تاريخ جنوب السودان – الموسوعه المصغره للدكتور أسامه فؤاد شعلان

 Dr Usama Fouad Shaalan MD- PhD MiniEncyclopedia الموسوعه المصغره للدكتور  أسامه فؤاد شعلان
   
تاريخ جنوب السودان

ثورة الزاندى (1801) و ثورة الدينكا 1822 و ثورة الشلك وتأثير تمرد الجنوبيين عموماً على الحل البريطاني فى مؤتمر جوبا 1947 لنتعرف على بنية سودانية “متكاملة”، شكلتها ممالك النوبة، وسنار والفور وسلطنات الدينكا والزاندى معا. وقد ارخ لهذا التاريخ كل من جوسف گرنگ وفرنسيس دنگ.[1]

 

قراءة الجذور – الإقصاء 1947-1972

من اللافت كما ذكرنا أن المؤرخين السودانيين لم ينتبهوا كثيرا للتأريخ للمنطقة الجنوبية من بلادهم، عندما كتبوا عن حضارة مروى فى أقصى الشمال الى ممالك سنار مشرقا وسلطنات الفور مغربا، قد يكونون قد تشككوا فى أعمال الأنثروبولوجيين عن الدينكا والشلك والنوير، وقد يكونون قد أخجلهم تاريخ الاسترقاق الذى مارسه بعض الشماليين مع بعض الجنوبيين أو حتى بمشاركة بعض أعيانهم القبليين، وقد لا يكونون قد أدركوا تحليل النظام الرأسمالى الاستعمارى العالمى الذى تنوعت أساليبه وفق نمط فى الشمال ليس هو نفسه الذى حكم الجنوب فى ظروف ما سمى “تخلف” الأوضاع فى الجنوب عنها فى الشمال، وحكمت تحليلاتهم مناهج تربط بالتحديث وليس بتطورات “التقليدى” الذى أربك مؤرخى “الدولة الحديثة”. لكل ذلك لم يدرج تاريخ مقاومة الجنوبيين أو تفاعلهم مع نظم التحديث الوافدة بالشكل المناسب عند مؤرخى الشمال السودانيين. وكان رصد هذا التفاعل ضد الاستعمار- وحتى معه- هو المفتاح الذى كان يفيد الجميع فى فهم عملية التكامل السياسى أو الاجتماعى أو ما سمى بقضية الاندماج والهوية بعد ذلك.

قد يفاجأ القارئ العربى أن اثنين- على الأقل- من أبناء التعليم الحديث ومن فصل دراسى واحد ومن أبناء الدينكا كانا فى طليعة من درسوا القانون فى جامعة الخرطوم– غوردون سابقا- مع سنوات الاستقلال الاولى قادمين من مناطق الجنوب التى كانت “مغلقة”. وكلاهما حاول التأريخ للحركات التى كانت سائدة فى الجنوب رغم “الإغلاق” البريطانى الذى استمر لعدة عقود، أحدهما مضى يسارا حتى صار وزيرا أعدمه النميرى بين من أعدم عقب محاولة انقلاب هاشم العطا 1971 وهو “جوزيف جرنق” والثاني مضى وسطيا حتى عينه النميرى نفسه رئيسا لحكومة الإقليم الجنوبى ثم نائبا للرئيس خلال فترة الحكم الذاتى الإقليمى وفق اتفاقية أديس أبابا 1972، وحتى 1983 وهو “أبل ألير”.

يكتب “جوزيف جرنق” عدة مقالات بالإنجليزية منذ عام 1961 فى صحيفة للحزب الشيوعى باسم “الجنوبى” ويواصل فى صحيفة أخرى عام 1965 باسم “التقدم”. يضمها كتيب صادر 1971 باسم “معضلة المثقف الجنوبى… هل هى مبررة؟”، ومع ملاحظة تواريخ الكتابة ودلالتها المبكرة، سوف نلاحظ أيضا أنه يستنكر موقف الجنوبى المرتبك من “المسألة السودانية” جنوبا وشمالا وليس مجرد تفرد “الجنوبى” فى إقليمه. وسنكتفى هنا باستخلاص بعض آراء من هذا العمل الهام المبكر تاركين للقارئ أن يلجأ للمزيد من بطون مثل هذه المصادر التى باتت ميسرة.

إن “جوزيف جرنق”- وهو ليس ذى قرابة مع “د. جون جرنق” إلا من حيث إنهما من “الدينكا- بور-” يلخص الاتجاهات التى لاحظها فى الجنوب قبل وخلال “التمرد الأول” فى الخمسينيات فى ثلاثة اتجاهات: جناح يمين وآخر مرتبك وثالث يسارى. يقول: يرى اليمينيون أن الحل الوحيد للمشاركة الجنوبية هو الانفصال الفورى.. لقد أعمتهم كراهيتهم الشديدة للشمال عن أى بديل.. وينطلقون من أن جذور المسألة الجنوبية عنصرية، وأن الجنوبيين أفارقة بينما الشماليون عرب، ولا يمكن أن يتغير أيهما إلى الآخر، وبالتالى يجب أن ينفصلا. ثم يرد على هذا الزعم وتفنيده. أما المرتبكون فى تقديره فهم مجموعة أوسع لكنهم يعيشون معضلة، إذ يكرهون الشماليين، لكنهم متيقظون لخطر الإمبريالية خاصة بعد درس الكونغو، وهم متحررون من وهم الأمم المتحدة ويتخوفون من نتائج الانفصال.. وهنا المعضلة… ورغم هذا الارتباك فهم أكثر تقدمية…إلخ” لأن تقديمهم للتناقض مع الإمبريالية أكثر أهمية، وبدون حله لن تكون هناك ديمقراطية شعبية فى بلادنا، ولا تقدم اقتصادى اجتماعى أو ثقافى لجماهير الشعب، أما التناقض مع الطبقات المستغلة الشمالية وممثليها من البيروقراطيين فى أجهزة الدولة فهى من بقايا الإدارة البريطانية، بما فى ذلك فرضهم لثقافة البرجوازية (اللغة العربية والإسلام) على شعب الجنوب. أما اليساريون الذين يعبر عنهم هو نفسه فيتبعون تكتيك التحالف مع الحركة الديمقراطية الشمالية ضد الإمبريالية ومن أجل التقدم، ولا يقبلون منطق القوى العنصرية التى تفضل الانفصال، بل ولا يشاركون المترددين فى مساواة خطورة البرجوازية الشمالية مع خطورة الإمبريالية. لأن هزيمة الإمبريالية تشكل خطوة أساسية فى أى جهد مثمر باتجاه حل المسألة الجنوبية بقيادة تحالف اليساريين والقوميين الشماليين” ويرصد جوزيف جرنق، فى هذا الصدد، إدراك شعب الجنوب لمخاطر الاستعمار فيما بدا من مقاومة مسلحة- وإن كانت غير متكافئة – ضد الإمبريالية ممثله فى ثورة الزاندي 1901- وثورة النوير 1902، ثم تمرد الدينكا 1919 و1922، ثم النوير ثانية 1927-1929. وهى ثورات لم تتم ضد العرب- إذا استخلصناها جيدا- إلا بعد التحول إلى الاستقلال أو الاستبداد الشمالى على نمط الاستغلال السابق عليه من الإنجليز.

أما “آبل ألير” الذى بدأ تعليمه الثانوى فى الجنوب ثم واصله بالجامعة فى الشمال أواخر الخمسينيات فإنه يتناول بالتفصيل فى كتابة الهام عن “جنوب السودان.. التمادى فى نقض المواثيق والعهود”.. كيف قام الإنجليز بهذا النقض باضطراد وهذا طبيعى أما ما يتابعه مع شعور بالأسى فهو نقض الشماليين حتى اتفاقية أديس أبابا سنة 1972 التى ألغوها عام 1983 وهى التى قامت على أكتافه أكثر من أى شخص “وسطى” آخر. وهو يرصد هنا مع “جوزيف جرنق” حرص الجنوبيين على بناء جسور التفاهم “دون جدوى”. فعندما قرر مؤتمر إدارة السودان عام 1946 تكوين جمعية تشريعية واحدة تمثل السودان كله، انفرد الشماليون بها مع الموظفين الإنجليز لتحقيق مصالحهم الخاصة ومستجيبين لترضية الإنجليز لهم لكسبهم ضد مصر (ص19).

أعقب ذلك عقد مؤتمر جوبا 1947 باشتراك بعض السلاطين من الجنوبيين، إلى جانب الشماليين والإنجليز، ودعم الإنجليز بالطبع ما ردده السلاطين الجنوبيون عن التدرج فى إعداد الجنوبيين للحكم حتى يبقى نفوذهم، لكن الجنوبيين عموما عن هذا الإعداد “لتحقيق قدر من التقدم الاجتماعى والاقتصادى قبل تحقيق الوحدة الحقيقية السليمة” (ص20) بينما راح ممثلو الشمال “يعدون بالطيبات التى تنتظر الجنوب فى السودان الموحد” حتى انتزعوا موافقة المؤتمر على استقلال السودان، وانتقل الشماليون لتشكيل الجمعية التشريعية بالترتيب مع الإنجليز، فلم يحصل الجنوبيون فيها إلا على 13 مقعد من 93 مقعدا، بل إن مفاوضات الحكم الذاتى والاستقلال وتقرير المصير 1953، بين الشماليين والإنجليز والمصريين لم يحضرها أحد من الجنوب (ص 22) ويعلق “آبل ألير”: “بهذا لم يكن منتظرا من قانون الحكم الذاتى الذى جاء نتيجة تواطؤ مصر وبريطانيا والأحزاب الشمالية أن يشتمل على الضمانات اللازمة للجنوب والتى كان يتمسك بها ممثلوه فى مؤتمر جوبا عام 1947. وبهذا أيضاً خدع الجنوب مرة أخرى، ثم جاءت الخديعة الثالثة عند سودنة الخدمة العامة حين نال الجنوبيون ست وظائف فقط مقابل ثمانمائة وظيفة للشمال. “ولما اجتمع البرلمان فى التاسع عشر من ديسمبر 1955 ليتناول اقتراحا يرمى لإعلان الاستقلال تقدم الأعضاء الجنوبيون بشرط يلزم تحقيقه ثمنا لموافقتهم على الاقتراح هو قيام نظام فيدرالى للحكم يساير روح مؤتمر جوبا، وقد رأى الزعماء الشماليون قبول هذا المطلب لكنهم فيما اتضح بعد ذلك لم يكونوا جادين فى تأييده.. لكنه قبل لترضية الجنوبيين على حد تعبير محمد أحمد محجوب”… “وهكذا تمت حياكة الاتفاق الواهى”. وفى عام 1958 عند تأليف لجنة إعداد مواد الدستور الدائم وقيام الجمعية التأسيسية.. رفض زعماء الشمال أية إشارة لتناول الوضع الفيدرالى..” إلخ.

لم تكن جماهير الشعب السودانى غائبة عقب إعلان الاستقلال أول عام 1956، وشعر قادة الهيمنة السائدة بأن الزخم الديمقراطى الذى كان دافقاً فى الشارع السودانى قد يودى بسلطتهم الجديدة، سواء برفض الجنوب للهيمنة عن طريق الدين، أو التجاء منافسيهم إلى الهيمنة المضادة عن طريق التحالف – أو حتى الوحدة – مع مصر، ولذلك تم تدبير الانقلاب العسكرى بقيادة الجنرال “عبود” 1958، الذى أعلن تشديد القتال فى الجنوب، وسخر الجيش لتوجيه الهيمنة الجديدة إلى تلك المنطقة باسم “نشر” العربية والإسلام، وكان المتوقع إزاء ذلك أن يتطرف قادة “أنيانيا” فى الجنوب برفع شعارات الانفصال، وتشديد التحالف مع “أعداء العروبة” إسرائيل. وقد رأيت بنفسى وثائق للأنيانيا فى جوبا أوائل الثمانينات عن “تدريب جميع كوادر أنيانيا فى إسرائيل أو بمعرفة فنييها فى أوغندا”، الأمر الذى استمر حتى ثورة أكتوبر الشعبية فى الخرطوم عام 1964، وأحد شعاراتها وقف القتال فى الجنوب، والتفاهم مع “جبهة الجنوب” كوجه سياسى لحركة الرفض فى الإقليم وليس مع كوادر أنيانيا المتطرفة، وسارعت جبهة الجنوب- وآبل ألير أحد قادتها – بالالتقاء بجبهة الهيئات (المجتمع المدنى الديمقراطى فى الشمال) وبقية الاحزاب التى كانت تعارض العسكريين، لتشكيل حكومة مؤقتة عقب الثورة وسعت القوى الشمالية لأن تختار جبهة الجنوب أعضاءها فى مجلس السيادة والحكومة. وساعد ذلك على معالجة الاقتتال المستمر فى الجنوب، استعدادا للانتخابات العامة رغم شعور الجنوبيين باستمرار سلوك التجار والموظفين فى الجنوب بطريقة لا تتفق وروح التصالح.

وقد انعقد مؤتمر المائدة المستديرة الذى جميع أحزاب الشمال والجنوب فى السادس من مارس 1965، وبحضور دول أفريقية، وأفريقية عربية (مصر- الجزائر). ورغم تنوع الآراء فيه بين أغلبية مع الوحدة أو الفيدرالية، وأقلية انفصالية (أقرى جادين)، فإن تصميم الشماليين- فى تقدير ألير- على إعلان القطر أولا ووضع السلاح، قبل المضى فى خطوات الاتفاق كاد يفشل المؤتمر. ومع ذلك فقد ظل حرص الجنوبيين على التراضى والمشاركة فى لجنة الاثنى عشر لتنفيذ إجراءات حسن النوايا. ولكن هذه الإجراءات لم تمض بشكل مرض فاستمر الاضطراب فى الجنوب مما جعل مجلس السيادة يرى إجراء الانتخابات العامة فى مايو 1965 رغم مقاطعة أحزاب الجنوب لها، بل وعدم إجرائها فعليا فى الجنوب. ومع ذلك قبلت أحزاب الجنوب المشاركة فى لجنة الاثنى عشر مناصفة مع الشماليين رغم قرار تشديد الإجراءات الأمنية والعسكرية فى الجنوب (ألير: ص33-34). واتفقت لجنة الاثنى عشر على كثير من الإجراءات القانونية والإدارية والثقافية التى قبلها الجنوبيون ولكن الشماليين تمسكوا فجأة بضرورة تعيين رئيس الإقليم الجنوبى بمعرفة رئيس مجلس السيادة وليس بالاختيار أو الانتخابات من قبل الجنوبيين، كما لم يتحدد وضع الجنوبيين بين القيادات العسكرية والشرطة وخاصة فى الجنوب مع رفض شمالى لوجود أى حرس إقليمى أو ميليشيا محلية، ولم يحسم وضع مسئولى التعليم فى الجنوب من بين أبنائه. ويشير “آبل ألير” الذى كان مشاركاً فى كل هذه المناقشات أنه بدا تماما عدم ثقة الشماليين المستمرة فى قيادات الجنوب، وتأثروا بدفع جبهة الميثاق الإسلامية وحسن الترابى لتشديد الإجراءات العسكرية فى الجنوب. إلى أن كانت مناقشة مشروع الدستور، حيث دفعت أحزاب الشمال التقليدية فكرة “الدستور الإسلامى” الذى رأى الجنوبيون فيه تأكيدا للتقسيم العنصرى والدينى فى السودان.

وانسحب ممثلو الجنوب من لجنة الدستور إزاء تصميم الشماليين على صيغتهم. وقد طالبت جميع الأطراف فى لجنة الاثنى عشر دعوة أطراف المائدة المستديرة للانعقاد مرة أخرى فى مارس 1966 وفقا لما تقرر من قبل؛ “لكن الحكومة التى – كان يرأسها الصادق المهدى عندئذ- رأت ألا تفعل ذلك، وزعمت أن المناخ السياسى قد تغير منذ مارس 1965″، “بل ودعت الحكومة لعقد مؤتمر آخر فى أكتوبر 1967 من الأحزاب السياسية التقليدية، لا القوى الديمقراطية التى شكلت اللجنة الأولى المعتمدة من عناصر ثورة أكتوبر”. وأعتقد أن مسار “نظام الهيمنة” الدينية والتقليدية فى الشمال لم يودى بحل مشكلة الجنوب فقط، بل أودى بمسار الحركة الديمقراطية كلها فى السودان والتى كانت تبشر بها القوى الشعبية الديمقراطية التى فجرت ثورة أكتوبر 1964. ومن هنا عادت قوى شابة جديدة فى المؤسسة العسكرية للظهور عرفت بثورة مايو 1969 وبتوجه ناصرى، فأدركت خطورة استمرار الاقتتال فى الجنوب، وأعلنت “النقاط التسعة” كوثيقة للجنوب، وعينت آبل ألير عضوا بمجلس الوزراء كما عينت “جوزيف جرنق” الذى تناولنا بعضا من أفكاره وزيراً لشئون الجنوب. ورغم التطور المأسوى “لثورة مايو” ووثائقها الأولى بوجه عام فإنها كادت – ضمن عملية التفاف شاملة – أن تحقق استقراراً جديدا لنفسها كنظام، ووقعت اتفاقية أديس أبابا فى فبراير 1972، تلك الاتفاقية التى ضمنت حكما إقليميا ذاتيا وتوحيد القوات المسلحة ووجود وجوه جنوبية بارزة فى المركز- الخرطوم، والاتفاق على تنمية نشطة للإقليم لتحقيق تكافؤ معقول فى التقدم الاقتصادى والاجتماعى، وهو ما كان يمكن أن يحقق طفرة هائلة فى المسألة السودانية كلها قبل أن تعود للانهيار تدريجيا داخل الإقليم من جهة، وإلغاء المركز لكل الاتفاق من جانب واحد عام 1983 من جهة أخرى.

 

الفرصة الضائعة لبناء الثقة 72-1983

رغم أن صيغة اتفاق أديس أبابا للحكم الذاتى الإقليمى لجنوب السودان، لم تكن قرينة مطلب الحل الديمقراطى الاجتماعى السياسى الذى طرحته بعض قوى “ثورة مايو” من اليسار السودانى 1969، ورغم النقد الذى وجه لهذا الاتفاق من قبل “القوميين” سودانيين وعربا، بسبب دور مجلس الكنائس العالمى فى الترتيب لعقد الاتفاق وما تبع ذلك من اتجاهات يمينية فى الحكم المركزى بقيادة نميرى، وانفراده بالحكم فى الشمال بعيدا عن القوى الديمقراطية والتقليدية على حد سواء؛ رغم كل ذلك كانت مسيرة هذا الاتفاق فى الواقع السودانى الجنوبى، من حقائق التطور الأساسية فى المسألة السودانية حتى الآن…

ولن نمضى هنا فى عرض وقائع هذا الاتفاق لأن الدراسات المفصلة تعددت من حوله منذ ذلك الحين؛ ولكن علينا فقط أن نشير إلى مضمونه الرئيسى الذى ضمن احترام تمثيل “أهل الجنوب”، وقد وقع الاتفاق عن حكم نميرى فى أديس أبابا “أبل ألير” الزعيم الجنوبى. وقد ضمن الاتفاق، برلماناً إقليمياً موحدًا، مع توزيع مرض للدوائر، ووجود مجلس وزراء تنفيذى فى الجنوب، ثم تمثيل ذلك فى الحكم المركزى نفسه بالشمال (فى البرلمان والسلطة) وانعكاس ذلك على النظام التعليمى والنشاط الثقافى الذى احترم بدرجة ملحوظة واقع المجتمع فى الجنوب. وبهذا ضمن الاتفاق قدرا من استمرار الحوار السياسى- الاجتماعى وقوة تفاوضية مطمئنة لأهل الجنوب حتى فى ظل الصراعات الجنوبية- الجنوبية، ثم الجنوبية الشمالية لبعض الوقت فى إطار الاتفاق. لكن ذلك لم يمنع سرعة تفجر مظاهر انتهاك هذا الاتفاق- إجرائيا ثم بالعنف- من قبل السلطة المركزية فى الشمال (وليس فقط نتيجة الصراع فى الجنوب بين نخبة المديرية الاستوائية والنخبة الدينكاوية كما يقال). من هنا نتحدث عن الفرصة الضائعة التى توفرت لبعض الوقت لبناء الثقة المتبادلة خلال عقد من الزمن (72-1983) قبل أن ينهار النظام كله عام 1985، وتنهار معه فرصة التقدم المتاحة نسبيا للتفاوض الاجتماعى السياسى بين الشمال والجنوب. ولا أدل على ذلك من تضاعف نسب الإفقار فى السودان كله مع عودة اضطراب الموقف فى الجنوب إلى جانب الأسباب الأخرى بين 1985- 1995 (على عبد القادر).

ولأننى أكثف الاهتمام هنا على “الرؤية من الجنوب” فإننى لا أقصد عرض ما يرونه من سلبيات تلك الفترة بقدر ما يبدو مفيدا أن نتعرف على بناء الصورة الجنوبية، فى شكلها الآخذ فى الاندماج والتكامل ، بل وتأثير ذلك فى بناء الصورة نفسها فترة “التمرد” التالية؛ فى الثمانينيات، والتسعينيات.

مما يلفت النظر فى هذه الفترة من السبعينيات وفرة الأدبيات السودانية التى تعالج علاقات الجنوب بالشمال بحرية وجرأة سواء فى نقدها لاتفاق أديس أبابا أو البناء عليه فى اتجاه خلق سودان موحد، وذلك من قبل كتاب جنوبيين وشماليين على السواء. (محمد عمر بشير- موم) كما ظهرت فى هذه الأدبيات دراسات سوسيولوجية وأدبية حول قضية التنوع الثقافى الاجتماعى فى بنية “المجتمع السودانى” مع ربط “التنوع بالوحدة” (فرنسيس دينق- عبد الغفار محمد أحمد- محمد عبد الحى..) بل وراح بعضها يبشر بدور السودان المتنوع هذا فى ربط علاقة العرب بأفريقيا (بونا مالوال..) وشهدت الخرطوم فى تلك الفترة جرأة الجنوبيين خاصة على نقد “النظام” من الداخل لصالح بناء “سودان موحد” حسدهم عليها أحيانا كتاب الشمال (مجلة “الثقافة السودانية” بالعربية، ملحق صحيفة الأيام، مجلة سودان ناو “Sudannow” بالإنجليزية). وكان لكل ذلك دلالته على أن توفر “النية الحسنة” فى الشمال كفيل أن يبنى الثقة بقوة مع الجنوبيين فى اتجاه السودان الموحد، خاصة إذا ما أتيحت الفرصة لنخبة جديدة فى مشروع وطنى جديد، كادت ثورة مايو فى مطلع أيامها أن تبشر به قبل أن تلتهمها مرة أخرى “العسكرية والبرجوازية التقليدية الشمالية” خلال “مايو” نفسه، وما أعقب مايو من محاولات وإحباطات. ولنمض بالقارئ سريعا إلى مثال من كتابات تلك الفترة، وفى مقدمتها أعمال” فرنسيس دينق” المثقف السودانى “الجنوبى”، وعالم الاجتماع والسياسة الأنثروبولوجي، وابن “الدينكا” التى تعتبر نفسها همزة الوصل فى هذه “المسألة السودانية” على نحو ما يكتب “دينق”- بين الجنوب الأفريقى والشمال العربي.

وتحتل أدبيات “فرنسيس دينق” عن الدينكا وغيرها أهمية كبيرة فى الدراسات السودانية(*) مقابل نهج المدرسة التاريخية الشمالية التى ظلت تقليدية متجاهلة دور “التاريخ الاجتماعى” الذى عرض به “فرنسيس دينق” أدوار “الدينكا” “والحمر” وغيرهما فى وحدة السودان. ولننظر لعناوين بعض أعمال “فرنسيس دينق” وتواريخها قبل أن نعرض لبعض تفاصيلها، وقد بات معظمها مترجما إلى العربية أيضا وفى القاهرة(**) حتى لا يظل المثقف العربى غائبا عن حقائق مطروحة بين يديه. وقد انطلق “فرنسيس دينق” فى تلك الفترة المبكرة من السبعينيات من دراساته عن “الدينكا” أساسا وكذا ثقافات الجنوب، معتبرا تكوين “الهوية” المشتركة هو الأساس. وتصبح عناوين “دينق” هى: “دينكا السودان” 1972- “دينامية الهوية: أساس للتكامل الوطنى فى السودان” 1973- “أفارقة بين عالمين” (يقصد الدينكا) 1978. ويعتبر عالم الدينكا عند “دينق”- وهم ثلاثة ملايين نسمة أوائل السبعينيات – مثالاً لبوتقة تجمع التمركز حول الذات اجتماعيا، والانطلاق بالأسطورة والتفكير والحركة الى العوالم الأفريقية بل والعربية المجاورة، ويعكس تراثهم “التوحد والازدواج “بين” عالم الأسطورة الأفريقية، وعالم الأديان السماوية الشرق أوسطية” والدينكا -عنده- مثل السودان كله جنوبا وشمالا تجسد التنوع فى التركيب الاجتماعى والتراث الروحى.. مما يتصل بعالمى أفريقيا والعروبة فى عملية تفاعل لا تعرف هذه الثنائية المتعسفة التى تعزل العرب عن الأفريقيين”، وتتعرض الدينكا من داخلها – كتجمع بشرى – كبير لقدر من التنوع والخلافات والصراعات (الكجوك- بور) مثلما تعرفه أرض السودان ككل… ويغوص تراثها الشعبى فى التاريخ ليتصل بالتراث المصرى الفرعونى، والتراث المسيحى والإسلامى بعد ذلك، ويتواصلون تاريخيا أو ميثولوجيا مع الشلك والنوير، والحمر، وشندى والماساى ليشاركوهم مشكلات الهوية والتكامل، ومن ثم ينتقى القطع الدينكا عند دينق- بين ثنائية الأفريقى والعربى على أساس إثنى بقدر ما هى مشكلة تسلط وهيمنة. يرصد “دينق” موقف “الدينكاوى” الجنوبى من “الآخر” كباحث معروف فى فولكلور مؤكدا تصوير تراثهم للرغبة فى الالتقاء: “زواج محمد العربى من ثلما الدينكاوية” والخوف والقلق فى نفس الوقت من وحشية الآخر: “صورة الأسد الإنسان” لكن “إلاله عند الدينكا خلق جميع الناس ولكل لغته وطريقته، لكنهم مترابطون رغم تميز الدينكا وأبقارهم عن غيرهم.. ورغم هذا التميز، فإن الدينكا والعرب جاءوا من نبع واحد فى الخليقة…” ويؤكد “دينق” أكثر من مرة انتشار العناصر العربية والزنجية بين كل من يسمون النيليون والساميون أو العرب والزنج فى الشمال والجنوب.. ليعالج قضية التوحد الممكنة فى السودان على أساس “أنه لا يمكن القطع بثنائية التركيب الثقافى أو العنصرى للسودان على أساس شمال/ جنوب وبالتالى فثمة أساس قوى للوحدة، وبناء الأمة وتبقى المشكلة فى أن التاريخ السياسى هو الذى أكد على عناصر الانقسام ودعم إحساس عدم الثقة والعداوة (عالمان صـ 227). ولعل تأريخ “أبل الير” لحياته السياسية فى جنوب السودان أن يكون مثالا لمشكلات “التاريخ السياسى” الذى يشير إليه فرنسيس دينق، إزاء تركيز دراسات دينق على مشكلات “التاريخ الاجتماعى”. ويكشف تاريخ “آبيل ألير” نفسه مدى توفر “الإدارة السياسية” الدائمة فى الجنوب للعمل فى إطار “وحدة سودانية” يتحقق فيها مكانة لنخبة الجنوب كما تتوفر للشماليين، وهذه هى المشكلة الحقيقية فى الواقع السياسى بالسودان.

والرجل ليس كاتبا ولا باحثا، ولكنه سياسى عرض تاريخ عمله بدقة منذ 1953 حتى 1989 فى كتابة “جنوب السودان: التمادى فى نقض المواثيق والعهود”. وقد كان “ألير” عضوا فى كافة اللجان والمباحثات والبرلمانات التى سبقت ثورة مايو 1969، ورأس المجلس التشريعى والتنفيذى للجنوب بعد اتفاقية أديس أبابا 1972، وعمل نائبا لرئيس الجمهورية جعفر نميرى لفترات فى السبعينيات” لإبعاده من الجنوب “مع بداية خرق الشماليين للاتفاقية ووضع رجالهم وحدهم فى السلطة التنفيذية فى الجنوب. وهو يعبر فى كتابه على مدى أكثر من 300 صفحة عن مدى “الأمل” التى عايشها طوال رحلة حياته ومحاولته خلق حقائق جديدة فى الجنوب من أجل السودان: “الذى نريد أن نحافظ عليه وننميه.. ونستطيع أن ننقذ الكثير بممارسة الحكمة والكياسة والعدالة، ولكن ما أكثر ما نغفل هذه الصفات فى ثورة الهياج والعنف “على حد تعبير “ألير” (1989). وهو يطرح الأسئلة فى كل فترة عن: “أى احتمالات هناك للسودان يصون بها كيانه كوطن صالح للحياة رغم هذا التاريخ الطويل من انعدام التوازن الاجتماعى الاقتصادى”؟

ثمة صوت آخر له مكانته أيضا فى تاريخ الحركة الثقافية السودانية هو “بونا مالوال” الذى تولى شئون وزارة الإعلام والثقافة لفترة طويلة من السبعينيات، وخدم قضية توحيد الجنوب مع الشمال بل وخدم قضية “التكامل” بين نفسه السودان ومصر فى ذلك العقد، وواجه الحملات ضد مشروع قناة جونجلى من جانب الأوربيين وبعض الأصوات الجنوبية، ودافع عن صيغة “الاتحاد الاشتراكى” بقدر ما يحتفظ بذاتية الجنوبيين فيه. ورغم صوته المحتج” حاليا فى لندن ضد بقاء الجنوب تحت السيطرة الشمالية نتيجة للسياسات القائمة فى الخرطوم، إلا أن جوهر فلسفته هو ما عبر عنها كثيرا فى مجلة Sudannow التى أشرف عليها فترة توليه الوزارة وجعلها مستقلة بالرأى والنقد، كتعزيز لسياسة التنوع والوحدة التى رفعها مثقفو الشمال والجنوب فى تلك الفترة، وفى نص هام له عن دور السودان كحلقة وصل بين أفريقيا العربية وأفريقيا غير العربية؛ تكرر طبعه حتى أواخر السبعينيات يقول “بونا مالوال”: “إذا نظرنا إلى تركيب المجتمع السودانى، فإننا يمكن أن نلاحظ خطر الأخطاء التى يمكن أن يقع فيها كل من يحاول أن يقسم السودانيين إلى أقسام محددة على أساس عنصرى.. وفى الحقيقة لا يوجد فى السودان عرب وأفارقة، بل يوجد خليط متجانس من العرب والأفارقة السود، نتج عنه نوع لا يريد السودانيون أن يعرفوه بأنه عربى فقط أو أفريقى فقط، ولا يريد أن يتخلى عن دوره العربى أو دوره الأفريقى… ولذا استقر رأينا فى السودان أن نسمى أنفسنا بأفريقيا المصغرة…”.

وهذه الرؤية السياسية الواضحة – من وزير دينكاوى بدوره- هى التى ترددت فى الرؤية الثقافية الاجتماعية عند فرنسيس دينق من قبل. وهناك أصوات أخرى قد تكون أكثر دلالة على أثر “الوفاق السياسى” الاجتماعى فى “تعديل الأصوات” فى الجنوب فى ظروف سياسية مختلفة أو مع صعود مشروع مختلف فى السودان. ها هو “جوزيف لاجو”زعيم حركة أنيانيا -1 طوال الستينيات ما سمى بعد ذلك “أنيانيا-2” وقد وقع بنفسه اتفاق أديس أبابا 1972 وأصبح عضوا بالبرلمان، ورئيسا للمجلس التنفيذى الإقليمى فى ظل الحكم الذاتى ثم نائبا للرئيس أواخر أيام نميرى. فى نص هام له أيضا أمام المجلس التشريعى الجنوبى نشره المجلس عام 1978 يقول: “قبل انطلاقة ثورة مايو كان نسيج السودان كأمة ممزقا نتيجة القوى الانقسامية على أساس الدين، والطائفة والعنصر والتفتت الحزبى، لكن تحققت الآن الوحدة الوطنية، وانسحبت قوى التقسيم من الساحة، ومهمتنا الآن دعم هذه الوحدة الوطنية، ومواجهة القوى المعادية للسلام والأمن والرفاهية، والمحافظة على وحدة الإقليم، وألا نسمح للقبلية أن تقسمنا. إن انتخابى الآن لدليل على نضج الجنوب سياسيا وقوميا، وقدرته على تجاوز الخلافات العرقية والجغرافية عند اختياره للقيادات، وهناك الآن أساس لتحقيق شخصية الجنوب فى إطار سودان موحد ومتنوع..” هنا إذن تأكيد آخر على طبيعة الفكر السياسى الذى كان- ويمكن أن يكون – قائما على الساحة السودانية فى إطار مختلف.

من هذه النصوص يمكننا القول أنه كان ثمة توجه للاتجاه الصحيح نحو الجنوب مدعوما بحركة ثقافية نشطة فى الشمال طوال السبعينيات لدى جيل الباحثين والكتاب الشبان. وبدت سيادة فكرية لمبدأ التنوع والوحدة واحترام ذاتية الجنوب (محمد عمر بشير- عبد الغفار محمد أحمد) بل وتنوع التيارات والأوضاع الثقافية والاجتماعية فى الشمال نفسه (محمد عبد الحى- صلاح محمد إبراهيم- إبراهيم إسحاق- خالد منصور) وذهب البعض من المخلصين لهذا التيار فى الشمال متعاونا مع أبناء الجنوب فى دراسة آثار مشروع جونجلى (عبد الغفار محمد أحمد) وإقامة جامعة جوبا كمشروع ثقافى وعلمى كبير (عبد الله السمان- عبد الرحمن أبو زيد) ومع ذلك فقد رأيت بنفسى فى جوبا أنه حتى أوائل الثمانينات حيث كنت بالجامعة هناك لم ينشط حزب سياسى تقليدى أو يسارى فى عمل سياسى ملحوظ مع أبناء الجنوب، وحتى بعض مظاهر نشاط اليساريين فى صحف “التقدم” أو “الطليعة” التى عرفها أبناء الجنوب أول أيام الاستقلال لم يعد لها أثر أمام هجمة “الاتحاد الاشتراكى” وسياسته الشمولية البيروقراطية المعروفة عن هذا النمط من التنظيم السياسى فى الوطن العربى وأفريقيا، بما يكشف طبيعة المسئولية السياسية للشماليين والجنوبيين على السواء بالنسبة لتطوير “السياسى” و” الثقافى” و”الفكرى” على النحو الذى ذكرناه. وقد كان لذلك آثاره المباشرة على توالد عناصر الانهيار للمشروع الذى بدا فى الجنوب، ففى غياب حركة نشطة من كافة هذه التيارات تحركت القوى المعادية.

 

ضياع الفرصة منذ السبعينيات

نظام الرئيس نميرى قد استخدم اتفاق أديس أبابا إعلاميا كمشروع لوحدة السودان الوطنية وذلك لحل مشاكله السياسية وأزمة تحالفاته فى السلطة، وصراعاته مع الشيوعيين تارة ومع حزب الأمة تارة أخرى، ومع ذلك فإن بنية المشروع كانت تسمح بكثير من التقدم فى اتجاه التوحد، ونسبة ترضية عالية للجنوبيين. لكن الأمور لم تمض على هذا النحو، إذ بدأ “التحرش” بالمشروع بمجرد انتهاء المرحلة الانتقالية 72-1973 لكسر “القوة التفاوضية “التى مثلها اتفاق أديس أبابا مع الجنوبيين، ولنوجز هنا ملامح الاختراقات كما صورتها كتابات جنوبية وأيدها الواقع إلى حد كبير حول عدم استمرار توافق الشمال مع الحل الجديد للمسألة السودانية:

1- لم يتح للجنوبيين اختيار ممثلهم على رأس المجلس الإقليمى للحكم الذاتى المقترح، وإنما اختاره النميرى دائما عبر عضوية الاتحاد الاشتراكى ، كتنظيم شمولى يغيب تنظيمات الجنوبيين السياسية. وإن كان رئيس الإقليم جنوبيا دائما إلا أنه مرشح السلطة الشمالية دائما أيضا (ألير- لاجو..إلخ). ويمكن الرجوع لاستعراض “بونا مالوال” لهذه التطورات فى وثيقته عن “التحدى الثانى فى السودان”.

2- بينما توقع الجنوبيون نهوضا تنمويا تبشر به “ثورة مايو” كل السودان فى ظل استقرار الحكم عموماً، وحل “مشكلة الجنوب” خصوصاً، فإن برامجها الاقتصادية التنموية التى أتيح تنفيذها تضمنت مزيدا من الإفقار فى الجنوب. وترصد وثيقة المجموعة البرلمانية الجنوبية (أم درمان- 1980)، حالات التدهور أو نقل المشروعات فى قطاعات كانت توفر العمالة أو إمدادات التموين السهلة لأبناء الجنوب مشيرة لمشروع سكر مونجولا، وسكر ملويت، وتعبئة الفواكه فى “واو”، ومشروع أسمنت “كابيوتا” بينما انشئت مشروعات فى الشمال لنفس القطاعات مثل مشروع سكر كنان، ومشروعات أبو نعامة وعساليا وفواكة كريمة.. إلخ بل ودخل الجدل حول قناة جونجلى فى هذه الدائرة أحيانا بإثارة مشاعر الدينكا حول ثروتهم الحيوانية وأثر القناة على حركة هذه الثروة ووحدة أبناء الدينكا الاقتصادية. وفى هذا الجو اكتشف البترول فى منطقة “بنيتو” شمال الإقليم أواخر السبعينيات)، ليثير قضية البترول وموقعه من “الوفاق السودانى” مبكرا، ويهمنا فى إطاره الاقتصادى هنا الإشارة إلى مسارعة الحكومة المركزية بنشر الآمال حول كمياته التى ستمد لها الأنابيب حتى بورسودان – وهذا منطقى – كما نثرت الآمال حول تنقيته فى السودان وليس بيعه خاما، ومن ثم إقامة المصفاة الرئيسية فى “كوستى” – وشمالا- وليس فى منطقة إنتاجه بالجنوب! ورغم أن المصفاة لم تقم رغبة من النظام فى الربح السريع من بيع الخام أو وفق خطة المستثمر من الأجانب- فإن القضية أثارت الكثير من الشجن الذى أصبح قاعدة قضية اقتسام الثروة بعد ذلك.

3- اعتبر الكثيرون أن الشمال الذى استمتع بوحدته- الدينية والثقافية على الأقل- لم يسترح لاحتمال توحد الجنوبيين أيضا تمهيدا للتكامل أو الاندماج الاجتماعى المتوقع مع “توقيع اتفاق أديس أبابا” ويربط “بونا مالوال” بين بناء النميرى لتحالفه مع الإخوان المسلمين وجبهة الميثاق بقيادة حسن الترابى أواخر السبعينيات، بل ومع الصادق المهدى نفسه فى تلك الفترة، وبين انتكاسة تحالفه مع الجنوبيين فى إطار اتفاق أديس أبابا. ويرصد “بونا” مع غيره عددا من الظواهر الخطيرة على عملية التوافق الجديدة، من ذلك وضع “جوزيف لاجو” زعيم الإنيانيا السابق فى مواجهة “آبيل ألير” الوسطى الدينكاوى المتفاهم، بل وإثارة قاعدتهما القبلية بإتاحة فرصة الصراع بين أبناء المديرية الاستوائية “البارى” (أقصى الجنوب) ضد الدينكا فى المجلس التشريعى الإقليمى الجنوبى. وطرح مشروع “اللامركزية” لتفعيل هذا الصراع فى الجنوب ومن ثم إصدار قانون الحكم الإقليمى 1980 والحكم المحلى 1981 من جانب واحد فى الشمال لتقسيم الإقليم الجنوبى حتى لا يبقى وحدة ذات ثقل أمام الشماليين. ويستطيع القارئ أن يقرأ وقائع الصراع فى هذا المجال، ومحتوياته الاجتماعية والاقتصادية فيما ذكرته مجموعات البرلمانيين الجنوبيين ومقابلها مذكرة “جوزيف لاجو” نفسه عن الموقف من “اللامركزية” ووضع أقلية “الاستوائية”- 32 نائبا، ضد أغلبية أبناء الدينكا–83 نائبا. واللافت فى هذه المذكرات هو حديث “لاجو” زعيم أنيانيا الانفصالية السابق عن التوافق مع مبادئ الاتحاد الاشتراكى وتحقيق الديمقراطية فى الجنوب عن طريق “تفكيك” الإقليم، مقابل حماس أبناء “الدينكا” مثل بونا مالوال وآبل ألير عن ضرورة وحدة الإقليم فى مواجهة انتهاكات الشماليين للاتفاق.

4- ثم تجئ الواقعة الكبرى مرتبطة بموضوع البترول واللامركزية معا، فى مشروعات بقرارات قدمها المدعى العام حسن الترابى للرئيس نميرى بإعادة تحديد حدود “الإقليم الجنوبى” وحل مؤسسات الجنوب المركزية، تمهيدا لمشروع التعريب والأسلمة فى رأى الجنوبيين. وقد حل النميرى الحكومة الإقليمية والمجلس التشريعى فعلا وأعاد تشكيلهما وفق التقسيم الجديد للإقليم عام 1980 بما اعتبر تصفية نهائية لاتفاق أديس أبابا. ثم نشرت خرائط جديدة بحدود جديدة للإقليم تضم منطقة “بنتيو” الغنية بالبترول إلى الأقاليم الشمالية، مما أصبح موضع الصراع الدامى حتى الآن.

أعتقد أن كافة هذه العناصر يمكن أن تكون كافية لضرب “بنية الثقة” بمقتل بينما كانت عناصر الاتفاق فى أديس ابابا موحية بغير ذلك. والذين يقرأون كافة الأدبيات الجنوبية حتى وقت من التسعينيات لا يشعرون تلقائيا بالانهيار النهائى للثقة أو الفرصة التى أتاحتها أجواء السبعينيات فى ظل اتفاق أديس أبابا والممارسات الوحدوية التى سلم بها الوحدويون والمتطرفون بإمكان التوافق. ولذا لا يعتبر إعلان نميرى لقوانين تطبيق الشريعة أو ما سمى بقوانين سبتمبر 1983 هو المثير الأكبر فى “المسألة الجنوبية” كما يصورها البعض أو تجرى به الإعلاميات، وإنما أصبح “تطبيق الشريعة” عنوانا على القرار النهائى فى الشمال بالانفراد بالسلطة والتشريع تتويجا لما قدمناه من إجراءات استفزازية أخرى. ومعنى ذلك التصميم على إقصاء الجنوبيين الذين عادوا بدورهم للتفكير فى استرجاع حضورهم السياسى بالقوة المسلحة داخل الساحة السودانية أو خارجها.

 

رؤية جديدة للحركة الشعبية من أجل “سودان جديد”

لم يكن تمرد حامية “بور” فى 16 مايو 1983 مجرد تمرد عسكرى شبيه بذلك الذى حدث فى حامية توريت عام 1955. كان تمرد توريت مقدمة لحركة انفصالية عرفت بحركة “أنيانيا-1” وبدا تمرد “بور” عقب التشكيل الجديد لأقاليم السودان وكأنه “أنيانيا-2” أو هكذا أعلنت بعض أطرافه، لكن ذلك لم يكن جوهر الحركة وإن ظل سوء الفهم أو التفهم قابعا فى وسائل الإعلام العربية خاصة، فضلا عن بعض من رأوا استثمار ذلك لأغراض أو سياسات معينة، أحدثها المواقف الأوربية والأمريكية فى السنوات الأخيرة. ومن يقرأ أدبيات الحركة الشعبية لتحرير السودان SPLM منذ أوائل 1984 وحتى وثيقة الرؤية والبرنامج 1998 لابد أن يلمس بالعين المجردة أن تحليل الحركة الجديدة للمجتمع السودانى وشعارها عن “السودان الجديد” لم يتعرض لكلمة “الانفصال” مرة واحدة، وهو يتحدث عن “سودان موحد ديمقراطى علماني”.

قد يتطلب الأمر مساحة أوسع لاستعراض مسار حركة “التمرد الكبير” والجذرى الذى عاد ينطلق من “الجنوب” ، وإن لم يكن التمرد الوحيد حتى خلال مرحلة الاستقرار فيما بين 1972/1983، عن نتيجة تصرفات السلطة الطبقية أو النخبوية فى المركز الشمالى- الخرطوم. لقد أدى سلوك “السلطة المايوية” أو النميرية، وعدم التزامها بوعودها كمشروع تنموى، فضلا عن أن يكون وحدويا إلى تحريك عوامل التفتيت، والتجاهل، والإقصاء فى الجنوب مع تغيير تحالفات النميرى وتركيزها على البرنامج الإسلامى وممثليه فى الشمال وخاصة مع النائب العام حسن الترابى فى السنوات الأخيرة لفترة اتفاق أديس أبابا. وتروى وثائق الحركة الشعبية أن التمرد فى إطار مفاهيم “أنيانيا-2” الانفصالية هو الذى حدث فى أكوبو 1975، وفى واو “1976 على سبيل المثال، هو الذى جعل “جرنق” وجماعة الحركة الشعبية لتحرير السودان SPLM يرون أن ذلك ليس الطريق المناسب، وأن قيام “حركة طليعية” لتحرير كل الشعب السودانى منطلقة من الجنوب” هو الحل الصحيح، لأن الحركة الأولى 1955 كانت فى تقديرهم حركة رجعية، وتعتبر “أنيانيا-2” امتدادًا لها حتى وقعت اتفاق 1972 ولذلك فليس صدفة قيام حركة تحرير الشعب السودانى بتصفية جناح “أنيانيا-2” الذى شارك نسبيا فى تأسيسها خلال عام التأسيس الأول بقيادة “جون جرنق”.. وهو ما يسميه البعض انفراد “جرنق” بالسلطة منذ بداية الحركة.

يلفت النظر أيضا أن عناصر قيادته من جبال النوبة جنوب غرب السودان قد رفدت الحركة بقوتها منذ انضمام قيادة مثقفة شابة مثل محمد هارون كافى إلى الحركة فيما بين 1986/1996 مثلما دعمها من أبناء الغرب أيضا “منصور خالد” “ودريج” ومن أقاليم شمالية مختلفة” “ياسر عرمان” و”تيسير محمد على” و”محمد عمر بشير” وغيرهم؛ معبرين جميعاً عن اتجاه عام لخلق حركة رفض “سودانية” ديمقراطية واحدة فى ظل تنوع ملحوظ.

وإذا تفهمنا الفلسفة الجديدة “للطليعة الثورية” التى انطلقت من مفهوم الزحف من أنحاء السودان لجماهير شعبية منظمة إلى “الشمال” من أجل “سودان جديد” لكل السودانيين وفق رؤية الحركة -على الطريقة الماوية- أو النموذج الأوغندى والأثيوبى والكونفولى؛ ومهما كان الرأى فى هذا التوجه؛ إلا أننا يمكن أن نقارن ذلك بالضرورة مع تحرك “جحافل الأنصار” المهدية وراء بيت المهدى أو “حزب الأمة” من مناطق نفوذهم التقليدية فى غرب السودان إلى قلب الخرطوم فى عمليات تدمير واسعة لمحاولة إسقاط نميرى عامى 1976/1977، ومع ذلك لم تحسب هذه كحركة تمرد “شريرة” تمتد أصولها إلى أحداث الجزيرة “أبا “أيضا، والتى شهدت طلعات الطيران على المنطقة عام 1971 حماية للنظام. وكان التقييم الصحيح يقتضى دراسة موضوعية حول “حالة التمرد” ضد نظام إقصائى، سواء بدعوى الشرعية الحزبية أو الطائفية على يد المهدية، أو بدعوى التحرير الشامل من القهر والاستغلال والإقصاء على يد “الطليعة الجنوبية”، وفى الحالتين ارتبط “التمرد” باتهام الخرطوم عام 1976/1977 لدولة عربية بدعم التمرد، كما كان اتهام المتمردين “الجنوبيين” لدولة عربية أخرى بدعم الحكم الديكتاتورى فى الخرطوم، ولكل ذلك دلالته!.

سوف أترك قراءة أدبيات الأنصار و(حزب الأمة- الصادق المهدى)، أو الجبهة الإسلامية (حسن الترابي) حول حركة الجنوبيين لبحوث أخرى، ولكن دعونا هنا نقرأ بعض أدبيات “الحركة الشعبية لتحرير السودان” وأحاديث قادتها وخاصة “جون جرنق” حول توجهها العام على الأقل، انطلاقا من ميثاقها أو “المانيفستو” عام 83 والبيان التأسيسى عام 1984 وحتى الرؤية والبرنامج 1998، والتى أكدتها بيانات زيارة جرنق لها فى القاهرة أثناء زيارتها 1998 أيضا.

كان من المتوقع أن تكون البيانات الأولى الناتجة من الواقع الاقتصادى والسياسى فى الجنوب ذات طابع انفصالى أو شبه انفصالى أكثر من تلك التى تصدر بعد سلسلة طويلة من المفاوضات فى عواصم العالم المختلفة بين “الجنوبيين” وحكومة الخرطوم الشمالية. لكن ذلك لم يحدث، مع حرص واضح على التعبير الدقيق عن قضية الشعب السودانى ككل إزاء تحليل معين لطبيعة السلطة القهرية فى الشمال. ولست هنا بصدد الحكم على النوايا، ولا بصدد تقييم مصداقية الحركة بقدر ما لابد من احترام مسار فكرى يقارب عمره الآن العشرين عاما، كما تحترم تحالفاتها المطردة- كسلوك سياسى- والتى لم تكشف عن عكس هذا الاتجاه، ويبقى على المعترضين على الأخذ بهذا التحليل أن يعاودوا النظر فى انحيازهم لنوع الاتجاه الذى حكم الخرطوم بين فترة وأخرى، بل وانحيازهم لطبيعة الهيمنة الاجتماعية والثقافية السائدة والمتحكمة عبر مركزية الخرطوم.

منذ الإعلان الصادر عن الحركة فى مارس 1984، بدت ملامح الفكرة الحاكمة لحركة تحرير الشعب السودانى رغم تصاعد إجراءات التفتيت والإقصاء من قبل الخرطوم.

ولنعرض لبعض النقاط الهامة هنا فقط حيث النصوص متوفرة فى أكثر من موقع:

  • يعبر الإعلان عن أن التاريخ السودانى الطويل، تاريخ مقاومة ضد القهر الداخلى والخارجى على السواء، مشيرا إلى القهر التركى والمصرى والإنجليزى من جهة والنخب الحاكمة فى الخرطوم ويسميها العصبة “clique” من جهة أخرى معتمدة دائما على استغلال التعدد العنصرى والدينى والعرقى لتطبيق سياسة التفرقة بين السودانيين، والتقسيم بين شماليين وجنوبيين، بل وتقسيم الشماليين أنفسهم إلى غربيين وشرقيين، “وحلفاويين” و”أولاد البلد” ممن يتحكمون فى السلطة السياسية بالخرطوم. كما تم تسييس تقسيمات الجنوب الى “وحدة الدينكا” “والاستوائية الكبرى” والمتحدثين بلغة بارى ووحدة اللو، هذا فضلا عن تقسيم آخر إلى مسلمين ومسيحيين، وإلى عرب وأفارقة. ولن يعدم القاهرون وسيلة فى المستقبل لاستبدال التقسيمات القديمة بغيرها.

وتتهم هذه النصوص الأولى الرجعيين من الانفصاليين، والمتعصبين (يقصد فى الجنوب والشمال) بتهديد وحدة الشعب السودانى، ولذا فإن قيام “الحركة الشعبية لتحرير السودان” وجيشها كحركة طليعية هو الرد المسلح على كل مشروعات التقسيم والتفتيت والإضعاف للشعب السودانى؛ لأن الحركة تعتقد اعتقادا جازما فى وحدة الشعب السودانى، ولا يمكن أن يخضع نضالها للاعتبارات العنصرية أو الدينية بأى حال، وتضع فى أولى مخططاتها تنمية مختلف القوميات.

  • يعالج بيان الحركة منذ عام 1984 مسألة تقسيم الجنوب ومخاطره بهدف حرمانه من قوة وحدته، ومن ثرواته وذلك، بضم مناطق البترول إلى المحافظات الشمالية، ومن هنا جاءت خطة الحركة “لتعطيل عمل شركة شيفرون ومشروع قناة جونجلى، لكن جميع المشاكل التى تثيرها الحركة- فى تقدير جرنق – يمكن حلها فى إطار السودان الموحد ونظام اشتراكى يوفر الحقوق الديمقراطية والإنسانية لكل القوميات كما يوفر الحريات الدينية وحرية المعتقدات، وهذا ما سيكفله الكفاح المسلح طويل المدى منطلقًا من الجنوب، لأن الكفاح السلمى قد ووجه دائما بالقهر العنيف.
  • يدرك “جون جرنق” مبكرا أنه سيتهم- وخاصة من قبل النميرى- بأن الحركة شيوعية نتيجة طبيعة نصوصها الأولى ويعتبر ذلك خلطا بين الشيوعية والاشتراكية التى ينادى بها، كما يرد بأن الاتحاد الاشتراكى الذى يحتكر به النميرى السلطة يمكن أن يتهم بذلك، وإن كان نميرى يقصد باتهامهم الإشارة لعلاقتهم بالدول الاشتراكية وليبيا بينما كان النميرى نفسه يستغل الاشتراكية تضليلاً لهذا الغرض، كما يستغل انتهازيته (عام 1983) .. للاتجاه نحو واشنطن. وكان النميرى نفسه هو الذى وصف “أنيانيا-1”) من قبل بأنها إمبريالية، ثم اتفق معها عام 1972 وكل ذلك يدخل فى باب الدعاية الرخيصة.

 

كيف تحدثت الحركة الشعبية بعد خمسة عشر عاما من تأسيسها؟ أى عام 1998؟

نشرت الحركة وثيقة جديدة فى مارس 1998 بعنوان “الرؤية والبرنامج” Vision and programme تبلورت فيها كثير من النقاط التى أثارتها وقائع الزمن الذى عبرته وصارت صاحبة القوة التفاوضية الملحوظة والعلاقات المتعددة داخليا وخارجيا كما صارت أمام حكم أكثر تحديا، وأكثر أيديولوجية فى الشمال.

وكان يمكن أن يكون خطاب الحركة الشعبية أكثر انفصالية بعد فشل عديد من المحاولات للتفاهم خلال خمسة عشر عاما من وجهة نظرها على الأقل- لكن “الخطاب” – وليس مجرد البيان الرئيسى الذى نشير إليه- ظل خاليا من أى روح انفصالية وإن كان أصبح مشحونا بالتحفظات والتلميحات إلى الحق فى اتخاذ “قرار آخر” فى إطار “حق تقرير المصير”. ومن سوء حظ المتحيزين ضد خطاب الحركة الشعبية أن مبدأ “حق تقرير المصير” تقرر على موائد التفاوض المريب بين بعض العناصر المنشقة عن الحركة وحكومة الإنقاذ الإسلامية فى الخرطوم منذ 1992، بل وكانت معظم هذه العناصر من أصول الأنيانيا-1- أو-2، وقبلتهم فقط نكاية فى “جوزيف جرنق” أو لإنقاذ دبلوماسية الحكم وليس لإنقاذ البلاد من الصراع المسلح. وقد دخل المصطلح نصوص المفاوضات الرسمية لأول مرة منذ اجتماع لام أكول وممثل الحكومة د. على الحاج فى فرانكفورت 1993 حسب رواية منصور خالد، وتبع ذلك طرحه فى مفاوضات الحركة مع ممثل الحكومة فى “أبوجا” ونيروبى.. حتى ماشاكوس 2002. ونحن نورد هنا هذه الحقائق للذين يعتبرون الحركة الشعبية، مجرد حركة انفصالية مدمرة للسودان حتى لو لم تذكر الانفصال وألمحت له بحق تقرير المصير. وقبل أن نعود لنصوص “الحركة” الحديثة (1998) فإننا نحيل القارئ إلى نصوص إعلان “كوكادام” ربيع 1986، ومبادرة السلام السودانية نوفمبر 1988 (منصور خالد 2000) “والإعلان” كان مع ممثلين الصادق المهدى الذين شكلوا أغلبية بين الأحزاب والهيئات الموقعة، أما “المبادرة” فكانت على يد السيد محمد عثمان الميرغنى شخصيا والذى كان حزبه “الوطنى الاتحادى” يشارك فى الحكم فى ذلك الوقت، ودون الدخول فى تفاصيل هذين الاتفاقين اللذين كانا كفيلين بحل الأزمة التاريخية فى السودان لولا مقاومة قوى شمالية طائفية أو إسلاموية لوضعهما موضع التحقيق لدرجة مطالبة الترابى كوزير خارجية للصادق باستمرار القتال مقابل نصح وزير الدفاع وقتئذ بقبول الحل السياسى الوارد فى اتفاق كوكادام (وفق رواية منصور خالد أيضا) أما اتفاق السلام الذى جاء به الميرغنى فكان مرشحاً بالطبع للفشل حيث رئيس الوزراء وقتئذ هو الصادق المهدى! لكن الجدير بالانتباه هنا هو أن الاتفاقين اللذين أقرتهما مجمل القوى السياسية مع الحركة الشعبية لم يوردا أبدا أية إشارة للانفصال أو حق تقرير المصير، بل أشار اتفاق “كوكادام” إلى “السودان الجديد” اتفاقا مع لغة الحركة، كما رفض طرفاه تسميه المشكلة بجنوب السودان مؤكدين أنها “مشاكل للسودان”، ومشيرين أيضا إلى دساتير السودان 56/ 1964- وداعين لإقامة حكومة وحدة وطنية ومؤتمر دستورى.. إلخ. أما “مبادرة السلام السودانية” فجاءت أكثر تقدما لتؤكد على “وحدة البلاد” وأن “المشاكل قومية الأصل” كما تنص على عقد المؤتمر الدستورى (على مستوى قومى)، وإلغاء قوانين سبتمبر الخ. وكان مقررا مناقشة الخطوات التنفيذية للاتفاقية قبل أن يقع انقلاب الجبهة الإسلامية 1989 بعدة أيام فتتوقف كل ذلك لترفع راية “الحرب الجهادية” فى الجنوب.

وفيما بين رفض الانقلاب الجديد لوثائق 86/1988، وبين الوثائق الجديدة للحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1998، مرت مياه كثيرة فى ظل الاقتتال والعنف المتبادل. ولم يكن الموقف طوال هذه الفترة يسيرًا على كلا الجانبين، فالحرب مرهقة ومكلفة على الشماليين والجنوبيين والحل العسكرى يضطرد فى استحالته بينما لايبدو الحل السياسى يسيرا على الطرح من قبل أيديولوجية إسلاموية متصاعدة فى الشمال، راغبة فى الانتشار لأبعد من حدود الشمال والجنوب على السواء. أما فى الجنوب فقد عانت قيادة “جون جرنق” بدورها كثيرا من متاعب الانشقاق منذ خرج عليه “رياك مشار” فيما عُرف بمحاولة انقلاب مدينة “الناصر” جنوب شرق السودان، قرب منافذه على الحدود مع أثيوبيا (إعلان ناصر – أغسطس 1991) بقيادات قوية من أبناء “الشلوك” والنوير: “مشار لام أكول“.

ويذكر شهود هذه التطورات فى الجنوب أنها كانت ضمن محاولات تحويل الحركة الشعبية عن اتجاهها العسكرى وفرض مبادىء التحرير الوطنى السياسى، (ومعنى ذلك ضمنا أن تكون أكثر ميلا للانفصال) إلى جانب كونها محاولة لمقرطة الحركة ضد انفراد جون جرنق بالقرار والقيادة (وبمعنى ضمنى آخر لتوازن نفوذ أبناء الدينكا، مع حضور مناسب للشلك والنوير وبقية الأقاليم وخاصة فى الاستوائية…). قد تكون الحركة الشعبية قد عادت للتوحد والتماسك بعد ذلك منذ إعلان “لافون” (أبريل 1995) للتوحيد مقابل إعلان “أبوكو” للانشقاق (أبريل 1994)، وهذا ما يشهد به أحد القيادات العائدة إلى الحركة مثل P.A. Nyaba عضو اللجنة التنفيذية الحالية فى كتاب له نشر عام 1997- 2000.

لكن اللافت هنا أن حكومة الخرطوم بدلا من أن تستفيد من الموقف لدفع تيار الوحدة من أجل حل قومى أو اجتماعى راحت تدعم الانشقاقات من أجل تدمير “جرنق” بأى ثمن وفق فكرة ثابتة عن انفصالية، وهو الذى قام فى ظرفين مختلفين بتصفية الانفصاليين ممثلين فى “أنيانيا- 2 “مرة أوائل الثمانينيات، والانشقاقيين الانفصاليين مرة أخرى أوائل التسعينيات وذلك لما بدا أنه يملك مشروعا “للسودان جديد” جعل مطلبه الأساسى هو عقد “مؤتمر دستورى قومى” منذ واجه انتفاضة 1985 وحتى وثائق “كوكا دام” و”المبادرة”. لكن يبدو أن “صراع الجنرالات” هو الذى حكم موقف الرئيس “عمر البشير” بل وحكم “الجهاديين” بقيادة “الترابى”؛ وكأنه عسكرى أكثر منه أيديولوجى. وقد جعل ذلك السلطة فى الخرطوم أكثر حركة فى اتجاه دعم الانشقاقيين إلى درجة التسليم بمقولاتهم عن “حق تقرير المصير” فى إطارهم الانفصالى ذاك فيما عرف من اتفاقيات تمت مرة مع “رياك مشار” وأخرى مع “لام أكول” وفى عواصم أفريقية مثل نيروبى وأبوجا.. إلخ مما بدا مثيرا للدهشة على المستوى العربى خاصة دون أن يتحرك “الرأى العام” للتعبير عن دهشته مثلما يعبر عن سخطه إزاء أى “انحراف” من طرف جون جرنق! وقد لفت نظرى مؤخراً – على سبيل المثال – تقييم مفكر سودانى أحترم آراءه مثل عبد الله على إبراهيم فى دراسة له بعنوان “حول البئر المعطلة والقصر المشيد فى السياسة السودانية” (المراجع).لا ينظر فيها “لجون جرنق” إلا من زاوية التسلط والفردية والشخصنة مقابل رفق ظاهر بأصحاب القصر فى الخرطوم!

فى هذا الجو تبعث الحركة الشعبية بأحدث رسائلها عام 1998 فى وثيقة بعنوان: “رؤية وبرنامج الحركة الشعبية لتحرير السودان”، تعود فيها للتأريخ للشعب السودانى منذ حضارة “كوش” وتنوع التشكيل الاجتماعى السودانى حتى انقلاب 1989 الانعزالى الإقصائى. ويمضى البرنامج المنشور على نطاق واسع لوضع رؤية الحركة فى عدد من النقاط الهامة نكتفى بتلخيص ما يتعلق منها بموضوعنا هنا:-

  • يعرب عن أن نضاله هو من أجل “نمط جديد للسودان” الذى ينتمون إليه جميعاً، سودان موحد، لكنه موحد على أسس جديدة، سودان جديد بالتزامات سياسية تقوم على حقائق الواقع السودانى وليس السودان القديم الذى كلف الشعب 32 عاماً من الحروب”.
  • يرفض تحكم “النخبة المحلية” اللامبدئية الساعية فقط إلى السلطة السياسية بادعاء القومية. ويضع خياراً ثنائيا: إما دولة مفتتة لعدد من الدول (الولايات) المستقلة، وإما سودان جديد فى وحدة اجتماعية سياسية يتوحد ولاؤنا لها والتزامنا نحوها دون اعتبار للجنس أو القبيلة أو الدين أو النوع. فهو سودان ديمقراطى يقوم على الإرادة الشعبية الطوعية وحكم القانون، ويعتمد النظام الديمقراطى العلمانى والمشاركة الشعبية.
  • تستهدف الحركة تطبيق “حق تقرير المصير” للشعب السودانى فى “سودان جديد” قبل وبعد حكومة الجبهة الإسلامية.

ثم يضع البرنامج خمسة عشر مطلباً يعدّل فيها بعض أفكاره الاجتماعية الراديكالية القديمة، حيث يستبعد “الرطانة” الإشتراكية ويتحدث عن الاقتصاد المشترك، وتعزيز الديمقراطية بالحكم السليم ووقف الفساد، كما تتعزز بذلك الوحدة والسلام والأمن. ويعيد الحديث عن حق تقرير المصير، ودعم أفكار الوحدة الأفريقية.

  • يعاود الحديث عن الوحدة الوطنية والسلام فى “المناطق المحررة” ويطالب بالسودان الجديد وحدة سياسية مع الاعتراف بالتنوع العرقى والدينى والثقافى.
  • يرى أن الحركة الشعبية لن تعزل نفسها عن الموقف السودانى ككل فى المركز (الخرطوم) ولن تحول نفسها إلى حركة إقليمية كما يرغب بعض الجنوبيين والشماليين على السواء، بل تستمر كحركة وطنية ذات أهداف قومية فى سياق السودان الجديد ولذا تستمر فى مناشدة الشماليين أن يلتحقوا بالحركة، التى ستقيم قواعدها فى مناطق الشمال السودانى التى لم تصل إليها.
  • ستواصل الحركة الدخول فى محادثات السلام من أجل حل سلمى مع الحكومة القائمة فى الخرطوم لكن على أساس الكونفيدرالية، وحق تقرير المصير والسودان الجديد وستظل الحركة عضواً بالتجمع الوطنى الديمقراطى وميثاق أسمرا مع استمرار استقلالها التنظيمى والسياسى والعسكرى.
  • ستواصل الحركة العمل مع التجمع الوطنى الديمقراطى لتحقيق التوحد فى النضال العسكرى كما هو قائم فى المناطق الريفية، وإنجاز الانتفاضة فى المناطق الحضرية لإسقاط حكم الجبهة الإسلامية فى أقرب وقت، وإقامة سودان جديد خلال البدائل التى يطرحها التجمع الوطنى الديمقراطى (تجمع المعارضة).
  • يدافع عن مطلب حق تقرير المصير بأنهم سيوفرون له الظروف الموضوعية الضرورية لممارسة شعب السودان الجديد لهذا الحق، لأنه لا يمكن أن يفرض على الناس وإنما يتم حوله التوافق بين المعنيين به ليقرروا فى استفتاء تحت رقابة دولية…. وهذا الحق اعترفت به كل القوى السياسية فى السودان، ومنظمة “إيجاد” وميثاق التجمع الوطنى الديمقراطي (المعارضة) 1995- كما اعترفت به حكومة الجبهة الإسلامية، وهو حق يمارس ولا “يُعطى” كما تتصور حكومة الجبهة الإسلامية.
  • يعود إلى الحديث عن مرجعيته الخارجية فيذكر التعاون والتكامل الأفريقى، وحركة ومنظمة الوحدة الأفريقية والنهضة الأفريقية، لأن “الشعب الأفريقى” يعنى كل الشعوب التى تسكن القارة الأفريقية، ومن ثم لا أساس للفهم العنصرى بل تقوم العلاقات غير العنصرية مع ثقافات الشرق الأوسط، والعلاقة الخاصة بل والدور الخاص فى العالم العربى والعلاقات العربية الأفريقية (وهنا حدود فهم الحركة لعروبة وأفريقية السودان مما يستحق المناقشة!).

بهذه المنطلقات شاركت الحركة الشعبية كافة القوى السياسية “الشمالية” ذات الطابع القومى فى حركتها لتوحيد المعارضة للنظام السودانى – وقد نصت مواثيق أسمرا منذ 1995 على الاعتراف بحق تقرير المصير، مثلما اعترفت قبلها وبعدها حكومة الخرطوم فى اتفاقيات مع المنتسقين ذوى الطابع الانفصالى. وتبع ذلك امتداد نفوذ الحركة الشعبية لتحرير السودان إلى مناطق أخرى فى جنوب غرب (جبال النوبة) وجنوب وسط “أبيى” وجنوب وشمال شرق السودان فيما عرف بقوات الدفاع السودانية بقيادة الفريق عبد العزيز خالد. وفى تقدير البعض طبعا أن ذلك نشاطاً لتوسيع قاعدة ونفوذ “الانفصاليين” وهذا غير منطقى وأطرافهم الشمالية فى كسلا، أما الحركة الشعبية وحلفاؤها فاعتبرت ذلك امتدادًا لفكرتها عن “السودان الجديد” والتحالف الشعبى الوطنى من حوله.

ومما له دلالة هنا، إعلان الحركة الشعبية لتحرير السودان فى “مؤتمرها الوطنى الأول” (1994) عن اتجاهها لمساندة قيام “لواء السودان الجديد” ليصبح “مشروعا مفتوحا لكل الوطنيين السودانيين، دون اعتبار لانتماءاتهم السياسية السابقة”. وبدأ ذلك بالفعل بإصدار وثيقة تأسيسه فى العام التالى 1995، مستهدفا”بناء حركة قومية جديدة، تكون هى وحدها الضامنة لوحدة السودان بالإسهام فى المشروع الوطنى القومى الجديد، بحيث تأخذ من الحركة الشعبية لتحرير السودان، والحركة الديمقراطية فى شمال البلاد أرقى وأكثر مكونات تجاربهما السابقة إيجابية”.

ويستهدف “لواء السودان الجديد” أيضاً تمكين الأقاليم المهمشة من التغلب على واقع التنمية غير “المتوازنة”. ويرد تكوين لواء السودان الجديد على تساؤلات سلبية فى الشمال بعد اتجاه “مجموعة الناصر” الانفصالية، حيث تعالج الحركة واللواء الجديد معالجة صحيحة لحق تقرير المصير.

ولواء السودان لا يجمع المثقفين فقط، ولا يقتصر مفهوم “التهميش” على الأقاليم المهمشة وحدها أو المجموعات العرقية وحدها، إذ إن نظام الجبهة الإسلامية –فى رأيها- قد أدى إلى تهميش النقابات والاتحادات ورجال الأعمال والضباط “المرفوتين” والمرأة، بل وقبائل عربية مثل “المسيرية” والرشايدة وغيرهم. وهو ليس حركة للدينكا، أو المسيحيين أو الأفارقة أو الوثنيين وحدهم. وتمضى وثيقة الحركة المطولة فى استعراض تطورات مفاهيم الحركة الشعبية التى دفعتها للعمل مع القوى الأخرى، ليس كتجمع جديد أو تحالف خاص وإنما لكل القوى الراغبة فى الانتقال إلى سودان جديد. وعن هذا التطور انطلق العمل فى السنوات الأخيرة ليس فى الجنوب وحده وإنما من أقصى الغرب (النوبة) إلى كسلا (قوات الدفاع الشعبى). بما يصعب معه تصور حدود الانفصال، وإن كان اتفاق ماساكوس قد عاد لتفجير سلبيات كل الفرص الضائعة التى مررنا بها.

 

الإنحسار

إن الفشل فى استغلال فرص الاتفاق بين الأطراف المتصارعة وتكرار الفرص الضائعة، يظل من وجهة نظر الجنوبيين مسئولية حكومة الجبهة الإسلامية التى صممت على الحل العسكرى وحده وعبأت قواعدها – شباباً وجنوداً – فى اتجاه الاقتتال وعزل الجنوب عن العالم إلا من خلال عمليات التدخل التى ارتبطت “بالمساعدات الإنسانية” والهيئات الكنسية فى أفريقيا وأوروبا حتى انفردت بها الكنائس الأمريكية مؤخراً. وقد طرحت الدول الأفريقية والعربية المجاورة للسودان مبادرات، بدت ذاتية أو إقليمية أو أخوية، وفى مقدمتها مبادرة “الإيجاد” التى سميت بإعلان المبادىء (DOP) 1995 ثم المبادرة الليبية المصرية. وقد اتخذت الولايات المتحدة موقفا صريحا إلى جانب مبادرة الإيجاد، بل وصرحت وزيرة خارجيتها “أولبرايت” فى نيروبى نوفمبر 1999 قبل نهاية خدمتها هى وحكومة بيل كلنتون أول عام 2000 “أن الولايات المتحدة لن تتعامل إلا مع مبادرة الإيجاد وحدها”. وكانت التقارير التى أعدتها على أمل نجاح الديمقراطيين فى الانتخابات، يجرى إعدادها فى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) بواشنطن منذ يوليو 2000، ثم صدر الموقف “الجمهورى” نفسه من بعد ذلك على أساس ما أعده الديمقراطيون، منتهياً بمفاوضات ماشاكوس!

 

فما الذى أدى إلى تدهور الموقف بهذا الشكل؟

لم تعترف الحكومة السودانية بمبادرة الإيجاد إلا عام 1998 دون أن يعنى ذلك الموافقة النهائية عليها بالطبع، ولم تضغط أطراف المبادرة الليبية المصرية على الخرطوم أو الحركة الشعبية لإنجاح مبادرتهم، وبدا الموقف كله محاولات لكسب الوقت على الجانبين بينما عمليات استكشاف البترول والدفع للتهدئة فى مناطق استخراجه بغرب السودان وجبال النوبة من قبل الأمريكيين تمضى وحدها، حتى أدت إلى اتفاق خاص بها لوقف الحرب هناك بنجاح أوائل عام 2002، وكان معنى ذلك دائماً فشل مخطط الخرطوم الدائم واستسلامها آخر الأمر أمام الاعتبار الخارجى. وطوال هذه الفترة كانت أطراف جنوبية مثقفة وصاحبة رؤية قد أعلنت عن يأسها من الوصول لحل حقيقى، حتى فى حدود ما تطرحه الحركة الشعبية لتحرير السودان، حيث كان بعض هؤلاء منذ مدة على يمينها تارة، وعلى يسارها تارة أخرى. وإذا ما تذكرنا جهد شخصيات تاريخية مثل “أبل ألير” “وبونا مالوال” حول الاستقرار بالحد الأدنى للحكم الذاتى، أو جهود “فرنسيس دينق” حول التكامل، والتنوع، فى سودان موحد، أو “لام أكول” فى كرّه وفرّه بين الحكومة والحركة الشعبية، فإننا يمكن أن نشعر معهم بالأسى، وهم يعبرون عن إحباطهم مما جرى، وأعتقد أن صياغاتهم للموقف ستظل ذات أثر فيه لفترة قادمة قد تطول، مهما كانت “الحلول” التى تصيغها أطراف “ماشاكوس”.

وقد يحتاج القارىء للعودة لكتاب “ألير” عن التمادى فى “نقض المواثيق والعهود” وانسحابه الأخير من الساحة بما لا يجعله مؤهلاً للعودة كشخصية توفيقية من أبناء “الدينكا” حاملة “الحركة” الرئيسية حتى الآن، كما قد يحتاج لمعرفة إحباطات لام أكول التى دفعته “للاستقالة” من العمل فى الوساطة مع الخرطوم أو الحركة عائداً إلى العمل المستقل عن الطرفين أو تشكيل طرف ثالث، كما قد يعود القارىء إلى كتابات ومواقف “بونا مالوال” وهو رجل الخرطوم السابق فى عهد النميرى، وقد أحبط مؤخراً من “الحركة” والخرطوم وحتى من لمزاته ضد العرب أنفسهم (S. Newsletter) وهو عضو لجان التكامل المصرى السودانى السابق!

أما “فرنسيس دينق” فقد ذهب بعيدا على غير المتوقع منه، بتعاونه الوثيق عبر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكى (CSIS) ليصيغ مع أحد مسئولى المعهد وثيقة هامة فى فبراير 2001 عن “السياسة الأمريكية لإنهاء الحرب فى السودان” شكلت أساساً لمهمة “دانفورث” مبعوث الرئيس بوش إلى السودان، وعراب ماشاكوس، والتى صيغت السياسة الأمريكية الأخيرة بالفعل على أساسها لما تضمنته من مفاجأة موافقة الأمريكيين على: “سودان واحد فى صيغة دولة واحدة ونظامين”، ووضع ترتيبات سريعة لإنهاء الحرب، والعمل على أساس مبادرة الإيجاد ثم الدخول فى مفاوضات للسلام، وإقامة حكم ذاتى على اساس رسم حدود الشمال/ جنوب، وتحديد السلطة الإقليمية، وقيام الوحدة فى دولة علمانية ديمقراطية، والفصل بين الدين الدولة، واقتسام الثروة والسلطة، وضمان حق تقرير المصير بعد فترة انتقالية عن طريق الاستفتاء من ناحية فى الجنوب، وترتيبات لمعالجة معاناة المجموعات المهمشة فى الشمال وخاصة النوبة والانقسنا”. بل ويشير التقرير إلى استعمال أسلوب “الجزرة والعصا” للتأثير على الخرطوم والمعارضة الجنوبية”!

هذه رؤية رجل التكامل والاندماج والتنوع والوحدة، بعد إحباطاته الأخيرة؛ يشارك فى وضعها أمام المسئول الأمريكى الذى حول موقفه من دعم الانفصال إلى بقاء السودان واحدا ليمكن استثمار مساحته مجتمعه لا مجزأة، فى وقت يمتد فيه البترول من جنوب السودان إلى غربة، ويعلن فيه أيضاً عن اكتشاف البترول فى تشاد (المجاورة) ويتقرر مد خط الأنانبيب من تشاد للكمرون (1050 كيلو متر) بما قد يمتد لنقل بترول غرب السودان ضد ويهدد خط الحكومة السودانية من الجنوب إلى بور سودان!

اما الدكتور “جون جرنق” فإنه يبدو أكثر تماسكا ولم يؤد به الإحباط من حكومة الخرطوم إلا لمزيد من دعمه لجبهة غرب السودان وشرقها فى نفس الوقت. وتطلب ذلك بالضرورة تكثيف تعاونه مع القوة المقتحمة الجديدة (الولايات المتحدة) حتى أوصلته إلى ماشاكوس رغم تصريحاته فى إطار التجمع الوطنى الديمقراطى (المعارضة) بأن ماشاكوس “فرضت” على جميع الأطراف! مذكرا بأن مواقفه الأصلية مازالت كما هى. فإذا كان الأمر كذلك- ويبدو أن زعماء التجمع لا يملكون إلا الثقة بالرجل، فإن القلق الذى انبعث خارج السودان وخاصة فى مصر لابد أن يظل متوقفا عند ما طرحه “جرنق” فى القاهرة عام 1997، فى زيارة شملت أطراف الحكومة والمعارضة فى مصر وحرص مكتب الحركة الشعبية على تسجيل ما تم فيها ونشره جميعا على الملأ فى كتاب (عن الزيارة) تحت عنوان له دلالته بدوره: “جون جرنق: رؤيته للسودان الجديد وقضايا الوحدة والهوية.. فى ضوء زيارته (لجمهورية مصر العربية نوفمبر- ديسمبر 1997”. ولهذه البيانات دلالتها حيث سبقت نشر وثيقة “رؤية وبرنامج الحركة” 1998 وهى التى أكدت نفس المعانى من داخل السودان. ونظرة سريعة على بعض ما جاء فى نصوصه بالقاهرة كفيلة بتقدير” رؤية جرنق” التى ترد على كثير من الشكوك المبتسرة السائدة:- وهو فى القاهرة (1997) خاطب “جرنق” جموع السودانيين، وقابل الدوائر الحكومية والأحزاب والهيئات المصرية ومجموعات المثقفين والصحفيين، لأنه اعتبر أن وجوده فى القاهرة اختراقا هاما حققته الحركة والمعارضة السودانية، عبر عنه بلغة “عربى جوبا” قائلا: “دا فرصة كبيرة… ناس ترابى فى الخرطوم مبرجل النهاردة”. لأنه أثبت أن الحركة تمتد فى علاقتها الودية من القاهرة حتى كيب تاون (إشارة لوساطة جنوب أفريقيا). وفى القاهرة وعلى مدى أسبوعين شرح “جرنق” نقاطا هامة عن مشروع “دولة السودان الجديد” الذى يضم كل “التنوع” ويبعد كل عوامل الفرقة، بل أنه أكد على أهمية عمله مع القوى التقليدية خلافا لرؤية “القوى الحديثة” فى السودان التى تستبعدهم من العمل المشترك، وشرح “جرنق” ضرورة “التفاوض” لانه لا يستطيع أن ينعزل، بل أنه اعتبر قبوله لمسألة “الكونفيدرالية”- فى مفاوضات نيروبى 1997 كتكتيك تفاوضى لدفع حكومة الجبهة الإسلامية للموافقة على “سودان موحد” ولو كونفدرالى ما دامت سلمت بالتفاوض مع “قوى انفصالية” منافسة له فى إطار حق تقرير مصير انفصالى. وتحدث عن ضرورة العمل المسلح، والانتقال به لمناطق مختلفة فى السودان ثم دفع “الانتفاضة” فى الخرطوم وليس المراهنة على الانقلاب لأن الجبهة الإسلامية باتت تسيطر على الجيش تماما. وأكد “جرنق” أنه يؤكد للقوى التى تهتم بوحدة السودان أن ذلك هو اهتمام الحركة أيضا، “وبالطبع هناك اهتمامات أخرى لمصر كموضوع المياه وقناة جونقلى، وقد تمت مناقشتها.. وأيدت مفهومى من أن القناة لها منافع تعود على كل من أهالى المنطقة فضلا عن شمال السودان ومصر.. ولم يكن هناك خلاف على ذلك. وطلب “جرنق” المساعدات الإنسانية للجنوبيين، من مصر والدول العربية لأن الأوربيين والأمريكيين وهم الذين ينفردون بهذا الأمر، ثم رد فى اجتماعات متعددة على الادعاءات التى تشوه صورة “الحركة” فى مصر والدول العربية، مثل تهمة أنها تحت سيطرة الدينكا، أو أنها ضد الإسلام والعرب أو انفصالية، وكرر هنا أن الحركة فى كل الجنوب، وبين قوميات أخرى فى غرب وشرق السودان وأن بين قادتها “يوسف كوه مكي” المسلم وقائد القوات فى جبال النوبة وجنوب كردفان، ومالك خفار قائد المناطق المحررة جنوب النيل الأزرق وعبد العزيز آدم الحلو قائد لواء السودان الجديد فى الجبهة الشرقية” وقد كانت أول دماء سالت على أرض الجنوب هى من داخل التنظيم ضد الانفصاليين هناك. ومن الطريف الدلالى أن أنهى “جرنق” خطابه فى الحشد السودانى الرئيسى بالقاهرة بالقول “أن الترابى أصبح معجزة الدنيا الثامنة، وأننا سنضعه فى المتحف لتشاهده أجيال المستقبل باعتباره الرجل الذى أوشك على تحطيم السودان”. وقد كان مصير الترابى بعد ذلك نموذجاً لمصداقية مفاهيم “جون جرنق”.

 

المصادر

المراجع

  • أبل ألير: جنوب السودان: التمادى فى نقض المواثيق والعهود : Southern Sudan too many agreements Dishonured, Ithaka, London 1995.

ترجمة: بشير محمد سعيد- الناشر: دار ميدلايت- لندن 1992.

  • فرنسيس دينق. دينامية الهوية: أساس للتكامل الوطنى فى السودان: الخرطوم (1973) Dynamics of identification, A Basis of National integration in the Sudan, KUP. 1973.

ترجمة: محمد على جادين- الناشر: مركز الدراسات السوادنية القاهرة (1999).

  • أفارقة بين عالمين (1978) (KUP) Africans of two worlds.

ترجمة: محمد على جادين- معتصم صغيرون. الناشر: مركز الدراسات السودانية- القاهرة 2001.

  • صراع الرؤى: War of visions نزاع الهويات فى السودان (1995).

ترجمة: عوض حسن:، الناشر: مركز الدراسات السودانية- القاهرة 1999.

  • الدينكا فى السودان: The Dinka of the Sudan 1989.
  • ترجمة: شمس الدين الأمين ضو البيت: مركز الدراسات السودانية- القاهرة 2001.
  • حلمى شعراوى: النسيج الاجتماعى للعلاقات العربية الأفريقية: قراءة فى أعمال- فرنسيس دينق عن الدينكا. فى: مجلة الثقافة السودانية- الخرطوم 1977 وفى “العرب والأفريقيون وجها لوجه- دار الثقافة الجديدة- القاهرة 1984.
  • محمد إبراهيم أبو سليم: فى الشخصية السودانية: دار جامعة الخرطوم 1979.
  • Mohamed Omer Beshir:

a-The Southern Sudan, Background to conflict, Khartoum KUP 1968. B)The Southern Sudan from conflict to peace: Khartoum 1974.

  • بونا مالوال: السودان: رابطة بين أفريقيا العربية وأفريقيا غير العربية (بدون تاريخ) وزارة الثقافة والإعلام – الخرطوم.

– The sudan- A second challenge

Sudan Democratic Gazette(News letter) (ed) London
  • عبد الغفار محمد أحمد: السودان: الوحدة فى التنوع: جامعة الخرطوم 1987-1992.

-مكى شبيكة: السودان عبر القرون: دار الثقافة – بيروت 1964. -يوسف فضل: دراسات فى تاريخ السودان- جامعة الخرطوم 1975. -محمد المكى إراهيم: الفكر السودانى أصوله وتطوره- الخرطوم 1976.

  • شريف حرير- تيرجى تفيدت: السودان: الانهيار أو النهضة- مركز الدراسات السودانية القاهرة 1997.
  • محسن عوض: جذور الرفض: فى: أفريقيا- كتاب غير دورى- دار المستقبل العربى القاهرة 1986.
  • منصور خالد: جنوب السودان فى المخيلة العربية- دار تراث للنشر- بيروت 2000.
  • عبد الله على إبراهيم: حول البئر المعطلة والقصر المشيد فى السياسة السودانية (دراسة لم تنشر).

– Joseph Lago: Decenlralisation of the south: khartoum 1980. -Mom, K.N. AROU (ed): North- South Relations in the Sudan Since the Addis Ababa Agreement- Kharatoum 1988. -Garang, Joseph: The Dilemma of the Southern Intellectuals, is it justified?- Khartoum 1971.

وثائق

-الواثق كمير (تحرير): جون جرنق: رؤيته للسودان الجديد وقضايا الوحدة والهوية فى ضوء زيارته لجمهورية مصر العربية- المجموعة الاستشارية- القاهرة 1998. -P. A. Nyaba, the politics of liberation in south soudan- the fountain publishers Kampala 2000. – لواء السودان الجديد- الحركة الشعبية لتحرير السودان (بدون). – دعوة إلى الثورة- إصدار قوات التحالف السودانية (بدون). Abel Alier: Regional government policy, statement- July 1980 Regional ministry of culture and information- Juba 1980. – John Garang: Apeal to the Sudanese people on the founding of the sudan people’s Liberation Army (SPLA) and sudan peple’ Liberation Movement (SPLM) (March 1984). – Vision and programme of the Sudan people’s Liberation Movement (SPLM)- march 1998. – Joseph Lago: Decentralization: A necessity for the souther provinces of the sudan (1981). – The SPLM and SPLA, objectives and Guiding primciples…. – US policy to End Sudan War, Report of CSIS taskforce on US- Sudan policy- Feb 2001 cochairs: Francis Deng- S. Marrison – US Department of state: The Outlook for peace in The Sudan: Report to the president of United states from John C. Danforthe, special Envoy for peace. April 2-2002.