافع ثم صلاح سالم إداريا . . . وحسين فهمي و أحمد قاسم جودة و جلال الدين الحمامصي و كامل الشناوي ثم صلاح سالم تحريريا .

الإيديولوجية ما زالت غائبة . . . والحيرة طابع التصرفات . . . والتجربة هي أساس الحركة .

جمال عبد الناصر يفكر في عمل مدرسة كادر يعهد بها إلى خالد محي الدين في خريف 1958 ثم ينتهي المشروع مع حوادث العراق وخروج خالد من المساء .

ويقترب العسكريون من مجال الفكر والثقافة , وتتعدد محاولات الوصول إلى الوضوح .

أنشئت وزارة الثقافة عام 1957 وأتاحت للدولة رعاية جميع صور التعمير غير الرسمي والثقافة غير الأكاديمية . . . أول وزير لها كان فتحي رضوان .

وتكونت جمعيات أخري غير رسمية .

جمعية الخريجين التي رأسها محمد فؤاد جلال الذي تولى وزارة الإرشاد لفترة محدودة بعد استقالة صلاح سالم ثم خرج من الوزارة لينشط في ميدان العمل السياسي بمحاولة تجميع البرجوازية والمتعلمين العرب حول ثورة 23 يوليو , وكان له نشاط واضح في المشرق العربي . . . وفي أفريقيا .

كان فؤاد جلال وطنيا مجردا . . . ليست له نظرة اجتماعية . . . وكان نشاطه متناسبا تماما مع المرحلة . . . مرحلة البحث والحيرة .

رابطة اشتراكية عربية يرأسها كمال رفعت وتضم مهدي بن بركة , كلوفيس مقصود , جيران مجدلاني , فؤاد الركابي , محمد عودة , احمد بهاء الدين , لطفي الخولي , وهي رابطة تستهدف مناقشة الفكر الاشتراكي ومحاولة ربطه بالقومية العربية . . . وهي في مضمونها كانت تأخذ طريقا آخر غير الماركسية .

ورابطة مصرية للعلوم السياسية يرأسها عبد القادر حاتم , وهي رابطة تضم مجموعة من المشتغلين بالعلوم السياسية من أساتذة الجامعة والمحيطين بهم , وهي لم تسهم بتقديم جديد للفكر العربي المعاصر .

ورابطة الوعي الوطني يرأسها أمين شاكر وتضم الضابطان محمود الجوهري والمهندس أحمد أبو ذكري والنبوي المهندس . وتميزت هذه الرابطة بأفكارها الليبرالية المحافظة , التي جعلتها معزولة عن الواقع الحي للمجمع .

( ولجنة التربية الوطنية ) يرأسها صلاح دسوقي وتضم مراد غالب والدكاترة إبراهيم حلمي عبد الرحمن و عبد الله العريان و رفعت المحجوب و نظمي لوقا و سعيد النجار والأساتذة احمد مختار قطب وسعيد العريان .

وكانت هذه اللجنة تعبيرا أيضا عن طبيعة المرحلة حيث لا يتوفر الوضوح لشيء وتغلب الحيرة كل شيء . . . وتختلط الأمور الفرعية مع الرئيسية . . . ويغيب صراع القوى الاجتماعية .

وكون جمال رفعت ( رابطة لدرس الاشتراكية المعاصرة على الصعيد النظري ) تضم مراد غالب , احمد بهاء الدين , صلاح دسوقي , وإبراهيم حلمي عبد الرحمن , وهي امتداد مصري للرابطة العربية السابقة .

وكانت هناك أيضا لجنة قراءة المسرح القومي التي شكلت أثناء إدارتي له ووجود يحيي حقي مديرا لمصلحة الفنون وشكلت من الدكاترة محمد مندور و محمد القصاص و علي الراعي و عبد القادر القط .

كل هذه الروابط واللجان كانت ذات نشاط في مجال المثقفين ولكنه محدود فلم يكن لها تأثير في مجال الرأي العام .

ولكن لجنة قراءة المسرح القومي لعبت دورا ايجابيا في مساعدتي على وقف زحف التيار الذي كان طاغيا على المسرح , وهو تقديم المسرحيات المترجمة أو المقتبسة لكتاب غير معاصرين . كانت ظاهرة غريبة أن كافة المؤلفين الأجانب كانوا ممن ماتوا فعلا . . . أما المسرح العربي فكان مقصورا على خمسة فقط من الكتاب هم الذين تكرر تقديم مسرحيات لهم . . . احمد شوقي وعزيز أباظة و محمد تيمور وعي أحمد باكتير و توفيق الحكيم وهو الوحيد الذي استمرت صلته بالمسرح وثيقة حيوية ومتجددة حتى أصبح المؤسس الحقيقي للدراما المصرية .

ساعدت لجنة القراءة على وقف زحف المسرحيات الجامدة الأسلوب والفكر معا . . . وأتاحت للمسرح القومي تقديم جيل جديد من الكتاب التقدميين , حمل لواء المسرح بعد ذلك ومضى به في طريق التقدم . . . نعمان عاشور ويوسف إدريس و سعد الدين وهبه و الفريد فرح و رشاد رشدي وغيرهم .

وظهر الكتاب التقدميون على خشبة المسرح لأول مرة يكتسبون تأييد الجماهير والمثقفين معا , في مرحلة كان الناس فيها يتطلعون إلى كل جديد يضيء لهم الطريق .

كتب دافيد كوان في كتاب مصر منذ الثورة ( المسرح لقي من الثورة دفعة كبيرة جدا وأخذ يصبح قوة جبارة في الحياة المصرية رغم أنه مازال صغيرا في حجمه ) .

وهكذا كانت الجماعات المختلفة تتبنى أفكارا متباينة وأحيانا متنافرة .

وجمال عبد الناصر يترك لها حرية التعبير في صورة محدودة من عبارة ماوتسي تونج ( دع مائة زهرة تتفتح ) .

الحرية للجماعات التي يوجد العسكريون في مركز التوجيه فيها . . . أما المنابر والجماعات الأخرى فالأمر يختلف .

كانت الصحافة ما زالت حتى هذه الفترة ملكا لأصحابها حرة في تصرفاتها وتوجيهاتها بعد أن ألغيت الرقابة تماما بعد عام 1956 .

ولم يكن مرضيا لطبيعة النظام أن تنفرد بعض الصحف باتجاهات لا تساير رغبة قيادة الثورة في تغيير المجتمع .

وكان الوضع مثيرا للدهشة فعلا . . . كل أجهزة الدولة تعرضت للتطهير مع بداية الثورة حتى الجيش نفسه . . . وخرج الذين أحاطت بهم الشبهات أو الذين اعتبروا في موقف العداء .

ولكن الصحافة ظلت ملكا لأصحابها قبل الثورة . . . فلم تكن هناك مصادرة أو تأميم خارج نطاق قانون الإصلاح الزراعي . . . كل أنواع الملكية تتعايش في المجتمع .

ولكن قيادة الثورة تريد أن تشق طريقا خاصا وأجهزة الإعلام والصحافة هي مدفعيتها الثقيلة . . . جزء منها تملكه . . . الإذاعة وصوت العرب الذي بدأ برنامجا محددا مدة إرساله ساعتان إلا ربع تابعا للمخابرات العامة عام 1953 , تحول في عهد ولاية صلاح سالم لوزارة الإرشاد وتعيين أحمد سعيد مديرا للبرنامج إلى جهاز دعائي مؤثر ارتفعت ساعات إرساله في العام الأول إلى ثمانية ساعات ثم وصلت في عهد صلاح سالم أيضا إلى 22 ساعة هي مدة إرساله اليومي حتى الآن .

شارك صوت العرب في معارك التحرير العربية . . . أعلن ساعة الصفر لثورة الجزائر في الفاتح من نوفمبر 1954 بإذاعة بيان جبهة التحرير عن انفجار 24 قنبلة في أماكن مختلفة وأعد لها إذاعة سرية خاصة . . . ووجه طعنات حادة لحلف بغداد, وللحكام المتهاونين مع الاستعمار . . . وكان عاملا مؤثرا ضد الدعاية الاستعمارية .

كانت المبالغة الشديدة والهجوم اللاذع تدمغ برامج صوت العرب أحيانا , ولكنها في النهاية أدت دورا متناسقا مع طبيعة الحركة الثورية في مصر .

ولكن الصحافة المصرية التي تعتبر من أجهزة الدعاية شديدة التأثير في العالم العربي فكانت بعيدة عن التجاوب الحقيقي الفعال مع أفكار الثورة المتوهجة , خاصة وأن الرقابة كانت قد ألغيت تماما عام 1956 .

وكان ذلك أمرا طبيعيا . . . معظم أصحاب الصحف ورؤساء تحريرها كانوا من أتباع النظام الملكي المنهار , المروجين له . . . الصحف الوفدية التي تولت – إلى حد ما – معارضة الملك وتجاوبت مع إرادة الجماهير صودرت واختفت . . . المصري وصوت الأمة والطليعة . . . وكل الجرائد والمجلات اليسارية صودرت أيضا كما سبق ذكره .

صحف أخبار اليوم يملكها التوأمان علي أمين ومصطفي أمين ودورهما في تأييد الملك وفي دعم صحافة الإثارة , والترويج للسياسة الأمريكية معروف .

صحف دار الهلال يملكها الإخوان أمين و شكري زيدان وحرصهما شديد على أن تظل مجلات الدار كلها بعيدة عن الانفعال الحي مع واقع المجتمع المصري .

والأهرام كانت ملكا لأسرة جبرائيل تقلا , وظلت خلال تاريخها الطويل بعيدة عن المساهمة الايجابية مع الإدارة الشعبية المصرية مغلبة الاعتدال والاتزان على كل شيء .

صحف روزا اليوسف يملكها إحسان عبد القدوس ويشاركه في صدورها مجموعة من الشباب ذوي الآراء السياسية المختلفة وهي تحتضن الشيوعيين كما تحتضن الإخوان المسلمين . . . وهي في أرائها السياسية وأسلوبها الصحفي المتميز بالنقد لا يمكن أن تكون تابعة في سكون .

ولم يتغير أحد من المسئولين عن تحرير هذه الصحف بعد الثورة ولم يؤثر نشر كشف المصاريف السرية عام 1954 على موقع احد في المسئولية , ولم يدخل التطهير دارا من دور الصحف .

ولم تكتف الثورة بما أصدرت من صحف يومية وأسبوعية وشهرية .

وتقرر تنظيم الصحافة في سبتمبر 1960 أي تمليكها للاتحاد القومي وإعطائه سلطة الإشراف عليها , وكان ذلك من مؤشرات التأميم والمبكرة مثل بنك مصر الذي أمم أيضا مع البنك الأهلي في 11 فبراير من نفس العام .

عبر جمال عبد الناصر عن أفكاره بالنسبة لتنظيم الصحافة بقوله في اجتماع عقده مع رؤساء التحرير أنها دأبت على نشر أخبار الطبقة البرجوازية في نوادي القاهرة وانصرفت عن نشر أخبار الفلاحين والكادحين . . . ( بلدنا هي كفر البطيخ . . . اللي عاوز يكتب عن بلدنا يروح هناك ويشوف الناس اللي لابسين برانيط قش الأرز طول النهار عشان يعيشوا . . . كنت أفضل بدل الكلام عن هذا النوع من السيدات أن يكتب عن العاملات مثلا . . . فيه عاملات طلعوا ياكلو عيش بعرق جبينهم ويكافحوا بشجاعة وشرف ) .

وعندما شكلت مجالس إدارات الصحف الجديدة كان صلاح سالم في موقعه رئيسا لدار التحرير , وعين محمد حسنين هيكل الصحفي المقرب من جملا عبد الناصر رئيسا لمؤسسة الأهرام ودار الهلال بعد ضمها لبعضهما , وتولى رئاسة مؤسسة أخبار اليوم .

وتولى منصب العضو المنتدب للمؤسسات الصحفية ضباط أيضا . . . القائمقام عبد الرءوف نافع في دار الهلال و يوسف السباعي في روزا اليوسف و سيد إبراهيم في دار التحرر .

وذا أصبح الجيش قد وضع يده على المراكز الحساسة في مجالات الصناعة والاقتصاد والإعلام والثقافة سندا للحكم الوطني الجديد . . . ليس سندا مسلحا فقط بل سندا إداريا وتوجيهيا أيضا . . وأصبحت معظم الأمور في المجتمع رهنا بدرجة أمانة ومتانة هذا السند .

وطبيعي أن تبرز داخل سلك الضباط وجهات نظر مختلفة حول دور الدولة الوطنية وطابعها وأفاق تطورها . . . البعض يتخذ مواقف محافظة ويعادي مشاركة الشعب في التوجيه , ويبث روح الديمقراطية . . . والبعض منهم يستفيد من اختلاطه بالجماهير في مجالات العمل , ويتطور فكريا , ويسهم بقدراته في تطوير المجتمع .

لم تصل وجهات النظر المختلفة , أو الآراء المتنافرة إلى درجة الصدام . . . لان الجميع كانوا ينظرون إلى جمال عبد الناصر نظرة الزعيم الذي أصبحت المسافة بينه وبينهم شاسعة .

وكان جمال عبد الناصر يعتمد على تأييد الشعب كما يعتمد على سلطة الجيش .

لم يجد في ذلك تناقضا . . . فالجيش طيع بين يديه , والشعب مؤمن به .

كان متاحا لجمال عبد الناصر في هذه المرحلة أن يفتح الطريق أمام القوى الوطنية والديمقراطية , وان يبني أسس النظام على حريات تؤمن مستقبله . . . وكان متاحا له أيضا أن يستوعب الطبقات المختلفة في جبهة وطنية بعد الاعتراف بكياناتهم المستقلة , على غير الأسس الحزبية القديمة .

كان جمال عبد الناصر قادرا خلال هذه المرحلة على تجميع القوى المختلفة الاتجاهات والمواقع السياسية والاجتماعية والطبقية , وله في ذلك تجربة ناجحة . . . قيادته لتنظيم الضباط الأحرار وهم من اتجاهات سياسية واجتماعية مختلفة .

ولكن جمال عبد الناصر اثر أن يطور المجتمع بأجهزته الخاصة , وشعبيته الهائلة .

الإيديولوجية ما زالت غائبة , وليس هناك اهتمام خاص بها حتى هذه اللحظة . . . كان التركيز كله على القضايا الوطنية بصورتها العامة .

قال جمال عبد الناصر في مناقشات اللجنة التحضيرية يوم 25 نوفمبر 1961 ( لم يكن مطلوبا مني في يوم 23 يوليو أن اطلع ومعي كتاب مطبوع وأقول أن هذا الكتاب هو نظرية . . . مستحيل ) . . . ويقارن ذلك بالإسلام فيقول ( كان يقدر ينزل مع سيدنا جبريل كتاب مطبوع ومجلد ويقول : هذه هي النظرية , هذا هو القرءان . . . ابتدأ الإسلام فأشهد أن لا اله إلا الله وان سيدنا محمدا رسول الله . . . ابتدأ الإسلام بهذا . . جملتان . . . لم يبدأ بكل ما هو موجود القرءان ) .

بعد سبع سنوات من الثورة قال أن ظروف مصر تختلف عن ظروف غيرها , وان النموذج الذي يجب أن تطبقه هو الاشتراكية الديمقراطية التعاونية .

ويقول دكمجيان في كتابه ( مصر في عهد ناصر ) ( إن طبيعة الحرب الباردة وخبرة مصر مع الاستعمار مرتبطة بالتقدم التجريبي للقادة العسكريين كان لها تأثير كبير في عدم الانحياز الإيديولوجي إلى الغرب أو إلى الاتحاد السوفييتي .

ويبدو انه مع نهاية 1955 تبين القادة العسكريين الأضرار والأخطار التي يتعرضون لها في حالة اختيار وتحديد إيديولوجية معينة , أو اتخاذ موقف واضح إلى جانب إحدى الكتلتين . . . كما أنهم تبينوا أيضا المكاسب التي تعود عليهم من الابتعاد عن الاختيار . . . وقد أدى هذا إلى خلق توجيه أيديولوجي حيادي في السياسة الخارجية , وعقيدة اشتراكية مستعارة للتغير الداخلي ) .

عدم استقرار الموقف السياسي الخارجي كان له ولا شك تأثير كبير في غياب إيديولوجية الثورة . . . واختيارها للأسلوب التجريبي الذي مارست به مسيرتها منذ اليوم الأول . . .

وصلت القيادة بذلك إلى براعة تكتيكية في مواجهة المشاكل والمواقف اليومية . . . ولكنها لم تحدد بعد خطا استراتيجيا . . . ولم تكتب برنامجا نظريا .

ولا شك أن محصلة تجارب الثورة في مواجهتها للمشاكل سوف تثري خبرتها وتوفر لها فرصة الوصول إلى إيديولوجية محددة .

وإذا كان الموقف في مجالات الصناعة والثقافة والاقتصاد قد سجل تطورا لمصلحة الجماهير عن طريق تدخل الدولة . . . فانه لم يسجل تبعية الجيش لطبقة معينة .

البرجوازية الكبيرة تحاصر , والبرجوازية الصغيرة تنمو , والطبقة العامة تزيد وتنتشر والفلاحون يتغير واقعهم في بطء شديد البسيط , ولا تعتبر غياب الإيديولوجية قضية رئيسية .

السياسية الخارجية

والسياسة الخارجية أيضا تفرض نفسها على الموقف . . . تسهم في خلق حالة من التردد . . . وتأجيل اختيار الطريق .

حكومة الولايات المتحدة اعتبرت أن خروج انجلترا وفرنسا من مصر سوف يترك فراغا . . أيزنهاور يبادر يوم 5 يناير 1957 بتقديم مشروع إلى الكونجرس يخول حكومة الولايات المتحدة تقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية لدول المنطقة تفاديا للتسلل الشيوعي .

جمال عبد الناصر يري في المشروع صورة جديدة من حلف بغداد .

وأمريكا تريد تطويق مصر لقرض المشروع بتقديمه عن طريق الملك سعود . . . وحشد قوات تركية على حدود سوريا , وإعلان الحكومة الأمريكية بإقامة جسر جوي لإمداد تركيا ولبنان والأردن والعراق بالأسلحة . الملك سعود يتراجع عن موقفه ويعلن تأييده لسوريا , والأمير فيصل ولي العهد يزور بيروت ودمشق . . . ومصر ترسل قوات عسكرية إلى اللاذقية للدفاع عن سوريا ضد أي اعتداء .

فرصة نجاح مشروع أيزنهاور تضيق .

وجمال عبد الناصر ينظر إلى أمريكا باعتبارها الدولة التي ورائه مصالح انجلترا وفرنسا بدلا من تمصيرها . . . وهو لا ينسي رفض دالاس الإفراج عن بعض الأرصدة المجمدة في أمريكا لشراء أدوية ومضادات حيوية , بينما لبى السوفييت طلبه في الحال .

الاعتقاد يميل إلى اشتراك أمريكا في مؤامرة العدوان الثلاثي , كشريكة بتمثيل دورها في البقاء جانبا إلى أن يحين موعد تدخلها . . . ومشروع أيزنهاور هو بداية الدور .

ولكن فرصة نجاحه اقل من فرصة نجاح حلف بغداد , لأنه يأتي بعد انتصار مصر على عدوان 1956 , وتأكيد زعامة عبد الناصر في العالم العربي . . . وتعلق الجماهير بإذاعة صوت العرب التي كانت تهاجم الملوك بلا تحرج .

العسكريون في مصر يواجهون الغرب . . . وعلاقتهم مع الشرق تزداد نموا . . .

هذا رغم أن حياة العسكريين في الجيش قبل الثورة كانت تسير بأسلوب خاضع لدعاية تجعل الحياة الغربية محل إعجاب , وتخلق من دول الغرب نماذج تحدي .

النموذج الجذاب للعسكريين المصريين كان قائما في الغرب حيث درس بعضهم , وتعامل معظمهم مع ضباط البعثة العسكرية , وانبهر عدد منهم بتقاليد الحياة البريطانية .

الخروج من دائرة الغرب , المطبقة على كل الدول التي كانت محتلة , إلى أفاق جديدة لم يكن بالرغبة الذاتية , وإنما اضطرارا أمام اختيار صعب . . . أما الخضوع والتبعية الدائمة للامبريالية أو المحافظة على الحرية والاستقلال الوطني .

ينمي هذا الاتجاه المؤامرات التي اكتشفت ضد سوريا مع المخابرات المركزية الأمريكية عندما اعتقل دبلوماسي أمريكي يحاول تهريب مهاجر سوري في عربته عبر الحدود مع لبنان وكشف الستار عن مؤامرة نوري السعيد لغزو سوريا أثناء العدوان الثلاثي .

المؤامرات الأمريكية يمكن أن تصل إلى مصر أيضا . . . وهذا موضع الحذر .

وروح باندونج تعطي ثمرة في القاهرة . . . مؤتمر الشعوب الأسيوية الإفريقية ينعقد في القاهرة يوم 26 ديسمبر 1957 بقاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة . . . حضر 537 مندوبا يمثلون 48 شعبا تؤلف في مجموعها 1,500 مليون شخص . . . أي 70 % من سكان العالم .

انتخب المؤتمر أنور السادات رئيسا له . . . هذا مفهوم .

ولكنه انتخب يوسف السباعي سكرتيرا عاما . . . ويوسف ضابط أديب بدأ حياته الصحفية في مجلة مسامرات الجيب ونشر عددا من القصص والروايات , وليس له اهتمامات سياسية مطلقا , ولم يكن من الضباط الأحرار , كان هذا اختيار جمال عبد الناصر شخصيا . . .

قال لي يوسف السباعي أنه أبلغ عبد الناصر عند إبلاغه نبأ التعيين بأنه بعيد عن السياسة ولا يهتم بها كثيرا . . . وأن الأدب يشغل حياته .

وهو اختيار يدل على الرغبة في تعيين شخص بعيد عن الاهتمام السياسي في هذا المركز الهام الذي يمكن أن يؤدي دورا أساسيا بارزا في حياة الشعوب الأسيوية والإفريقية .

وإذا كان اختيار العسكريين ضروريا فأنه كان بينهم من يستطيع بحكم ميوله الذاتية واهتماماته السابقة وخبرته في الأعوام الماضية أن يؤدي دورا ايجابيا . . . لا يترك مؤتمر التضامن الأسيوي الأفريقي في القاهرة مقرا هامشيا بلا فعالية أو أثر .

ربما كانت الخشية من زحف الأفكار اليسارية , أو الخوف من تأثير الأفكار التحررية على موقف السكرتير العام وهو في موقع لا يتبع القيادة في مصر من الوجه الرسمية أو القانونية .

الخلاف مع الشيوعيين

كان هذا الاختيار انعكاسا لظروف المرحلة , حيث اختفت كافة التنظيمات عد التنظيمات الشيوعية السرية التي مرت في عدة مراحل تنظيمية .

وكان وجود هذه التنظيمات دافعا إلى بروز عدد من الأسماء اللامعة في مجالات الفكر والثقافة والصحافة .

موقف الثورة من الشيوعيين يكاد يعتبر في هدنة . . . ولكن النظرة إلى تنظيماتهم موضع حذر , تماما مثل احتمال المؤامرات الأمريكية .

وفجرت الوحدة مع سوريا بعض التناقضات , سكرتير الحزب الشيوعي خالد بكداش عضو مجلس النواب السوري حضر إلى مصر في وفد برلماني قبل الوحدة وقابل جمال عبد الناصر , ولكنه عندما أعلنت الوحدة رحل عن سوريا .

اعتبر الشيوعيون أن الوحدة قد خدمت مصلحة كبار الملاك والرأسماليين العرب الذين تدفقوا على مصر وخاصة البرجوازية السورية التي وجدت فيها استقرارا لها ووقفا للتيار الماركسي الذي كان ينمو وينتشر هناك .

وجهات النظر المتعارضة لا تنبت بين الشيوعيين والسلطة فقط , ولكن بين الشيوعيين أنفسهم داخل تنظيماتهم المختلفة .

وعودة إلى الماضي القريب تفسر هذه الحقيقة .

فجر 23 يوليو كانت الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني ( حدتو ) قد أصدرت منشورا بتأييد الحركة الوطنية للجيش .

أما الحزب الشيوعي المصري فلم يعلم بالحركة إلا من الإذاعة والصحف حيث لم يكن هناك قسم خاص للجيش ويقول الدكتور فؤاد مرسي سكرتيره العام في ذلك الوقت أنه اصدر منشوران احدهما للجيش والآخر للشعب يطالب بالإفراج عن المسجونين والمعتقلين ومواصلة الكفاح المسلح وإعلان النظام الجمهوري . ضمن تأييد عام للحركة لم يستمر أكثر من ثلاثة أيام فقط , عندما تبين الحركة قد قررت إخراج الملك دون محاكمة , وان ذلك قد دفع الحزب الشيوعي إلى سرعة اتخاذ موقف المعارضة , بعد ثلاثة أيام فقط , صنفت فيه الحركة بأنها حركة عسكرية ستسير في اتجاه فاشي لمصلحة أعداء البلد والاستعمار الانجلو أمريكي .

ولم يقبل جمال عبد الناصر التفسيرات التي قدمت له للتمييز بين الاتجاهين . . اتجاه حدتو واتجاه الحزب الشيوعي . . إذ وجد أن ذلك أمرا يصعب تفسيره للجماهير . . وانه شخصيا غير مقتنع به وانه يطالب بموقف يصعب تفسيره للجماهير . . وانه شخصيا غير مقتنع به وانه يطالب بموقف موحد للشيوعيين . . . وكان ذلك الحديث في منزل احمد فؤاد , وقد حضرت هذا اللقاء مع عدد من المسئولين في حدتو .

كان موقف الحزب الشيوعي في ذلك الوقت شديد التطرف والتفتت , فان خروج الملك في ذاته كان يعتبر خطوة ايجابية , لا يجوز تعطيلها بدعوي ضرورة محاكمة النظام الملكي كله , في وقت لم تكن حركة الجيش فيه تستند إلى تنظيمات شعبية قوية . . ولم يكن مفروضا فيها أن تتصرف كما لو كانت قيادتها ماركسية .

ظلت وجهات النظر المختلفة إلى حركة الجيش مستمرة من جانب التنظيمات الشيوعية , ولو أن بعض الأحداث قد ساعدت على رفع شعار مشترك للمعارضة ضدها عندما أعدم خميس والبقري وصدرت القوانين المعادية للديمقراطية بوقف الدستور وحل الأحزاب . . كما أن بعض الأحداث قد جمعت الشيوعيين مع السلطة الجديدة في جهة واحدة كما حدث في مقاومة العدوان الثلاثي بعد تأميم قناة السويس عام 1956 وفي تأييد خطوات النضال ضد الأحلاف العسكرية وكسر احتكار السلاح وبداية خلق علاقات تعاون وصداقة مع الدول الاشتراكية وفي مقدمتها الاتحاد السوفييتي .

وعندما اتحد الشيوعيين عام 1958 في الحزب الشيوعي الموحد ظل هناك عدة تيارات رئيسية داخل الحزب . . تيار يقول بأن النظام هو ثالث يعتبرهم برجوازية وطنية صغيرة . حيرة الحركة العسكرية وترددها في اختيار طريق واضح انعكست مباشرة على تحليلات التنظيمات الشيوعية .

وساعد على ذلك أيضا ما تم في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي عام 1956 .

كانت إعادة تقييم دور البرجوازية الوطنية في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي , وظاهرة التفتح التي ظهرت في كلمات ماوتسي تونج بالصين دافعا إلى حدوث مراجعات فكرية في التنظيمات الشيوعية أدت إلى نبذ أفكار الرفض الكامل والجنوح إلى التأييد والتحالف .

يقول جان لاكوتير ( إن اتجاه المؤتمر العشريني قد ساعد ناصر على إلا يصبح ديكتاتورا ) .

ذلك صحيح لأنه جعل الاتحاد السوفييتي يقدم له العون على تطوير المجتمع , ولم يدعه يسقط فريسة للامبريالية يعادي بعدها كل الوطنيين والأحرار .

اصطدم التياران وفصل الحزب ممثلي الاتجاه الثاني شهدي عطية الشافعي و كمال عبد الحليم و مبارك عبده فضل و احمد رفاعي بعد 4 شهور فقط من توحيد الحزب .

وحدث لقاء مثير في أكتوبر 1958 في منزل أنور السادات بينه وبين محمود أمين العالم ممثل المكتب السياسي للحزب الشيوعي الموحد . . .

رتب المقابلة الدكتور يوسف إدريس عضو ( حدتو ) سابقا , والقريب من أنور السادات في ذلك الوقت .

امتدت المقابلة من العاشرة مساء حتى الرابعة صباحا . . . كانت جافة وحادة .

دعا أنور السادات الشيوعيين إلى دخول الاتحاد القومي كأفراد . . . وأظهر العالم استعدادهم للتعاون بشكل تنظيمي داخل الاتحاد القومي على برنامج معين محتفظين بمنبرهم المستغل .

انتهت المقابلة دون اتفاق . . .

وكانت ردود الفعل مختلفة عند الشيوعيين . . . نظر الدكتور إسماعيل صبري عبد الله إلى الموقف على أن الحكومة في حالة ضعف ولذا تلجأ للشيوعيين لتستوعبهم , فتضلل الجماهير . . . وتمادى في تحليله فتوقع أن تدعوهم للمشاركة في الحكم .

ولكن لم تكد تمضي على هذه المقابلة عدة أيام حتى بدأت حركة اعتقالات فردية للشيوعيين .

ولم يكن انفجار التناقض في مصر وحدها . . . ولكنه كان في سوريا أيضا بصورة أكثر وضوحا .

عندما حاول اللواء عفيف البزري رئيس أركان الجيش السوري إبداء رأيه في توحيد الجيش , وكان معروفا بصلاته الوثيقة مع الشيوعيين , صدر قرار جمال عبد الناصر بخروجه من الجيش ومعه الضباط اليساريون الموالون له في التفكير .

لم يصدر هذا القرار في مصر لسببين أولا أن الضباط الشيوعيين الذين ظهروا كمتعاونين في حركة الضباط الأحرار كانوا أما قد خرجوا من الجيش خلال السنوات السابقة أو ذابوا في صفوف الضباط لم يعرفهم أحد .

وبذا لم تشن حملة ضد الضباط الشيوعيين في مصر . . . ولم تشن أيضا في سوريا كما حدث في إيران عندما حوكم 650 ضابطا بتهمة الانتماء إلى حزب توده وحكم على عشرات منهم بالإعدام في أواخر 1954 , أو كما حدث في باكستان عندما حوكم عشرة ضباط منهم اللواء أحمد خان واللواء احمد والأمير الأمام لطيف في مارس 1953 بتهمة إعداد مؤامرة شيوعية ضد نظام الحكم .

لم يسلك جمال عبد الناصر سلوك القيادات الرجعية في معاملة الضباط الشيوعيين لأن سلوك الشيوعيين نحو قيادته كان مختلفا .

كان حرصهم على التعاون معه في مواقفه الوطنية يزداد وضوحا يوما بعد يوم . . . ولم تكن هناك تناقضات رئيسية بينه وبينهم .

ولكن ثورة العراق فرضت على الموقف أيضا مزيدا من الاضطراب . . . وتناقض جديد بين السلطة العسكرية في مصر والسلطة العسكرية في العراق كما سيأتي تفصيلا فيما بعد .

أدت هذه العوامل إلى تغيير جاد في مسلك الثورة مع الشيوعيين . . . وبدأ الهجوم عليهم في خطاب جمال عبد الناصر تلميحا ثم تصريحا في خطبته يوم عيد النصر في 23 ديسمبر 1959 في بورسعيد المدينة التي قام فيها الشيوعيون مع العسكريين بدور وطني بارز في مقاومة المعتدين .

وكانت جريدة المساء هي المنبر الذي يطل منه الشيوعيون على الرأي العام . . . وكتب الدكتور عبد العظيم أنيس مقالا بعنوان ( الحركة الوطنية العربية ) اعتبره جمال عبد الناصر خروجا على خط القومية العربية , وطلب من خالد محي الدين منع الدكتور عبد العظيم من الكتابة ووقعت المساء في حيرة شديدة بين اتجاهات القومية العربية , والاتجاهات اليسارية في العراق . . . بل أنها لم تنشر ما ورد في خطبة جمال عبد الناصر من هجوم على الشيوعيين يوم 23 ديسمبر 1958 في بورسعيد .

ويقول خالد محي الدين أنهم حرصوا على عدم نشر شيء إلا الأنباء المؤكدة التي تجمع عليها وكالات الأنباء .

وعندما لم تنجح ثورة الشواف في العراق , نشرت المساء ( مانشيت ) رئيسا بعنوان ( انتهت الثورة ) واعتبر جمال عبد الناصر ذلك خروجا عن الخط وقرر عزل خالد محي الدين من رئاسة المساء فأبلغه أنور السادات بذلك يوم 12 مارس 1959 .

وتوالت خطب جمال عبد الناصر تتهم الشيوعيين بالعمالة .

وفي يوم 31 ديسمبر 1958 وصل يوجين بلاك يحمل عرضا بقرض من البنك الدولي وفي ليلة رأس السنة هاجم البوليس منازل مئات من الشيوعيين تم ترحيلهم إلى المعتقلات . صرح زكريا محي الدين وزير الداخلية لسيمون لاكوتير المحررة في مجلة ( فرانس اوبزرفاير ) قائلا ( في سوريا تشكل الشيوعية خطرا أما في مصر فهي لا تزيد عن كونها مشكلة فهنا نعرف الشيوعيين كلهم ) .

وفي اليوم التالي لحركة الاعتقالات 2 يناير 1959 نشرت الصحف صورة برقيتين متبادلتين بين نيكيتا خروشوف وجمال عبد الناصر للتهنئة بمناسبة توقيع اتفاقية السد العالي .

ولكن هذه البرقيات المتبادلة لم تمنع مواصلة اتهامات عبد الناصر للشيوعيين بالعمالة , ومواصلة نيكيتا خروشوف لمهاجمة عبد الناصر في حفلات الاستقبال وفي المؤتمر الواحد والعشرين للحزب الشيوعي .

تفجر الموقف بين قائد حركة التحرر الوطني في مصر وسكرتير الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي .

ولكن جمال عبد الناصر أعلن في خطابه بميدان الجمهورية في العيد الأول للوحدة أنه أرسل خطابا إلى خروشوف وتلقى منه ردا ( قويا – على حد تعبيره – من عشر صفحات ) قرأ بعض فقراته على الجماهير بعد أن قال أن هناك أحاديث سببت بلبلة للناس مثل القول بوقف السلاح والمعونة والعلاقات الاقتصادية والمشاريع الصناعية بل والسد العلي .

قال خروشوف في رده ( إذا نظر الإنسان إلى الموقف الحالي نظرة عملية لتمكن بسهولة من أن يري أعداء الصداقة بين الاتحاد السوفييتي والجمهورية العربية المتحدة يريدون في الوقت الحاضر أن يجنوا أرباحا جشعة في الخلافات العقائدية بيننا ) . . . وقال أيضا ( أما فيما سيتعلق بموقفنا من الشيوعية في الجمهورية العربية المتحدة فان الاتحاد السوفييتي لا يرغب في ا