معركة أبو قير البحرية ومدخل للسياسه الفرنسيه تجاه مصر والحمله

 

Dr Usama Fouad Shaalan MD- PhD MiniEncyclopedia الموسوعه المصغره للدكتور  أسامه فؤاد شعلان

 

معركة أبو قير البحرية

خريطة مواقع السفن وتحركاتهم أثناء معركة خليج أبو قير, 1–2 أغسطس 1798. السفن البريطانية مبينون بالأحمر; والسفن الفرنسية بالأزرق. المواقع المتوسطة للسفن مبينة بالأحمر الباهت/الأزرق.[1]

وقعت معركة أبو قير Battle of the Nile أو معركة النيل بالإنجليزية ، (2 أغسطس 1798) ، بين القوات البحرية الإنجليزية بقيادة نلسون والأسطول الفرنسي بقيادة نابليون بونابرت على شواطئ خليج أبو قير المصري. وإنتهت بهزيمة الفرنسيين ونتائجها اعتُبرت ثورة في التكتيك البحري ، الفرنسيون أضاعوا الوقت فضاعت فرصة النصر.

خلفية تاريخية

فور عودة الجنرال الشاب نابليون بونابرت من إيطاليا في الأسابيع الأولى من العام 1798 بعد إحرازه انتصارات عسكرية باهرة ، باشر درس أوضاع القوى العسكرية الفرنسية المكلفة غزو الجزر البريطانية وتحضيرها لهذه الحملة. ولكن سرعان ما أدرك صعوبة بل استحالة تنفيذ المهمة لأسباب عديدة أهمها، ضعف القوات البحرية الفرنسية مقارنة مع البحرية الإنجليزية التي باتت تؤمن السيطرة البحرية (SEA CONTROL) وتشكل سداً منيعاً أمام أي قوة تحاول غزو بريطانيا. أضف الى ذلك الضعف الحاصل في التجهيزات اللازمة للقوة الفرنسية لتنفيذ الغزو ، وعدم توافر الأموال الكافية، والبرد القارس والأمراض المتفشية بين العناصر والتي تشكل عقبة كبيرة في تحقيق الهدف المنشود. بناء عليه ، تقدم الجنرال بونابرت في 28 شباط من العام نفسه من مجلس قيادة الثورة الفرنسية المعروف في حينه باسم "DIRECTOIRE" لعرض هذا الوضع والصعوبات التي تعترضه وتحول دون تمكينه من تنفيذ المهمة الموكلة إليه بغزو الجزر البريطانية، وقرر طرح خطة عمل بديلة لاحتلال مصر. وهكذا تحوّل هدف غزو الجزر البريطانية الى تحضير لغزو مصر. [1]

The British attack the anchored French line of battle, by Thomas Whitcombe.

مصر والسياسة الفرنسية

منذ أوائل القرن السادس عشر وبالتحديد منذ العام 1536 أو خلال عهد السلطان العثماني سليمان الأول ، كان التاج الفرنسي يتطلّع نحو منطقة الشرق الأوسط باعتبارها منطقة حيوية للمصالح الإقتصادية الفرنسية. وقد عملت فرنسا منذ ذلك التاريخ بفضل علاقات الصداقة والتحالف التي تربطها بالسلطنة العثمانية على تشجيع الاستثمارات الإقتصادية في هذه المنطقة ، لا سيما في مصر التي احتلها العثمانيون في العام 1517 ، وكذلك منطقة البحر الأحمر و سوريا و فلسطين. كما عملت على افتتاح قنصليات وإيفاد بعثات ديبلوماسية إليها وافتتاح خطوط ملاحة بحرية لتنشيط حركة التجارة البحرية معها. الى ذلك، عرضت فرنسا تمويل مشروع شق قناة السويس المقترح من قبل أحد المهندسين الأتراك في العام 1586 الذي أعيد طرحه في عهد لويس الرابع عشر، نظراً لأهميته ، ولكونه يساعد في فتح أسواق جديدة فرنسية وينشط التجارة مع الشرق الأقصى. إلا أن انشغال السلطنة العثمانية خلال هذه الفترة بالصراع العسكري الدائر في الأطراف الشمالية والشمالية الغربية ضد كل من روسيا و النمسا ، وعدم تحقيقها انتصارات حاسمة في المعارك في منطقة البلقان و بحر أزوف و البحر الأسود ، حال دون إطلاق مشاريع التنمية الفرنسية المقترحة في مصر وسوريا خلال هذه الفترة، وبدأت السلطنة تتجه للعب دور «الرجل المريض» ، الأمر الذي شجع الدول الأوروبية للالتفاف حوله لتقاسم إرثه كما حصل في العام 1914.

The French flagship L’Orient explodes, by Arnald George.

مع ذلك تابعت فرنسا تحركها لتنفيذ مشاريعها وتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط في منتصف القرن الثامن عشر لسببين رئيسيين:

الأول: توسيع بريطانيا لخطوطها البحرية في البحر المتوسط بعد انحسار النشاط البحري لمدينة البندقية التي كانت تسيطر على هذه الخطوط بافتتاح قنصلية ناشطة وفاعلة جداً لها في القاهرة لتفعيل وتنسيق الأعمال التجارية التابعة لها مع الهند.

الثاني: خسارة فرنسا لقسم كبير من مستعمراتها في العالم الجديد في أمريكا و الهند ، واضطرارها لتوقيع معاهدة باريس مع بريطانيا في العام 1763 ، وهذا ما دفع وزير خارجيتها في حينه الى السعي لوضع اليد على مصر بصورة مباشرة للتعويض عن خسارة المستعمرات المشار إليها أعلاه ، مع القبول بما ينجم عن هذا الطموح من تعريض لعلاقة الصداقة الفرنسية – التركية للتوتر.

بغية وضع هذا الهدف موضع التنفيذ كلّف البارون دي توت (DETOTT) في العام 1777 السفر بمهمة سرية لاستطلاع السواحل والمرافئ وسبر أعماقها ، إضافة الى نسج علاقات مع الحكّام المحليين المعارضين للسلطنة ولتوسيع النفوذ الفرنسي، وقام البارون بنهاية رحلته بتنظيم تقرير مفصّل عن المهمة تم نشرها تحت اسم: "LES MEMOIRES SUR LES TURCS ET LES TARTARES.

كما كلّفت البعثات الديبلوماسية والتجارية الفرنسية تنظيم تقارير مفصّلة عن أوضاع المنطقة المذكورة من كافة النواحي السياسية والعسكرية والإقتصادية والإجتماعية، وتم ضم كافة هذه التقارير الى تقرير البارون دي توت وشكّلت جميعها الملف الأساسي لحملة غزو مصر وتقرر متابعة الوضع عن كثب.

بعد مرور عشرين سنة على رحلة البارون ، ركّزت التقارير الديبلوماسية على تنامي الخلاف ما بين الحكام المحليين في مصر والسلطنة، مما دفع وزير الخارجية الفرنسية في عهد الثورة الفرنسية تاليران الى السعي مع مجلس قيادة الثورة الفرنسية الى تسويق فكرة إرسال حملة عسكرية الى المنطقة واحتلال مصر، مع التركيز على الهدف الرئيسي لهذه الحملة، وهو ضرب المصالح البريطانية الاقتصادية وقطع خطوط مواصلاتها التجارية مع الهند، وذلك كهدف بديل لاجتياح الجزر البريطانية.

بعد مناقشات عديدة مع مجلس قيادة الثورة الفرنسية شارك فيها كل من الوزير الفرنسي تاليران والجنرال بونابرت، اتخذ مجلس قيادة الثورة الفرنسية في 12 آذار 1798 قراراً بإطلاق حملة الغزو على مصر بقيادة بونابرت ، وكلّف هذا الأخير بتنفيذ ما يلي:

– احتلال جزيرة مالطا لتأمين قاعدة خلفية لإمداد الحملة العسكرية.

– احتلال مصر وطرد الإنجليز منها ، وضرب كافة المصالح الإقتصادية التابعة لهم فيها وفي الدول المجاورة على الساحل الشرقي للبحر المتوسط.

– شق قناة السويس لربط الملاحة ما بين البحر المتوسط و البحر الأحمر ودرس تحقيق أهداف بعيدة لاحقاً.

– تحسين الأوضاع الإقتصادية والمعيشية لسكان مصر والدول المجاورة لدفعهم لتعميق تحالفهم مع فرنسا.

حددت الخطة المدة اللازمة لتحقيق هذه الأهداف بستة أشهر ، وقرر مجلس قيادة الثورة الفرنسية المباشرة فوراً بتوثيق الصلات الدبلوماسية الفرنسية مع الحاكم المصري المحلي ، إضافة الى تكليف وزير الخارجية الفرنسي تاليران بالقيام بزيارة الى اسطنبول لشرح أهداف الحملة العسكرية الفرنسية الى مصر ، والتأكيد أنها غير موجهة ضد مصالح السلطنة العثمانية ، وبالتالي تأكيد التزام فرنسا بالتحالف الستراتيجي القائم منذ فترة طويلة مع السلطنة العثمانية.

A True Position of the French Fleet as they were moored near the Mouth of the Nile and the manner in which Lord Nelson formed his attack on them, by Robert Dodd

التحضير لانطلاق الحملة العسكرية الفرنسية

اتسمت الأسابيع التي سبقت انطلاق الحملة الفرنسية على مصر بحركة متواصلة ومنقطعة النظير للقائمين على قيادتها ، وفي مقدمهم بونابرت الذي كان يعمل في باريس على تنسيق كافة الأعمال المتعلقة بالحملة وتجهيزها للإنطلاق من مختلف المرافئ ، مع اعتبار مرفأ طولون الفرنسي قاعدة انطلاق رئيسية إضافة الى باقي المرافئ مثل مرسيليا و أجاكسيو (في جزيرة كورسيكا) و جنوى و شيفيتافيكا في إيطاليا.

كما تولى تنسيق الأعمال الإدارية واللوجستية ببراعة كبيرة الضابط القيّم ناجاك ، أما تحضير الأسطول المكلّف نقل القوى العسكرية الفرنسية والسهر على جهوزية المراكب وطواقمها وأسلحتها وتدريبها، فقد أوكل الى الأميرال برويس الذي سجلت له أعمال بحرية باهرة خلال قيادته البارجة «دي غراس» في العامين 1781 و1782، كذلك في البحر الأدرياتيكي في العام 1797.

وقد عمل الأميرال المذكور على تجميع أكبر عدد ممكن من المراكب العسكرية التي تم إنقاذها بعد تحرير مرفأ طولون من الإحتلال الإنكليزي في العام 1793 على يد نابليون، وكذلك المراكب العسكرية والمدنية التي تم الإستيلاء عليها خلال الحملات العسكرية على إيطاليا والتي كانت عائدة لإمارات جنوى وبيزا و نابولي والدولة البابوية. وفي النهاية تم تجميع 13 مركباً حربياً كبيراً (بما فيها المركب الذي يعتبر زهرة المراكب الحربية الفرنسية "LORIENT والمسلّح بـ120 مدفعاً)، إضافة الى ستة مراكب حربية متوسطة الحجم للحراسة والمواكبة، و400 مركب شحن تجاري لنقل القوى العسكرية والمعدات المؤلفة من 38 ألف عنصر و1200 حصان مع المؤن والذخائر اللازمة للحملة.

وتم أيضاً تجميع حوالى 13 ألف بحار لتأليف طواقم المراكب العسكرية والمدنية التي يبلغ عددها حوالى 500 مركب. ونظراً لتطويع العديد من البحارة على وجه السرعة وبخبرات محدودة في المجال البحري، اعتبر هذا العدد غير كاف وقدر النقص الحاصل واللازم للرحلة من البحارة بنحو ألفين إضافيين. ولتعويض النقص في العديد وفي خبرة وتدريب الطواقم، عمل قائد القوى البحرية للحملة الأميرال برويس على الإستفادة الى أقصى الدرجات من قدرات وطاقات الضباط المميزين الذين اختارهم لمرافقته في الرحلة.

وبينما كان الأسطول الفرنسي ينهي كافة التحضيرات المتعلقة بالحملة ويستعد للإبحار، كانت بريطانيا تعيش أجواء خوف ورعب على كافة الصعد المدنية والحكومية والعسكرية.

Nelson coming on deck at the Battle of the Nile, 1st August 1798, by Daniel Orme. In the background L’Orient burns

أجواء بريطانيا خلال مرحلة تحضير القوى الفرنسية للإبحار

بحسب الصحافة البريطانية في حينه، سادت الأوساط الشعبية والحكومية وأوساط قيادة البحرية البريطانية ووزارة الدفاع، أجواء من القلق والخوف الكبيرين فور عودة الجنرال بونابرت من إيطاليا، فالخطوة اللاحقة له كانت.

كما هو معروف غزو الجزر البريطانية. لذلك سارعت الحكومة البريطانية الى طلب تبرعات مالية فورية من المتمولين البريطانيين والشركات القادرة على المساعدة في تغطية النفقات الحربية الطارئة في مجال الدفاع عن بريطانيا ضد الغزو الفرنسي المرتقب. وفي هذا المجال قدّم الملك جورج الثالث ثلث ثروته كدعم للإمكانيات الدفاعية. كما شجعت الحكومة إنشاء الميليشيات الشعبية في المدن والمناطق الساحلية لمساندة الجيش النظامي في الدفاع عن بريطانيا.

قائد القوى البحرية الإنكليزية في حينه الأميرال سبنسر اتخذ تدابير استثنائية في مجال الأسطول الحربي للتصدي لأي محاولة بحرية فرنسية لتنفيذ إنزال على الجزر البريطانية.

وكلّف لهذه الغاية قائد الأسطول البريطاني في البحر المتوسط الأميرال جرفيس إرسال عدة مراكب حربية بقيادة أفضل ضابط بحري من مساعديه بمهمة التواجد مقابل مرفأ طولون الفرنسي لمراقبة تحرك الأسطول الفرنسي والإستعدادات الجارية هناك عن كثب وبصورة مباشرة، والإفادة تباعاً من هذه الإستعدادات والتحركات واتخاذ كافة الإجراءات البحرية اللازمة لمنع المراكب الفرنسية من الإبحار والتوجه الى إسبانيا لفك الحصار عن المراكب الحربية الإسبانية في كاديز أو الإلتحاق في برست بباقي الأسطول الفرنسي الموجود هناك.

وقد اختار الأميرال جرفيس لهذه المهمة الأميرال نلسون وأرسله بسرعة على رأس قوة بحرية مؤلفة من ثلاث مدمرات وفرقاطتين.

إن ما دفع بالسلطات البريطانية الى إعلان التعبئة العامة ومباشرة الاستعداد للدفاع عن الجزر البريطانية ضد الغزو الفرنسي، هو التحرك العسكري الفرنسي المكثّف الجاري علناً في مرفأ طولون بعد عودة الجنرال بونابرت من إيطاليا وتحقيقه الإنتصارات الساحقة على جيوش الإمارات الإيطالية.

وقد تعمدت وزارة الحرب الفرنسية تسريب هذه التحضيرات الى الصحافة الفرنسية حتى بعد اتخاذ قرارها الضمني بتعديل الهدف الرئيسي للحملة لاحتلال مصر، وذلك بهدف تضليل السلطات العسكرية البريطانية وتأمين عنصر المفاجأة للحملة العسكرية الفرنسية، وراحت الأوساط القريبة من نابليون تسرب شائعات مغلوطة عن عزمه احتلال صقلية واحتمال تنفيذ غزو للبرتغال وحتى السيطرة على جبل طارق باعتباره نقطة استراتيجية بحرية هامة.

الأسطول الإنجليزي

السفينة المدافع القائد الهوامش
Vanguard 74 Capt. Edward Berry Nelson’s flag-ship
Alexander 74 Capt. Alexander Ball
Audacious 74 Capt. Davidge Gould
Bellerophon 74 Capt. Henry D’Esterre Darby Dismasted
Culloden 74 Capt. Sir Thomas Troubridge Ran aground, took no part
Defence 74 Capt. John Peyton
Goliath 74 Capt. T. Foley
Majestic 74 Capt. George Blagdon Westcott Captain killed
Minotaur 74 Capt. Thomas Louis
Orion 74 Capt. Sir James Saumarez 2nd in command
Swiftsure 74 Capt. Benjamin Hallowell
Theseus 74 Capt. Ralph Willet Miller
Zealous 74 Capt. Samuel Hood
Leander 50 Capt. Thomas Boulden Thompson
Mutine 16 Lt. Thomas Hardy Assisted Culloden, took no part

[1]

التحضيرات الفرنسية لإبحار حملة الغزو الفرنسية

انشغال القيادة العسكرية البريطانية بالاستعداد لتحسين دفاعاتها في الجزر البريطانية وإعطائها هذه التحضيرات الأفضلية في تحركها، حال دون المباشرة الفورية بتعزيز مجموعة الأميرال «نلسون» المكلفة بمراقبة الأسطول الفرنسي، واقتصرت قوى هذه المجموعة على بضع مراكب غير كافية لتخوض معركة حاسمة وفاصلة ضد البحرية الفرنسية التي كانت تستعد بصورة علنية للإبحار.

عمل الأميرال نلسون على تواجد المراكب المتوافرة لديه مقابل مرفأ طولون وجواره لمراقبة استعدادات الأسطول الفرنسي الذي بدأ بالتحرك بتاريخ 19 مايو. وقد ساعد الهواء الذي يهب من البر نحو البحر بقوة والمعروف باسم "ميسترال" المراكب الشراعية الفرنسية للخروج من المرفأ، وكان من حسن طالع الجنرال نابوليون فعلاً أن تسببت رياح "Mistralس بالتقائها مع الرياح البحرية بعاصفة محدودة،

مما سبـب صعوبـات في الرؤية للأسطـول البريطاني إضافـة الى تضرر مركب القيادة الذي يستقلـه الأميرال نلسون مما اضطر هذا الأخير للاحتماء خلف جزيـرة سان بياد بغية إصلاح العطل، وبذلك فقد اثر الحملـة البحرية الفرنسية بعد خروجها من مرفأ طولون، لكن الأميرال نلسون لم يفقد الأمل وسارع على الفور الى إفادة قيادته عن انطلاق المراكب الفرنسية وطلب تعزيز قوته البحريـة. وفور إصلاحه أعطال مركب القيادة، انطلـق في البحر في 24 أيار لملاحقة المراكب الفرنسية التي غابت عن أنظاره، معتمـداً على اتجاه إبحار هذه الأخيرة بعد الاستعلام عنه من المتعاملين مع البحرية البريطانية.

في 28 مايو علم نلسون ان المراكب الفرنسية اتجهت جنوباً مقابل السواحل الإيطالية في بحر التريني. وفي يونيو كانت وصلت التعزيزات الحربية البحرية الى الأميرال نلسون بناء لطلبه، وهي عبارة عن إحدى عشر مركباً حربياً انطلق بها بأقصى سرعة ممكنة بواسطة فتح كافة الأشرعة لملاحقة الأسطول الفرنسي الذي كان يتحرك بسرعة متوسطة. وصل نلسون مقابل "CIVITAVECCHIAس في14حزيران،

وعلم من جواسيسه في المنطقة ان نابليون متجه لاحتلال صقلية الغربية وشوهدت مراكبه تمر عبر مضيق مسينا. ولدى توقف المراكب الإنلكيزية في نابولي لمدة ثلاثة أيام للتزود بالمؤن المختلفة اللازمة لمواجهة الأسطول الفرنسي واستقصاء معلومات عنه، علم نلسون أن بونابرت موجود في مالطا وقد احتلها من دون أي مقاومة. قيادة البحرية الإنكليزية التي كانت تتابع الموضوع عن كثب، اعتقدت ان نابليون مصمم على احتلال كافة النقاط الستراتيجية الموجودة غربي البحر المتوسط تمهيداً للإنطلاق بعدها الى غزو الجزر البريطانية. لكن توقعات الأميرال نلسون كانت مختلفة، وكان لديه قناعة راسخة أن هدف نابوليون التالي هو احتلال مصر بغية مسك خطوط المواصلات التجارية والإقتصادية الإنكليزية الى مستعمراتها في الهند.

الأسطول الفرنسي

السفينة المدافع هوامش
Line of Battle
L’Orient 118 Flagship, Capt. Casabianca, Blew up 1 August
Franklin 80 اُسِرت 2 أغسطس
Tonnant 80 Aristide Aubert Du Petit Thouars, اُسِرت 3 أغسطس
Aquilon 74 اُسِرت
Guerrier 74 اُسِرت 2 أغسطس, اُغرقت (حرقاً) 18 August
Heureux 74 Captured 3 August, scuttled (burnt) 16 August
Spartiate 74 اُسِرت
Peuple Souverain 74 اُسِرت
Mercure 74 اُسِرت 3 أغسطس, scuttled (اُحرقت) 18 August
Conquérant 74 اُسِرت
Généreux 74 أفلتت
Guillaume Tell 80 أفلتت
Timoléon 74 شحطت براً ودُمِرت (تم تفجيرها) 3 أغسطس
الفرقاطات
Artémise 36 استسلمت ولكن شحطت براً ودمرت (تم تفجيرها) 3 أغسطس
Justice 44 أفلتت
Diane 38 أفلتت
Sérieuse 36 أغرقتها Orion 1 أغسطس, اُحرقت لاحقاً
Brigs
Alerte 12
Railleur 14 أفلتت
Hercule 7 اُغرقت
Salamine 18 أفلتت
Also several Gunboats

إنطلاق الحملة الفرنسية الى مصر

انطلق نابوليون بعد السيطرة على مالطا باتجاه مصر في 19 حزيران سالكاً طريقاً غير مباشرة إليها بغية تضليل المراقبة، واتجه باتجاه الشمـال الشرقي معرجـاً أمام سواحل كريت، ثم اتجه جنوباً لبلوغ الشواطئ المصرية من الجهة الشمالية، وذلك تلافياً للوقوع في كمين قد ينصب له من قبل البحرية البريطانية، في حال كشفت حقيقة تحركاته، وكان نابوليون يدرك جيداً مدى التفوّق البريطاني على الأسطول الفرنسي في البحر.

فور بلـوغ الأميرال نلسـون خـلال تواجـده في نابولي للتزوّد بالمؤن خبر مغادرة نابليون جزيرة مالطا وإبحاره شرقاً، أيقن صوابيـة توقعـاتـه بأن احتـلال مصر هو الهدف الأساسي للحملة الفرنسية. فسارع على الفور للحاق بنابليون وبأقصى سرعة بهدف اعتراضه وتدمير مراكبه في البحر قبل إنزال قواته الى الشاطئ.

لكن الحـظ شـاء هـنا أيضاً وكذلك العـناية الإلهية عدم التقاء الأسطولين في البحر إذ مرا ليل 22 – 23 على مسافات قريبة نسبياً من بعضهما البعض خلال مسارهما جنوبي جزيرة كريت باتجاه السواحل المصرية من دون أن يشعر أو يشاهد أحد منهما الآخر.

ونتيجة اختلاف المسارين وصل الأميرال نلسون بتاريخ 28 يونيو مقابل مرفأ الإسكندرية وكانت دهشته كبيرة عندما تبين له خلو المرفأ والشاطئ من أي وجود فرنسي، باستثناء بعض المراكب التركية الصغيرة. اعتقد نلسون عندها إن نابليون خدعه بانطلاقه شرقاً من مالطا بغية تضليله عن هدفه المرتقب القادم والقاضي باحتلال غربي صقلية. ووفقاً لتوقعات قيادة البحرية البريطانية وبعد القيام بجولة تفتيشية سريعة عن الفرنسيين على الشواطئ المصرية في جوار الإسكندرية، غادر مصر متوجهاً بأقصى سرعة غرباً باتجاه صقلية وكان ذلك بتاريخ 29 يونيو.

في هذه الأثناء كانت طلائع المراكب الفرنسية القادمة من الشمال تقترب من السواحل المصريـة حيث وصل مركب القيادة الذي يحمل نابوليـون والمعروف بـ"LA JUNONس السواحل المصرية يوم مغادرة الأسطول البريطاني وإنما بعد ساعتين فقط، ولم يشاهد أي طرف الآخر بالرغم من إن المسافة التي تفصل بينهما لا تتعدى العشرين ميلاً بحرياً، فالرادار البحري وكذلك وسائل الإتصال اللاسلكي لم تكن موجودة ومعروفة في حينه، وكانت المراقبة البحرية تتم بواسطة النظر وترتكز على الإستعلام.

وصلت المجموعة الرئيسية من المراكب الفرنسية الى مقابـل مرفـأ الإسكندريـة بتاريخ 1 تمـوز وأعطى نابليـون فوراً الأمـر بمباشرة إنـزال القوى والأعتـدة الى البر وقد استغرقـت هذه العمليـة ثلاثـة أيـام. وبينما كان نابليون يستعد للمعركة البرية ضد المماليك على البر ومباشرة زحفه جنوباً لاحتلال القاهرة، طلب من قائد الأسطول الفرنسـي وضع مراكبه في مكان آمن، على مقـربة من القوى التي تم إنزالها لاستعمالها عند أي طارئ، واقتـرح عليه إدخال هذه المراكب الى مرفأ الإسكندرية القديم إذا كانت أعماق المرفأ تسمـح بذلك وحيث ستكـون تحت حماية المدفعيـة البرية الفرنسية ضد أي هجوم إنكليزي محتمل عليهـا من جهة البحـر.

لكـن الأميرال برويس أبـدى رغبته بنقل المراكـب الفرنسية الى كورفـو في اليونان حيث ستكون بوضع آمن وعلى مسافة قريبة للتدخل، فقد كان لديه شك في إمكانية إدخالها الى مرفأ الإسكندرية، هذا الرأي أغضـب نابليـون الذي طـلب مباشـرة درس إمكانية إدخال المراكب الى الإسكندرية.

وبانتظار معرفة نتيجة مسح أعماق مرفأ الإسكندرية أعطى الأميرال الفرنسي توجيهات الى مراكب الأسطول الفرنسي بالرسو شمالي شرقي مرفأ الإسكندرية في خليج أبو قير.

وبدلاً من الإنكباب فوراً على دراسة أعماق مدخل مرفأ الإسكندرية وأحواضه بسرعة، راح البحارة الفرنسيون يهتمون بصيانة مراكب الأسطول الحربي إضافة الى زيارة البر المصري للتعرف عليه، بينما تمت أعمال مسح الأعماق ببطء. ويعود ذلك الى مستوى الإنضباط المنخفض لدى طواقم البحارة التي تم تجنيدها للحملة بصورة عشوائية وعلى عجل، والتي لم تتأقلم بصورة تامة مع الحياة العسكرية لجهة التجاوب بدقة في تنفيذ الأوامر المطلوبة منها.

وفـي هذه الأثنـاء كان الأسطول البريطاني يبحر بأقصـى سرعـة ممكنـة باتجاه جزيرة صقلية بقيادة الأميرال نلسون الذي عاد مجدداً يرجـح توجه الحـملة الفرنسية الى مصر.

استـغل نلسـون توقفـه في صقلية لتـزويد مراكبه بالمؤن والمياه الحلوة وانطلق مجدداً باتجاه الشرق فكان وصوله الى الإسكندرية في الأول من آب الساعة 14:45.

المواجهة البحرية بين الأسطولين الفرنسي والبريطاني

يمتد خليج أبو قير على مسافة 18 ميلاً بحرياً (33.3 كلم) من جزيرة أبو قير (أو جزيرة نلسون) حتى رشيد في الجنوب الشرقي، وقد انتشرت فيه المراكب الفرنسية مقابل الشاطئ وفقاً لترتيب الرتل، من دون أخذ احتياطات قتالية، على اعتبار أن هذا التوقف مؤقت.

فور وصوله الى خليج أبو قير، قرر نلسون مباشرة الإستعداد لمهاجمة الأسطول الفرنسي المتوقف على الياطر في الخليج مستفيداً من الرياح المؤاتية.

في الجانب الفرنسي، وبعد عقد اجتماع حرب عاجل أصر الأميرال برويس على مواجهة الأسطول البريطاني من قبل المراكب الفرنسية وهي متوقفة على الياطر خلافاً لرأي دي شايلا الذي اقترح رفع الأشرعة ومواجهة الأسطول البريطاني في البحر. كما أن القائد الفرنسي استبعد حصول المواجهة البحرية فوراً نظراً لقرب حلول الظلام وصعوبة خوض معركة ليلية من قبل السفن الشراعية البريطانية.

واعتبر أن ذلك سيسمح له بالاستعداد ورفع الجهوزية في مجال العناصر التي أوعز إليها بالالتحاق فوراً بالمراكب، إضافة الى ذلك كان هنالك شعور لدى القادة الفرنسيين بتفوقهم على الأسطول البريطاني بفضل الدارعات المرافقة للأسطول الفرنسي والتي لإحداها 120 مدفعاً الى ثلاث أخريات لكل منها 80 مدفعاً؛ ومقابل 17 مركباً فرنسياً كان لدى نلسون 15 مركباً جميعها من القياس المتوسط ومسلحة تسليحاً متوسطاً (نحو 46 مدفعاً لكل منها). كان الأميرال الفرنسي يخشى مهاجمة أسطوله من المؤخرة أي من جهة الجنوب، لذلك عمد الى تركيز مراكبه القوية في الوسط لتأمين مساندة المؤخرة عند الضرورة وبذلك تم إهمال مقدمة الأسطول. جهوزية المراكب الفرنسية من الطواقم البحرية لم تكن تتعدى 50% نظراً لإرسال باقي العناصر للتزود بالمؤن، وكانت قد نفذت في معظمها أعمال طلاء لأقسامها الخشبية وبالتالي كانت عرضة للالتهاب السريع كون الطلاء لم يجف بصورة تامة.

بعدما تحقق نلسون من نقاط الضعف الموجودة في الجانب الفرنسي (ترك مسافات كبيرة بينها، بعدها عن مساندة المدفعية الساحلية، إمكانية استعمال اللسان البحري بينها وبين الشاطئ) قرر مهاجمة مقدمة الأسطول الفرنسي بدون تأخير ومن الجهتين، وبدأ المواجهة البحرية الساعة 18.30. وقد قامت ثمانية مراكب بريطانية بإحاطة خمسة مراكب فرنسية وإمطارها بالقذائف من الجهتين في آن واحد وعلى مسافات قريبة جداً يمكن معها استعمال المسدسات الصغيرة. وقد راهن نلسون على خبرة قادة مراكبه العالية في مجال المناورة وتنفيذ أوامره بحذافيرها.

بالرغم من مفاجأة الفرنسيين بالهجوم الليلي غير المتوقع وبالرغم من تدني مستوى جهوزية مراكبهم بالعديد فقد، خاضوا المعركة بكل شجاعة وتصميم ملحقين إصابات مباشرة بالمراكب البريطانية.

وحوالى الساعة 20.00 أحاط مركبان بريطانيان بمركب القيادة الفرنسية «الشرق» وأمطراه بقذائف مباشرة أدت الى مقتل قائد الأسطول الفرنسي برويس على الفور، واستمرت المواجهة العنيفة بين هذه المراكب، الى أن أصابت إحدى القذائف البريطانية مستودع الذخيرة على مركب القيادة الفرنسي مما أدى الى حصول انفجار كبير فيه وتلاشي أجزائه، وبالتالي مقتل معظم طاقمه البالغ عدده نحو ألف عنصر. وقد دوى صوت انفجار مركب القيادة في المنطقة محدثاً ذهولاً كبيراً لدى السكان على البر.

بعد تدمير مركب القيادة الفرنسية وشل أو أسر مراكب المقدمة، انتقلت المراكب البريطانية مجتمعة لتركيز الهجوم على وسط المراكب الفرنسية ومؤخرتها، وعند بزوغ الفجر سجل شل واستلام باقي المراكب الفرنسية. وجاءت حصيلة المعركة البحرية تدمير بارجتين ومدمرتين فرنسيتين وأسر تسعة مراكب مع ثلاثة آلاف بحار. كما قتل خلال المعركة 1700 بحار فرنسي بينهم قائد الأسطول الأميرال برويس.

في الجانب الإنكليزي سجل مقتل 288 عنصراً وجرح نحو ألفين، وبالرغم من عدم خسارتها أي مركب إلا أن ثلثي المراكب البريطانية أصيبت خلال المواجهات إصابات مباشرة، وأصبحت بحاجة الى إجراء تصليحات فيها، وقد أصيب خلال هذه المعارك الأميرال نلسون إصابة بليغة.

عمد نلسون الى إرسال إحدى سفن الأسطول "LEANDER" الى نابولي لإبلاغ القيادة بالنصر الذي حققه ضد البحرية الفرنسية، ولكن هذا المركب تعرّض للأسر من قبل قائد فرنسي تمكن من الهرب بمركبه فور بدء المعركة البحرية وتدمير مركب القيادة.

تقييم نتائج المعركة

مما لا شك فيه أن النتائج الباهرة التي حققها الأميرال نلسون في معركة أبو قير أحدثت ثورة في مجال التكتيك البحري في حرب السفن الشراعية والتي كانت تعتمد على نظريات رودنيي القائمة على استعمال تشكيل الرتل للسفن ومواجهة السفن المعادية بعد الإقتراب منها.

فقد ارتكز الأسلوب المتبع من قبل نلسون على ما يلي:

– التقدم نحو المركب المعادي وإحاطته من الجهتين اليمنى واليسرى.

– تكثيف القوى المهاجمة على المراكب المعادية بحيث يتم مهاجمتها بعدد مضاعف من المراكب.

– توزيع المراكب المهاجمة بدقة لإحاطة المراكب المعادية من الجهتين، والإستفادة من المسافات المتروكة بينهما مما سهّل مناورة السفن المهاجمة.

– اتخـاذ قرار المهاجمـة ليلاً خلافـاً لما كـان معـهوداً في المعـارك البحريـة الشراعيـة في حينه، مما وفّـر له عنصـر المفاجـأة.

في المقابل يجمع المحللون الفرنسيون على أن الخطأ الرئيسي الذي ارتكبه الفرنسيون في هذه المعركة هو إضاعة الوقت فور وصول الحملة الفرنسية وعدم تأمين المراكب في مرفأ الإسكندرية تحت حماية المدفعية البرية الفرنسية، إذا كانت الأعماق تسمح بذلك، أو نقلها الى مرفأ كورفو في اليونان. ويتحمل مسؤولية ذلك في الدرجة الأولى الأميرال برويس كونه قائد الأسطول خصوصاً أنه كان لديه نحو شهر لحل هذه المشكلة، إلا أنه بقي متردداً حيال تأمين سلامة مراكبه فترة طويلة.

ولكن نابوليون الذي يعتبر قائد الحملة يتحمل جزءاً من هذه المسؤولية، فقد كان في هذه الأثناء منغمساً في معاركه البرية ضد المماليك ويتقدم جنوباً لاحتلال القاهرة، وكان يرغب بإبقاء الأسطول على مقربة منه في حال هزيمته في المعارك. ويقال إنه بعد تحقيقه الإنتصارات في المعارك البرية أوفد رسولاً الى الأميرال برويس لإبلاغه ضرورة تأمين المراكب ولو في كورفو في اليونان، لكن هذا الرسول لم يصل الى الإسكندرية بعد وقوعه في مكمن نصبه المماليك. وخلال وجود نابوليون في جزيرة سانت هلينا وخلال إعادة إستعراضه الأحداث والمعارك التي خاضها سابقاً وفي حديثه عن معركة أبو قير، حمّل الأميرال برويس مسؤولية تدمير الأسطول الفرنسي، وقال إن استشهاده في المعركة عوّض عن الخطأ الذي ارتكبه.

بالنسبة لنتائج معركة أبو قير على حملة نابوليون، فإن خسارة الأسطول البحري الفرنسي أفقدت نابوليون الوسيلة التي كانت تؤمن له التواصل والمواصلات مع فرنسا، ومع أن نتائج هذه الخسارة لم تظهر بصورة فورية فالحملة برمتها حكم عليها بالفشل.

وسرعان ما بدأت تظهر نتائج ذلك الفشل لدى قيام نابوليون بحملته على فلسطين وسوريا وحصاره مدينة عكا، فقد عملت البحرية البريطانية على إمداد هذه القلعة من البحر وكذلك ضرب المواصلات البحرية التي تؤمن الدعم اللوجستي للحملة الفرنسية والتي سرعان ما انكفأت مجدداً الى مصر بسبب عدم تحقيقها نتائج ملموسة على الأرض. عمد بعد ذلك الإنكليز الى تحقيق السيطرة على البحر المتوسط. وإنطلاقاً من البحر عمدوا الى السيطرة التدريجية على أهم المواقع الفرنسية التي راحت تسقط في أيديهم تباعاً من كورفو 1799 و مالطا 1800 الى مصر 1801.

بن خلدون ولد في تونس و نبغ و مات فى مصر واصله من حضرموت وعائلته عاشت فى اشبيليه

Dr Usama Shaalan(Papyrus) برديه الدكتوراسامه شعلان
عبد الرحمن بن محمد بن خلدون المؤرخ الشهير ورائد علم الاجتماع الحديث الذي ترك تراثا مازال تأثيره ممتدا حتى اليوم. ولد في تونس عام 1332 وعاش في اقطار ( شمال افريقيا) أسرة ابن خلدون أسرة ذات نفوذ في إشبيلية في الأندلس تنحدر من أصل يمني حيث كانت تعيش في حضرموت في الهجرين، عقب بداية سقوط الأندلس بيد الإسبان، هاجر بنو خلدون إلى تونس التي كانت تحت حكم الحفصيين.

امتاز ابن خلدون بسعة اطلاعه على ما كتبه الأقدمون وعلى أحوال البشر وقدرته على استعراض الآراء ونقدها، ودقة الملاحظة مع حرية في التفكير وإنصاف أصحاب الآراء المخالفة لرأيه. وقد كان لخبرته في الحياة السياسية والإدارية وفي القضاء، إلى جانب أسفاره الكثيرة في شمالي إفريقية وغربيها إلى مصر والحجاز والشام، أثر بالغ في موضوعية وعلمية كتاباته عن التاريخ وملاحظاته.

كان ابن خلدون عالم اجتماع وهو أول من وضع علم الاجتماع على أسسه الحديثة حيث خرج بنظرياته الاجتماعية حول قوانين العمران ونظرية العصبية وملاحظاته الدقيقة حول قيام وسقوط الدول وأعمارها وأطوارها. وقد ذكر له المؤرخون كتبًا مختلفة في الحساب والمنطق والتاريخ ولكن أهم وأشهر كتبه هو كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر ويقع الكتاب في سبعة مجلدات أولها المقدمة التي تشغل ثلث حجم الكتاب وهي التي حققت له الشهرة العريضة وقد شملت الجغرافية الرياضية والعمران والفلك والأقاليم السبعة وأثر الأقاليم والوسط الجغرافيّ في حياة البشر، والجغرافيا الاقتصادية مثل: أثر الهواء في أخلاق البشر، وفي اختلاف أحوال العمران، وفي الخصب والجوع وما ينشأ عن ذلك من الآثار في أبدان البشر وأخلاقهم.

يعد ابن خلدون المؤسس لعلم الاجتماع وسبقت آراؤه وأفكاره ما توصل إليه اوگست كونت بعد ذلك بعدة قرون. [1]

النشأة
ولد ابن خلدون في تونس عام 1332م وينتمي إلى فرع من قبيلة كندة وكان أجداده يعيشون في حضرموت قبل الإسلام. دخل أجداده الأندلس، وبسقوط أشبيليا انتقلوا إلى تونس. وفيها درس العربية والقرآن، والفقه، والحديث ودرس العلوم العقلية والمنطق. عاش ابن خلدون في بيئة مضطربة سياسيًا وإمارات متنافسة ومتنازعة فيما بينها. قاده طموحه إلى تقلد بعض المناصب منها كاتب ابن إسحاق سلطان تونس عام 752هـ،1351م، ثم انتقل كاتبًا لأبي عنان سلطان فاس 756هـ، 1355م كما تقلد مناصب مختلفة من أهمها كاتب سر السلاطين في غرناطة 764هـ، 1362م ثم انتقل إلى بجاية 766هـ، 1364م وعاد إلى غرناطة 776هـ،1374م، ولم يطل به المقام بها وما لبث أن عاد قافلاً إلى تونس، حيث اعتزل السياسة وتفرغ للإنتاج العلمي، وعزل نفسه في قلعة أولاد سلامة لمدة أربع سنوات ألّف خلالها مقدمته المشهورة. غادر بعدها تونس متوجِّهًا إلى القاهرة عام 784هـ،1382م وقد كانت المركز الإسلامي الأول في ذلك الوقت، ثم زار الأماكن المقدسة في الحجاز وعاد إلى القاهرة ثانية. [1]

فكره وفلسفته
كانت لابن خلدون فلسفته الخاصة والتي بنى عليها بعد ذلك أفكاره ونظرياته في علم الاجتماع والتاريخ، حيث عمل على التجديد في طريقة عرضهم، فقد كان رواة التاريخ من قبل ابن خلدون يقومون بخلط الخرافات بالأحداث، هذا بالإضافة لتفسيرهم التاريخ استناداً إلى التنجيم والوثنيات، فجاء ابن خلدون ليحدد التاريخ بأنه “في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها” ، وذلك لأن التاريخ “هو خبر عن المجتمع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة هذا العمران من الأحوال”.

وعلى الرغم من اعتراض ابن خلدون على آراء عدد من العلماء السابقين إلا أنه كان أميناً سواء في عرضه لهذه الآراء والمقولات أو نقده لها، وكان يرجع أرائهم الغير صحيحة في بعض الأمور نظراً لجهلهم بطبائع العمران وسنة التحول وعادات الأمم، وقواعد السياسة وأصول المقايسة.

سعى ابن خلدون دائماً من أجل الإطلاع والمعرفة فكان مطلعاً على أراء العلماء السابقين، فعمل على تحليل الآراء المختلفة ودراستها، ونظراً لرحلاته في العديد من البلدان في شمال إفريقيا والشام والحجاز وعمله بها وإطلاعه على كتبها، فقد اكتسب العديد من الخبرات وذلك في عدد من المجالات سواء في السياسة أو القضاء أو العلوم، فجاءت أفكاره التي وصلت إلينا الآن تتمتع بقدر كبير من العلم والموضوعية.

شغل ابن خلدون عدد من المهام أثناء حياته فتنقل بين عدد من المهام الإدارية والسياسية، وشارك في عدد من الثورات فنجح في بعضها وأخفق في الأخر مما ترتب عليه تعرضه للسجن والإبعاد، تنقل ابن خلدون بين كل من مراكش والأندلس وتونس ومن تونس سافر إلى مصر وبالتحديد القاهرة ووجد هناك له شعبية هائلة فعمل بها أستاذاً للفقه المالكي ثم قاضياً وبعد أن مكث بها فترة أنتقل إلى دمشق ثم إلى القاهرة ليتسلم القضاء مرة أخرى، ونظراً لحكمته وعلمه تم إرساله في عدد من المهام كسفير لعقد اتفاقات للتصالح بين الدول، ومن بين المهام التي كلف بها تمكن ابن خلدون من إيجاد الوقت من أجل الدراسة والتأليف.
انظر أيضاً: مقدمة ابن خلدون
قدم ابن خلدون عدد من المؤلفات الهامة نذكر من هذه المؤلفات “المقدمة” الشهيرة والتي قام بإنجازها عندما كان عمره ثلاثة وأربعون عاماً، وكانت هذه المقدمة من أكثر الأعمال التي أنجزها شهرة، ومن مؤلفاته الأخرى نذكر “رحلة ابن خلدون في المغرب والمشرق” وقام في هذا الكتاب بالتعرض للمراحل التي مر بها في حياته، حيث روى في هذا الكتاب فصولاً من حياته بجميع ما فيها من سلبيات وإيجابيات، ولم يضم الكتاب عن حياته الشخصية كثيراً ولكنه عرض بالتفصيل لحياته العلمية ورحلاته بين المشرق والمغرب، فكان يقوم بتدوين مذكراته يوماً بيوم، فقدم في هذا الكتاب ترجمته ونسبه والتاريخ الخاص بأسلافه، كما تضمنت هذه المذكرات المراسلات والقصائد التي نظمها، وتنتهي هذه المذكرات قبل وفاته بعام واحد مما يؤكد مدى حرصه على تدوين جميع التفاصيل الدقيقة الخاصة به لأخر وقت.

ومن الكتب التي احتلت مكانة هامة أيضاً نجد كتاب ” العبر” و ” ديوان المبتدأ والخبر” والذي جاء في سبع مجلدات أهمهم “المقدمة ” حيث يقوم في هذا الكتاب بمعالجة الظواهر الاجتماعية والتي يشير إليها في كتابه باسم “واقعات العمران البشري” ومن الآراء التي قدمها في مقدمته نذكر “إن الاجتماع الإنساني ضروري فالإنسان مدني بالطبع، وهو محتاج في تحصيل قوته إلى صناعات كثيرة، وآلات متعددة، ويستحيل أن تفي بذلك كله أو ببعضه قدرة الواحد، فلابد من اجتماع القدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحُصل القوت له ولهم- بالتعاون- قدر الكفاية من الحاجة الأكثر منهم بإضعاف”.

حياته
ربما تكون ترجمة حياة ابن خلدون من أكثر ترجمات شخصيات التاريخ الإسلامي توثيقا بسبب المؤلف الذي وضعه ابن خلدون ليؤرخ لحياته و تجاربه و دعاه التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا و غربا ، تحدث ابن خلدون في هذا الكتاب عن الكثير من تفاصيل حياته المهنية في مجال السياسة و التأليف و الرحلات لكنه لم يضمنها كثيرا تفاصيل حياته الشخصية و العائلية .

كان المغرب العربي أيام ابن خلدون بعد سقوط دولة الموحدين تحكمه ثلاثة أسر : المغرب كان تحت سيطرة المرينيين (1196 – 1464 ), غرب الجزائر كان تحت سيطرة آل عبد الودود (1236 – 1556 ), تونس و شرقي الجزائر و برقة تحت سيطرة الحفصيين (1228 – 1574 ). التصارع بين هذه الدول الثلاث كان على أشده للسيطرة ما أمكن على أراضي الشمال الإفريقي.

وظائف تولاها
كان ابن خلدون دبلوماسياً حكيماً ايضاً. وقد أُرسل في اكثر من وظيفة دبلوماسية لحل النزاعات بين زعماء الدول : مثلاً ، عينه السلطان محمد بن الاحمر سفيراً له إلى امير قشتالة للتوصل لعقد صلح بينهما .. وبعد ذلك بأعوام استعان به اهل دمشق لطلب الامان من الحاكم المغولي القاسي تيمورلنك ، وتم اللقاء بينهما . ونحن في الصفحات التالية نقتطف ايضاً وصف ابن خلدون لذلك اللقاء في مذكراته. اذ يصف ما رآه من طباع الطاغية ، ووحشيته في التعامل مع المدن التي يفتحها ، ويقدم تقييماً متميزاً لكل ما شاهد في رسالة خطهالملك المغرب. الخصال الاسلامية لشخصية ابن خلدون ، اسلوبه الحكيم في التعامل مع تيمور لنك مثلاً، وذكائه وكرمه، وغيرها من الصفات التي ادت في نهاية المطاف لنجاته من هذه المحنة، تجعل من التعريف عملاً متميزاً عن غيره من نصوص ادب المذكرات العربية والعالمية. فنحن نرى هنا الملامح الاسلامية لعالم كبير واجه المحن بصبر وشجاعة وذكاء ولباقة.

وفاته
توفى ابن خلدون في مصر عام 1406 وتم دفنه بمقابر الصوفية عند باب النصر بشمال القاهرة، وذلك بعد أن ترك لنا علمه وكتبه القيمة التي مازالت مرجع للعديد من العلماء الآن. [1]

مؤلفاته
تاريخ ابن خلدون, واسمه: كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في معرفة أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر.
شفاء السائل لتهذيب المسائل، نشره وعلق عليه أغناطيوس عبده اليسوعي.
مقدمة ابن خلدون
التعريف بابن خلدون ورحلاته شرقا وغربا (مذكراته). [1]

من المعرفة
تاريخ ابن خلدون
تاريخ ابن خلدون الكتاب الذي رفعت مقدمته ابن خلدون إلى مصاف كبار فلاسفة العالم. وهي كما قال توينبي، مستعيراً كلمة المقريزي: (عمل لم يقم بمثله إنسان في أي زمان ومكان). وفيها أرسى قواعد فقه التاريخ وعلم العمران. وهو علم أعثره عليه الله كما يقول، ولم يقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة. وموضوعه: (البحث في أسباب انهيار الدول وازدهارها). وأراد أن تجد به الملوك ما يغني عن (سر الأسرار) الذي ألفه أرسطو للإسكندر. وأنجزه أولاً في مدة خمسة أشهر، من عام (779هـ) أثناء إقامته عند بني العريف في قلعة بني سلامة بوهران. ثم نقحه بعد ذلك وهذبه وألحق به تاريخ العرب وأخبار البربر وزناتة، وأهداه إلى المستنصر أبي العباس، الذي تولى إمارة تونس من سنة (772 حتى 796هـ). وكانت هذه النسخة موجودة حتى عام (1858م). كما يفهم من كلام نصر الهوريني في نشرته (1858م). فلما ترك تونس إلى مصر عكف على تهذيب الكتاب والزيادة عليه، زهاء (20) سنة، فأضاف إليه الجزء الخاص بملوك العجم، وأقساماً أخرى ألحقها بمواضعها، وأهدى هذه النسخة للسلطان برقوق فنحله لقب: (ولي الدين). (وقد وصلتنا هذه النسخة بخطه، فرغ منها سنة 797) وانتسخ منها نسخة وقفها على طلبة العلم في جامع القرويين بفاس، في تحبيسته المشهورة والمؤرخة (21/ صفر/ 799). انظر ما كتبه د. عبد الرحمن بدوي عن الكتاب ومخطوطاته وطبعاته وترجماته إلى مختلف اللغات في كتابه: (مؤلفات ابن خلدون) وفيه الحديث عن اثنين من ولاة سوريا في العهد العثماني كان لهما أكبر الأثر في ترجمة الكتاب إلى التركية ونشره، وهما الوالي صبحي باشا (ت 1886م) العلامة الجليل صاحب (عيون الأخبار في النقود والآثار) و(تكملة العبر)، والوالي أحمد جودت باشا (ت 1895) الذي ترجم القسم السادس من المقدمة، وهو أهم أقسامها، وكانت الترجمة التركية الأولى قد أغفلته. قال المقريزي في حديثه عن المقدمة: (لم يعمل مثالها، وإنه لعزيز أن ينال مجتهد منالها، إذ هي زبدة المعارف والعلوم، ونتيجة العقول السليمة والفهوم). بينما رأى فيها ابن حجر مجرد تلاعب بالألفاظ على الطريقة الجاحظية. وفي عام (1978) انعقد أول مؤتمر دولي بمناسبة مرور (600) عام على تأليف المقدمة. ومن طريف ما ألف فيها :(هل انتهت أسطورة ابن خلدون) د. محمود إسماعيل، يتهم ابن خلدون بسرقة المقدمة من إخوان الصفا.! وانظر صوراً عن الدار التي ولد ونشأ فيها، في كتاب (ابن خلدون معاصراً).