رينيه ديكارت


Dr Usama Shaalan(Papyrus) برديه الدكتوراسامه شعلان

رينيه ديكارت René Descartes
ولد ( 31 مارس 1596 – 11 فبراير 1650 ) يعرف أيضا بكارتيسيوس فيلسوف فرنسي و رياضياتي و عالم يعتبر من مؤسسي الفلسفة الحديثة ومؤسس الرياضيات الحديثة . يعتبر أهم و أغزر العلماء نتاجا في العصور الحديثة . الكثير من الأفكار و الفلسفات الغربية اللاحقة هي نتاج و تفاعل مع كتاباته التي درّست و تدرّس من أيامه إلى أيامنا. لذلك يعتبر ديكارت احد المفكرين الأساسيين و احد مفاتيح فهمنا للثورة العلمية و الحضارة الحديثة في وقتنا هذا . يمجد اسمه بذكره في ما يدعى هندسة ديكارتية التي يتم بها دراسة الأشكال الهندسية ضمن نظام إحداثيات ديكارتي ضمن نطاق الهندسة المستوية التي تدمجها مع الجبر .

يعارض ديكارت الكثير من أفكار أسلافه. ففي مقدمة عمله عاطفة الروح يذهب بعيدا للتأكيد أنه سيكتب في هذا الموضوع حتى لو لم يكن احد سبقه لطرح هذا الموضوع. بالرغم من هذا فإن العديد من الفكار توجد بذورها في الأرسطية المتأخرة و الرواقية في القرن السادس عشر او في فكر أوغسطين.

يعارض ديكارت هذه المدرسة في نقطتين أساسيتين : أولا يرفض تقسيم الجسام الطبيعية إلى مادة و صورة (شكل) كما تفعل معظم الفلسفات اليونانية . ثانيا يرفض الغايات أو الأهداف سواء كانت غايات ذات طبيعة إنسانية أو إلهية لتفسير الظواهر الطبيعية . أما في الإلهيات فهو يدافع عن الحرية المطلقة لفعل الله أثناء الخلق . أسهم في الشك المنهجي استهدف في شكه الوصول الي اليقين وأسباب الشك لديه أنه يلزم أن نضع موضع الشك جميع الأشياء بقدرالأمكان ويبرر الشك أنه تلقى كثيرا من الآراء الباطلة وحسبها صحيحة فكل ما بناه منذ ذلك الحين من مبادئ على هذا القدر من قلة الوثوق لا يكون إلا مشكوكا فيها إذن يلزم أن نقيم شيئا متينا في العلوم أن نبدأ بكل شئ من جديد وأن توجه النظر إلى الأسس التى يقوم علينا البناءمثال المعطيات الخاصة للحواس فالحواس تخدعنا أحيانا والأفضل الا نثق بها أما الأشياء العامة كالعيون والرؤوس والأيدي التى يمكن أنتتألف منها الخيالات يمكن ان تكون نفسها خيالية محضة.

أزول ما نذكره نع ديكارت أنه تلقى تعليمه على أيدي الجزويت. وكان هذا التعليم نقطة البداية وجحر الشحذ عند كل الهراطقة الفرنسيين، ابتداء من ديكارت ثم فولتير، ورينان وأناتول فرانس “بين جدران المعبد صنعت المعاول التي تحطم بها المعبد”(78).

حياته المبكرة
ولد في لاهاي، وهي بلدة صغيرة بمنطقة التورين بفرنسا. وماتت أمه بالسل بعد ولادته بأيام قلائل، وورث عنها المرض. وكان في صباه شاحب اللون، يسعل سعالاً يثير الإشفاق، إلى حد لأن الطبيب لم يبشر بأي أمل في إنقاذه، ولم تتخلَ عنه المرضعة يأساً من بقائه على قيد الحياة، ولكنها أمدته بالدفء والغذاء من جسدها هي، فعاد إلى الحياة ثانية. وربما سمي لهذا السبب، باسم رينيه (وهي لفظة مشتقة من أصل لاتيني بمعنى ولد من جديد). وكان والده محامياً موسراً، وعضواً في برلمان رن وترك لابنه عند وفاته دخلاً يقدر بستة آلاف فرنك في العام.

وألحق في سن الثامنة بكلية لافيش اليسوعية، التي يقول عنها أحد المفكرين الأحرار المتحمسين ومشاهير الرياضيين “يبدو أنها زودته بقدر من الرياضيات أعظم كثيراً مما كان يمكن أن يحصل عليه في معظم الجامعات في ذلك العصر(79)” وتبين معلموه ضعف جسمه ويقظة ذهنه فأباحوا له البقاء في الفراش بعد الوقت المحدد للاستيقاظ، ولحظوا أنه استغل الوقت في التهام الكتب، الواحد بعد الآخر، وفي كل جولاته في الميتافيريقا، ظل يحتفظ بإعجابه الشديد بأستاذته الجزويت، كما أنهم بدورهم، نظروا إلى شكوكه بشيء من التسامح الأبوي.

وقصد في سن السابعة عشرة إلى باريس ليلهو ويعبث، ولكنه لم يجد شيئاً ينغمس فيه، لأنه لم يكن يحفل بالنساء أو يميل إليهن، ولكنه بوصفه رياضياً ضليعاً، انصرف إلى الميسر، مقدراً أنه يستطيع الاستيلاء على خزانة نادي القمار. والتحق بجامعة بواتييه حيث حصل منها على درجات علمية في القانون المدني والقانون الكنسي. وما أن استرد عافيته وقوته، حتى أذهل أصدقاءه، بانخراطه في جيش الأمير موريس ناسو (1618). ولما نشبت حرب الثلاثين عاماً انضم إلى قوات مكسيمليان أمير بافاريا، وتذكر رواية غير مؤكدة أنه اشترك في معركة “الجبل الأبيض”.

وفي غضون هذه الحملات. وبخاصة في شهور الشتاء الطويلة التي تعوق مواصلة القتل، كان ديكارت يتابع دراسته، وفي الرياضيات بصفة خاصة. وذات يوم (10 نوفمبر 1619) في نيوبرج بالقرب من أولم في بافاريا، اتقى البرد بالقبوع في “موقد” (من المحتمل أن تكون غرفة مدفأة خصيصاً له) وفيها-كما يقول هو-رأى فيما يرى النائم في ثلاث رؤى أو ثلاثة أحلام، ومضات من النور، وسمع رعداً، وبدا له أن روحاً سماوية كانت توحي إليه بفلسفة جديدة. وبعد خروجه من “الموقد” (الغرفة) كان-كما يؤكد لنا-قد صاغ الهندسة التحليلية، وتصور فكرة تطبيق المنهج الرياضي في الفلسفة(80).

ورجع إلى فرنسا في 1622، ورتب أموره المالية. ثم استأنف جولاته، فقضى قرابة سنة في إيطاليا: فقصد من البندقية (ويقولون سيراً على الأقدام) إلى لوريتو حيث قدم إجلاله للعذراء. ورأى رومة في فترة الغفران (1625)، ومر بفلورنسة ولكنه لم يزر جاليليو. ثم قفل عائداً إلى باريس وهناك في الريف تابع دراسته العلمية. وصحب الرياضي المهندس العسكري جيرار ديسارج في حصار لاروشيل (1628). وفي أخريات هذا العام قصد إلى هولندة، حيث قضى في المقاطعات المتحدة بقية أيام حياته تقريباً، اللهم إلا بعض فترات قصيرة قصد فيها إلى فرنسا لتدبير شؤونه المالية.

ولسنا نعرف لماذا ترك فرنسا، ويحتمل أن هذا يرجع إلى أنه “بعد أن أفصح عما لديه من أسباب للشك في أشياء كثيرة(81) “وخشي أن يتهم بالهرطقة، مع أنه كان له أصدقاء كثيرون من رجال الكنيسة هناك، مثل مرسن وبيرول. وربما حاول أن يتجنب الأصدقاء والأعداء على حد سواء، أملاً في أن يجد في بلد غريب عزلة اجتماعية (لا فكرية) يستطيع بها أن يشكل الفلسفة التي كانت تعتلج بين جنبيه لقد كره ضجيج باريس وثرثرتها، ولكن لم تقلقه الحركة النشيطة التي تلطفها القنوات-في أمستردام، وهو يقول “هناك، وسط الجموع المكتظة من شعب عظيم نشيط، استطعت أن أعيش وحيداً منعزلاً، وكأني في صحراء نائية(82)”. وربما كانت رغبته في أن يتوارى عن الأنظار ويخفي اهتماماته هي دفعته إلى تغيير أماكن إقامته أربعاً وعشرين مرة في السنوات العشرين التالية، من فرانكر إلى أمستردام إلى دنفتر، إلى أمستردام إلى أوترخت، ثم إلى ليدن، ولكن بالقرب من جامعة أو مكتبة عادة. ومكنه دخله من الاستمتاع بطيبات الحياة الاجتماعية في قصر صغير مع عدد من الخدم. وامتنع عن الزواج ولكنه اتخذ خليلة (1634) أنجبت له طفلة. وإنا لنسر إذ نسمع أن الروح الإنسانية تجلت فيه حين بكى الطفلة بعد موتها في الخامسة من عمرها. وقد نحا في الصواب إذا ظنناه فاتراً لا تحركه الأحداث الدنيوية، ولسوف نجد أنه يبرر كثيراً من الأهواء والمشاعر التي يشجبها رجال الأخلاق عادة. وما كان هو نفسه ليتجرد منها، فهو عرضة للزهو والغضب والغرور(83). لقد بذل ديكارت جهداً جباراً لتحقيق هدفه. أنظر إلى ما ألزم نفسه بدراسته الرياضيات، الفيزياء، الفلك، التشريح، الفسيولوجيا، علم النفس، ميتافيزيقا، نظرية المعرفة، الأخلاق، اللاهوت. فمن ذا الذي يجرؤ اليوم على أن يجول بين هذا كله؟. ومن ثم طمع في العزلة والاحتجاب عن الأنظار، وأجرى التجارب والمعادلات والرسوم البيانية. وقدر فرص تجنبه محكمة التفتيش أو تهدئتها، وحاول أن يهيئ لفلسفته منهجاً رياضياً. ولحياته منهجاً فلسفياً.

فلسفته
ومن أين يبدأ؟ إنه في “مقال في المنهج “، وهو الكتاب الفذ الذي يعتبر فاتحة عصر جديد، أعلن عن أول مبدأ، كان يمكن في حد ذاته، أن يقيم عليه الدنيا ويقعدها ويثير عليه غضب أولي الأمر، وهكذا كان. فقد كان الموضوع مكتوباً في لغة فرنسية متميزة ميسرة، في صيغة المتكلم الحية الساحرة. لقد أحدث ثورة كبيرة في التفكير، وقال ديكارت أنه كان سعيداً ينبذ كل النظريات والمبادئ والتعاليم، ويطرح كل جهد ومرجع، ويوجه خاص الفيلسوف أرسطو. وسيبدأ بصفحة جديدة خالية من أي شيء، ويشك في كل شيء. “إن السبب الأساسي في أخطائنا يمكن في أهواء طفولتنا(84)… فالمبادئ التي اعتنقها في شبابي، استمر على الأخذ بها دون أن ‎أتحرى حقيقتها ومبلغ الصدق فيها”(85).

ولكنه يمضي قدماً، إذا ساوره الشك في كل شيء؟. ولما كان مولعاً بالرياضيات، وفوق كل شيء بالهندسة التي دأبت عبقريته على تحويلها، فقد تاقت نفسه، بعد ابتدائه بالشك الشامل إلى العثور على حقيقة يمكن التسليم بها على الفور بصفة عامة مثل بديهيات إقليدس. “إن أرشميدس، لكي يتيسر له أن يزحزح الكرة الأرضية من مكانها وينقلها إلى مكنا آخر، تطلب أن تكون هناك نقطة واحدة ثابتة لا تتحرك، وأنا بالمثل، سيكون لي الحق في أن استبشر خيراً كثيراً إذا أسعدني الحظ، فأضع يدي على شيء واحد مؤكد لا نزاع فيه(86). (وأكد على هذه النقطة متهللاً: “أنا أفكر. فإذن أنا موجود(87)”). وهي أشهر عبارة في الفلسفة ولم يقصد بها أن تكون قياساً منطقياً، بل خبرة مباشرة لا سبيل لإنكارها، وهي أوضح وأجلى فكرة يمكن أن نحصل عليها، وتكون سائر الأفكار “صحيحة” على قدر اقترابها من هذه البديهية الأساسية-الإدراك الحسي المباشر، من حيث الجلاء والوضوح، وكان “منهج” ديكارت الجديد في الفلسفة هو أن يحلل الأفكار المركبة إلى مكوناتها، حتى تصبح العناصر غير القابلة للاختزال أفكاراً بسيطة واضحة جلية، ويبين أن مثل هذه الأفكار كلها يمكن أن تشتق من. أو تعتمد على، الشعور الأول لكائن يفكر. أننا على العكس، يجدر بنا أن نحاول أن نستنتج من هذا الإدراك الحسي الأول كل المبادئ الأساسية في الفلسفة.

ومرة أخرى كانت ثورة في الفلسفة حين اتخذ ديكارت نقطة البداية، لا الأشياء الخارجية المفروض أنها معروفة بل الذات الواعية. لقد اكتشفت فلسفة النهضة “الفرد”، ولكن ديكارت جعل منه همزة الوصل في فلسفته. “إني لأرى بوضوح أنه ليس ثمة شيء أيسر على أن اعرفه، من عقلي أنا(89)” وإذا بدأنا بالمادة، وسرنا قدماً عبر مستويات الحياة العضوية إلى الإنسان فإن الاتصال أو الترابط المنطقي قد يغرينا بتفسير العقل بأنه مادي. ولكننا لا ندرك المادة إلا عن طريق العقل وحده. والعقل فقط هو الذي يمكن معرفته أو إدراكه مباشرة (دون سلطة) وهنا تبدأ المثالية، لا بمعناها الأخلاقي، بل على أنها فلسفة تبدأ بالحقيقة المباشرة للأفكار، أكثر مما تبدأ بالأشياء التي تعرف عن طريق الأفكار “وليس ثمة تحقيق يمكن اقتراحه أجدى من تحقيق يحاول تحديد طبيعة المعرفة الإنسانية ومداها(90)”. ولمدة ثلاثة قرون كانت الفلسفة تتساءل عما إذا كان “العالم الخارجي” موجوداً إلا كمجرد فكرة.

وكما كان من العسير أن نعبر من الجسم إلى العقل، بنظرية تقدر قدر كل من مصدر الأحاسيس وقوتها وواضح أنهما ماديتان، وطبيعة الأفكار التي يبدو أنها طبيعة غير مادية، فإن ديكارت كذلك، وقد بدأ بالنفس، وجد من العسير الانتقال من العقل إلى الأشياء. فكيف يتسنى للعقل أن يدرك أن الأحاسيس التي يبدو أنها تدلل على عالم خارجي، ليست شيئاً أكثر من حالاته هو (أي العقل)؟ وكيف يصدق الحواس التي غالباً ما تخدعنا وتضللناـ أو الصور العقلية التي تكون مشرقة عندما تكون “زٍائفة” في النوم، قدر إشراقها عندما تكون “حقيقية” في اليقظة؟.

وهرباً من سجن النفس “الأنانة” يلجأ ديكارت إلى الله الذي لا يمكن بالقطع أن يجعل من كل حواسنا مجرد خدعة. ولكن متى يدخل الله في هذا المنهج الذي بدأ في جرأة بالشك في كل المعتقدات والمبادئ التي تلقاها الإنسان؟ إن ديكارت لا يستطيع إثبات وجود الله من شواهد بديع صنعه في العالم الخارجي، ولأنه لم يوضح بعد وجود هذا العالم الخارجي. ولذلك أخرج ديكارت “الله” من “النفس المدركة”، تماماً مثل فعل آنسلم في “البرهان الوجودي” قبل ذلك بستة قرون. وهو يقول: إن لدي تصوراً لكائن كامل مثالي قدير عليم، ضروري، خالد ولكن هذا الذي يوجد أقرب إلى الكمال من هذا الذي لم يوجد، وعلى ذلك فإن الكائن الكامل المثالي يجب أن يكون الوجود من بين صفاته. ومن الذي كان يستطيع أن يبث فيَّ هذه الفكرة إلا الله سبحانه وتعالى؟ “ومن المستحيل أن أحمل في نفسي فكرة الله، إذا لم يكن الله موجوداً حقاً”(91). وإذا كان الله يريد أن يخدعنا فلن يكون كاملاً ومن ثم فإنه لا يضللنا عندما تكون لدينا أفكار واضحة جلية، ولا حين يتيح لحواسنا أن تكشف لنا عن عالم خارجي. “لست أدري كيف يمكن الدفاع “عنه سبحانه” أو تبرئته من تهمة الخداع والتضليل إذا كانت هذه الأفكار ناتجة عن أسباب غير متعلقة بأشياء جسدية مادية. ومن ثم يجب أن نقر بأن الأشياء الجسدية المادية موجودة(92)”، ومن ثم تنسد بشكل رائع الهوة بين العقل والمادة، بين الذرات والموضوع ويصبح ديكارت، بعون من الله، واقعياً. والعلم نفسه-إيماننا الراسخ يكون منطقي خاضع لنظام مطيع للقانون، يمكن التعرف عليه وإحصاء ما فيه-يصبح أمراً ممكناً، لا لشيء إلا لأن الله موجود، وحاشا الله أن يكذب.

وإنا إذ نتتبع ديكارت لنشهد [عصر العقل] في طفولته يتراجع فزعاً من مغامرات الفكر، محاولاً الولوج ثانية إلى حظيرة الإيمان الدافئة. ورغبة في بث الطمأنينة من جديد أطلق على “التأملات”: تأملات رينيه ديكارت في فلسفة أولى، أبرز فيها وجود الله وخلود النفس.وأهدى الكتاب إلى الحكيم الألمعي عميد كلية اللاهوت المقدسة في باريس”، أي السوربون. وتقبل العميد الهدية، ولكن في 1662 أدرج الكتاب في قائمة الكتب المحظورة، “حتى يتم تصحيحه”. وبدأ الكتاب على نفس النسق الجريء الذي بدأت به “المقالات” “اليوم… وقد هيأتُ لنفسي انقطاعاً أكيداً لرياضة روحية هادفة، فلسوف أنكب أخيراً، انكباباً منطلقاً جاداً، على استعراض عام لكل آرائي السابقة(93)”. لقد ألقى بها جميعاً من النافذة، ثم أجاز لها الدخول من الباب. ولم يكن من بين هذه الآراء، إيمانه بإله عادل قدير فحسب، بل كذلك إيمانه بإرادة إنسانية حرة وسط آلية (ميكانيكية) كونية، ونفس باقية (غير فانية) على الرغم من اعتمادها الواضح على جسدٍ فانٍ. ومهما سلمنا بمنطق العلاقة الوثيقة التي لا تنفصم عراها بين السبب والنتيجة في عالم المادة والجسد، فإن حرية إرادتنا فكرة من إحدى الفكرات الفطرية المتأصلة، الواضحة الجلية، الحية المباشرة، إلى حد أنه لا يمكن أن يشك فيها أحد قط، مهما حاول كثيراً أن يتلاعب بها (أي الفكرات) في النظريات المجردة(94).

إن فكرة الله، وفكرة النفس، وفكرة المكان والزمان، وفكرة الحركة، والبديهيات الرياضية كلها فطرية متأصلة، بمعنى أن النفس لا تستمدها من الإحساس والخبرة، بل من جوهرها وعقلانيتها. (وهنا قد يعترض لوك، ويوافق كانت). ومهما يكن من أمر، فإن هذه الأفكار الفطرية قد تظل لا واعية حتى تخرجها الخبرة في صورة واعية، والنفس حينئذ لا تكون نتاجاً للخبرة، بل شريكها النشيط المبدع في إنتاج الفكر. إن هذه النفس العقلانية “القدرة على التعقل” واضح أنها غير مادية، وليس لأفكارها طول ولا عرض، ولا موقع ولا وزن، ولا أية خاصية أخرى من خواص المادة(95). “إني أنا، أي النفس التي أنا بها كما أنا عليه الآن، هي أساساً متميزة عن الجسد بل حتى من الأيسر أن نعرفها مما نعرفه(96)”. وعلى ذلك فإن هذا العقل أو النفس غير المادية يمكن أن تبقى بعد الجسد، ولا بد أنها تبقى.

ترى هل كانت تلك النتائج القويمة التي انتهى إليها ديكارت صادقة مخلصة، أو أنه أضفى عليها لوناً وقائياً؟. هل كان ديكارت تواقاً إلى متابعة دراسته العلمية في هدوء وسلام بعيداً عن الاضطهاد والتعذيب، إلى حد أنه كان ينفث الميتاقيزيقا مثل غشاوة مربكة تحول دون انقضاض الطيور الجارحة عليه؟ لسنا نملك الجزم بشيء في هذا الصدد. وقد يتسنى لامرئ أن يكون عالماً فاضلاً على الأقل في الفيزياء، والكيمياء، والفلك، إن لم يكن في البيولوجيا-وفي نفس الوقت يتقبل التعاليم الأساسية في المسيحية. وفي إحدى مقالاته أكد ديكارت أن العقل لا يحول دون تصديق أشياء نزل بها الوحي الإلهي، على أنها أكثر يقينية من أرسخ معرفتنا وأجدرها بالثقة(97) “وتنم رسائله مع إليزابث أميرة البالاتين، في أسلوب فصيح عن التقى والتمسك بالصراط المستقيم. وزاره سالاميوس في ليدن 1637 فوصفه بأنه “كاثوليكي غيور جداً”(98)”.

على أنه تفرغ في العقد الأخير من حياته للعلم. وحول داره إلى معمل، وأجرى تجارب في الفيزياء ووظائف الأعضاء، وإذا طلب أحد زواره أن يرى المكتبة، أشار ديكارت إلى ربع عجل كان يقوم بتشريحه(99). وكان في بعض الأحيان يتحدث، كما تحدث بيكون، عن الفوائد العملية-الهائلة التي يجنيها الجنس البشري حين يستطيع العلم أن يجعل الناس “سادة الطبيعة والمسيطرين عليها(100)” وكثيراً ما أدى توكيده الذاتي على الاستنباط وثقته فيه، إلى نتائج غامضة. ولكنه-اشتغل شغلاً خلاقاً بعدة علوم. وألح على أن يستبدل العلم بالأفكار التجريدية النوعية الغامضة التي سادت علم الفيزياء، في العصور الوسطى: إيضاحات كمية مصوغة في صيغ رياضية، ولقد شهدنا تطويره للهندسة التحليلية وإشارته إلى حساب التفاضل والتكامل اللانهائي. وحل مشاكل تضعيف المكعب وتثليث الزاوية. وابتدع فكرة استخدام الحروف الأولى من حروف الهجاء لتمثل الكميات المعلومة، والحروف الأخيرة لتمثيل الكميات المجهولة.ويبدو أنه اكتشف قانون انكسار الضوء مستقلاً عن سنل Snen وحالفه التوفيق في دراسة القوى العظمى التي تحدثها وسائل صغيرة ، مثل البكرة والأسفين والرافعة والملزمة والعجلة، وصاغ قوانين القصور الذاتي والتصادم وكمية التحرك، وربما أوحى إلى باسكال بأن الضغط الجوي ينخفض بالارتفاع(101)، ولو أنه أخطأ في إعلان أنه لا يوجد ثمة-فراغ إلا في عقل باسكال(102). وأشار إلى أن كل جسم محوط بدوامات من جسيمات دقيقة تدور حوله-في طبقات كروية-وهي فكرة تشبه نظرية المجال المغناطيسي الحالية. وفي البصريات حسب حساباً صحيحاً زاوية الانكسار، وحلل التغيرات التي يتعرض لها الضوء بفعل العدسة البللورية للعين، وحل مشكلة تصحيح الزيغ الكروي في التلسكوب، وصمم عدسات ذات تقوس بيضي الشكل أو زائدي المقطع، خالية من هذا الزيغ(103).

وشرح جنيناً، ووصفه من الوجه التشريحية، وهو يقول أنه شرح رؤوس حيوانات مختلفة ليتحقق في أيها تكون الذاكرة والتصور وغيرهما(104). وأجرى تجارب على الفعل اللاإرادي أو المنعكس، وشرح الطريقة (الميكانيكية) التي تطرف بها العين عند اقتراب الضربة أو اللطمة(105). ووضع نظرية للانفعال شبيهة بتلك التي وضعها وليم جيمس وكارل لانج: إن السبب الخارجي للانفعال (مثل وقوع نظرنا على حيوان خطير) يولد ذاتياً أو آنياً فعلاً مستجيباً (الهرب) والإحساس المرتبط به (الخوف)، فالانفعال هو إنجاز الفعل لا سببه. والانفعالات متأصلة في الفسيولوجيا، ويجب دراستها وتفسيرها على أنها عمليات ميكانيكية، وليست في حد ذاتها سيئة لأنها الريح في أشرعتنا ولكن إذا لم يلطف منها العقل ويحد منها، فإنها قد تستبعد الإنسان وتدمره.

ويمكن اعتبار الكون كله ميكانيكياً، فيما عدا الله والنفس العقلانية وعرض ديكارت هذه الفكرة وجاليليو ومحكمة التفتيش ماثلتان أمام عينيه-على أنها مجرد فرض: فإذا افترضنا أن الله خلق المادة ووهبها الحركة، فيمكننا أن نتصور أن العالم يتطور بعد ذلك، وفق قوانين الميكانيكا، دون تدخل، إن الحركة الطبيعية للجسيمات المادية في كون ليس فيه فراغ، تأخذ شكلاً دائرياً يؤدي إلى دوامات مختلفة من الحركة. ويمكن أن تكون الشمس والكواكب والنجوم قد تكونت بفعل تجمع هذه الجسيمات في مركز هذه الدوامات، وكما أن كل جسم محوط بدوامة من ذرات دقيقة-وهذا يفسر التماسك والتجاذب-فإن كل كوكب كذلك محصور في دوامة من الجسيمات تحتفظ بتوابعه في مداره، والشمس مركز دوامة هائلة تندفع الكواكب إليها حول الشمس في دوائر. وكانت نظرية بارعة، ولكنها سقطت عندما أثبت كبلر أن مدارات الكواكب بيضاوية الشكل. ويقول ديكارت بأنه لو كانت معرفتنا تامة كاملة لكان في مقدورنا أن نحول-لا الفلك والفيزياء والكيمياء، فحسب-بل كل عمليات الحياة، باستثناء العقل ذاته، نحولها إلى قوانين ميكانيكية فإن التنفس والهضم، بل حتى الشعور، كلها ميكانيكية، أنظر كيف كان هذا المبدأ مفيداً في اكتشاف هارفي للدورة الدموية. وطبق ديكارت، في ثقة تامة، فكرة الميكانيكية، على كل عمليات الحيوانات، لأنه أبى أن يخلع عليها القدرة على التفكير العقلي. وربما أخس بأنه مضطر، من الوجه الدينية. إلى ظلم الحيوان على هذه الصورة، لأنه كان قد أسس خلود النفس على عدم مادية الذهن العقلاني، فإذا كان للحيوانات مثل هذا الذهن كذلك، لكانت هي الأخرى باقية أو غير فانية، وربما كان في هذا إزعاج، إن لم يكن لهواة الكلاب، فهو على الأقل لرجال اللاموت.

ولكن إذا كان جسم الإنسان آلة مادية فكيف يتسنى للعقل غير المادي أن يعمل فيه. أو يحكمه بقوة غير ميكانيكية مثل الإرادة الحرة؟ وهنا يفقد ديكارت ثقته، فيجيب يائساً بأن الله يرتب تفاعل الجسم والعقل بطرق خفية لا يصل إليها إدراكنا المحدود. وربما ارتأى أن العقل يعمل في الجسم عن طريق الغدة الصنوبرية الموضوعة بشكل مناسب في قاع المخ. وكان أثر تصرفات ديكارت تهوراً وطيشاً طيلة حياته، أنه طلب من مرسن أن يبعث مقدماً بنسخ من كتاب “التأملات” إلى بعض المفكرين مع دعوتهم لإرسال ما يعن لهم من اعتراضات عليه، ورداً على ذلك دحض جاسندي آراء ديكارت في كياسة فرنسية(106). فإن الكاهن لم يقتنع بحجة-ديكارت الوجودية عن وجود الله. أما هوبز فاعترض على أن ديكارت لم يثبت استقلال العقل عن المادة والمخ. ويقول أوبري بأن هوبز بصفة خاصة “كان يميل إلى القول بأنه ديكارت لو قصر نفسه على الهندسة تماماً لأصبح أعظم علماء الهندسة في العالم، وأنه لم ينسجم مع الفلاسفة(107). واتفق هيجينز مع هوبز، وذهبا إلى أن ديكارت نسج قصة خيالية من عناكب الميتافيزيقا.

والآن وبعد ثلاثة قرون من البحث والمناقشة قد يكون من اليسير أن نتبين نقاط الضعف في أول منهج حديث جريء للفلسفة. أن فكرة تحويل الفلسفة إلى صيغ هندسة، ساقت ديكارت إلى طريقة استنباطية، اعتمد فيها في طيش زائد، برغم تجاربه، على نزعته إلى الاستنباط. وأنه لعمل انتحاري أن نجعل من الوضوح أية فكرة وجلائها وبهائها وبداهتها اختباراً لصحتها، فمن ذا الذي يجسر على هذا الأساس، على إنكار دوران الشمس حول الأرض؟ والمحاجة بأن الله موجود لأن لدينا فكرة واضحة متميزة عن كل كائن لا نهائي بالغ حد الكمال (وهل هذا صحيح؟)، ثم المحاجة بأن الأفكار المتميزة جديرة بالثقة لأن الله لا يمكن أن يخدعنا، إن هي إلا ضرب من التفكير دائري مثل مدارات كواكب ديكارت. إن هذه الفلسفة تتضح بمفاهيم سكلاستية العصور الوسطى، التي نصحت بنبذها. إن شك مونتيني كان أثبت وأبقى من شك ديكارت الذي لم يفعل إلا أن زحزح الهراء التقليدي ليفسح مكاناً لهرائه هو.

ومع هذا كله، بقي في علم ديكارت، أن لم يكن في “ميتافيزيقاه” ما يشيع في نفسه الخوف من الاضطهاد والتعذيب. فإن نظريته في “ميكانيكية الكون” تركت المعجزات والإرادة الحرة في موقف خطر ومأزق حرج، برغم اعترافه بالدين القويم والصراط المستقيم. أنه لما سمع باد أنه جاليليو (يونية 1633) طرح جانباً مؤلفه الضخم “العالم” الذي كان قد اعتزم أن يضم فيه شتات أبحاثه العلمية والنتائج التي توصل إليها، وكتب، وقبله يقطر أسى وحزناً، إلى مرسن: لقد كان لهذا النبأ أعمق الأثر في نفسي، حتى كدت أعقد العزم على أن أحرق كل مخطوطاتي، أو على الأقل أخفيها عن الأنظار… وإذا كانت حركة الأرض غير صحيحة، فإن كل مبادئ فلسفتي عن “ميكانيكية العالم” خاطئة… لأنها كلها مترابطة يؤيد بعضها بعضاً… ولكني على أية حال لن أنشر شيئاً يتضمن كلمة واحدة تغضب الكنيسة.(108)” وعند وفاته لم توجد إلا قصاصات قليلة من مخطوطة “العالم”.

ولم يأتِ الهجوم (في حياته) من الكنيسة الكاثوليكية، بل من رجال اللاهوت الكلفنيين في جامعتي أوترخت وليدن. فقد اعتبروا دفاعه عن الإرادة الحرة هرطقة خطيرة تسيء إلى “القضاء والقدر” كما رأوا في “ميكانيكية الكون‎” فكرة تنزلق به إلى حافة الإلحاد، فإذا كان الكون يستطيع أن يسير لمجرد قوة دافعة يبدأ بها الله “فما هي إلا مسألة وقت حتى ينجز الله دفعته الاستهلالية أو الأولى هذه. وفي 1641، عندما تبنى أحد أساتذة أوترخت فلسفة ديكارت، أغرى رئيس الجامعة، جسبرت فوشيوس، ولاة الأمور في المدينة بإدانته الفلسفة الجديدة وتحريكمها. فما كان من ديكارت إلا أن شن هجوماً على فوشيوس، الذي رد عليه رداً عنيفاً، وعواد ديكارت الكرة، وقارعه الحجة بالحجة. وفي 1643 دعا القضاء الفيلسوف للمثول أمامهم. ولكنه رفض، وصد الحكم عليه، فتدخل أصدقاؤه في لاهاي، فقنع أولو الأمر في المدينة بإصدار قرار بحظر أية مناقشة علنية تأييداً أو تفنيداً لآراء ديكارت. ووجد بعض السلوى في صداقته مع الأميرة إليزابث التي كانت تقيم في لاهاي مع والدتها إليزابث ناخبة البلاتين ملكة بوهيميا المخلوعة. وكانت الأميرة في التاسعة عشرة حين ظهر كتاب “المقالات” 1637، فقرأته في دهشة ممزوجة بالابتهاج والسرور بما رأت أن الفلسفة واضحة مفهومة يسهل إدراكها، والتقى بها ديكارت وابتهج بما رأى من أن الميتافيزيقا قد تتسم بالجمال. وأهدى إلى الأميرة الصغيرة كتابه “مبادئ الفلسفة” وكتب كلمة الإهداء في لغة تفيض بملق بالغ البهجة والسرور. وماتت حيث كانت رئيسة دير للراهبات في وستفاليا (1680).

ولم يطب المقام لديكارت في هولندا، كما كان من قبل، فكان كثير التردد على فرنسا: (1644، 1647، 1648). وأثار فيه الروح الوطنية معاش أجرته عليه حكومة لويس الرابع عشر الجديدة (1646). واحتال للحصول على أحد المناصب الإدارية، ولكن اقتراب نشوة الحرب الأهلية (حرب الفروند) عاد به إلى هولندا، فزعاً. وفي فبراير 1649 تلقى دعوة من كريستينا ملكة السويد، ليحضر ليلقنها الفلسفة. وتردد في قبول الدعوة، ولكن سحرته رسائلها التي تمت في لغة فرنسية ممتازة، على ذهن متلهف، انحاز بالفعل إلى “البهجة الغالية” (فلسفة ديكارت).وبعثت إليه بأحد أمراء البحر يستمليه، ثم ببارجة حربية لتقله، فاستسلم وأبحر في سبتمبر من أمستردام إلى ستكهولم.

واستقبل بكل مظاهر الحفاوة والتكريم، ولكن أزعجته رغبة الملكة في أن تتلقى الدروس ثلاث مرات في الأسبوع، في الساعة الخامسة صباحاً. وكان ديكارت قد تعود أن يبقى في فراشه إلى وقت متأخر، والتزم بالمواعيد التي حددتها الملكة طيلة شهرين، فكان يخرج من بيته إلى مكتبة الملكة في فجر الشتاء وثلوجه، وفي أول فبراير 1650 انتابه برد انقلب إلى التهاب رئوي، وفي اليوم الحادي عشر فارق الحياة بعد أن تلقى الأسرار المقدسة الكاثوليكية الأخيرة. وكان قد اتخذ لنفسه شاعراً، هو “يعيش سعيداً من يتوارى عن الأنظار ويتكتم كثيراً”. ولكن شهرته كانت قد طبقت الآفاق قبل موته بعدة سنوات. لقد نبذت الجامعات فلسفته واشتم رجال الدين رائحة الهرطقة في تقواه، ولكن رجال العلم أطروا رياضياته وفيزياءه، ولكن دنيا الأناقة في باريس، أقبلت في سرور بالغ على مؤلفاته التي كتبها في لغة فرنسية مشرقة جذابة. وسخر موليير من “السيدات العالمات” اللاتي تبادلن أنباء الدوامات في الصالونات، “ولكنهن لم يطقن الفراغ” وكان الجزويت حتى تلك اللحظة متسامحين مع تلميذهم النجيب، وكانوا قد اسكتوا واحداً من طائفتهم شرع يهاجم ديكارت(109)، ولكنهم بعد 1640، لم يعودوا يظلونه بحمايتهم. وكان لهم يف 1663 ضلع في أدراج مؤلفاته في قائمة الكتب المحظورة. ورحب بوسويه وفنلون ببراهين ديكارت على المبادئ الأساسية في المسيحية، ولكنهم رأوا في تأسيسها على العقل خطراً على العقيدة، واستنكر باسكال الاعتماد على العقل، على اعتبار أن هذا العقل ريشة في مهب الريح.

ولكن اعتماد ديكارت على العقل، هو الذي، على وجه الدقة، أيقظ ذهن أوربا، وأوجز فونتيل الأمر بقوله “أن ديكارت… هو الذي أمدنا بطريقة جديدة للتفكير، تدعو إلى الإعجاب أكثر مما تدعوا فلسفته ذاتها، تلك التي يعتريها قدر كبير من الزيف والشك، وفقاً للقواعد التي علمنا إياها هو نفسه(110) “إن شك ديكارت أدى لفرنسا-أو للقارة بصفة عامة-ما أداه بيكون لإنجلترا:- أنه حرر الفلسفة من أغلال الزمن وأطلقها لتبحر في جرأة وشجاعة في بحر مكشوف، حتى ولو أنها ما لبثت أن عادت، عند ديكارت نفسه إلى شاطئ الأمان المألوف. ولسنا نقول بأنه كان ثمة انتصار عاجل أو فوري للعقل، فإن التقاليد والأسفار المقدسة كانت أكثر ثباتاً وقوة في أزهى عصور فرنسا، وهو “القرن العظيم” أي عصر لويس الرابع عشر، أنها كانت حقبة بورت رويال وباسكال وبوسويه، أكثر منها حقبة خلفاء ديكارت. أما تلك الحقبة نفسها في هولندا فهي عصر سبينورا وبيلي، وفي إنجلترا عصر هوبز ولوك. أن الزرع كان يخرج شطأه. وكان لأعمال ديكارت بعض الأثر على الأدب والفن في فرنسا. إن أسلوبه كان ابتداعاً منعشاً. وهنا كانت الفلسفة بلغة قومية في متناول الجميع بشكل خطير، وقلما يتحدث فيلسوفاً بمثل هذه الألفة الساحرة وهو يعدد مغامرات العقل وتجاربه المثيرة بمثل السلاسة والحيوية التي يعدد بهما فرواسار وبطولات الفروسية ومآثرها. ولم يكن كتاب “مقال في المنهج” مجرد رائعة من ورائع النثر الفرنسي. بل إنه كذلك ضرب، للعصر الزاهر في فرنسا، مثلاً في لغته وأفكاره، للترتيب وبراعة التفكير والاعتدال في الآداب والفنون والسلوك والحديث. وتلاءم توكيده على الأفكار الواضحة الجلية مع الذهن الفرنسي، وأصبح رفعه من شأن العقل أول قاعدة من قواعد الأسلوب الممتاز عند الناقد الفرنسي بوالو:

“أحب العقل إذن، ولتستمد كتاباتك وقيمتها منه وحده(111)”.

وباتت الدراما الفرنسية لمدة قرنين من الزمان بلاغة العقل التي تنافس تمرد العاطفة والهوى وربما عانى الشعر الفرنسي بعض الشيء من ديكارت، فإن مزاجه وآلياته (ميكانيكي) لم يتركا للخيال أو الأحاسيس سوى مجال ضيق. إن فوضى رابليه المهتاجة واستطرد مونتيني الذي لا ضابط له، بل حتى الاضطرابات العنيفة في الحروب الدينية، أن هذه كلها أفسحت المجال، بعد ديكارت، لمناقشات كورني العقلانية، ولوحدات راسين العارمة، ولتقوى بوسويه المنطقية، ولقانون الملكية والبلاد ونظامهما وشكلهما وسلوكهما في عهد لويس الرابع عشر. وأسهم ديكارت، عن غير قصد منه في ابتداع طراز جديد في الحياة الفرنسية، كما فعل في الفلسفة سواء في سواء. وربما كان أثره في الفلسفة أعظم من أثر أي مفكر آخر قبل كانت. لقد استقى مالبرانش منه، وتتلمذ سبينوزا على منطق ديكارت، واكتشف نقاط الضعف فيه عند شرحه. وقلد “المناقشات” في نبذة عن سيرة حياته بعنوان “تحسين التفاهم”، وتبنى المثل الأعلى الهندسي في كتابه “الأخلاق”، وبنى بحثه في “استرقاق الإنسان” على بحث ديكارت “رسالة في انفعالات النفس”.

وبدأ تقاليد المثالية في الفلسفة الحديثة، من بركلي إلى فخت، بتوكيد ديكارت على الفكر بوصفه الحقيقة الوحيدة المعروفة بطريق مباشر، مثلما انحدرت تقاليد التجريبية من هوبز إلى سبنسر. ولكن ديكارت قدم للمثالية ترياقاً -مفهوم كون موضوعي ميكانيكي تماماً-فإن محاولته لفهم العمليات العضوية وغير العضوية، سواء بسواء، على أساس ميكانيكي، هيأت للبيولوجيا وللفسيولوجيا قوة دافعة متهورة ولكنها مجدية. وتحليله الميكانيكي للإحساس والخيال والذاكرة والإرادة، أصبح معيناً لا ينضب لعلم النفس الحديث. وبعد أن دعم القرن السابع عشر في فرنسا العقيدة القويمة بديكارت، وجدت استثارة القرن الثامن عشر أرضاً خصبة في شكه المنهجي، وفي اعتماده على العقل، وفي تفسيره لكل حياة الحيوان على نفس أسس الفيزياء والكيمياء(112). إن اعتداد الفرنسي-المغترب بنفسه اعتداداً لم يتزعزع قط، كان يبرره أثره المتزايد على الذهن الفرنسي.

إن “المناظر الكبرى” بين العقل والإيمان كانت تتخذ شكلاً واعياً. ولكن تاريخها الحديث كان قد بدأ فقط. إننا إذا ألقينا نظرة على الأعوام التسعين 1558-1648، من إليزابث إلى ريشليو، ومن شكسبير إلى ديكارت، لأدركنا أن كل القضايا المستحوذة على الأذهان لا تزال محصورة في المسيحية، بين المذاهب الدينية المتنافسة المؤسسة كلها على إنجيل قبله الجميع على أنه “كلمة الله” وثمة مجرد أصوات شاردة كانت تقول بأن المسيحية نفسها يمكن أن توضع موضع الاختبار، وبأن الفلسفة لن تلبث أن تنبذ كل مذهب خارق للطبيعة.

وبعد هذه المراحل الأولى من الصراع بقيت الكاثوليكية مسيطرة في أسبانيا والبرتغال حيث ظلت محاكم التفتيش تنشر الرعب والكآبة. أما في إيطاليا فقد اتسمت الديانة العتيقة بروح أكثر إنسانية، وأضفت بالفن على الحياة شيئاً من الجمال، وزينت الأخلاقيات بالأمل، وارتضت فرنسا حلاً وسطاً، وعاشت المسيحية نشيطة مزدهرة بين الشعب، كاثوليك أو هيجونوت، على حين أن الطبقات العليا كانت تسرح وتمرح في الشك، مرجئة التقى والورع إلى دنوا الأجل المحتوم. وقامت في الأراضي الوطيئة تسوية جغرافية، فأبقت المقاطعات الجنوبية على الكثكلة، وانتصرت الكلفنية في الشمال. وأنقذ البروتستانتية في ألمانيا كاردينال فرنسي، وثبتت بافاريا والنمسا على ولائهما القديم، على حين أعيدت المجر وبوهيميا إلى حظيرة البابا، وأصبحت البروتستانتية قانون الأرض أو المبدأ الرسمي في إسكندناوة، ولكن ملكة السويد آثرت طقوس رومة، واقترحت إليزابث في إنجلترا اتحاداً كريماً بين الطقوس الكاثوليكية والحرية الوطنية، ولكن البروتستانتية الإنجليزية التي تفرقت شيعاً أبرزت حيويتها وغامرت بحياتها.

وفي غمرة تناحر الجيوش والمذاهب، كانت “دولية العلوم” تكافح للإقلال من الخرافة والخوف. كانت تخترع أو تعمل على تحسين الميكروسكوب والتلسكوب والترمومتر والبارومتر، وكانت تبتكر اللوغاريتمات والنظام العشري، وتصلح التقويم، وتبتدع الهندسة التحليلية، وكانت تحلم ، لفورها، بتحويل كل المواقع إلى معادلة جبرية. وكان تيكوبراهي قد قام بكل الأرصاد المتكررة الصابرة التي مكنت لكبرل من صياغة قوانين حركة الكواكب، التي أنارت الطريق أمام نيوتن ليبصر بقانون كوني عام واحد. وكان جاليليو يكشف عن عوالم جديدة أوسع، بمناظيره المقربة التي كان يعمل على تحسينها وتكبيرها باستمرار، وفي قاعات محكمة التفتيش كان النزاع بين العلم والدين يفرغ في قالب مسرحي. وفي مجال الفلسفة ارتضى جيوردانو برونو الإعدام حرقاً حتى الموت، في محاولته لإعادة فهم الألوهية والكون على أسس تلتئم مع أفكار كوبرنيكس، كما أن فرانسيس بيكون الذي يدعو ذوي العقول المفكرة إلى العلم، كان يخطط مهام العلوم ومسئوليتها لعدة قرون مقبلة، أما ديكارت، بشكه العام الشامل، فقد ألقى على عصر العقل عبئاً جديداً. وتشكلت الأخلاق والعادات والسلوك تبعاً لتقلبات العقيدة. وتأثر الأدب نفسه بالصراع، وكان لآراء الفلاسفة صداها في شعر مارلو وشكسبير ودون. وسرعان ما تتضاءل أهمية الثورات والحروب بين الدول المتنافسة إذا قورنت بالصراع السائد المتزايد بين الإيمان والعقل الذي أهاج ذهن أوربا وحوله، بل ربما ذهن العالم بأسره.

المصادر
ول ديورانت; أرييل ديورانت. قصة الحضارة, ترجمة بقيادة زكي نجيب محمود. أعمال مـُجمـَّعة

1983. Oeuvres de Descartes in 11 vols. Adam, Charles, and Tannery, Paul, eds. Paris: Librairie Philosophique J. Vrin.
ترجمات إنجليزية مجمعة

1988. The Philosophical Writings Of Descartes in 3 vols. Cottingham, J., Stoothoff, R., Kenny, A., and Murdoch, D., trans. Cambridge University Press.
أعمال مفردة

1618. Compendium Musicae.
1628. Rules for the Direction of the Mind.
1637. Discourse on the Method (“Discours de la Methode”). An introduction to Dioptrique, Des Météores and La Géométrie. Original in French, because intended for a wider public.
1637. La Géométrie. Smith, David E., and Lantham, M. L., trans., 1954. The Geometry of René Descartes. Dover.
1641. Meditations on First Philosophy. Cottingham, J., trans., 1996. Cambridge University Press. Latin original. Alternative English title: Metaphysical Meditations. Includes six Objections and Replies. A second edition published the following year, includes an additional ‘’Objection and Reply’’ and a Letter to Dinet. HTML Online Latin-French-English Edition
1644. Les Principes de la philosophie. Miller, V. R. and R. P., trans., 1983. Principles of Philosophy. Reidel.
1647. Comments on a Certain Broadsheet.
1647. The Description of the Human Body.
1648. Conversation with Burman.
1649. Passions of the Soul. Voss, S. H., trans., 1989. Indianapolis: Hackett. Dedicated to Princess Elizabeth of Bohemia.
كتابات ثانوية

Keeling, S. V. (1968). Descartes. Oxford: Oxford University Press. ISBN.
Boyer, Carl (1985). A History of Mathematics. Princeton, NJ: Princeton University Press. ISBN 0-691-02391-3.
Clarke, Desmond (2006). Descartes: A Biography. Cambridge: Cambridge University Press. ISBN 0-521-82301-3.
Farrell, John. “Demons of Descartes and Hobbes.” Paranoia and Modernity: Cervantes to Rousseau (Cornell UP, 2006), chapter seven.
Sorrell, Tom (1987). Descartes. Oxford: Oxford University Press.. ISBN 0-19-287636-8.
Costabel, Pierre (1987). Rene Descartes – Exercises pour les elements des solides. Paris: Presses Universitaires de France. ISBN 2-13-040099-X.
Cottingham, John (1992). The Cambridge Companion to Descartes. Cambridge: Cambridge University Press. ISBN 0-521-36696-8.
Garber, Daniel (1992). Descartes’s Metaphysical Physics. Chicago: University of Chicago Press. ISBN 0-226-28219-8.
Gaukroger, Stephen (1995). Descartes: An Intellectual Biography. Oxford: Oxford University Press. ISBN 0-19-823994-7.
Garber, Daniel; Michael Ayers (1998). The Cambridge History of Seventeenth-Century Philosophy. Cambridge: Cambridge University Press. ISBN 0-521-53721-5.
Melchert, Norman (2002). The Great Conversation: A Historical Introduction to Philosophy. New York: McGraw Hill. ISBN 0-19-517510-7.
Grayling, A.C. (2005). Descartes: The Life and times of a Genius. New York: Walker Publishing Co., Inc.. ISBN 0-8027-1501-X.

قائمة رؤساء وزراء مصر

أسم الوزارة رئيس الوزارة في عهد من إلى ملاحظات
نظارة نوبار باشا نوبار باشا الخديوى إسماعيل 15 أغسطس 1878 18 فبراير 1879
نظارة محمد توفيق باشا الأمبر محمد توفيق باشا الخديوى إسماعيل 10 مارس 1879 7 أبريل 1879
نظارة محمد شريف باشا محمد شريف باشا الخديوى إسماعيل 7 أبريل 1879 18 أغسطس 1879
نظارة الخديوي محمد توفيق باشا الخديوى توفيق الخديوى توفيق 18 أغسطس 1879 21 سبتمبر 1879 مؤقتة حتى تكوين الوزارة
نظارة مصطفى رياض باشا مصطفى رياض باشا الخديوى توفيق 21 سبتمبر 1879 يناير 1880
نظارة إسماعيل راغب باشا إسماعيل راغب باشا الخديوى توفيق يناير 1880 1880
نظارة الخديوي محمد توفيق باشا الخديوى توفيق الخديوى توفيق 1880 15 أبريل 1881 مؤقتة حتى تكوين الوزارة
نظارة محمد شريف باشا محمد شريف باشا الخديوى توفيق 15 أبريل 1881 2 فبراير 1882
نظارة محمود سامي البارودي باشا محمود سامي البارودي باشا الخديوى توفيق 4 فبراير 1882 26 مايو 1882
نظارة أحمد عرابي باشا أحمد عرابي باشا الخديوى توفيق يونيو 1882 سبتمبر 1882
نظارة إسماعيل راغب باشا إسماعيل راغب باشا الخديوى توفيق
نظارة محمد شريف باشا محمد شريف باشا الخديوى توفيق
نظارة نوبار باشا نوبار باشا الخديوى توفيق 10 يناير 1884 9 يونيو 1888
نظارة مصطفى رياض باشا مصطفى رياض باشا الخديوى توفيق
نظارة مصطفى فهمي باشا مصطفى فهمي باشا الخديوى توفيق
نظارة مصطفى فهمي باشا مصطفى فهمي باشا الخديوى عباس حلمى الثانى
نظارة حسين فخري باشا حسين فخري باشا الخديوى عباس حلمى الثانى
نظارة مصطفى رياض باشا مصطفى رياض باشا الخديوى عباس حلمى الثانى
نظارة نوبار باشا نوبار باشا الخديوى عباس حلمى الثانى 16 أبريل 1894 12 نوفمبر 1895
نظارة مصطفى فهمي باشا مصطفى فهمي باشا الخديوى عباس حلمى الثانى
نظارة بطرس غالي باشا بطرس غالي باشا الخديوى عباس حلمى الثانى
نظارة محمد سعيد باشا محمد سعيد باشا الخديوى عباس حلمى الثانى
نظارة حسين رشدي باشا حسين رشدي باشا الخديوى عباس حلمى الثانى
وزارة حسين رشدى باشا حسين رشدى باشا السلطان حسين كامل
وزارة حسين رشدي باشا حسين رشدي باشا السلطان أحمد فؤاد الأول
وزارة محمد سعيد باشا محمد سعيد باشا السلطان أحمد فؤاد الأول
وزارة يوسف وهبة باشا يوسف وهبة باشا السلطان أحمد فؤاد الأول
وزارة محمد توفيق نسيم باشا محمد توفيق نسيم باشا السلطان أحمد فؤاد الأول
وزارة عدلي يكن باشا عدلي يكن باشا السلطان أحمد فؤاد الأول 1921
وزارة عبد الخالق ثروت باشا عبد الخالق ثروت باشا الملك أحمد فؤاد الأول
وزارة محمد توفيق نسيم باشا محمد توفيق نسيم باشا الملك أحمد فؤاد الأول
وزارة يحيى إبراهيم باشا يحيى إبراهيم باشا الملك أحمد فؤاد الأول
وزارة سعد زغلول باشا سعد زغلول باشا الملك أحمد فؤاد الأول
وزارة أحمد زيور باشا أحمد زيور باشا الملك أحمد فؤاد الأول
وزارة عدلي يكن باشا عدلي يكن باشا الملك أحمد فؤاد الأول
وزارة عبد الخالق ثروت باشا عبد الخالق ثروت باشا الملك فؤاد الأول
وزارة مصطفى النحاس باشا مصطفى النحاس باشا الملك أحمد فؤاد الأول 1929
وزارة محمد محمود باشا محمد محمود باشا الملك فؤاد الأول
وزارة عدلي يكن باشا عدلي يكن باشا الملك أحمد فؤاد الأول
وزارة مصطفى النحاس باشا مصطفى النحاس باشا الملك أحمد فؤاد الأول 1930
وزارة إسماعيل صدقي باشا إسماعيل صدقي باشا الملك أحمد فؤاد الأول
وزارة عبد الفتاح يحيى باشا عبد الفتاح يحيى باشا الملك أحمد فؤاد الأول
وزارة محمد توفيق نسيم باشا محمد توفيق نسيم باشا الملك فؤاد الأول
وزارة علي ماهر باشا علي ماهر باشا الملك فؤاد الأول
وزارة حسين سري باشا حسين سري باشا الملك فؤاد الأول
وزارة مصطفى النحاس باشا مصطفى النحاس باشا الملك فاروق الأول 1936 1937 الملك أحمد فؤاد الأول كلفه بتكوين الوزارة قبل وفاته
وزارة محمد محمود باشا محمد محمود باشا الملك فاروق الأول
وزارة علي ماهر باشا علي ماهر باشا الملك فاروق الأول
وزارة حسن صبري باشا حسن صبري باشا الملك فاروق الأول توفي يوم أفتتاح البرلمان وهو في منصبه
وزارة حسين سري باشا حسين سري باشا الملك فاروق الأول
وزارة مصطفى النحاس باشا مصطفى النحاس باشا الملك فاروق الأول 4 فبراير 1942 أكتوبر 1944 تولي الوزارة بسبب أقتحام الجيش البريطاني لقصر عابدين حادث 4 فبراير
وزارة أحمد ماهر باشا أحمد ماهر باشا الملك فاروق الأول أكتوبر 1944 24 فبراير 1945 تم أغتياله في البرلمان
وزارة محمود فهمي النقراشي السيد / محمود فهمي النقراشي الملك فاروق الأول 1945 1946
وزارة إسماعيل صدقي باشا إسماعيل صدقي باشا الملك فاروق الأول 1946 1946
وزارة محمود فهمي النقراشي السيد / محمود فهمي النقراشي الملك فاروق الأول 1946 28 ديسمبر 1948 تم اغتياله علي يد الأخوان المسلمين
وزارة إبراهيم عبد الهادي باشا إبراهيم عبد الهادي باشا الملك فاروق الأول
وزارة حسين سري باشا حسين سري باشا الملك فاروق الأول
وزارة مصطفى النحاس باشا مصطفى النحاس باشا الملك فاروق الأول 1950 1952 اقيلت بسبب حريق القاهرة 26 يناير 1952
وزارة علي ماهر باشا علي ماهر باشا الملك فاروق الأول
وزارة أحمد نجيب الهلالي السيد / أحمد نجيب الهلالي الملك فاروق الأول 1952 23 يوليو 1952 استقال بعد 18 ساعة فقط لقيام ثورة 23 يوليو.
وزارة حسين سري باشا حسين سري باشا الملك فاروق الأول
وزارة أحمد نجيب الهلالي السيد / أحمد نجيب الهلالي الملك فاروق الأول
وزارة علي ماهر باشا علي ماهر باشا الملك فؤاد الثاني
وزارة محمد نجيب اللواء /محمد نجيب اللواء محمد نجيب
وزارة جمال عبد الناصر وزارة السيد جمال عبد الناصر اللواء محمد نجيب
وزارة محمد نجيب اللواء محمد نجيب اللواء محمد نجيب
وزارة جمال عبد الناصر جمال عبد الناصر الرئيس جمال عبد الناصر
وزارة نور الدين طراف السيد نور الدين طراف الرئيس جمال عبد الناصر
وزارة كمال الدين حسين السيد كمال الدين حسين الرئيس جمال عبد الناصر
وزارة علي صبري السيد /علي صبري الرئيس جمال عبد الناصر 23 سبتمبر 1962 3 أكتوبر 1965
وزارة زكريا محيي الدين السيد /زكريا محيي الدين الرئيس جمال عبد الناصر 3 أكتوبر 1965 10 سبتمبر 1966
وزارة صدقي سليمان السيد صدقي سليمان الرئيس جمال عبد الناصر 10 سبتمبر 1966 19 يوليو 1967
وزارة جمال عبد الناصر الرئيس جمال عبد الناصر الرئيس جمال عبد الناصر 19 يوليو 1967 28 سبتمبر 1970
وزارة محمود فوزي د.محمود فوزي الرئيس أنور السادات 21 أكتوبر 1970 17 يناير 1972
وزارة عزيز صدقي د.عزيز صدقى الرئيس أنور السادات 17 يناير 1972 26 مارس 1973
وزارة محمد أنور السادات الرئيس محمد أنور السادات الرئيس أنور السادات 26 مارس 1973 25 سبتمبر 1974
وزارة عبد العزيز حجازي د.عبد العزيز حجازي الرئيس أنور السادات 26 مارس 1973 16 أبريل 1975
وزارة ممدوح سالم السيد ممدوح سالم الرئيس أنور السادات 16 أبريل 1975 2 أكتوبر 1978
وزارة مصطفى خليل السيد مصطفى خليل الرئيس أنور السادات 2 أكتوبر 1978 15 مايو 1980
وزارة محمد أنور السادات الرئيس محمد أنور السادات الرئيس أنور السادات 15 مايو 1980 6 أكتوبر 1981 تم اغتياله من قبل ضباط في الجيش تابعين للتنظيم الإسلامي
وزارة محمد حسنى مبارك الرئيس محمد حسنى مبارك الرئيس حسنى مبارك 6 أكتوبر 1981 2 يناير 1982
وزارة أحمد فؤاد محيى الدين السيد /أحمد فؤاد محيى الدين الرئيس حسنى مبارك 2 يناير 1982 5 يونيو 1984
وزارة كمال حسن على السيد كمال حسن علي الرئيس حسنى مبارك 5 يونيو 1984 4 سبتمبر 1985 استقال بسبب المتاعب الصحية
وزارة على لطفى محمود د.على لطفى محمود الرئيس حسنى مبارك 4 سبتمبر 1985 9 نوفمبر 1986
وزارة عاطف محمد صدقى د.عاطف محمد صدقى الرئيس حسنى مبارك 9 نوفمبر 1986 4 يناير 1996
وزارة كمال الجنزورى د.كمال الجنزورى الرئيس حسنى مبارك 4 يناير 1996 5 أكتوبر 1999
وزارة عاطف محمد عبيد د.عاطف عبيد الرئيس حسنى مبارك 5 أكتوبر 1999 9 يوليو 2004 استقال
وزارة أحمد نظيف د.أحمد نظيف الرئيس حسنى مبارك 9 يوليو 2004 حتى الآن

الزعيم المصرى الحر محمد فريد مناضل من طراز فريد


Dr Usama Shaalan(Papyrus) برديه الدكتوراسامه شعلان

محمد فريد واحد من كبار الزعماء الوطنيين، وقد ترأس الحزب الوطنى بعد وفاة مصطفى كامل،أنفق ثروته بالكامل فى سبيل القضية المصرية وإبان الاحتلال البريطانى لمصر كان المطلب الرئيسى لمحمد فريد وبالطبع لجميع المصريين هو الجلاء و الدستور، وكان يرى أنه فى سبيل تحقيق ذلك يجب أن يتم تعليم الشعب ليسهل تبصيره بحقوقه، ولذا فقد أنشأ محمد فريد مدارس ليلية فى الأحياء الشعبية فى القاهرة لتعليم الفقراء مجاناً، وقام بالتدريس فيها رجال الحزب الوطنى وأنصاره، ثم أخذ يعمم التجربة فى الأقاليم ووضع محمد فريد بذرة حركة النقابات، فأنشئ نقابة للعمال عام 1909 وقام بتوحيد مطالب الدستور وطبع منها عشرات الآلاف من النسخ، ودعا الشعب إلى توقيعها وإرسالها إليه ليقدمها إلى الخديو، ونجحت الحملة وذهب فريد إلى القصر يسلم أول دفعة من التوقيعات، وتلتها دفعات أخرى.
ذهب محمد فريد إلى أوروبا، كى يُعد مؤتمراً لبحث المسألة المصرية بباريس، وأنفق عليه من جيبه الخاص كى يدعو إليه كبار معارضى الاستعمار من الساسة والنواب والزعماء، لإيصال قضية المصرية إلى المحافل الدولية. وأثناء تواجده فى أوروبا نصحه أصدقاؤه بعدم العودة، بسبب نية الحكومة بمحاكمته، ولكن ابنته ناشدته أن يعود ويواجه الأزمة كالأبطال ،وبعدما عاد فريد حُكم عليه بالسجن ستة أشهر، ولدى خروجه من السجن كتب يقول: ” ى علىَ ستة أشهر فى السجن، ولم أشعر بالضيق إلا عند خروجى، لعلمى أنى خارج إلى سجن أكبر وهو سجن السلطة الذى يحرسه الاحتلال “.
استمر محمد فريد فى الدعوة إلى الجلاء والمطالبة بالدستور، حتى ضاقت به الحكومة المصرية الموالية للاحتلال، وبيتت النية لسجنه مجدداً، فغادر فريد البلاد إلى أوروبا سراً فى ٢٧ مارس ١٩٠٢، وبقى هناك إلى أن وافته المنية وحيداً وفقيراً فى ١٥ نوفمبر من عام ١٩١٩حتى أن أهله بمصر لم يجدوا مالاً كافياً لنقل جثمانه إلى وطنه، فبادر أحد تجار الخشب بالزقازيق وتكفل باستخراج التصاريح اللازمة لاستعادة جثمان فريد من برلين على نفقته الخاصة.
ومن الجدير بالذكر أن محمد فريد من مواليد 20 يناير عام ١٨٦٦ وتوفى عن عمر يناهز ٥٣ سنة. وقد ترك مؤلفات تاريخية مهمة من أشهرها ” تاريخ الدولة العليا العثمانية “.وقد عرفت مصر على يديه المظاهرات الشعبية المنظمة.

زعيم من طراز فريد
كان الزعيم محمد فريد متفردًا في كل مزاياه، فهو مسلم شديد التدين، وهو ثوري شديد الثورية، وهو متجرد ومخلص إلى أقصي درجة، وهو منحاز إلى الفقراء والمستضعفين برغم كونه من أسرة ثرية، ثم هو يعطي بلا حدود، فينفق معظم ثروته على العمل الوطني ويموت في المنفي فقيرًا مريضـًا.

الجامعة الإسلامية
محمد فريد هو خليفة مصطفي كامل على زعامة الحزب الوطني منذ 1907 وقبل ذلك كان الرجل الثاني في الحزب وهو رفيق كفاح مصطفي كامل منذ البداية وبالتالي فإن مبادئ الحزب الوطني في حياة مصطفي كامل هي نفسها مبادئ محمد فريد لأنه شارك في صنعها وآمن بها منذ البداية، ثم استمر على نفس المبادئ في فترة زعامته للحزب الوطني منذ 1907 وحتى وفاته سنة 1919، وكانت تلك المبادئ هي الجامعة الإسلامية ـ الجلاء ـ وحدة وادي النيل ـ الدستــور.
وفي إطار الإيمان بوحدة المسلمين ” الجامعة الإسلامية ” انفرد محمد فريد بتأجيج هذا الإيمان وقوته لدرجة أنه ألف كتابًا عن تاريخ الدولة العلية العثمانية طبع سنة 1893 م ثم أعيد سنة 1896 م ثم في سنة 1912 م مما يدل على ثبات موقف محمد فريد في هذا الصدد.
يقول محمد فريد في مقدمة هذا الكتاب :” إن الملك العثماني قد لم شعت الولايات الإسلامية، وإن التعصب الديني في الممالك الأوروبية قد قام لتفتيت هذه الوحدة، وإن الدولة العلية هي الحامية لبيضة الإسلام والمدافعة عن حرية شعوب الشرق والزائدة عن حياضه “.
ويقول الرافعي:” إن سياسة محمد فريد الإسلامية هي سياسة مصطفي كامل، فقد عمل على توثيق عري التعاون والتضامن بين الأمم الإسلامية، وكان يدعو إلى هذه الغاية في مقالاته وخطبه وأحاديثه “0
( الرافعي ـ محمد فريد، ص 496 ).
وقد اهتم محمد فريد في منفاه في أوروبا بإنشاء جمعية ترقي الإسلام، كما أصدر مجلة بالفرنسية للتحدث باسم هذه الجمعية وتعمل على نشر المقالات الإسلامية والأخبار التي تهم العالـم الإسلامـي0
كما حرص محمد فريد – كما يقول الرافعي- على توثيق علاقة مصر بتركيا، لكي يحبط المساعي الإنجليزية التي كانت ترمي إلى حمل الحكومة التركية بمختلف الوسائل على الاعتراف بمركز الاحتلال البريطاني في مصر0 ( الرافعي ـ محمد فريد، ص 496 )

الانحياز إلى الفقراء والمستضعفين
وانطلاقًا من فهم محمد فريد للإسلام وانطلاقًا من التزامه بمبادئ هذا الدين الحنيف فإن محمد فريد انحاز انحيازًا واضحًا إلى الفقراء والمستضعفين، كما أهتم بنشر التعليم، وتتجلى جهوده تلك في دراسته للميزانية في اجتماعات الحزب الوطني، ودعوته إلى تعديلها للإنفاق على إصلاح حالة الشعب والعناية بالصحة والأحياء الشعبية، ففي يوم 7 يناير سنة 1910م يقول محمد فريد :” إن هناك إهمال واضح للأحياء الشعبية، وهناك عدم اعتناء بصحة الأهالي لدرجة مروعة إذ ثبت بالإحصاء أن متوسط الوفيات في السنة يتراوح بين (80 –60 ) في الألف مع أنها في مدن أوربا لاتزيد عن 25 في الألف مطلقًا وليس هذا لفقر الميزانية المصرية ولكن من إهمال مصلحة الصحة وصرفها المبالغ المخصصة لها في الأحياء التي يقطنها الإفرنج وإهمالها باقي الأحياء “0
وفي نفس الخطبة يقول محمد فريد :” إن المعاهدات التجارية التي تبرمها الحكومة مع الدول لا تراعي مصالح البلاد الاقتصادية، فيجب الاهتمام بالحاصلات الضرورية للفقراء وعدم فرض ضرائب عليها، بل يجب فرض الضرائب والجمارك على المنتجات الأجنبية وتشجيع الصناعة الوطنية، وليس من المعقول أن نفرض على الحنطة والدقيق نفس الضرائب التي تؤخذ على الخمور، بل ليس من المعقول أن تفرض الحكومة ضريبة 80%على المغازل المصرية في حين تعفي صناعة الخمور منها “0
دعا محمد فريد إلى وضع تشريع للعمال يراعي مصالحهم ويرفع عنهم البؤس والجهل والإرهاق، كما أهتم بإنشاء نقابات للعمال والصناع لترقية أحوالهم والعناية بشئؤنهم، وساهم بنفسه في تأسيس نقابة للصناع بالقاهرة وهي نقابة عمال الصنائع اليدوية وأنشأ لها ناد ببولاق، كما أهتم بدعم قيادات الحزب الوطني، وساهم في إنشاء العديد من الجمعيات التعاونية الزراعية والصناعية في القرى والمدن، وقد وجه محمد فريد تلاميذه إلى بذل جهودهم لدعم الحركة التعاونية والمشروعات الاقتصادية وأعتبر هذا عملاً وطنيًا من الدرجة الأولي0 (الرافعي ـ محمد فريد ص 499 ).
كما وجه محمد فريد عنايته بالتعليم فسعي إلى تأسيس مدارس الشعب الليلية لتعليم الصناع والعمال مجانًا، وأسس العديد من هذه المدارس في القاهرة والبنادر، وكان يدعو دائمًا إلى تعميم التعليم الابتدائي وجعله مجانيًا وإلزاميًا لكل مصري ومصرية، كما ساهم في إنشاء الجمعيات الخيرية بهدف تأسيس المدارس، وعمل على إنشاء مدرسة ثانوية في كل مدينة، وكان من أهم العناصر المؤسسة لمشروع الجامعة المصرية، وأكتتب في مشروع الجامعة المصرية بمبلغ مائتي جنيه سنويا.
وقد وصل انحياز محمد فريد إلى الفقراء إلى درجة أن مدام رينيه سجلت بنفسها القول بأن أفكار محمد فريد تكاد تكون متقاربة مع أفكار لينين حول استغلال الرأسمالية لطبقات الشعب ( المصور، 14 نوفمبر 1969 حديث صحفي مع مدام رينيه الفرنسية ص 30، نقلاً عن د0 عصام ضياء الدين، الحزب الوطني والكفاح السري، الهيئة المصرية العامة للكتاب ص 115).
وفي الحقيقة فإن كراهية محمد فريد للرأسمالية وانحيازه للفقراء، كان نابعا من الإسلام، وأن اتفاقه في الأفكار مع لينين لا يرجع إلى إيمان محمد فريد بالماركسية أو الاشتراكية، بل يرجع إلى الفهم العميق للإسلام الذي كان يمثله محمد فريد وبديهي أن الإسلام ينحاز إلى الفقراء ويكره استغلال الشعوب، ويحارب الرأسمالية بطريقة أكثر جدوى وعلمية من الماركسية والاشتراكية وغيرها من المبادئ والنظريات الوضعية التي انهارت الآن بعد إفلاسها، ولو لجأت البشرية إلى الإسلام كحل لقضايا الظلم الاجتماعي لكان مصير البشرية الآن مختلفًا ولكان الفقراء والمستضعفين قد حصلوا على حقوقهم كاملة، ولكان عصر الرأسمالية البغيض قد أنهار منذ فترة طويلة.

الإعـداد للثورة
كان محمد فريد يؤمن بان الأسلوب الوحيد لمقاومة الاحتلال هو الكفاح الشعبي السلمي والمسلح ـ العلني السري ـ وقد سجل الدكتور عصام ضياء الدين في كتابه الرائع ” الحزب الوطني والكفاح السري 1907 ـ 1915 م الرأي بأن محمد فريد قد لعب دورًا كبيرًا بالاتفاق مع كل من عبد العزيز جاويش وإبراهيم الورداني في إنشاء وإدارة الكثير من المنظمات والجمعيات السرية بهدف تسليح الجماهير بالوعي والقوة والإعداد للثورة على الإنجليز والخديوي، وأن محمد فريد كان يستهدف إنشاء تنظيم سري وكبير في كل مكان استعداداً لتلك الثورة، وفي الحقيقة فإن سلطات الاحتلال قد أشارت إلى وجود 85 منظمة سرية مسلحة تابعة للحزب الوطني سنة 1910، وهو رقم كبير جدًا يدل على مدي انتشار تلك الجمعيات السريـة.
يقول د0 عصام ضياء الدين في نفس المرجع السابق الإشارة إليه ص 293 ” وفي الحقيقة فإنه لولا تلك الجهود التي بذلها الحزب الوطني وقيادته الثورية لما نشبت ثورة 1919، فمما لا شك فيه أن الكوادر الثورية التي خلقها الحزب في مصر كان مقدرًا لها القيام بالثورة قبل هذا التاريخ بسنوات ولكنه نظرًا لظروف الإرهاب والنفي والاضطهاد والتنكيل التي مارستها سلطات الاحتلال على الوطنيين أثر حادثة بطرس غالي وطيلة سنوات الحرب العالمية الأولي فإنه لم يكن هناك مناص من تأجيل الثورة، فالحزب الوطني حرك في المصريين مرة أخري مشاعر الثورة بعد السكون الرهيب الذي أطبق على الحياة في مصر بعد انتكاسة ثورتها سنة 1881 ـ 1882 م، وكانت الفترة من 1908 ـ 1912 م حين خرج محمد فريد من البلاد، فترة نضوج ثوري بعد جهود الحزب المخلصة في تحرير الشعب وممارسة العنف الثوري الذي تجلي في الحوادث العديدة التي شهدتها مصر منذ 1910 إلى 1915 .

ميشل إكم ده مونتن زعيم المشككين

برديه الدكتوراسامه شعلان

ميشل إكم ده مونتن

(عاش 28 فبراير 1533 – 13 سبتمبر 1592) كان واحداً من أكثر الكتاب تأثيراً في عصر النهضة الفرنسي، وقد عـُرِف بجعله المقالة صنفاً أدبياً. وقد اشتهر بقدرته دون جهد على مزج تقديرات فكرية جادة مع حكايات عابرة[1] والسيرة الذاتية — وعمله الهائل وترجمته الحرفية “محاولات”) يضم، حتى اليوم، بعض أكثر المقالات تأثيراً في التاريخ. وكان لمونتن تأثيراً مباشراً على الكتاب في مختلف أرجاء العالم، ومنهم رينيه ديكارت[1], بليز پاسكال، جان-جاك روسو، رالف والدو إمرسون، فريدريش نيتشه، شتفان تسڤايگ، إريك هوفر[1], إسحق عظيموڤ، وربما وليام شيكسپير (انظر القسم “الكتاب والتأثير” أدناه).
تعليمه
وصف جوزف سكا: ليجر مونتيني بأنه بائع رنجة. ولكن هذا العالم الكبير قفز جيلاً ذلك أن الجد، وأسمه جريمون إيكيم، هو الذي كان يصدر الأنبذة والأسماك المجففة من بوردو. وقد وردت هذه التجارة من جد ميشيل الأكبر ريمون إيكيم، الذي جمع المال للأسرة بهذه الطريقة، ثم اشترى (1447) القصر والضيعة المعروفين باسم مونتيني على تل خارج المدينة. ووسع جريمون ميراثه بزواج حكيم. أما ابنه بيير غيكيم فقد فضل الحرب على الرنجة، وانخرط في الجيش الفرنسي، وقاتل في إيطاليا مع فرنسيس الأول، وعاد بندوب وبآثار من النهضة، وارتقى إلى منصب عمدة بوردو. وفي عام 1528 تزوج انطوانيت، أبنة تاجر غني من تولوز يهودي المولد، مسيحي العماد، إسباني الثقافة. وولد ميشيل إبكيم، الذي أصبح السيد الإقطاعي على مونتيني، لبيير وانطوانيت، وقد اختلط في رأسه الدم الغسقوني واليهودي. ثم زاد أفقه اتساعاً أن أباه كان كاثوليكيا تقياً، وأمه على الأرجح بروتستنتية، وأخته وأخاه كالفنيين. وكان لبيير آراء في التعليم يقول عنه ميشيل “إن هذا الأب الطيب أرسلني حتى وأنا بعد في المهد لأنشأ في قرية فقيرة يمتلكها، وأبقاني فيها طوال الرضاع وبعده بقليل، لأتربى أفقر وأبسط تربية شائعة(20) “. وبينما كان الصبي في الحضانة عين له تابع ألماني لم يكلمه بغير اللاتينية. “ناهزت السادسة وأنا لا أفهم من الفرنسية أكثر مما أفهم من العربية(21) “.

فلما دخل كلية جيين كان أساتذته (فيما عدا جورج بوكاتان) يكرهون التحدث إليه باللاتينية، لأنه يتكلمها بطلاقة. وقد برز فيها إلى هذا الحد “دون كث ” أو قواعد، أو نحو، أو ضرب بالسياط، أو أنين ونواح “. ولعل الأب كان قد قرأ ما قاله رابليه في التعليم. فحاول أن ينشئ ولده على لمبادئ التحررية، مؤثراً الحب على القسر. واستطاب مونتيني هذا النظام وأوصى به في خطاب طويل عن التعليم(22)، وصرح أنه كتب إلى الليدي ديان دفورا، ولكنه أنكره في مقال متأخر وأوصى بالعصا معيناً مقنعاً للمنطق(23). كذلك لم يحذ حذو أبيه في تفضيله اللاتينية أو الدراسات الكلاسيكية. ومع أن ذاكرته كانت فياضة بالشواهد والمثل الكلاسيكية، إلا أنه أستنكر الاقتصار على التعليم الكلاسيكي، واحتقر التعليم من الكتب والمكبين على الكتب، وآثر على هذا كله الاهتمام بتدريب الجسد لنيل الحكمة والفضيلة. “لسنا في حاجة إلا لقليل من التعليم لكي تكون لنا عقول سليمة(24) “. وقد نتعلم من مباراة في التنس أكثر مما نتعلم من خطاب لاذع ضد كاتلين. وينبغي أن يربى البدن على أن يكون جلداً شجاعاً، قادراً على تحمل الحر والبرد دون تذمر، وعلى إساغة مخاطر الحياة التي لا مفر منها. كان مونتيني يستشهد بالكتاب الأثينيين، ولكنه آثر طرق الأسبرطين في العيش، مثله الأعلى فضيلة رجولية، تقريباً بالمعنى الروماني الذي جعل هذه العبارة نافلة- وأضاف إليه المثل الأعلى الإغريقي “لا إفراط “- الاعتدال في كل شيء، حتى في الاعتدال، فعلى المرء أن يشرب الخمر في اعتدال، على أن يكون قادراً إن دعته المناسبة على الشرب الكثير دون أن يغيب عن وعيه.

وقد يكون السفر جزءاً هاماً من التعليم إذا تركنا أهوائنا وراءنا. “قيل لسقراط إن فلاناً لم يفده السفر مثقال ذرة، فأجاب: أجل، لأنه حمل نفسه معه في سفره “(25). فإذا استطعنا أن نفتح عقولنا وعيوننا وجدنا الدنيا خير كتاب نقرأه، لأن “الكثير جداً من الأمزجة الغريبة والملل المتعددة … والآراء المتنوعة، والقوانين المختلفة، والعادات الظريفة، تعلمنا أن نصدر الحكم السليم على نظائرها عندنا(26) “. ثم بعد السفر يأتي التاريخ يحيط بأفضل العقول في خير العصور… فأي فائدة لا تجنيها… بقراءة “تراجم ” بلوتارخ؟(27) ” وأخيراً يجدر بالطالب أن يتلقى بعض الفلسفة- لا “جدليات المنطق الشائكة ” بل الفلسفة التي تعلمنا كيف نعيش… وما يجب معرفته وما لا يجب، وما الشجاعة، والاعتدال ، والعدل، وأي فرق بين الطموح والجشع، والرق والحرية، وما العلامات التي يتبين الرجل بها القناعة الصادقة الكاملة؛ وإلى أي حد يجب أن يخاف… الموت أو الألم أو العار…. إن الطفل القادم من الحضانة أقدر على تلقي (هذه الدروس) من تعلم القراءة والكتابة(28) “.

Michel de Montaigne.وبعد أن أنفق مونتيني سبع سنين في كلية جيبن دخل الجامعة ليدرس القانون. وما من شيء كان أقل من هذه الدراسة تجانساً مع عقله المستطرد وحديثه الواضح. فهو لا يمل من إطراء العادة وذم القانون. وقد لاحظ في ابتهاج أن فرديناند الثاني ملك اسبانيا لم يبعث محامين إلى أمريكا الأسبانية مخافة أن يضاعفوا أسباب النزاع بين الهنود، وتمنى لو أنه منع الأطباء أيضاً مخافة أن يخلقوا بعقاقيرهم أمراضاً جديدة(19). وعنده أن شر البلاد ما استكثر من القوانين، وقدر أن بفرنسا منها “أكثر مما لدى بقية العالم “. ولم ير أي تقدم في نزعة القانون الإنسانية، وتساءل هل بين الهمج وحشية كتلك التي يمارسها القضاة ذوو العباءات، ورجال الكنيسة الحليقو الرؤوس، في غرف التعذيب بالدول الأوربية(30). وافتخر بأنه “حتى اليوم (1578؟) أنا بريء من جميع الدعاوى القانونية(31) “.

صداقته وزواجه
ومع ذلك نجده عام 1557 مستشاراً في محكمة الاعانات في بيريجو، وعام 1561 عضواً في برلمان بوردو- وهو المحكمة البلدية. وهناك لقى وأحب إتيين دلابويتي. وقد رأينا في موضع آخر من هذا الكتاب أن هذا الأرستقراطي الشاب كتب وهو بعد في الثامنة عشر، مقالاً مشبوب العاطفة ولكنه لم ينشره، واسمه “مقال عن الرق الاختياري “، وقد اشتهر باسم “كونتران “- أي ضد حكم الرجل الواحد؟ وقد دعا الشعب فيه بكل البلاغة التي أوتيها دانتون فيما بعد، إلى الثورة على الحكم المطلق. ولعل مونتيني نفسه شعر ببعض الحماسة الجمهورية في شبابه. على أي حال جذبه هذا المتمرد النبيل، الذي بدا له- وكان يكبره بثلاث سنوات- آية في الحكمة والنزاهة:

“لقد فتش الواحد منا عن صاحبه قبل أن يراه، ومن الأخبار التي سمعها عنه… أظن أننا بأمر سري من السماوات تعانقنا باسمينا. وعند أول لقاء لنا، وكان بالصدفة في وليمة كبيرة واجتماع مهيب لمدينة بأسرها، وجدنا نفسينا مندهشين، متعارفين،… مرتبطين، بحيث أن شيئاً من الأشياء لم يقترب منا بعد ذلك اقتراب كل منا من صاحبه(22). ما السر في هذه الصداقة العميقة؟ يجيب مونتيني “لأنه كان هو، ولأنني كنت أنا(23) “- لأنهما كانا مختلفين اختلافاً جعلهما يكمل الواحد منهما صاحبه. ذلك أن لابويتي كان المثالية كلها، والاخلاص الحار، والرقة والحنان، أما مونتيني فكان فيه من الثقافة والحصافة وعدم التحيز ما يمنعه من التفاني إلى هذا الحد، وقد وصفه هذا الصديق ذاته بأنه “يميل إلى الرذائل والفضائل البارزة على السواء(34) “. وربما كانت أعمق تجربة مر بها مونتيني في حياته هي مشاهدته صديقه يحتضر. ففي عام 1563، وخلال طاعون تفشى في بوردو، مرض لابويتي فجأة بالحمى والدوسنتاريا. وقد احتمل موته البطيء بجلد رواقي وصبر مسيحي لم يغب قط عن ذاكرة صديقه الذي ظل ملازماً لفراشه في تلك الايام الأخيرة. وورث مونتيني مخطوطة المقال الخطر وخبأها ثلاثة عشر عاماً، ثم نشرت منه نسخة في طبعة مسروقة (1576) وهنا نشر الأصل، وأوضح أنه تدريب في البلاغة لصبي “في السادسة عشرة “.

وجعلت هذه الصداقة كل علاقة إنسانية بعدها تبدو لمونتيني تافهة غثة. وقد اكتسب المرة بعد المرة أن نصفه مات مع لابويتي “لقد ألفت أن أكون دائما أثنين، ولم اعتد أن أكون وحدي قط، حتى ليخيل إلي أنني لست إلا نصف نفسي(35) “. وفي حرارة هذه الذكرى رفع الصداقة فوق الحب بين الوالد والولد، والفتاة والفتى، والزوج والزوجة، ويبدو أنه لم يكن يشعر بأي عاطفة رومانسية نحو أي امرأة. “في شبابي عارضت الأفكار الشائعة عن الحب، والتي أحسست أنها تغلبني على أمري، وجاهدت لأقلل من متعة مخافة أن… يسترقني في النهاية ويضعني تحت رحمته(36) “. ولا يعني هذا أنه لم تكن له أويقات غرام، فهو على العكس يعترف بعلاقات واسعة متعددة قبل زواجه(37). وقد وصف الحب الجنسي بأنه “ليس إلا لذة تدغدغ الجسم نتيجة إفراغ الأوعية المنوية، أشبه باللذة التي تعطينا إياها الطبيعة في إفراغ الأعضاء الأخرى. وروى أنه من المضحك أن الطبيعة “خلطت لذاتنا وأوساخنا معا(38) “.

وقد وافق الفلاسفة، على أن حافز الجماع ليس مبرراً للزواج. “لست أرى زيجات أسرع فشلاً وأكثر كدراً كتلك التي تعقد من أجل الجمال، أو تتم في عجلة إستجابة لرغبات الغرام(39) “. فالزواج يجب أن يرتبه “طرف ثالث “، وينبغي أن يرفض صحبة الحب (الجنسي) وشروطه “وأن يحاول شروط الصداقة “، ويجب أن يصبح الزواج صداقة إن أريد له البقاء. وكان يميل إلى رأي المفكرين اليونان القاتل بأن على الرجل ألا يتزوج قبل الثلاثين. وقد اجتنب هذا الرباط أطول ما استطاع. وإذ كان لا يزال أعزب وهو في الثامنة والعشرين، فإنه سافر إلى باريس، وافتتن بها(40)، واستمتع بحياة البلاط حيناً (1562)، ورأى الهنود الأمريكيين في روان، وتردد بين مفاتن الحضارة والهمجية المتنافسة، ثم عاد إلى بوردو، وتزوج فرانسواز دشاسين (1565).

ويلوح أنه تزوج لأسباب منطقية تماماً: هي أن يكون له بيت وأسرة، وأن يورث الأسرة ضيعته واسمه. وفي صفحاته الخمسمائة والألف لا يكاد يذكر شيئا عن زوجته- ولكن لعل هذا من قبيل حسن الأدب، وهو يزعم أنه كان وفياً لها، “مع أن الناس يذيعون عني أنني إباحي، إلا أنني (بنية صادقة) تقيدت بقوانين الزواج بدقة أكثر مما وعدت أو أملت(41) “. وكانت تغتفر استغراقات العبقرية في ذاتها، وتعني بكفاية بالبيت والأرض وحتى بالحسابات، لأنه لم يكن يميل إلى الأشغال التجارية. أما هو فقد أعطاها الاحترام كله، وأمارة حب أو كلمته بين الحين والحين- كاستجابة الشاكرة لمساعدتها السريعة له بعد سقوطه من ظهر جواده، وكاهدائه إياها طبعته للترجمة التي قام بها لابويتي لخطاب بلوتارخ “خطاب عزاء “. وكان زواجاً موفقاً، وعلينا ألا نأخذ مأخذ الجد الشديد تلك السخريات الموجهة ضد النساء في “مقالات مونتيني “، فقد كانت بدعة فاشية بين الفلاسفة. وولدت له فرانسواز ستة أطفال، كلهم بنات، متن جميعا في طفولتهن إلا واحدة، يتكلم عنها في حنان(43). وحين بلغ الرابعة والخمسين تبنى في أسرته فتاة في العشرين اسمها ماري دجورنيه “أحببتها حباً صادقاً يفوق حب الأب لابنته واعتبرتها جزءاً من خير أجزاء كياني، وهبت لي في بيتي وعزلتي(43) “. إنه لم يكن فوق مشاعر الانسانية المشتركة بين البشر.

مقالاته
في عام 1568 مات أبوه، فورث ميشيل الضيعة بوصفه الابن الأكبر. وبعد ثلاث سنوات أو أربع استقال من برلمان بوردو، واعتزل ضوضاء المدينة إلى ملل الريف. ولكن حتى في الريف كان السلام قلقاً، لأن الحرب الدينية كانت تقسم فرنسا ومدنها وأسرها، فالجنود يغيرون على القرى، ويدخلون البيوت ويسرقون، وينتهكون الأعراض، ويقتلون. “ذهبت إلى فراشي ألف مرة… وأنا أتخيل أنه قد يخونني من ائتمنت أو قد أذبح في فراشي”. ورغبة في ثني القوم عن العنف كان يترك أبوابه غير موصدة ويأمر بأن يستقبل المغيرون إن أتوا دون مقاومة. على أنهم لم يأتوا، وترك مونتيني حراً ليعيش في ركنه الفلسفي بين صراع العقائد وصليل السيوف، وبينما كانت باريس وغيرها من الأقاليم تقتل البروتستنتية في مذبحة القديس برتلميو، كتب مونتيني أجل أثر في النثر الفرنسي.

وكان أحب الخلوات إليه مكتبته الكائنة بالطابق الثالث من البرج الذي يرتفع في واجهة قصره الريفي (دمرت النار القصر عام 1885 ولكن البرج باق). وقد أحب مكتبته كنفسه. فكانت ذاته الثانية. “شكلها مستدير، وليس فيها جانب مستو إلا ما يصلح لمكتبتي ومقعدي، وهو وضع… يتيح لي بنظرة واحدة أن اشتمل ببصري كل كتبي…هناك كرسي؛ هناك عرشي. وأنا احاول أن أجعل حكمي فيها مطلقاً؛ وأن أخص بذلك المركز الوحيد دون صحبة زوجتي، وأطفالي، ومعارفي”.

وقل بين الرجال من استطاب مثله العزلة وهي أخوف ما نخاف:

“على المرء أن يفصل ويسترد نفسه من نفسه… علينا أن نحتفظ بمعين لأنفسنا… خاص بنا دون غيرنا… نختزن فيه حريتنا ونرسيها. إن أعظم شيء للإنسان في العالم أن يعرف كيف يكون نفسه. في مكتبته كان لديه ألف كتاب، أكثرها مجلد مزخرف، وكان يسميها “مواطن لذتي “، فيها استطاع أن يختار صحبته ويعيش مع أحكمهم وأخيرهم. ففي پلوتارخ وحده “لأنه يتكلم الفرنسية ” (في ترجمة لآميو ” استطاع أن يجد مائة عظيم يحضرون ويتحدثون إليه، وفي “رسائل ” سنكا الأصغر استطاع أن يتذوق رواقية لطيفة صيغت في عبارات رخيمة؛ هذان (ربما فيهما كتاب بلوتارخ “موراليا” ) كانا أحب المؤلفين اليه، “منهما أستقي مائي كما فعلت الدنايديات، وأملأ دون توقف حالما يفرغ الماء … والألفة التي تمت بيني وبينهما، والعون الذي يمدانني به في شيخوختي، وكتابي الذي لم أصغه إلا مما غنت منهما، كل أولئك يلزمني صيانة شرفهما(48).

وهو لا يستشهد بالكتاب المقدس أبداً (ربما لأنه مشهور جداً)، وإن اقتبس مراراً من القديس أوغسطين. وهو في الاغلب يؤثر القدامى على المحدثين، والفلاسفة على الآباء المسيحيين. كان “إنساني ” الفلسفة بقدر ما أحب آداب اليونان والرومان وتاريخهم، ولكنه لم يكن عابداً أعمى للكلاسيكيات والمخطوطات والمحفوظات، ورأيه في أرسطو أنه سطحي، وفي شيشرون أنه ثرثار دعي. ولم يكن مطلعاً كل الاطلاع على آثار اليونان، ولكنه استشهد بالشعراء اللاتين في تبحر طواف ألم حتى بواحد من أخص ابجرامات مارشال. وقد أعجب بڤيرجل، ولكنه فضل عليه لوكريتيوس. وقرأ “الأقوال المأثورة ” لأرزم في نهم. وكان في مقالاته الأولى متحذلقاً، يرصع كلامه بالعبارات الكلاسيكية المعادة. ومثل هذه الاقتباسات كانت تتفق وأسلوب العصر، وقد استطاب القراء ممن لم تسعفهم قدراتهم على قراءة الأصول هذه النماذج باعتبارها نوافذ صغيرة يلمحون منها العالم القديم، وشكا بعضهم من أنه لم يستكثر منها. ولكن من كل سرقاته الصغيرة خرج مونتن هو هو على نحو فذ، ضاحكاً من الحذلقة، محدداً فكره وكلامه. فهو في ظاهره أشبه بالمقص واللصوق، ولكن مذاقه طيب كطعام الآلهة.

وهكذا، على مهل صفحة فصفحة، ويوماً بعد يوم، كتب “المقالات”، بعد عام 570 . والأسلوب هو الرجل، طبيعياً، حميماً، وثيقاً، وإنها لراحة أن يتحدث إلينا أحد أئمة الفكر بهذه الألفة. أفتح أي صفحة في مقالاته، تجده يمسك بذراعك ويسوقك معه دون أن تعرف، وقلما يهمك، إلى أين يمضي بك. كان يكتب جزءاً فجزءاً، في أي موضوع يخطر بباله أو يوافق مزاجه؛ ويستطرد في فوضى بعيداً عن الموضوع الاصلي أثناء تجواله، فترى مقاله “عن المركبات ” مثلا ينطلق مخترقاً روما القديمة وأمريكا الجديدة. وفي المجلدات الثلاثة ثلاثة تتألف من استطرادات. لقد كان مونتن كسولاً، وما من شيء أشق من خلق النظام وحفظه من الأفكار أو الرجال. وقد أعترف بأنه “متموج متنوع ” ولم يقدس الثبات على الآراء؛ فكان يغير آراءه كلما تقدم به العمر، وإنما الصورة المركبة النهائية هي مونتن.

ووسط تدفق أفكاره المضطرب تجد أسلوباً واضحاً كأنه البساطة بعينها. ومع ذلك تراه يتألق باستعارات عجيبة كاستعارات شكسبير، وبنوادر منيرة تحول المجرد فور الواقع. ويختطف فضوله الفاحص هذه الأمثلة أينما وجدها دون اكتراث لأي معوق خلقي. وهو يسلمنا في عناية ملاحظة تلك المرأة التولوزية التي شكرت الله بعد أن غشيها عدة جنود “لأنني مرة في حياتي ملأت بطني دون أن آثم.

الفيلسوف
إنه يزعم أن لديه موضوعاً واحداً- هو نفسه. “إني أنظر داخل نفسي، ليس لي شأن إلا مع نفسي، فأنا لا أكف عن النظر في أمر نفسي … وتذوقها(53) “. وهو يعمد إلى دراسة الطبيعة البشرية مباشرة، عن طريق دوافعه، وعاداته، ومحابه، ومكارهه، وأسقامه، ومشاعره، وأهوائه، ومخاوفه، وأفكاره. إنه لا يقدم لنا ترجمة ذاتية، فهو لا يكاد يذكر في المقالات شيئاً عن اشتغاله مستشاراً أو عمدة، ولا عن أسفاره في زياراته للبلاط، وهو لا يكشف عن دينه أو مذهبه السياسي، بل يعطينا شيئا أثمن- ذلك التحليل الصريح النفاذ لجسمه وعقله وخلقه. وهو يبسط أخطاءه ورذائله واسهاب. وتحقيقاً لهدفه يستأذن في أن يتكلم بحرية، فهو عامد إلى انتهاك أصول الذوق السليم ليعرض علينا إنساناً عاري الجسد والروح. تراه يتحدث في صراحة صاخبة عن وظائفه الطبيعية، ويستشهد بالقديس أوغسطين وفيف في موضوع التطبل اللحني (امتلاء البطن بالغازات)، ويطيل التأمل في الجماع:

“كل منا يجتنب رؤية إنسان يولد، ولكن الجميع يهرعون لرؤيته يموت. فلهدمه نلتمس مكاناً ونوراً قوياً، ولكنّا لبنائه نختبئ في ركن مظلم ونعمل في تكتم ما استطعنا(54) “.

وحتى مع هذه الصراحة يزعم أنه مارس شيئا من التحفظ. “إني أقول الحق، لا كما أشتهي، بل على قدر ما أجرؤ(55) “. وهو يقول لنا الكثير عن نفسه الجسدية، ويرعى صحته من صفحة إلى صفحة. فالصحة هي الخير الاعظم “والشهرة والمجد يشتريهما رجل في مثل مزاجي بثمن غال، باسم الله(56) “، وهو يسجل تقلبات أمعائه في تفصيل المحب لها. لقد بحث عن حجر الفلاسفة ووجده مستكناً في مثانته. وكان يأمل أن ينزل هذا الحصى في نشوة من الحب، ولكنه بدلا من ذلك وجد أنه “يخونه إلى حد غريب(57) ” ويهدده بالعجز في غير أوانه. وقد عزى نفسه بقدرة يفخر بها، هي “أن أقبض مائي عشر ساعات كاملة(58) وأن يظل على سرجه دون أن يناله الاعياء الشديد. كان بدينا قوياً، يأكل بنهم حتى كاد يعض أصابعه في شرهه. وقد أحب نفسه في لذة لا يعتريها الملل.

كان مغروراً بنسبه، وبشعار نبالته(59)، وبثيابه الفاخرة، وبما نال من تشريف حين أصبح أحد فرسان القديس ميخائيل- وكتب مقالاً “في الغرور “. وهو ينسب لنفسه أكثر الرذائل، ويؤكد لنا إن كان فيه فضيلة فإنها تسللت إليه خلسة. ومع ذلك فإن لديه الكثير من هذه الفضائل: الأمانة، والطيبة، وروح الفكاهة، والاتزان، والرحمة، والاعتدال، والتسامح. وكان يقذف بالأفكار المتفجرة في الهواء، ثم يلقفها ويطفئها قبل أن تسقط. وفي عصر المذابح العقائدية توسل إلى إخوانه في الإنسانية أن يعتدلوا في تعصبهم هذا الجانب من المقتلة، وأعطى العالم العصري مثالاً من أول أمثلته في العقل المتسامح. ونحن نغتفر له عيوبه لأننا نشاركه فيها، ونجد تحليله لنفسه ساحراً لأننا نعلم أننا نحن الذين يروي هذه القصة عنهم.

ولكي يحسن فهم نفسه درس الفلاسفة. وقد أحبهم على الرغم من دعاواهم المغرورة بأنهم يحللون الكون ويرسمون مصير الانسان وراء القبر. ونقل عن شيشرون قوله “ما من شيء سخيف قيل إلا سبق أن قاله أحد الفلاسفة(60). وقد امتدح سقراط لأنه “أنزل الحكم البشرية من السماء حيث طال ضياعها، ليردها إلى الإنسان من جديد(61) “. وردد نصيحة سقراط بدرس أقل العلوم الطبيعية، وأكثر للسلوك الإنساني. لم يكن له “مذهب ” بعينه يدين به، فلقد كانت أفكاره في تطور دائم الحركة بحيث استحال على أي تسمية أن تقيد تحليقه الفلسفي.

ففي بواكير تفكيره الجريئة اعتنق الواقية. إن المسيحية التي تفرقت شيعاً يقتل فيها الناس أخوتهم ، ولطخت نفسها بدم الحرب والمذابح، قد اخفقت بجلاء في أن تعطي الإنسان قانوناً خلقياً قادراً على ضبط غرائزه، لذلك اتجه مونتيني إلى الفلسفة ملتمساً مبدأ خلقياً طبيعياً، وفضيلة لا ترتبط بقيام العقائد الدينية وسقوطها. وبد له أن الرواقية قريبة من هذا المثل الأعلى، فهي على الأقل شكلت بعضاً من أعظم الرجال في العصور القديمة. وجعلها مونتيني مثله الأعلى حيناً، فهو مدرب إرادته على التحكم في نفسه، وهو صادف عن كل العواطف التي تكدر سلامة سلوكه أو هدوء عقله، وهو مواجه صروف الدهر بجأش رابط، متقبل الموت ذاته على أنه نهاية طبيعية مغتفرة.

وبقي في عرق رواقي إلى النهاية، ولكن روحه الجياشة وجدت بعد قليل فلسفة أخرى تبرر ذاتها. لقد تمرد على رواقية تبشر باتباع “الطبيعة ” وتحاول مع ذلك قمع الطبيعة في الإنسان، وقد فسر “الطبيعة ” من خلال طبيعته هو، وقرر أن يتبع رغباته الطبيعية، ما دامت لاتحدث أذى محسوساً. وسرّه أن يجد أبيقور مدافعاً عاقلاً عن المتع السليمة، لا شهوانياً رخيصاً، وأدهشه أن يكتشف قدراً كبيراً من الحكمة والعظة في لوكريتيوس. فأعلن الآن في حماسة شرعية اللذة. أما الخطيئة الوحيدة التي تبنيها فهي الإفراط. ” ان الإفراط هو الطاعون الذي يفتك باللذة، والاعتدال ليس سوط اللذة، بل الملطف لها(62) “.

ومن تذبذب آرائه، ومن انحطاط المسيحية المعاصرة في فرنسا، انتهى إلى الشكوكية التي اصطبغ بها أكثر فلسفته بعد ذلك. وكان أبوه قد ثأر بكتاب “اللاهوت الطبيعي ” الذي ألفه اللاهوتي التولوزي ريمون سبوند (مات 1437؟) والذي واصل جهد السكولستيين النبيل في البرهنة على معقولية المسيحية. وطلب الأب إلى ابنه أن يترجم البحث، نفعل، ونشر الترجمة (1569). واستنار به السنيون الفرنسيون، ولكن بعض النقاد اعترضوا على حجج ريمون. وفي عام 1580 أدخل مونتيني في “الكتاب ” الثاني من “مقالاته ” فصلاً مائتي صفحة فيه “دفاع عن ريمون سبوند ” عمد فيه إلى الرد على الاعتراضات. ولكنه لم يفعل هذا إلا بالتخلي على هدف ريمون، محتجاً بأن العقل أداة محدودة لا يوثق بها، وأنه خير لنا أن نرسي الدين على الأيمان بالكتب المقدسة وبالكنيسة الأم المقدسة؛ وهكذا هدم مونتيني ريمون في واقع الأمر حين يفهم منه ظاهرياً أنه يؤيده. وقد رأى بعضهم، مثل سانت بوف، أن هذا “الدفاع ” ليس إلا حجة ساخرة لتأييد عدم الإيمان(63). أياً كان الأمر، فهو أشد ما كتبه مونتيني هدماً، وربما كان أكمل عرض للشكوكية في الأدب الحديث.

ويؤكد لنا مونتيني، قبل لوك بزمن طويل، أن “المعرفة كلها توجه إلينا بواسطة الحواس(64) “. وأن العقل يعتمد على الحواس ولكن الحواس خداعة في تقاريرها محدودة جداً في رقعتها، ومن ثم كان العقل لا يعتمد عليه. “أن باطن الانسان وظاهره مملوءان ضعفاً وكذباً “(65). (وهنا، في بداية عصر العقل، وقيل بيكون وديكارت بجيل، يسأل مونتيني ذلك السؤال الذي لايقفان ليسألاه، والذي سيسأله بسكال بعد ثمانين عاماً، والذي لا يتصدى له الفلاسفة حتى مجيء هيوم وكانط، لم يجب أن نثق بالعقل؟) بل إن الغريزة مرشد أسلم من العقل. فأنظر كيف يحيا الحيوان بالغريزة حياة ناجحة- أحيانا على نحو أحكم من الانسان. هناك فرق بين بشر وبشر أكثر كثيراً من الفرق بين البشر والحيوان(66) “. وليس الانسان مركزاً للحياة كما أن الأرض ليست مركزاً للكون. ومن التبجح أن يظن الانسان أن الله يشبهه، أو إن شئون البشر هي مركز اهتمام الله، أو أن العالم وجد ليخدم الإنسان. ومن السخف أن نظن أن في إستطاعة عقل الانسان أن يسير طبيعة الله. “أيها الانسان الأحمق، يا من تعجز عن خلق دودة، ولكنك تريد أن تخلق أرباباً بالعشرات! “(67).

ويصل مونتيني إلى الشكوكية بطريق آخر- وهو التأمل في تنوع وتذبذب الإيمان بالقوانين والأخلاق، وبالعلم والفلسفة والدين، فأي هذه الحقائق هو الحق؟ وهو بفضل الفلك الكوبرنيقي على الفلك البطلمي، ولكن “من يدري، فلعل رأياً ثالثاً يأتي بعد ألف سنة قد يقلب هذين الرأيين ” و “أليس أكثر احتمالاً أن الجرم الضخم الذي نسميه الدنيا شيء آخر غير ما نحكم به عليه؟(68) ” و “ليس هناك علم “، إنما هي فروض دعية لعقول مغرورة(69). وخير الفلسفات قاطبة فلسفة برو- وخلاصتها أننا لا نعرف شيئاً. “أن أكبر مقدار فيما نعرفه هو أقل مقدار فيما نجهله(70) ” “وما من شيء يؤمن الناس به إيماناً أرسخ من إيمانهم بما يعرفونه أقل معرفة ” و “إن الاقتناع باليقينية شاهد واضح على الحمق(71) “. وبعبارة موجزة، ليس هناك وجود ثابت، لا لكياننا ولا للأشياء. ونحن، وحكمنا وكل الأشياء الفانية الأخرى، لا تكف عن الدوران، والتحول، ثم الزوال، فلا شيء يمكن إثباته على التحقيق. وليس بيننا وبين الوجود اتصال(72). إذن فشفاء لكل الجراح يختم مونتيني باعادة تأكيده لإيمانه المسيحي، والإشادة بالإله الذي لا يمكن استكناهه(73).

بعدها طبق شكوكيته على كل شيء، دائماً مع انحناءة احترام للكنيسة. وأصبح شعاره “ماذا أعرف “، محفوراً على خاتمه ومكتوباً على سقف مكتبته. وزينت شعارات أخرى عوارض السقف المماثلة “الحجج المؤيدة والمعارضة كلاهما ممكن “، “يجوز لا يجوز “، “لا أقرر شيئا، لا أفهم الأشياء؛ أعلق حكمي؛ أمتحن(74). “وبعض هذا الموقف آخذه عن شعار سقراط “لا أعرف شيئاً “، وبعضه عن برو، وبعضه عن كورنيليوس أجريبا، وكثير منه عن سيكستوس أمبيريكوس، قال، منذ الآن “سأقيد نفسي بما أرى وأمسك به، ولا أذهب بعيداً عن الشاطئ “(75).

ورأى الآن النسبية في كل مكان، والمطلقات في غير مكان، وأقلها في مقاييس الجمال، ويجد فيلسوفنا الشهواني متعة بالغة في ملاحظة مختلف الآراء بين مختلف الشعوب عن مقومات الجمال في ثدي المرأة(76). وهو يعتقد أن كثيراً من الحيوان يفوقنا جمالاً، ويرى أننا كنا حكماء حين اكتسينا بالثياب، وهو يدرك إن دين الإنسان وأفكاره الخلقية تقررها بيئته عادة. “إن طعم الخير أو الشر يتوقف إلى حد كبير على رأينا فيها “، وهو ما سيقوله شكسبير، و “إن الناس تعذبهم آراؤهم عن الأشياء لا الأشياء ذاتها “(77)، وقوانين الضمير لا تنبعث من الله بل من العادة. وما الضمير إلا القلق الذي نحسه حين ننتهك عرف قبيلتنا(78).

وكان لمونتيني من الفطنة ما منعه من الرأي بأن الأخلاق يصح إغفالها ما دامت نسبية. فهو على العكس منذ لك آخر من يمس ثباتها واستقرارها. وهو يتكلم بجرأة عن الجنس، ويطالب بكثير من الحرية- للرجال، ولكنك إذا دققت النظر فيه وجدته فجأة سيئاً. فهو يوصي بالعفة للشباب، وحجته أن الطاقة التي تبذل في الجنس مصدرها مستودع القوة المشترك في البدن، وهو يلاحظ أن الرياضيين الذين كانوا يتدربون للألعاب الأولمبية “أمسكوا عن جميع الأفعال الجنسية وامتنعوا عن ملامسة النساء “(79).

وكان بعض من يمد شكوكيته إلى الحضارة ذاتها، وأن يسبق في ذلك روسو وشاتوبريان. أوحى إليه الهنود الذين رآهم في روان بأن يقرأ تقارير الرحالة؛ ومن هذه الروايات كتب مقالة “عن أكلة لحوم البشر ” وعنده أن أكل الموتى أقل همجية من تعذيب الأحياء. “لست أجد في هذه الأمة (أمريكا الهندية) شيئاً همجياً ولا وحشياً، إلا إذا سمي الناس ما لم يألفوه همجية “(80). وقد تخيل هؤلاء الوطنيين أصحاء لا يمرضون إلا نادراً، سعداء دائماً تقريباً، عائشين في سلام وطمأنينة دون قوانين(81) وامتدح فن الأراتكة وطرق الأنكا. وأجري على لسان هنود روان تنديداً بثراء أوربا وفقرها. “لقد أدركوا أن بيننا رجالاً اتخموا بكل أنواع السلع في حين يتضور غيرهم جوعاً، وعجبوا كيف تحمل الفقراء هذا الظلم ولم يأخذوا بتلابيب الآخرين “(82). وقارن بين أخلاق الهنود وأخلاق فاتحي بلادهم، واتهم هؤلاء إن المسيحيين المزعومين… جلبوا عدوى الرذيلة لنفوس بريئة تواقة للعلم، طيبة بطبيعتها(83) “. ونسي مونتيني لطفه لحظة فتفجر في غضبة مضرية للحق: “ما أكثر المدن العامرة التي نهبت وسويت بالتراب، وما أكثر الأمم التي دمرت أو أقفرت من أهلها. وكم من ملايين لا تحصى من الناس الأبرياء من الجنسين، ومن جميع المراكز، والأعمار، قتلوا ونهبوا وأعمل فيهم السيوف؛ وأغنى بقاع الأرض وأجملها وأفصلها قلبت ظهراً على عقب وخربت وشوهت من أجل تجارة اللؤلؤ والفلفل! إيه أيتها الانتصارات الآلية، ويا أيها الغزو الوضيع!(84) “.

أكان احترامه للدين مخلصاً؟ واضح أن تنقيبه في الكلاسيكيات قد قطعه منذ زمن طويل من تعاليم الكنيسة. لقد احتفظ بإيمان غامض بالله الذي تمثله آنا في الطبيعة، وآنا في روح الكون، ذلك العقل غير المفهوم للعالم. وهو أحياناً يحس إحساس لير في مسرحية شكسبير، “إن الآلهة تلعب بنا الكرة فتقذفنا علواً وسفلاً(85) “. ولكنه يتهكم بالألحاد لأنه “شيء غير طبيعي وبشع(86) “، ويرفض اللاأدرية باعتبارها نوعاً آخر من الجماطية، فأبى لنا أن نعرف أننا لن نعرف أبداً؟(87). وهو ينحي جانباً كل محاولات بذلت لتعريف النفس أو تفسير علاقتها بالجسد باعتبارها محاولات باطلة كلها غرور(88). وهو راغب في قبول خلود النفس بالإيمان، ولكنه لا يجد دليلاً عليه في التجربة أو العقل(89)؛ ثم أن فكرة الوجود الأبدي تروعه(90). “لولا الإيمان لما صدقت المعجزات(91) “، وهو يسبق حجة هيوم المشهورة؛ “كم أجده أكثر طبيعية واحتمالا أن يكذب رجلان، عن أن تحمل الريح رجلاً في اثنتي عشرة ساعة من الشرق إلى الغرب (92) ” (ولعله كان باحثاً عن مثل آخر اليوم). وهو يسبق فولتير إذ يحكى قصة الحاج الذي حكم بأن المسيحية لا بد دين إلهي لأنها حافظت على نفسها هذا الزمن الطويل برغم فساد مديريها(93) وهو يلاحظ أنه مسيحي بمحض الصدفة الجغرافية، ولولا ذلك “لآثرت أن أكون أحد عباد الشمس(94) “. وهو لا يتكلم على المسيح غير مرة واحدة، على قدر ما يذكر أحد قرانه(95). ولم تستهو تلك القصة الجميلة، قصة أم المسيح، روحه غير العاطفية إلا بمقدار، ومع ذلك نراه يعبر إيطاليا ليضع أربعة تماثيل نذرية أمام مزارها في لوريتو. وكان يفتقر إلى ملامح الروح الدينية- وهي التواضع، والاحساس بالذنب وتبكيت الضمير والتكفير، والشوق إلى الغفران الإلهي والنعمة الفادية. لقد كان رجلاً حر الفكر، فيه حساسية ضد الاستشهاد.

على أنه ظل كاثوليكياً بعد أن كف طويلاً عن أن يكون مسيحياً(96). وكما كان أي مسيحي فطن من المسيحيون الأوائل ينحني لأحد الأوثان انحناءة عابرة، كذلك فإن مونتيني، أكثر المسيحيين وثنية، يتحول بين الحين والحين عن إثرائه اليونان والرومان ليقدم الاحترام لصليب المسيح أو حتى ليلثم قدم أحد البابوات. فهو لم ينتقل كما انتقل باسكال من الشك إلى الإيمان، بل من الشك إلى الطاعة. ولم يكن هذا بدافع الحذر فحسب، فلعله أدرك أن فلسفته التي شلت حركتها تررداته وتناقضاته وتشككه قد تصلح ترفاً لعقول هيئت من قبل للحضارة (بالدين؟)، وان فرنسا، حتى وإن أغرقت عقائدها في الدم، إلا أنها لن ترضى بديلاً عنها متاهة فكرية ليس فيها شيء يقيني غير الموت. ورأى أن الفلسفة الحكيمة تصالح الدين: “إن اصحاب العقول البسيطة، الأقل فضولاً، والأقل حظاً من التعليم، يجعلون مسيحيين طيبين، وهم بالتبجيل والطاعة يحتفظون بإيمانهم البسيط ويلتزمون بالقوانين. والعقول متوسطة القوة والكفاية هي التي يتولد فيها خطأ الآراء… أما خير العقول وأكثرها استقراراً وأصفاها نظراً فتخلق نوعاً آخر من خيار المؤمنين، الذين ينفذون بالبحث الطويل والتمحيص الديني إلى معنى أعمق وأعوص في الأسفار المقدسة ويكتشفون الأسرار الخفية الإلهية للنظام الكنسي… أن الفلاحين البسطاء قوم أمناء، وكذلك الفلاسفة(97).

وهكذا، بعد كل لذعاته للمسيحية، ولأن جميع الأديان على السواء إنما هي أستار تغطي جهلنا المرتعد، ينصحنا بأن نقبل دين زماننا ومكاننا. أما هو، ففي وفائه لجغرافيته، عاد إلى شعائر أبائه، فأحب الدين الطقسي العطر الحسي، لذلك فضل الكاثوليكية على البروتستنتية. ونفره من الكلفنية إصرارها على الجبرية(98)، وإذا كان إرزمي الأرومة فقد مال إلى كرادلة روما العالميين اللطفاء دون لويولا جنيف (كالفن) أو أسد فنبرج (لوثر). وأشد ما أسف له أن العقائد الجديدة كانت تقلد القديمة في تعصبها. ومع أنه سخر من المهرطقين لأنهم حمقى يثيرون ضجة حول ميثولوجيات متنافسة، إلا أنه لم يرى معنى لحرق هؤلاء الخوارج. “على أي حال إنه تقدير عال لآرائنا أن نشوي الناس أحياء بسببها(99) ” أو أن نسمح للناس بأن يشوونا.

كذلك نراه في ميدان السياسة يختتم مسيرته محافظاً مطمئناً إذ لا جدوى من تغيير أشكال الحكومة؛ فستكون الحكومة الجديدة سيئة كالقديمة لأنها ستدار بأيدي البشر. فالمجتمع “إطار شاسع جداً “، وجهاز شديد التعقيد من الغريزة والعرف والأسطورة والقانون، يتشكل في بطئ بحكمة الزمن الحاصلة من التجربة والخطأ، بحيث يستحيل على أي عقل مفرد مهما أوتي من قوة وذكاء أن يفصصه ثم يعيد تركيبه دون فوضى وعذاب لا حصر لهما(100). وخير للناس أن يخضعوا لحكامهم الحاليين مع ما فيهم من سوء، إلا إذا حاولوا أن يغلوا الفكر ذاته، عندها قد يستجمع مونتيني شجاعته وينصح بالثورة، لأن “عقلي لم يشكل لينحني أو يذل، أما ركبتاي فنعم(101) “، والعاقل من ابتعد عن المنصب وإن احترمه، “أن أعظم وظيفة هي إنقاذ الدولة ونفع الكثيرين “، “أما أنا فمنصرف عنها(102) “، ومع ذلك فقد خدم الدولة في فترتي منصبه.

وقد أحزنه أنه عاش نصف حياته خلال تدمير فرنسا(103)، “في جيل شديد الفساد وزمان مغرق في الجهل ” “اقرأ كل القصص القديمة، ما لم تكن من الفواجع، فلن تجد ما يعدل تلك التي نراها تمارس كل يوم(104) “. إنه لم يتخذ موقف الحياد في الصراع الدائر حول فرنسا، ولكن “ميلي لم ينسى لا صفات خصومنا المحمودة، ولا الصفات المعيبة التي وصمت من أؤيدهم(105) “. وهو يأبى أن يحمل بندقية، ولكن يجرد قلمه لمناصرة جماعة “السياسيين “، هؤلاء الكاثوليك المؤثرين للسلام والذين نادوا بقدر من التوفيق مع الهيجونوت. وقد امتدح ميشيل دلوبيتال لاعتداله الإنساني البعيد النظر، واغتبط حين تقدم صديقه هنري نافار إلى النصر على مبادئ لوبيتال. لقد كان مونتيني أعظم الفرنسيين تحضراً في ذلك العصر الهمجي.
الحجر الدوار
ميشل ده مونتن.لقد ضايقه حصى المثانة أكثر من حروب فرنسا. ففي يونيو 1580، عقب نشر أول طبعة من “مقالاته “، خرج في رحلة طويلة في أوربا الغربية، من جهة ليرى الدنيا، ومن جهة ليزور ينابيع المياه الطيبة أملاً في تلطيف “المغص ” (كما سماه) الذي كان يعطله بالألم المرة بعد المرة. وترك زوجته لتعنى بشؤون الضيعة، ولكنه اصطحب معه أخاً أصغر، وزوج أخت يسمى البارون استيساك وسكرتيراً أملاه شطراً من يوميته في الرحلة، فإذا أضفنا بطانة من الخدم وسائقي البغال، لم نعد نعجب لفقر هذه المذكرات الفكري. لقد قصد بها الذكرى أكثر مما قصد بها النشر، فأخفاها مونتيني في صندوق بعد رجوعه، حيث اكتشفت بعد أن انقضى على موته 178 عاما.

وقصدت الجماعة أولاً باريس، حيث قدم المؤلف الفخور نسخة من مقالاته لهنري الثالث، ثم انطلقت على مراحل مريحة إلى بلومبيير حيث أخذ مونتيني نفسه يشرب نصف جالون من المياه الطيبة كل يوم طوال تسعة أيام، وأفلح في التخلص من بعض الحصى الصغير بألم شديد(106). ثم اتخذ سمته إلى سويسرة بطريق اللورين. جاء في يوميته التي تحكي ذكرياته عن شخص غائب “لقد وجد لذة لا تعد لها لذة في مشاهدة حرية هذه الأمة وحكومتها الصالحة(107) “. ثم استشفى بمياه بادن- بادن وواصل رحلته في ألمانيا. وحضر الخدمات الدينية عند الكلفنيين واللوثريين كما حضرها عند الكاثوليك، وناقش اللاهوت مع رجال الدين البروتستنت. وهو يروي حديث قسيس لوثري أقسم أنه يؤثر أن يستمع إلى ألف قداس عن أن يشارك في تناول القربان على مذهب كالفن(108)- لأن الكلفنيين أنكروا الوجود الجسدي للمسيح في سر القربان. وفي التيرول شعر بجلال الألب قبل روسو بزمن طويل. ومن إنزبورك صعدت الجماعة إلى ممر بريتر، وتخلص مونتيني في الطريق من “حصاة متوسطة الحجم “، ثم من ترنت إلى فيرونا وفنشنزا وبادوا والبندقية، حيث أضاف إلى القناة العظمى “حصاتين كبيرتين “. ورأى أن المدينة ليست بالروعة التي توقعها ولا مومساتها بالجمال الذي انتظره. ومضى إلى فيرارا، حيث زار تاسو المختلط العقل (كما ذكرت المقالات لا اليومية)، ثم إلى بولونيا وفلورنسة حيث تلقى نهر ارنو “حصاتين وكمية من الرمل(109) “، ومن سبينا إلى روما حيث “أنزل حصاة كبيرة كبزرة الصنوبر(110( ” ولعل هذه الإضافات المفرزة التي سجل أخبارها كانت في مجموعها تبني هرماً لا بأس بحجمه.

وفي روما زار مجمعاً يهودياً، وشهد ختاناً، وناقش مع معلمي الناموس شعائر دينهم. وتبادل الفلسفات مع محظيات روما. ولم يكن (كما خيل لستندال) عديم الإحساس بالفن في روما(111). فقد راح يطوف اليوم تلو اليوم بين الآثار القديمة وعجبه لا ينتهي من بهائها. ولكن الحدث الكبير كان زيارته لجريجوري الثالث عشر. وكأي ابن للكنيسة ركع مونتيني ليلثم حذاء البابا، فتعطف البابا برفع حذائه تيسيراً للمهمة(112). ووجد موظفو الجمرك خلال ذلك نسخة من “المقالات” سلموها لمحكمة التفتيش، ودعي مونتيني إلى الهيئة المقدسة ونبه في رفق إلى أن فقرات في مقالاته تشم منها رائحة الهرطقة، أفلا يرى تغييرها أو حذفها في الطبعات المقبلة؟ فوعد “خيل إليّ أنني تركتهم راضين فيها كل الرضا، وهذا حق، بل لقد دعوه للحضور إلى روما والعيش فيها (ولكنه لم يبال بالوفاء بوعده، وفي عام 1676 أدرج كتابه في قائمة الكتب المحظورة من الكنيسة). ثم سافر عبر إيطاليا قاصداً مزار العذراء في لوريتو وأهداها لوحة نذرية، ربما ليطمئنهم ويطمئن نفسه. ثم عاد إلى عبور الابنين للاستشفاء بمياه لوكا.

وهناك (في 7 سبتمبر 1581) تلقى رسالة تقول أنه اختير عمدة على بوردو. فطلب إعفاءه، ولكن هنري الثالث أمره أن يقبل، ولم يستطع أن يتجاهل تقليد خدمة الدولة الذي خلفه له أبوه. على أنه لم يتعجل العودة إلى فرنسا، فلم ير قصره الريفي إلا في 30 نوفمبر، بعد سبعة عشرة شهراً من بدء جولته. وكانت واجبات العمدة خفيفة، ومكافأته التشريف دون الأجر. وقد أدى واجبات وظيفته على وجه مرضي، لأن انتخابه أعيد (أغسطس 1583) عامين آخرين. وفي ديسمبر 1584 زاره هنري نافار ومعه خليلة وأربعون تابعاً، ونام ملك فرنسا المقبل في فراش الفيلسوف. وقرب ختام فترة عمديته الثانية تفشى الطاعون في بوردو، فغادر مونتيني المدينة إلى الريف كما غادرها كل موظفي الدولة تقريباً. وفي 30 يوليو 1585 حول شارات منصبه لخلفه واعتزل في بيته.

لم يكن قد جاوز الثانية والخمسين، ولكن الحصى كان يعجزه في فترات دورية، وأحياناً يحصر بوله أياماً(113). وفي أوائل عام 1588 بقي فيه من القوة ما يكفي للقيام برحلة ثالثة إلى باريس. وهناك قبض عليه بأمر من الحلف الذي كان آنئذ يسيطر على العاصمة لاتهامه بالولاء لهنري الثالث، وأودع الباستيل (10 يوليو 1588)، ثم أفرج عنه في الليلة ذاتها بشفاعة كاترين دي مديتشي. وفي اكتوبر حضر اجتماع مجلس الطبقات في بلوا ولكنه عاد إلى بوردو في الوقت المناسب للنجاة من التورط في تقلبات هنري الثالث عقب اغتيال الدوق جيز.

وفي آخر مقالاته وأروعها “في الغجرية ” أورد وصفاً لانحلال جسده. فأسنانه مثلاً وصلت فيما يبدو إلى “النهاية الطبيعية لبقائها(114) “. وهو يحتمل “انطلاقه ” دون مرارة، فلقد عاش حياته كما رسمها، واستطاع أن يكتب في فخر: “راجع العالم القديم كله، مجد ومشقة في اختيار اثني عشر رجلاً وجهوا حياتهم في مجرى واحد… مستقر، أكيد، وهو أجمل توجيهات الملكة(115) “. فلما أنبيء بقرب منيته، جمع أهل بيته وورثته من حوله، وأعطاهم بشخصه المبالغ أو الأشياء التي أوصى لهم بها في وصيته. ثم تناول أسرار الكنيسة في تقوى رجل لم يكتب قط كلمة شك أو ارتياب. ومات في 13 سبتمبر 1592 بالغاً من العمر تسعة وخمسين عاماً.

وانتشر تأثيره طوال قرون ثلاثة وعمّ قارات أربعاً. وقد قبل ريشليو في ابتهاج إهداء الآنسة جورنيه إياه طبعة “المقالات ” الأخيرة. وفي تاريخ مبكر (1603)، نسقها صديقه وتلميذه شارون في فلسفة شكلية منتظمة وجعلها فلوريو من عيون الأدب الانجليزي (1603)، ولكنه غشى بساطة المؤلف وإيجازه بالاطناب المفرط في التفقه. ولعل شكسبير رأى تلك الترجمة فأعانته على تشكيل شكوكية مآسيه الكبرى وصوغ عباراتها، وقد شعر بيكون بذلك التأثير، ولعل ديكارت وجد في “المقالات ” الحافز لشكه العام الأول. أما بسكال فقد أشرف على الجنون وهو يحاول انقاذ ايمانه من تشكيكات مونتيني. ومن مونتيني انبثق بيل. وفوفنارج، وروسو، وديدرو، وفولتير- أما روسو فمن اعترافات مونتيني ومقالاته “في التعليم ” و “في أكلة لحوم البشر “، وأما فولتير فمن باقي أعماله كلها.

لقد كان مونتيني جدّ حركة التنوير كما كان بيل أباها. وقالت مدام دو ديفان، أقل نساء جيلها اللامع أوهاماً. أن يودّها أن “تلقي في النار جميع مؤلفات الفلاسفة الضخمة إلا مونتيني، الذي هو أبوهم كلهم(117) “. وبفضل مونتيني دخل تحليل العقل والخلق النفسي إلى الأدب الفرنسي، من كورني وموليير، ولارشفوكو ولابرويير، إلى أناطول فرانس. أما ثورو فقد نهل الكثير من هذا المورد، كذلك استحم فيه إمرسون قبل أن يكتب “مقالاته “. ويمكن أن نقول في مونتيني مالا يصدق إلا على قلة من المؤلفين قبل القرن الثامن عشر، وهو أنه مقروء اليوم كأنه كتب بالأمس.

وتبين العالم عيوبه واغتفرها له منذ زمن طويل. وقد اعترف بالكثير جداً منها حتى لقد استنفد أسلحة نقاده. كان عليماً بأنه ثرثار مغرور. وقد يصيبنا الإعياء حيناً بعد حين من شواهده الكلاسيكية، وتقع لحظة في ذلك الحكم الظالم الذي أصدره مالبرانش على “المقالات ” إذ زعم أنها “ليست إلا نسيجاً من النوادر التاريخية، والقصص الصغيرة، والكلمات الطريفة، والأشعار، والأقوال المأثورة…. التي لا تدل على شيء(118). وما من شك في أن مونتيني يخلط بضاعته في فوضى وكل خلطا يقلل من تأثيرها ومغزاها. وهو يناقض نفسه في مائة موضوع، فهو لابد إذن مصيب، لأنه يقول كل شيء ونقيضه. وفي الشكوكية الشاملة شيء يبتلي المرء بالشلل. فهي تحفظنا من قتل الناس باللاهوت، ولكنها تثبطنا بما تسبقنا إليه من حجة وتستنزف جلدنا. ونحن نتأثر بمحاولة بسكال البائسة أن ينقذ إيمانه من مونتيني، تأثراً أعمق من تأثرنا برغبة مونتيني في ألا يكون له إيمان على الإطلاق.

بيد أننا لا نستطيع أن نضع قلوبنا في نقد كهذا، فهو لا يقطع إلا مؤقتاً تلك البهجة التي نجدها في الثقافة الضاحكة، والفكر المرح المنبعث من هذا الثرثار الذي لا يمكن إسكاته وفي تفكيره السريع. فأين نجد مرة أخرى مثل هذا الموكب المفعم بالحياة، مركب الحكمة والفكاهة؟ إن بين هاتين الصفتين شبهاً دقيقاً، فكلتاهما منبثقة من رؤية الأشياء في أوضاعها الصحيحة، وهما في مونتيني تصنعان رجلاً واحداً. أما ثرثرته فتعوضها طرافته ووضوحه؛ وليس هنا عبارات ناصلة اللون، ولا سخف طنان رنان. ثم إننا ملكنا اللغة التي يستعملها أصحابها لاخفاء الفكر أو إخفاء انعدامه، بحيث نستطيع أن نغتفر الأنانية في هذه الكشوف عن النفس. ويدهشنا من هذا المحدث اللطيف معرفته الحميمة بقلوبنا، ويسري عنا أن نجد حكيما مثله يشاطرنا أخطاءنا، ثم يغتفرها لنا في غير تردد. ومن بواعث العزاء أن نرى أنه هو أيضاً يتردد ولا يعلم علم اليقين، ويبهجنا أن يقال لنا أن جهلنا – إذا أدركناه- يصبح فلسفة. ثم ياله من تفريج أن نصادف، بعد مذبحة القديس برتلميو، رجلاً لم تبلغ به الثقة بالعقيدة حداً يكفي لحمله على القتل!

وأخيراً، وبرغم هجومه على العقل، ندرك أن مونتيني يبدأ في فرنسا عصر العقل كما بدأه بيكون في إنجلترا. إن مونتيني، ناقد العقل، لم يكن شيئاً إن لم يكن هو العقل ذاته. وبرغم كل إنحناءاته للكنيسة، فإن هذا اللاعقلاني كان عقلانياً. ولم يرتض الطاعة إلا بعد أن بذر بذور العقل في فكر فرنسا. وإذا كان قد حاول كبيكون أن يفعل هذا دون أن يقلق إيمان الفقراء المعزى، فيجب ألا تأخذ حيطته أو ترفقه حجة عليه. إنه لم يخلق ليحرق. فلقد علم أنه هو أيضاً قد يكون مخطئاً، ولقد كان رسول الاعتدال كما كان رسول العقل، وكان فيه من النبل الكثير ما منعه من أن يشعل النار في بيت جاره قبل أن يوفر له ملجأ آخر. لقد كان أعمق من فولتير، لأنه تعاطف مع ما هدم.
وفي تقدير جيبون أنه “في أيام التعصب تلك لم يكن سوى رجلين متحررين (يدينان بأفكار حرة سمحة) في فرنسا: هنري الرابع ومونتيني(119) “. أما سانت- بوف، فبعد أن نظر إلى مونتيني نظرة غير متعاطفة خلال عيني بسكال(120)، ختم حديثه بأن حكم، في نوبة نادرة من الحماسة، بأنه أحسن من عاش من الفرنسيين قاطبه(120)
المراجع
كتابات ثانوية ونقد
The Cambridge companion to Montaigne / Ullrich Langer., 2005
Montaigne and ethics / Patrick Henry., 2002
Reading Montaigne / Dikka Berven., 1995
Montaigne : a collection of essays : a five volume anthology of scholarly articles / Dikka Berven., 1995
Approaches to teaching Montaigne’s Essays / Patrick Henry., 1994
Michel de Montaigne’s essays (Modern Critical Interpretations) / Harold Bloom., 1987
Michel de Montaigne (Modern Critical Views) / Harold Bloom., 1987
Montaigne : essays in memory of Richard Sayce / I.D. McFarlane., 1982
Montaigne and his age / Keith Cameron., 1981
Montaigne in Motion / Jean Starobinski, 2009, University of Chicago Press.
Columbia Montaigne Conference papers / Donald Frame., 1981
Cosmopolis: The Hidden Agenda of Modernity/Stephen Toulmin ., 1990
Screech M. A. , The Complete Essays 1987, 1991, 2003
Levine, Alan, Sensual Philosophy: Toleration, Skepticism, and Montaigne’s Politics of the Self (Lanham, Md.: Lexington Books, 2001)
Hartle, Ann, Michel de Montaigne: Accidental Philosopher (Cambridge: Cambridge University Press, 2003)
Bakewell, Sarah, How to Live: A Life of Montaigne in One Question and Twenty Answers, London, Chatto, 2009. ISBN 9780701178925

آيان حرصي علي ..الملحده والمرتده التى كرمتها الدول الغربيه لسبها الاسلام والرسول محمد صلى الل عليه وسلم


فرگسن وآيان حرصي علي
مقطع من فيلم الخضوع، لثيو ڤان گوخ، ويظهر فيها سيدة (آيان حرصي علي) كتبت على ظهرها آيات من القرآن لعنهم الله وكتب على اجسادهم بسياط من حميم لما اقترفوه فى حق الاسلام

(Ayaan Hirsi Ali)

آيان حرصي علي، و إسمها الأصلي آيان حرصي ماجان، مواليد 13 نوفمبر 1969 في مقاديشو، الصومال. عضو البرلمان الهولندي عن الحزب الليبرالي الديمقراطي الهولندي VVD. إسم آيان يعني الشخص المحظوظ أو ببساطة الحظ في اللغة الصومالية.
كان والدها متزوجا من إثنتين، حسب قولها, كما ذكرت بأن جدتها قامت بإجراء عملية ختان لها ولإختها و ذلك عندما بلغت الخامسة من عمرها.
بسبب مشاكل القتال في الصومال حيث كان والدها أحد زعماء مقاتلي الجبهة الديمقراطية لإنقاذ الصومال المعارضة لمحمد سيد باري. إضطرت عائلتها للهرب إلى المملكة العربية السعودية، وبعد ذلك إنتقلوا إلى إثيوبيا، ومن ثم إلى كينيا حيث بقيت 10 سنوات. هنالك تابعت دراستها الثانوية.
في عام 1992، و بعد أن أجبرت على زواج مرتب (لم تقدم ما يثبت ذلك لدائرة الهجرة في ألمانيا، دير شبيغل) مع أحد إبناء عمومتها في كندا، سافرت إليه، و لكنها لم تكمل الجزء الثاني من رحلتها في فرانكفورت، ألمانيا، و بدلا من ذلك إستقلت قطارا إلى هولندا. و هنالك إستلمت تصريح إقامة على أسس إنسانية، على الرغم من أن قواعد الإتحاد الأوروبي تنص على أنه يجب أن تتقدم بطلب اللجوء في ألمانيا، و من ثم حصلت على الجنسية الهولندية. حامت الشكوك حول دقة قصتها، و ذلك بعد أن نشر الديرشبيغل مقالة أظهرت أنها عاشت في برلين قبل سفرها إلى هولندا. أيضا، و حسب جريدة نيويورك تايمز، قامت بتغير إسمها، و زيفت تاريخ ولادتها، حيث أنها كان من الصعب جدا أن حصل على اللجوء بسبب ماضي والدها الدموي بنظر هولندا، عللت هي تغير الأسم و تاريخ الميلاد بخوفها من أن تجدها عائلتها و يتم إجبرها على العودة,

مقطع من فيلم الخضوع، لثيو ڤان گوخ، ويظهر فيها سيدة (آيان حرصي علي) كتبت على ظهرها آيات من القرآنفي عام 1995 أنضمت لجامعة ليدن أحد اقدم الجامعات في هولندا، لدراسة العلوم السياسية. ثم عملت منظفة في مصنع عصير ثم عملت كموزعة عقاقير للأطباء لحساب شركة . في 11 سبتمبر 2001، و إثر هجمات سبتمبر في نيويورك، أعلنت ردتها عن الإسلام.
على خلفية ذلك تم تركيز الأضواء إعلاميا عليها و بدأ نجمها يسطع في القنوات الإخبارية، حيث أصبحت ضيفة دائمة في أي برنامج يتعلق بالإسلام و المهاجرين المسلمين. وفي مؤتمر في أمستردام دعيت إليه قالت أن حاجة الإسلام ليست لمن يفهمه من الخارج بل حاجته هي ڤولتير مجدد له. و صرحت للصحيفة Trouw اليومية بأن الإسلام هو دين رجعي. بدأت التهديدات تصل لها من كل مكان، إستطاعت آيان إستثمار هذه التهديدات لكسب الأيد الشعبي للهولنديين الذين لم يستطعوا تفهم سبب تلك التهديدات.
عينت على إثر ذلك في مؤسسة مجلس خبراء حزب العمال، و هو المكتب العلمي لحزب العمال حيث قامت لعدة سنوات بالترجمة لوزارتي العدل و الهجرة. و بدأت تعمل على مشاريع دمج اندماج المهاجرين المسلمين و خاصة النساء المسلمات في المجتمع الهولندي، لم يلقى هذا الأمر قبولا لدى نواب حزب العمال، أعلنت بعد ذلك جملتها المشهورة: و هي تعني أنا لا أمن بالله و لا بالملائكة و لا بأي شيء أخر. أتصل بها والدها الذي لم يتحدث معا من قبل ليخبرها أنها أصبحت شرعا مطلقة من زوجها، و لم يعاود الإتصال بعدها بها.

في 2002 وجد الحزب الليبرالي الديمقراطي بها ضالته، فعرض عليها مقعدا في إنتخابات البرلمان المقبلة، مقابل إنضمامها له و تركها حزب العمال، و الذي بدوره لم يأسف على تركها له لكونها كانت تخاطر بفقدانهم أصوات المسلمين بسبب أسلوبها الإستفزازي و التحريض للنساء المسلمات اليافعات و الذي كان يستفز مسلمي هولندا.

ألفت كتابا بهذا الشأن باسم معمل الأبناء في اشارة إلى ان الوظيفة الرئيسية للمراة المسلمة حسب اعتقادها هي انجاب الأطفال. بعد نشر هذا الكتاب تلقت حرصي علي العديد من رسائل التهديد واصبحت تحت الحماية الدائمية للشرطة الهولندية.

في مقابلة مع الصحيفة اليومية (السبت 25 يوليو 2003)، قالت: “أن النبي محمد بالقياس بالمعايير الغربية، هو شخص منحرف و مستبد.”، و إستشهدت بأنه تزوج من طفلة بعمر تسعة سنوات. تم رفع مجموعة من تهم التميز من قبل عدة منظمات إسلامية ومسلمون بشكل فردي ضدها. إلا أنها لم تصل أبدا للمحاكم لقناعة المدعي العام بـ: “أن أراءها لا تؤثر على وضع المجتمع المسلم في هولندا، و أن تصريحاتها لا تحتوي أي إستنتاجات تتعلق بمسلمي هولندا، و أن حقوقهم كمجموعة و كأقلية لم تنكر.”

في 2004، وسوية مع منتج الأفلام الهولندي ثيو فان غوخ، قامت بكتابة و تصوير فلم الخضوع، و الذي يدور حول الظلم الذي تتعرض له النساء في الثقافات الإسلامية حسب فهمها. الفلم إنتقد بشدة من قبل المسلمين الهولنديين. تم قتل المخرج ثيو فان غوخ على خلفية هذا الفلم في 2 نوفمبر 2004 على يد محمد بويري.

و في نفس السنة طبعت كتابها قفص العذارى و الذي أكدت فيه نيتها إنتاج فلم على شاكلة فلم حياة براين، حيث سيتناول حياة النبي محمد المليئة بالألوان على حد وصفها، حيث أكدت على أنه سيقوم شخص بتمثيل دور النبي محمد و ستذكر فيه الجوانب التي تفترض أن باقي المسلمين لا يودون أن تظهر للعلن عن النبي محمد. و إستشهدت بما قالت أنه حب النبي محمد لزوجة أبنه و كيف أنه غاب في غار و عاد و معه الحل السحري لزواجه منها.

في 23 نوفمبر 2005 و في مقابلة مع صحيفة صابفو الدنماركية و على خلفية قضية الصور الكاريكاتورية، حيث ناقشت مشكلة إعتبار القرأن مقدس عند المسلمين بغض النظر عن تمسكهم بالدين فذكر الحادثة التالية:

“إلتقيت مؤخرا مع بعض الصحفيين العرب وأخرجت قرآن من حقيبتي و ألقيته على الأرض. فقامت فتاة تركية غير محجبة و كانت تبدو علمانية، و قالت لي: أطالب بأن تلتقطي القرآن و تعيديه إلى حقيبتك. أجبتها بأن هذه نسختي وبأنني أفعل بها ما أريد. و الذي يحدث الأن بأنك لا تستطيع إعادة تفسير محتوى القرآن لأن كل شيء حوله – الغلاف، الرسائل، الحبر – مقدس.”
و عندها سألها المحرر عن فرص حل هذاالمشكلة و إصلاح البلدان ذات الأغلبية الإسلامية؟ إجابت بالتالي:

“نعم، إذا أزلنا الطابع المقدس عن القرآن، و إعدنا تقيم و مراجعة دور النبي محمد، و أستطعنا تغير طبيعة الأخلاق الجنسية للمسلمين، فنعم، يمكن أن نعمل بعد ذلك بسهولة شديدة. لأن المسلمين بشر أيضا، والبشرية أظهرت بأنها يمكن أَن تتغيّر وبأنها يمكن أن تعدل و تحدث أسلوب حياتها.”
في عام 2005، صنفتها مجلة التايمِ ضمن قائمة أكثر المئة فرد تأثيرا في العالم.
في يناير 2006 منحت مجلة لقب “افضل شخصية اوروبية لعام 2006” وقالت في خطاب تسلمها للجائزة ان “على العالم ان يمنع محمود أحمدي نجاد في محاولاته لأمتلاك ايران الأسلحة النووية”.
في 9 فبراير 2006 دعت آيان من برلين المجتمع الألماني للوقوف في وجه القوى الإسلامية التي تحاول كبح الأصوات المخالفة، كما وصفت مسلمي أوروبا بالأقلية التي ترفض الديموقراطية.
في 15 مايو 2006، قدمت إستقالتها من البرلمان بد أن ثبت كذبها عند تقديم طلبها لموظفي الهجرة. و باشرت السلطات الهولندية بإجراءات سحب الجنسية منها. و يعتقد بأنها ستتجه إلى الولايات المتحدة حيث ستعمل في و هو أحد أهم مكاتب التخطيط و تقديم المشورة للرئيس الأمريكي جورج بوش.

مراجع و مصادر
– مقابلة مع دير شبيغل – الجزء الاول
– مقابلة مع دير شبيغل – الجزء الثاني
– دراسة عن آيان من النيويورك تايمز
– مقابلة مع البي بي سي
– مقابلة مع التلفزيون الهولندي
– مقابلة مع جريدة الشعب الهولندية
– جريدة الشعب تذكر مناشدة آيان للألمان بوصفهم حماة للديوقراطية الهشة
– مقابلة صحيفة صابفو الدنماركية مع آيان
– آيان من موقع قنطرة الألماني
– الحرب الهولندية الإسلامي الثقافية، صحيفة النيشن الأمريكية بحاجة إلى إشتراك.
– نسخة عن مقالة الحرب الهولندية الإسلامي الثقافية، من إسلام ديلي

Growth of Brandenburg-Prussia- فريدريك الثاني


الكومنويلث الپولندي-اللتواني بعد التقسيم 1772

فريدريك الثاني من پروسيا (بالألمانية: أو فريدريك الكبير، (24 يناير 1712 – 17 أغسطس 1786) أعظم ملوك پروسيا. من أسرة هوهنزولرن.[1] قهر الروس والنمساويين والفرنسيين. يلقب بقاهر الملكات، كون روسيا والنمسا واسبانيا وفرنسا أيضاً كانت تحكمها نساء قويات. وأشهرهن ملكتي روسيا (كاثرين الثانية من روسيا) والنمسا (ماريا تريزا). انتصر عليهن فريدريك في كل معاركه معهن. واظهر معجزات وفنون خالدة في الحرب خاصة في حرب السنين السبع وحرب الخلافة النمساوية . اهتم بتحديث الجيش البروسي، ولم شمل الولايات الألمانية وشق الطرق وتقوية الإقتصاد ونشر التعليم. حتى أصبحت پروسيا أعظم بلاد أوروبا وقائدة النهضة العلمية والادبية والفكرية فيها.
عهده كملك

Growth of Brandenburg-Prussia 1600-1795

فريدريك الثاني في أثناء حرب السبع أعوام بريشة ريتشارد نوتل

Battle of Hohenfriedberg, Attack of the Prussian Infantry, by Carl Röchling। Oil on canvas

(1600-1795).من هذا الغول الذي أثار الخوف والإعجاب دولياً، والذي سرق سيليزيا، وهزم نصف أوربا المتحد ضده، وهزأ بالدين، وازدرى الزواج، وأعطى فولتير دروساً في الفلسفة، واقتطع بعض أوصال بولندة ولو ليمنع روسيا من التهاماً كلها؟ لقد بدأ أقرب إلى الأشباح منه إلى الغيلان يوم عاد حزيناً منتصراً من حرب السنين السبع ودخل برلين (30 مارس 1763) بين تصفيق الجماهير المملقة. كتب إلى دارجنس يقول “إني أن أعود إلى مدينة لن أعرف فيها غير الأسوار، ولن أجد أحداً من معارفي، حين تنتظرني مهمة ضخمة، وحيث أخلف بعد زمن غير طويل عظامي في مثوى لا تكدر هدوءه الحرب ولا الكوارث ولا سفالة الإنسان”(1) كانت بشرته قد جفت وتغضنت، وعيناه الزرقاوان الرماديتان داكنتين منتفختين، ووجهه يحمل آثار المعركة والمرارة، وأنه فقط هو الذي احتفظ بجلاله القديم. وقد ظن أنه لن يستطيع الحياة طويلاً بعد أن استنزفت الحرب الطويلة موارده جسداً وعقلاً وإرادة، ولكن زهده مد في أجله ثلاثة وعشرين عاماً آخر. كان مقلاً في طعامه وشرابه، لا يعرف الترف؛ يعيش ويلبس في قصره الجديد ببوتسدام كما لو كان في المعسكر، وكان يضن بالوقت المخصص للعناية بشخصه؛ وفي سنيه الأخير أقلع عن الحلاقة، واكتفى بجز لحيته بمقص بين الحين والحين؛ ورددت الشائعات أنه لم يكن يستحم كثيراً(2).

وأكملت الحرب تقسى خلقه الذي بدأ دفاعاً ضد قسوة أبيه. فكان يتطلع بهدوء رواقي بينما الجنود المحكوم عليهم يمرون ستاً وثلاثين مرة(3) بين صفين من الرجال يجلدونهم. وكان يتعقب موظفيه وقواده ويزعجهم بالجواسيس السريين، والتدخل المفاجئ، واللغة البذيئة، والأجر الشحيح وبضروب من الأوامر التفصيلية تخنق روح المبادرة والاهتمام. ولم يكسب قط حب أخيه الأمير هنري الذي جد وأخلص في خدمته في الدبلوماسية والحرب. وكان له بعض الصديقات، ولكنهن كن يخفنه أكثر مما يحببنه، ولم يسمح لواحدة منهن بدخول دائرة أخصائه. كان يحترم المعاناة الصامتة التي عانتها ملكته التي أهملها، وعند عودته من الحرب فاجأها بهدية من 25.000 طالر؛ ولكن من المشكوك فيه أنه شاركها فراشها إطلاقاً. ومع ذلك تعلمت أن تحبه إذا رأته بطلاً في المحن مخلصاً في الحكم؛ وكانت تشير إليه في حديثها عنه بعبارة “ملكنا العزيز” و “هذا الملك العزيز الذي أحبه وأعبده”(4). ولم يكن له ولد، ولكنه كان شديد التعلق بكلابه، وكان اثنان منها ينامان عادة في حجرته ليلاً، ربما لحراسته؛ وكان أحياناً يستصحب أحدهما إلى فراشه ليدفئه بحرارة الحيوان. وعندما مات آخر كلابه الكثيرة لديه “بكى اليوم كله”(5). وقد ظن به اللواط(6). ولكنا لا نملك في هذه الشبهة غير التخمين.

وعلى أنه كان يخفي تحت جلده العسكري الصلب عناصر من الحنان نبدر أن كشف عنها أمام الناس. فقد بكى كثيراً لموت أمه، وكان يرد على محبة أخته فلهلمينه الحارة بمحبة مخلصة. وقد وزع على بنات أخيه بعض الأفضال الصغيرة غير الملحوظة. كان يضحك من عواطف روسو المفرطة، ولكنه اغتفر له عداءه وعرض عليه الملجأ حين نبذه العالم المسيحي. وكان يتنقل بين التدريب الصارم لجنوده وصفير الألحان من نايه. وقد ألف الصوناتات والكونشرتوات والسمفونيات التي شارك في أدائها أمام حاشيته. وسمعه العالم بيرني هناك، وقرر أنه عزف “بضبط شديد، واستهلال صافي منسق، ولعب بالأصابع بديع، وذوق نقي بسيط، ودقة بالغة في التنفيذ، إتقان متساو في كل معزوفاته”، على أن بيرني يضيف إلى ما ذكر أنه في بعض الفقرات الصعبة،… اضطر جلالته-على عكس ما تقتضيه القواعد-أن يلتقط نفسه ليكمل الفقرة(7) .

وفي سنوات لاحقة أكرهه ازدياد النهج وفقدان عدة أسنان على الإقلاع عن العزف على الناي، ولكنه استأنف دراسة الكلافير. وكانت الفلسفة هوايته المحببة بعد الموسيقى. كان يحب أن يشاركه مائدته فيلسوف أو اثنان ليسلخ جلد القساوسة ويستفز قواد الجيش. وكان ثابت القدم كفؤاً لفولتير في رسائله معه. وقد بقي على شكوكيته في حين اعتنق معظم جماعة الفلاسفة العقائد الجازمة والخيالات الشاطحة. وكان أول حاكم في العصور الحديثة يجهر بلادينيته، ولكنه لم يهاجم الدين علناً. وذهب إلى أن “لدينا من درجات الأرجحية ما يكفي لبلوغ اليقين بأن “لا شيء بعد الموت”(9)، ولكنه رفض حتمية دولباخ وأكد (كرجل هو الإرادة المتجسدة) أن العقل يؤثر على الأحاسيس على نحو خلاق، وأن في استطاعة العقل أن يسيطر على دوافعنا الفطرية بالتعليم(10) أما حب الفلاسفة إليه فهم (صديقي لوكريتيوس… وإمبراطوري الطيب ماركوس أوريليوس”؟ وعنده أن أحداً لم يضف إليهما شيئاً ذا بال(11).

وقد اتفق مع فولتير على الاعتقاد بأن “الجماهير” تسرف في إنسالها وتفرط ف كدها بحيث لا يتسع لها الوقت للتعليم الحقيقي. ولن يجدي تبصيرها بأوهام اللاهوت إلا في دفعها إلى العنف السياسي. وهو يقول في هذا “إن التنوير نور من السماء للواقفين على القمم، وجمرة مدمرة للجماهير”(12)، وقد أجمل قوله هذا تاريخ مذابح سبتمبر 1792 وإرهاب 1793 قبل أن تبدأ الثورة الفرنسية. وكتب إلى فولتير في أبريل 1759 يقول “فلنعترف بهذه الحقيقة: إن الفلسفة والفنون والآداب لا تنتشر إلا بين قلة من الناس، أما الجماهير العريضة… فتظل كما جبلتها الطبيعة، حيوانات شريرة حاقدة”(13) وكان يسمى النوع الإنساني (في شيء من المزاح). “هذا الجنس الملعون”-ويضحك من أحلام الخير والسلام يقول:

“إن الخرافة والنفعية والانتقام والخيانة ونكران الجميل سوف تثير المعارك الدامية المحزنة إلى آخر الدهر، لأننا محكومون بالعواطف، ونادراً، جداً بالعقل. ولن تنقطع أبداً الحروب وقضايا المحاكم ومظاهر الدمار والأوبئة والزلازل والتفاليس… وما دام الأمر كذلك، ففي ظني أن هذا الوضع ضرورة لا بد منها… ولكن يلوح لي أنه لو كان هذا الكون قد فطره كائن خير لخلقنا أسعدد ما نحن… إن العقل البشري ضعيف، وأكثر من ثلاثة أرباع البشر خلقوا ليخضعوا لأسخف ضروب التعصب. فالخوف من الشيطان والجحيم يبهر عيونهم، وهم يكرهون الرجل الحكيم الذي يحاول تنويرهم… وعبثاً التمس فيهم صورة الله التي يؤكد اللاهوتيون أنهم يحملونها. إن في داخل كل إنسان وحشاً، وقليلون هم الذين يستطيعون ترويضه، وأكثر الناس يرخون له اللجام ما لم يكبحهم الخوف من القانون”(14).

وقد خلص فردريك إلى أن السماح للحكومات بأن تتسلط عليها الأغلبية مجلبة للكوارث. فلكي تحيا الديمقراطية يجب أن تكون-كغيرها من نظم الحكم-أقلية تقنع الأغلبية بأن تسمح لنفسها بأن تقودها الأقلية. وقد رأى فردريك رأى نابليون فيما بعد من أن “الأرستقراطية موجودة دائماً بين الأمم وفي الثورات”(15) وآمن بأن الأرستقراطية الوراثية تربي الإحساس بالشرف والولاء، والرغبة في خدمة الدولة بتضحية شخصية بالغة، لا يمكن توقعها من نوابع البورجوازيين الذين نشأوا بفضل التسابق على الثروة، لذلك أحل بعد الحرب شباب النبلاء محل معظم ضباط الطبقة الوسطى الذين ترقوا في الجيش(16). ولكن بما أن هؤلاء النبلاء المعتزين بعراقتهم قد يصبحون مصدراً للتفتت والفوضى، وأداة للاستغلال، إذن فلا بد من أن يحمي ملك مطلق السلطة الدولة من الانقسام، ويدفع الظلم الطبقي عن عامة الشعب.

وكان فردريك يحب أن يصور نفسه خادماً للدولة والشعب. وربما كان هذا تبريراً لإرادة القوة فيه، ولكنه تسامى بحياته إلى مستوى دعواه. فأضحت الدولة عنده “الكائن الأعلى” الذي يبذل في سبيله نفسه وغيره؛ ومطالب خدمة الدولة تغلب عنده على ناموس الفضيلة الفردية؛ فالوصايا تتوقف عند أبواب الملوك. ووافقته جميع الحكومات على هذه “السياسة الواقعية”، وقبل معظم الملوك النظرة إلى الملكية على أنها خدمة مقدسة. وقد اعتنق فردريك هذا المفهوم من اتصاله بفولتير؛ ومن طريق إلصاقهم بفردريك طور الفلاسفة ونظريتهم “الملكية” ومؤداها أن الأمل الأكبر في الإصلاح والتقدم معقود على تنوير الملوك.

وهكذا أصبح برغم حروبه معبود الفلاسفة الفرنسيين، وهدأ من عدائهم له، حتى عداء روسو الفاضل. وقد رفض دالامبير طويلاً دعوات فردريك له، ولكنه لم يكف عن الثناء عليه. فكتب لفردريك يقول “إن الفلاسفة والأدباء في كل بلد طالما تطلعوا إليك يا مولاي قائداً ومثالاً لهم”(17) وأخيراً أذعن الرياضي المتحفظ للدعوات المتكررة، وأنفق شهرين مع فردريك في بوتسدام عام 1763. ولم تنتقص الألفة (والمعاش الذي أجراه عليه) من إعجاب دالامبير به. فقد أبهجه إغفال الملك لقواعد التشريفات، وأطربته تعليقاته-لا على الحرب والحكومة فحسب، بل على الأدب والفلسفة أيضاً، وقال لجولي دلسبيناس إن هذا الحديث كان أروع من أي حديث يتاح للمرء سماعه آنئذ في فرنسا(18). فلما ابتأس دالامبير في 1776 حزناً على موت جولي، بعث إليه فردريك برسالة تظهر هذا الغول في ثوب الرجل الحكيم الحنون:

“يؤسفني الخطب الذي ألم بك… إن جراح القلب أكثر الجراح إيلاماً… ولا شيء يبرئها غير الزمن… إن لي لسوء طالعي حظاً وفيراً جداً من الخبرة بالآلام التي تحدثها خسائر كهذه. وخير دواء هو سيطرة المرء على نفسه ليصرف تفكيره بعيداً… وخليق بك أن تختار بحثاً هندسياً يتطلب العكوف الدائم عليه… إن شيشرون أغرق نفسه في التأليف ليتعزى عن موت حبيبته تلياً… وفي مثل سنك وسني خليق بنا أن نكون أكثر استعداداً للسلوى لأن لحاقنا بمن فجعنا فيهم لن يطول”(19).

ثم حث دالامبير على أن يحضر ثانية إلى بوتسدام “سوف نفلسف معاً تفاهة الحياة… وبطلان الرواقية… وسوف أشعر بالسعادة في تهدئة حزنك كأنني انتصرت في معركة.” هنا على الأقل ملك أحب الفلاسفة، إن لم يكن ملكاً فيلسوفاً بكل معنى الكلمة.

ولكن هذه المعاملة لم يعد يطبقها على فولتير، ذلك أن خلافاتهما في برلين وبوتسدام، والقبض على فولتير في فرانكفورت-كل هذا ترك جراحاً أعمق من الحزن. وبقي الفيلسوف يعاني الألم والمرارة أطول مما بقي الملك. فأخبر الأمير دلين أن فردريك “لا قدرة له على عرفان الجميل، ولم يعترف قط بجميل إلا للجواد الذي هرب على ظهره في معركة مولفتس”(20). ثم عاد تبادل الرسائل بين ألمع رجلين في القرن حين كتب فولتير إلى فردريك محاولاً أن يثني المحارب اليائس على الانتحار. وراحا يتبادلان العتاب والمجاملات. وذكر فولتير فردريك بالإهانات التي لقيها الفيلسوف وابنة أخته من عمال الملك، وأحاب فردريك: “لولا صلتك برجل فتن حباً بعبقريتك الرائعة لما أفلت بهذه السهولة… فاعتبر الأمر كله منتهياً، ولا تذكر لي شيئاً بعد اليوم عن ابنة أختك تلك المتعبة”(21). ولكن الملك رغم هذا لاطف الذات المفلسفة على نحو ساحر:

“أتريد كلاماً حلواً؟ حسناً جداً، سأخبرك ببعض الحقائق. إنني أقدر فيك أروع عبقرية ولدتها الأجيال، إنني أعجب بشعرك، وأحب نثرك… ولم يؤت كاتب قبلك مثل هذه اللمسة المرهفة، ولا مثل هذا الذوق الأصيل الرقيق… إنك ساحر في حديثك، تعرف كيف ترفه وتعلم في وقت واحد. إنك أكثر المخلوقات التي عرفتها إغواء… كل شيء في حياة الإنسان يتوقف على الزمان الذي يجيء فيه إلى هذا العالم. وأنا وإن جئت متأخراً جداً، إلا أنني لست بآسف على هذا، لأنني رأيت فولتير،… ولأنه يكتب لي”(22).

وأعان الملك بتبرعاته السخية حملات فولتير دفاعاً عن أسرتي كالاس وسيرفان، وصفق للحرب التي شنها على الكنيسة الكاثولكية (L,infame)، ولكنه لم يشارك جماعة الفلاسفة ثقتهم في تنوير النوع الإنساني. فقد تنبأ بفوز الخرافة في السباق بينها وبين العقل. فتراه يكتب إلى فولتير في 13 سبتمبر 1766 يقول: “إن مبشريك سيفتحون أعين قلة من الشباب… ولكن ما أكثر الحمقى الذين لا يعقلون في هذا العالم!.. صدقني، لو أن الفلاسفة أقاموا حكومة فلن يمضي نصف قرن حتى يخلق الشعب خرافات جديدة… قد يتغير موضوع العبادة، كما تتغير الأزياء في فرنسا؛ (ولكن) ما أهمية أن يسجد الناس أمام قطعة من الفطير، وأمام العجل أبيس، أو أمام تابوت العهد، أو أمام تمثال من التماثيل؟ لأيهم الاختيار، فالخرافة واحدة، والعقل لا يكسب شيئاً”(23). على أن فردريك تصالح مع الدين بعد أن قبله ضرورة بشرية، فحمى كل صوره السلمية بمنتهى التسامح. ففي سيليزيا التي غزاها ترك الكاثوليكية هادئة دون إزعاج، فيما عدا فتحه أبواب جامعة برلين لجميع المذاهب، وكانت من قبل وقفاً على الكاثوليك.. ثم رحب باليسوعيين بصفتهم معلمين ذوي قيمة كبرى، وكانوا بعد أن طردهم الملوك الكاثوليك قد التمسوا ملجأ تحت حكمه اللا أدري. وبالمثل بسط حمايته على المسلمين واليهود والملحدين؛ وفي عهده وفي مملكته مارس كانط حرية الكلام والتعليم والكتابة، وهي الحرية التي لقيت أشد تعنيف وقضي عليها بعد موت فردريك. وفي ظل هذا التسامح اضمحلت معظم صور الدين في بروسيا. ففي 1780 كان هناك كنسي واحد لكل ألف من سكان برلين، وفي ميونخ ثلاثون(24). وقد ذهب فردريك إلى أن التسامح سيقضي على الكاثوليكية عاجلاً. كتب إلى فولتير في 1767 يقول “لا بد من حدوث معجزة لكي تعود الكنيسة الكاثوليكية إلى سابق عزها، فلقد أصيبت بسكتة دماغية خطيرة، وسوف يمد في أجلك لتتعزى بدفنها وكتابة قبريتها”(25). ولكن أشد الشكاك غلواً في شكوكيته نسي لحظة أن يشك في الشكوكية.
عادة بناء بروسيا
لم يكد حاكم في التاريخ في صناعة الحكم كما كد فردريك، ربما باستثناء تلميذه جوزيف الثاني إمبراطور النمسا، كان يأخذ نفسه كما يأخذ جنوده بالتدريب الشاق، فيستيقظ عادة في الخامسة، وأحياناً في الرابعة، ويشتغل حتى السابعة، ثم يفطر، ويجتمع بمساعديه حتى الحادية عشرة، ويستعرض حرس قصره، ويتناول الغذاء في النصف بعد الثانية عشرة مع الوزراء والسفراء، ثم يعمل حتى الخامسة، وعندها فقد يسترخي بالموسيقى والأدب الحديث. أما عشاء “نصف الليل” بعد الحرب، فكان يبدأ في التاسعة والنصف، وينتهي في الثانية عشرة، ولم يسمح لأي روابط أسرية بأن تصرفه عما هو عاكف عليه، ولا لأي مراسم بلاطية بأن تثقله، ولا لأي عطلات دينية بأن تقطع عليه كده، وكان يراقب وزرائه، ويملي كل خطوة تقريباً من خطوات السياسة، ويرقب حالة الخزانة، وقد أنشأ فوق الحكومة كلها ديواناً للمحاسبات، خول له سلطة فحص أي مصلحة في أي وقت. وأصدر إليه تعليماته بأن يبلغ عن أي شبهة مخالفة. وكان يعنف في معاقبة الانحراف أو عدم الكفاية عنفاً اختفى معه من بروسيا أو كاد ذلك الفساد الحكومي الذي استشرى في كل بلد آخر من بلدان أوربا.

وكان يعتز بهذا العمل، وبسرعة إفاقة وطنه مما حاق به من دمار. بدأ بألوان من الاقتصاد في بيته أثارت السخرية من بلاطي النمسا وفرنسا المسرفين رغم أنهما بلدان مهزومان. فكان البيت الملك يدار باقتصاد شديد كأنه بيت حرفي. فصوان ملابسه لا يحوي غير حلة جندي، وثلاثة معاطف قديمة، وصدريات متسخة بالنشوق، ورداء رسمي لازمه طوال حياته. وقد طرد بطانة أبيه من الصيادين وكلاب الصيد. ولم يبن أسطولاً، ولم يسع إلى تلك المستعمرات. وكان موظفوه يتقاضون أجوراً زهيدة، وقد أنفق بمثل هذا البخل على البلاط المتواضع الذي احتفظ به في برلين حينما هو مقيم في بوتسدام. ومع ذلك فقد حكم إيرل تشسترفيلد عليه بأنه أكثر بلاط في أوربا أدباً وتألقاً ونفعاً لشاب أن يوجد فيه،” ثم أردف قائلاً: “سترى فنون الحكم وحكمته في ذلك البلد الآن (1752) خيراً مما تراها في أي بلد آخر في أوربا”(26). على أنه بعد عشرين سنة من هذا التاريخ كتب اللورد مالمسبري، السفير البريطاني لدى بروسيا، ربما لتعزية لندن، يقول إنه “ليس في تلك العاصمة (برلين) رجل فاضل واحد ولا امرأة عفيفة واحدة”(27).

على أن فردريك كان يكبح شحه إذا اتصل الأمر بالدفاع القومي. فسرعان ما أعاد جيشه إلى سابق قوته بفضل الإقناع والتجنيد الإجباري؛ فهذا السلاح الذي في متناوله هو وحده الذي يتيح له صيانة وحدة أراضي بروسيا أمام أطماع جوزيف الثاني وكاترين الثانية. وكان على ذلك الجيش كذلك أن يدعم القوانين التي هيأت النظام والاستقرار للحياة البروسية. وقد أحس أن القوة المركزية هي البديل الوحيد للقوة المختلة الممزقة توضع في أيدي الأفراد. وكان يؤمل أن تتطور الطاعة بدافع الخوف من القوة، إلى طاعة بدافع الاعتياد على القانون-وهي قوة اختزلت إلى قواعد وأخفت براثنها.

وقد جدد أمره للفقهاء بأن ينسقوا في نظام قانوني واحد (قانون بروس عام) التشريع المتنوع المتناقض للكثير من الأقاليم والأجيال. وكانت هذه المهمة قد توقفت بموت صموئيل فون كوكسيجي (1755) وبنشوب الحرب، فاستأنفها الآن المستشار يوهان فون كارمر وعضو المجلس الخاص ك. ج. سفاريتس، واستكملت في 1791. وقد سلم القانون الجديد بوجود الإقطاعية والقنية، ولكنه حاول في هذه الحدود أن يحمي الفرد من الطغيان أو الظلم الخاص أو العام. فألغى المحاكم التي لا ضرورة لها. وقلل من الإجراءات القانونية وعجلها، وخفف العقوبات، وصعب الشروط اللازمة للتعيين في وظائف القضاء. وتقرر ألا ينفذ حكم بالإعدام إلا بتصديق الملك، وفتح للجميع باب الاستئناف أمام الملك. وقد اكتسب سمعة العدالة المحايدة، وسرعان ما اعترف الجميع للمحاكم البروسية بأنها أنزه وأكفأ المحاكم في أوربا(28).

الموسيقى, الفنون والتعلم

وفي 1763 أصدر فردريك النظام التعليمي العام ليثبت ويوسع التعليم الإلزامي الذي أعلنه أبوه في 1716-17. فتقرر أن يذهب كل طفل في بروسيا من سن الخامسة إلى الرابعة عشرة إلى المدرسة. ومن صفات فردريك المميزة إسقاط اللاتينية من منهج التعليم الأولى، وتعيينه قدامى الجند معلمين، وجعله منظم التعليم يجري بتدريب أشبه بالتدريب العسكري(29). وقد أضاف الملك: “من الخير أن يعلم المدرسون في الريف الأحداث الدين والأخلاق… وحسب أهل الريف أن يتعلموا القليل من القراءة والكتابة… ولا بد من تخطيط التعليم… بحيث يبقى عليهم في القرى ولا يؤثر عليهم ليهجروها”(30).

وحظي تجديد البناء الاقتصادي بالأولوية في الوقت والمال. فبدأ فردريك باستخدام المال الذي جمع من قبل لحملة حربية أخرى-زالت الحاجة إليها الآن-في تمويل تعمير المدن والقرى وتوزيع الطعام على المجتمعات الجائعة، وتقديم البذور للزراعات الجديدة؛ ثم وزع على المزارع ستين ألف حصان أمكن توفيرها من الجيش. وبلغت جملة المبالغ التي أنفقت على أعمال الإغاثة العامة 20.389.000 طالر(31). وأعفيت سيليزيا التي اجتاحتها الحرب من الضرائب ستة أشهر؛ وبنى فيها ثمانية آلاف بيت في ثلاث سنين، وقدم مصرف عقاري المال للفلاحين السيليزيين بشروط ميسرة. وأسست جمعيات للتسليف في مراكز شتى لتشجيع التوسع الزراعي. وصرفت مياه منطقة المستنقعات الممتدة على الأودر الأدنى، فهيأت أرضاً صالحة للزراعة لخمسين ألف رجل. وبعث المندوبون إلى الخارج لدعوة مهاجرين إلى بروسيا، فجاء منهم 300.000(32).

ولما كانت القنية تربط الفلاح بسيده، فإنه لم توجد في بروسيا حرية الانتقال إلى المدن، تلك الحرية التي يسرت في إنجلترة تطور الصناعة السريع. وقد جهد فردريك بكل الوسائل للتغلب على هذا المعوق. فأقرض الملتزمين المال بشروط ميسرة، وأجاز الاحتكارات المؤقتة، واستورد العمال، وفتح مدارس الصنائع، وأنشأ مصنعاً للبرسلان في برلين. وناضل لينشئ صناعة الحرير، ولكن أشجار التوت ذبلت في برد الشمال. وشجع التعدين النشيط في سيليزيا الغنية بالمعادن. وفي 5 سبتمبر 1777 كتب إلى فولتير كما يكتب أحد رجال الأعمال لزميل له يقول: “إنني عائد من سيليزيا راضياً عنها الرضى كله… فقد بعنا للأجانب ما قيمته 5.000.000 كراون من التيل، و1.200.000 كراون من القماش… وقد أمكن اكتشاف طريقة لتحويل الحديد إلى صلب أبسط كثيراً من طريقة ريومور”(33).

وتسهيلاً للتجارة ألغى فردريك المكوس الداخلية ووسع الموانئ، وحفر القنوات وشق ثلاثين ألف ميل من الطرق الجديدة. أما التجارة الخارجية فقد عاقتها الرسوم المرتفعة على الواردات والحظر المفروض على تصدير السلع الاستراتيجية؛ واقتضت الفوضى الدولية حماية الصناعة الوطنية لضمان الاكتفاء الصناعي في الحرب. ورغم ذلك نمت برلين قلباً للتجارة وللحكومة: ففي 1721 كانت تضم من السكان 60.000، وفي 1777 زادوا إلى 140.000(34). لقد كانت تتهيأ لتصبح عاصمة لألمانيا.

ولكي يمول فردريك هذا المزيج من الإقطاعية، والرأسمالية، والاشتراكية، والأوتقراطية، اقتضى شعبه من الضرائب قدراً يقرب مما رد عليهم من نظام اجتماعي وإعانات مالية وأشغال عامة. واحتفظ للدولة باحتكار الملح والسكر والتبغ والبن (بعد 1781)، وامتلك ثلث الأرض الصالحة للزراعة(35). وفرض الضرائب على كل شيء، حتى على المغنين الجائلين واستقدم هلفتيوس ليخطط له نظاماً محكماً في جميع الضرائب. وكتب سفير إنجليزي يقول: “إن مشروعات الضرائب الجديدة نفرت الشعب حقاً من ملكهم”(36). وقد ترك فردريك عند موته في خزانة الدولة 51.000.000 طالر-وهو ما يعادل إيراد الدولة السنوي مرتين ونصفاً.

وفي 1788 نشر ميرابو (الابن) بعد زيارات ثلاث لبرلين تحليلاً مدمراً عنوانه “في النظام الملكي البروسي تحت حكم فردريك الأكبر”. وكان قد ورث عن أبيه مبادئ الفزيوقراطيين التي تنادي بالمشروعات الحرة، لذلك أدان نظام فردريك باعتباره دولة بوليسية، وبيروقراطية تخنق كل روح للمبادرة وتعدو على كل حرية شخصية. وكان في وسع فردريك أن يرد على هذه التهم بأنه لو انتهج سياسة “عدم التدخل في حالة الفوضى التي ضربت أطنابها في بروسيا عقب حرب السنين السبع لأفسدت عليه هذه السياسة انتصاره بما تجر من فوضى اقتصادية. لقد كان التوجيه أمراً حتمياً، وكان هو الرجل الوحيد الذي يستطيع القيادة الفعالة، وهو لا يعرف شكلاً من أشكال القيادة غير قيادة القائد الحربي لجنوده. لقد أنقذ بروسيا من الهزيمة والانهيار، ودفع الثمن يفقدانه حب شعبه له؛ وقد فطن إلى هذه النتيجة، وعزى نفسه بمبررات أخلاقية:

“إن البشر يتحركون إذا حثثتهم على الحركة، ويقفون إذا كففت عن دفعهم… والناس مقلون في القراءة، زاهدون في أن يتعلموا كيف يمكن التصرف في أي شيء بطرق مختلفة. أما أنا، أنا الذي لم أصنع بهم قط غير الخير، فهم يظنون أنني أريد أن أضع سكيناً على حلوقهم بمجرد أن يلوح احتمال إدخال أي تحسين مفيد، لا بل أي تغيير على الإطلاق. في مثل هذه الحالات اعتمدت على شرف هدفي وسلامة ضميري، وعلى المعلومات التي أملكها، ثم مضيت في طريقي هادئاً”(37).

التسامح الديني
وقد انتصرت إرادته. فازدادت بروسيا حتى في حياءه غنى وقوة. وتضاعف عدد سكانها، وانتشر فيها التعليم، وأخفى التعصب الديني رأسه. صحيح أن هذا النظام الجديد اعتمد على الاستبداد المستنير، وأن هذا الاستبداد بقي بغير الاستنارة بعد أن مات فردريك، وأن الهيكل القومي اعتراه الضعف وانهار في فيينا أمام إرادة تعادل إرادة فردريك قوة وجبروتاً. ولكن الصرح النابليوني أيضاً، الذي اعتمد على إرادة رجل واحد وتفكيره، انهار هو أيضاً، وفي خاتمة المطاف كان بسمارك، وريث فردريك والمستفيد البعيد في تركته، هو الذي عاقب فرنسا التي سيطر عليها وريث نابليون، وهو الذي جعل من بروسيا وعشرات الإمارات دولة موحدة قوية هي ألمانيا.

سيرته الحربية
ميوله الجنسية
فوق كل هذه الحياة المنوعة، حياة السياسة والدين والصناعة واللهو والموسيقى والفن والعلم والفلسفة والبرو الإثم – كان يلوح طيف البطل الشائخ الذي لقبته ألمانيا “الشيخ فرتز”- لا حباً بل تكريماً له بوصفه أعجب وأدهش تيوتوني في عصره. فهو لم يقنع بحكم مملكته وأوركستراه، بل حسد قلم فولتير وتاقت نفسه إلى الظفر بالثناء عليه شاعراً ومؤرخاً. وقد خلف للأجيال التالية ثلاثين مجلداً من كتاباته: سبعة في التاريخ، وستة في الشعر، وثلاثة في الأبحاث العسكرية، واثنين في الفلسفة، واثني عشر في الرسائل، كلها بالفرنسية. أما أشعاره فأكثرها من النوع العابر سريع الزوال، ولم يعد القراء يذكرونها. ولكنه كان من كبار المؤرخين في جيله. ففي بواكير ملكه كتب تاريخ أسلافه-“مذكرات في تاريخ أسرة براندنبورج” (1751). وقد زعم لنفسه الحياد كما يزعم أكثر المؤرخين: “لقد ارتفعت فوق كل الأهواء والميول، ونظرت إلى الأمراء والملاك والأقرباء نظري إلى أناس عاديين”،(111) ولكنه ارتفع إلى ذروة الحماسة والنشوة وهو يصف الناخب الأكبر فردريك وليم.

أما رائعته الأدبية فهي “تاريخ عصري” الذي سجل حكمه. وقد بدأه عقب انتهاء الحرب السيليزية الأولى (1740-42)، وواصل كتابته على فترات حتى أخريات عمره. وقد ضمنه تاريخ العلم والفلسفة والأدب والفن، ربما متأثراً بفولتير-وإن كان قد كتب جانباً كبيراً من هذا الكتاب قبل أن يظهر كتاب فولتير “قرن لويس الرابع عشر” و “مقاله في الأعراف” وقد اعتذر عن تضييعه حيزاً في كتابه على “بلهاء يلبسون الأرجوان، ودجاجلة يحملون التيجان… أما تتبع الكشف عن الحقائق الجديدة، وتفهم أسباب التغيير في الأخلاق والعادات، ودراسة الطرق التي قشعت بفضلها ظلمة الهمجية من عقول الناس-فهذه بالتأكيد موضوعات جديرة بأن تشغل جيع المفكرين”.(112) وقد أثنى على هوبز ولوك والمؤلهة في إنجلترة، وعلى توماسيوس وفولف في ألمانيا، وفونتينيل وفولتير في فرنسا. “هؤلاء العظماء وتلامذتهم كالوا للدين ضربة قاضية. وبدأ الناس يمحصون ما كانوا يعبدونه بغباوة، وأطاح العقل بالخرافة… وكسبت الربوبية أتباعاً كثيرين، وهي العبادة البسيطة للكائن الأعظم”.(113) وإذ كان فردريك يحتقر الحكومة الفرنسية ويحب الأدب الفرنسية، فإنه فضل ملحمة فولتير “الهنريادة” على الألياذة، وفضل راسين على سوفوكليس وسوى بين بوالو وهوراس، وبين بوسويه وديموستين. وسخر من لغة ألمانيا وأدبها، وامتدح فنها المعماري. وشق على نفسه ليبرر غزوه سيليزيا، فقال أنه أحس أن لرجل الدولة أن ينتهك الوصايا العشر إن اقتضته ذلك مصالح دولته الحيوية “فخير أن يحنث الملك بعهده من أن يهلك الشعب”(114)-وهذا الهلاك-كما أمل أن تصدقه-هو الخطر الذي تهدد بروسيا في 1740؛ وقد اعترف بأنه اقترف أخطاء كثيرة في قيادته جيشه، ولكنه رآه أمراً لا ضرورة له أن يسجل فراره مولفتز. وهذان المجدان في جملتهما يقفان على قدم المساواة مع أفضل الكتابات التاريخية عن أوربا الحديثة قبل جبون.

وما أن وضعت حرب السنين السبع أوزارها حتى عكف فردريك على كتابة “تاريخ حرب السنين السبع”. وكان كقيصر يتطلع إلى أن يكون خير مؤرخ لحملاته، وكقيصر تحاشى الحرج فتكلم عن نفسه بضمير الغائب. وهنا أيضاً حاول-ربما بعذر أفضل-أن يبرر المبادرة الجريئة التي بدأ بها الحرب. وقد امتدح ألد أعدائه، ماريا تريزا، في كل ما يتصل بحكمها الداخلي، أما في علاقاتها الخارجية فقد أدان هذه المرأة المتكبرة “التي” استبد بها الطمع فأرادت أن تبلغ هدف المجد من كل طريق”(115) ووسط سجل الحملات، المحايد إلى حد لا بأس به، توقف ليندب أمه التي ماتت في 1757 وشقيقته التي لحقت بها في 1758. والصفحة التي وصف فيها فلهلمنية واحة من الحب في بيداء خربة من الحرب. وقد خلص إلى أن التاريخ أستاذ عظيم تلاميذه قليلون: “إن في طبيعة البشر ألا يتعلم إنسان من التجربة. وحماقات الآباء تضيع هدراً على الأبناء، وكل جيل لا بد مقترف حماقاته”(116) “كل من يقرأ التاريخ بإمعان يدرك أن المشاهد ذاتها كثيراً ما تتكرر، وأنه لا حاجة بنا إلا لتغيير أسماء الممثلين”(117). ولكنا حتى لو استطعنا أن نتعلم، فإننا سنظل عرضة للمصادفة التي لا يمكن التنبؤ بها. “إن هذه المذكرات تقنعني أكثر فأكثر بأن كتابة التاريخ إن هي إلا تجميع لحماقات الناس وضربات الحظ. فكل شيء يدور حول هذين الموضوعين”(118).

وقد حاول مرتين (1752 و1768) في “وصية أخيرة” أن ينقل لورثته بعض الدروس المستفادة من تجربته الخاصة. فحثهم على دراسة أهداف الدولة المختلفة ومواردها، والوسائل المتاحة لحماية بروسيا وتنميتها. وحذا حذو أبيه في تأكيده على الحاجة لأحكام ضبط الجيش، وحذر خلفاءه من الإنفاق فوق ما يسمح به الدخل؛ وتنبأ بالمتاعب السياسية التي ستحيق بفرنسا لسفهها المالي؛ ونصح بزيادة الإيرادات لا بفرض ضرائب جديدة بل بحفز إنتاجية الاقتصاد. وينبغي حماية كل الأديان ما التزمت الهدوء والسلام-رغم أن “جميع الأديان إذا فحصها المرء وجدها ترتكز على نسق من الخرافة غير معقول قليلاً أو كثيراً(119). أما سلطة الملك فيجب أن تكون مطلقة، ولكن على الملك أن يعد نفسه أول خادم للدولة. وما دامت بروسيا في خطر من صغر حجمها وسط دول كبيرة كروسيا وفرنسا والإمبراطورية النمساوية المجرية، فإن من واجب الملك أن يغتنم أي فرصة ليوسع بروسيا ويوحدها-ويحسن أن يكون ذلك بفتح سكسونيا وبروسيا البولندية وبومرانيا السويدية: “أن أول شغل شاغل للأمير هو أن يصون سلطته، أما الثاني فهو أن يوسع رقعته. وهذا يقتضي المرونة وسعة الحيلة… وستر المطامع الخفية يكون بإعلان الميول السلمية حتى تأتي اللحظة المواتية. تلك طريقة جميع رجال الدولة العظماء”(120).

وينبغي أن يعد الملك خلفه للحكم، فيهيئ له التعليم على يد رجال مستنيرين لا رجال كنسيين، لأن هؤلاء يشحنون رأسه بخزعبلات يقصد بها أن يكون أداة طيعة في يد الكنيسة(121). وتعليم كهذا من شأنه أن يخرج عقلاً ضعيفاً سرعان ما تسحقه مسئوليات الدولة. “ذلك ما رأيته، وإذا استثنيت ملكة المجر (ماريا تريزا) وملك سردينيا (شارل إيمانويل)، فإن كان ملوك أوربا ليسوا سوى بلهاء مشهورين”(122). وقد كتب هذا واليزابث تحكم روسيا. وكانت “وصية” 1768 أكثر تأدباً، لأن كاترين كانت قد أثبتت علو همتها، وتنبأ فردريك الآن بأن روسيا ستكون أخطر دولة في أوربا(123).

فلما شاخ بدأ يسائل نفسه إن كان ابن أخيه ووريثه المحتمل-فردريك فلهلم الثاني-صالحاً لوراثة الحكم. كتب إليه يقول “إنني أشقى من أجلك ولكن على أن أفكر في الاحتفاظ بما أصنع، فإن كنت كسولاً خاملاً ذاب في يديك كل ما جمعته بالجهد والمشقة”(124). وفي 1728 كتب وقد ازداد تشاؤماً “لو أن ابن أخي لان وتراخى بعد موتي، لما بقي شيء اسمه بروسيا في ظرف عامين”(125). وقد تحققت النبوءة في فيينا عام 1806، لا لأن فردريك وليم الثاني كان رخواً ليناً، بل لأن نابليون كان صلباً قاسياً.

وقد بات فردريك ذاته في عقدة الأخير قاسياً إلى حد لا يحتمل. فاختزل قدراً كبيراً من الحرية التي سمح بها للصحافة قبل 1756. كتب ليسنج إلى نيقولاي في 1769 يقول “إن حريتكم البرلينية تتقلص.. إلى حرية جلب ما تشاءون جلبه إلى السوق من سخافات ضد الدين… ولكن لريفع إنسان صوته نيابة عن الرعايا، وضد الاستغلال والاستبداد… وعندها ستتبين سريعاً أي دول أوربا أكثرها اليوم عبودية وذلاً”.(126) وكره هردر وطنه بروسيا، وانصرف فنكلمان في “رعب” عن ذلك “البلد المستبد”(127). وحين زار جوته برلين في 1778 أدهشته عدم شعبية الملك. ومع ذلك كان الشعب يبجل فردريك شيخاً لم يضن طوال خمسة وأربعين عاماً بيوم واحد في سبيل خدمة الدولة.

وقد برته الحرب كما براه السلم. وكثرت واشتدت عليه نوبات النقرس والربو، والمغص والبواسير، وزادت أوجاعه حدة لولعه بالوجبات الثقيلة والأطعمة الحريفة. وفي 22-25 أغسطس 1778 استعرض جيشه السيليزي قرب برزلاوز وفي اليوم الرابع والعشرين ظل على صهوة جواده ست ساعات بردائه العسكري العادي والمطر يهطل غزيراً، وعاد إلى مسكنه مبللاً يرتعد من البرد. ولم يستعد عافيته بعدها قط. وفي يونيو 1786 أرسل في طلب الدكتور تسمرمان من هانوفر. وتوقف عن تعاطي العقاقير التي وصفت له، وآثر الأحاديثالمرحلة عن الأدب والتاريخ، ولكي يلزمه تسمرمان الهدوء وصف له كتاب جبون “اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها”(128). وتفاقمت أوصابه بالاستسقاء، وأحدثت القطوع التي أجريت له لتخفيف الانتفاخات غرغرينة. ثم أطبق عليها الالتهاب الرئوي فاكتمل الحصار، وفي 17 أغسطس 1786 مات فردريك وهو في الرابعة والسبعين. وكان قد طب أن يدفن في حديقة “صانسوسي” قرب قبور كلابه وحصانه الحبيب، ولكن أمر رحيله هذا الذي أصدره على البشرية أغفل، فدفن إلى جوار أبيه في كنيسة الحامية ببوتسدام. وحين جاء نابليون ووقف أما قبر فردريك بعد أن هزم البروسيين في يينا قال لقواد جيشه “لو كان على قيد الحياة لما كنا هنا”(129).

Dendrobium Orchid -زهرة الأوركيد ومعناها الحسناء




Dr Usama Shaalan(Papyrus) برديه الدكتوراسامه شعلان

زهرة الأوركيد ومعناها الحسناء. من ألوان هذه الزهرة جميع ألوان قوس قزح . وتعيش من7 إلى14 أيام.

زهرة الأوركيد يمتد عمرها الطويل إلى 120 مليون سنة من عمق التاريخ، فقد عاصرت أزماناً غطت فيها الغابات الكثيفة محيط الكرة الأرضية وعاشت فيها الديناصورات العملاقة، حتى تغيرت الأجواء المناخية وتوالت العصور، إلا أن الأوركيد ظلت في ازدهار حتى تم تصنيفها كأكثر فصائل النباتات تنوعاً (35 ألف نوع ).

ويعد أول تاريخ مكتوب لزهرة الأوركيد على أيدي الصينيين وذلك منذ 700 عام قبل الميلاد، فكانت تتمتع بمكانة خاصة لديهم، حيث أطلق عليها الفيلسوف الصيني (كونفوشيوس) لقب “زهرة عطر الملوك” واعتقدوا أن رؤية الأوركيد في الحلم تعبر عن الحاجة للحفاظ على الرومانسية والحب، كما استخدموا زهور الأوركيد التي تستخرج منها الفانيليا لصنع الآيس كريم.

وفي انجلترا كان البحارة البريطانيون هم أول من أحضرها من جزر الباهاما عام 1732 إلا أنه من المرجح أنها قد دخلت القارة الأوروبية عن طريق هولندا لأول مرة وذلك في القرن 17، حيث سادت حولها الكثير من المعتقدات الخرافية أشهرها تلك التي ارتبطت بما سمي (شراب الحب) الذي يقال إنه إذا صنع من البراعم الصغيرة لزهورها يمنح شاربها أطفالاً ذكوراً، أما إذا صنع الشراب من زهور أكبر فغالباً ما سيكون الأطفال إناثاً.

وفي القرن الثامن عشر تم جلب أنواع مختلفة من زهور الأوركيد من الصين وجزر الأنتيل خصيصاً لتزرع في الحدائق الملكية الإنجليزية، كما أن الأسبان أدخلوا “أوركيد الفانيليا” إلى أوروبا بعدإحضارها من المكسيك موطنها الأصلي، ومع حلول أواخر القرن 18 وبداية القرن 19 كان الهوس بالأوركيد قد تمكن من العالم الغربي فانتشرت هواية امتلاك مجموعات كاملة منها، وكأنها طوابع بريدية أو عملات قديمة!

وفي نطاق هذا الجنون بالأوركيد بدأ ارسال رحلات استكشافية خاصة مهمتها الوحيدة هي احضار كميات كبيرة من الأوركيد حتى أطلق على هذه البعثات “صائدي الأوركيد”، ولم يكف هؤلاء الحصول في كل مرة على 300 أو حتى 500 وإنما كان يتم تجريد غابات كاملة لأميال من ملايين الزهور دون ترك أي أثر لها رغم الكثير منها كان يتلف قبل استكمال رحلة العودة، حيث لم يكن يتم حفظها بطريقة صحيحة.

ظلت أسعار الأوركيد في ارتفاع مستمر، حيث اعتبرت في ذلك الزمن من علامات الترف والثراء ليبدأ سعر الواحدة من 500 جنيه استرليني لتصل إلى آلاف الجنيهات..

ولكن بعد أن أصبحت الكثير من الأنواع مهددة بالإنقراض تقرر منع قطفها وحمايتها، خاصة أنه بمرور الوقت تم التوصل إلى طرق زراعتها ورعايتها بالإضافة إلى تهجينها لإنتاج أنواع جديدة منها أيضاً، ففي القرن الماضي كانت انجلترا أهم البلدان المنتجة للأوركيد وتأتي بعدها هولندا ثم بلجيكا.

زهور الأوركيد، هذه الزهور لا تعرف معنى التقليدية بل تتمتع بالجمال والغرابة في نفس الوقت، وهو ما يكسبها جاذبيتها الخاصة، كما أن التنوع الهائل هو السمة التي لا تتخلى عنها، فقد تجدها على ضفاف الأنهار أو فوق الجبال على ارتفاع 14 ألف قدم وبعضها يعيش وسط الغابات الممطرة الاستوائية والآخر في جبال الألب وغيره، في مناطق شبه صحراوية، وتلك الأنواع تختلف في أشكالها وأحجامها فمنها ذات الزهرة الواحدة ومنها المتعددة الزهرات على فرع واحد، أما أصغر زهور الأوركيد فتوجد في أمريكا الجنوبية ولا يزيد قطرها عن نصف ملليمتر، أما أكبرها ففي جزر مدغشقر ويبلغ قطرها أكثر من 18 بوصة!! كما يوجد أضخم نبات للأوركيد في غابات ماليزيا والفلبين.

تعرف الأوركيد بأنها زهرة الثلاث بتلات، إلا أن قلب الزهرة يتغير شكله من نوع لآخر، كما أن ألوانها تتنوع بين البراقة القوية الهادئة، فمنها الأبيض الناصع، الأحمر، الأصفر، الذهبي، الأخضر، البرتقالي، الوردي، ودرجات البني، والبنفسجي الداكن.

وقد تكون الزهرة كلها بلون واحد أو ذات نقوش معينة على بعض أجزائها كأن تكون منقطة، مقلمة، أو مبرقشة، مما يزيدها جمالاً وغرابة، ورغم رائحة الفانيليا المميزة لبعض أنواعها فهناك أنواع منها ليست له رائحة على الإطلاق، كما أن بعضها يطلق رائحته في أوقات معينة من النهار أو الليل.

عند تنسيق زهور الأوركيد يوصى باتباع قاعدة ذهبية وهي ترك الزهور على طبيعتها دون بذل أي محاولات لتثبيتها عنوة في أوضاع بعينها حيث أن الأفرع المحملة بالزهور تميل وتنحني على الإناء أو

الفازة مما يمنحها جمالاً غير مفتعل، كما أنها لا تجتمع مع أنواع أخرى من الزهور، بل إن كل ما تحتاجه هو بعض الأوراق الخضراء التي تناسب شكل التصميم والفازة التي توضع فيها، ففي التصميم الحديث غالباً ما تصاحب الأوركيد الفازات من البورسلين المصمت الملون أو فازات مصنوعة من المعدن، كذلك يمكن وضعها في إناء شفاف ممتلئ بالماء حيث تترك عائمة على سطحة لأنها زهرة قوية تتحمل المياه ولفترات طويلة.

زهرة الأوركيد Orchid ذات فصائل كثيرة عرفت منذ القدم في ومنطقة شرق اسيا والصين منها ما ينبت على ضفاف الأنهار ومنها ماينيت في أعالي الجبال تشتهر تايلند بزهرة الأوركيد وتعتبر رمز لتايلند و جرت العادة في الخطوط الجوية التايلندية ان توزع هذه الزهرة على ركابها وزبائنها.