أروى الصُليحية – الموسوعه المصغره للدكتور أسامه فؤاد شعلان

 

 

أروى الصُليحية

(440532هـ/10481138م)

 Dr Usama Fouad Shaalan MD- PhD MiniEncyclopedia الموسوعه المصغره للدكتور  أسامه فؤاد شعلان

   

قبر الملكه أروى ثانى ملوك اليمن ومن النساء حتى الان

 من وجه نظر الاسماعليه

السيدة الحرة أروى بنت أحمد بن محمد بن جعفر بن موسى الصليحي، وأمها رداح بنت الفارع بن موسى، ملكة حازمة مدبّرة، زوجة المكرّم أحمد بن علي الصليحي ملك اليمن، من الأسرة الصليحية التي حكمت اليمن بعد أن وحدت معظم إِماراته (439533هـ) ونشرت الدعوة الإِسماعيلية الفاطمية المستعلية فيه، عرفت بلقب السيدة الحرّة حتى غلب على اسمها في كتب التاريخ.

    ولدت في حصن مسار من جبال حراز باليمن، ونشأت في رعاية أسماء بنت شهاب زوجة الملك علي بن محمد الصليحي مؤسس الدولة الصليحية، بعد وفاة والدها أحمد الصليحي وزواج والدتها من عامر بن سليمان ابن عامر بن عبد الله الزواحي.

    عرفت الملكة الحرّة بالجمال وحسن الأخلاق والشخصية النافذة، وكانت قارئة كاتبة، تحفظ الأشعار والأخبار والتواريخ، وكان الملك علي معجباً بها فكان يوصي زوجته فيقول لها: «أكرميها فهي والله كافلة ذرارينا وحافظة هذا الأمر على من بقي فينا».

    تزوجها المكرّم أحمد بن علي سنة 458هـ في حياة أبيه، وتولى الحكم من بعده (459481هـ) فأنجبت منه ولدين وبنتين، ومات ولداها سنة 467هـ وفوّض الأمور إِلى زوجته أروى، فكان أول ما قامت به، بعد أن غادرت صنعاء، أن اتخذت مقرها في قصر شاده زوجها في حصن ذي جبلة ونقل إِليه ذخائره وقامت بتدبير المملكة خير قيام وبسطت سلطانها على القبائل اليمانية، فخضع الناس لها، ومنحها الخليفة الإِمام المستنصر بالله منصب داعي الدعاة ولقبها: «السيدة الحرّة، وحيدة الزمن، سيدة ملوك اليمن، عمدة الإِسلام، ذخيرة الدين، عصمة المؤمنين، كهف المستجيبين، وليّة أمير المؤمنين، كافلة أوليائه الميامين» وعدّها المثل الأعلى للحاكم لكفايتها في تدبير شؤون الحكم، وكانت المراسلات المستنصرية الإِمامية تصدر إِلى اليمن باسمها.

    وبعد وفاة زوجها المكرّم سنة 481هـ اختلف الصليحيون والزواحيون فيمن يتولى الحكم، وكان زوجها قد أوصى أن تسند أمور الدعوة إِلى الأمير المنصور سبأ بن أحمد بن المظفر الصليحي الذي طمح إِلى الزواج بالسيدة الحرّة، فلم ترض أروى بهذا الاختيار، واحتكم سبأ إِلى الخليفة المستنصر بالله الفاطمي الذي أمر أروى أن تقبل بسبأ زوجاً، فوافقت بعد تردد، ولكنّ هذا الزواج ظلّ صورياً، وظلّت أروى تمسك بمقاليد الحكم الفعلية، وتُرفع إِليها الرقاع، ويجتمع عندها الوزراء، ويدعى لها على منابر اليمن، فيخطب أولاً للخليفة الفاطمي ثم لسبأ ابن أحمد ثم للسيدة الحرّة أروى. ولم تلبث أن استقلت بأمر الحكم بعد وفاة زوجها الثاني سبأ سنة 492هـ، واعتمدت في تدبير أمور الملك على عدد من الثقات، منهم: المفضّل بن أبي البركات، وزريع بن أبي الفضل، وعليّ بن إِبراهيم بن نجيب الدولة وغيرهم، وامتدت أيام حكمها بعد ذلك أربعين سنة، استطاعت في أثنائها أن تمارس سيادتها على الإِمارات اليمنية الصغيرة من دون إِخضاعها.

    ولّما قدم ابن نجيب الدولة إِلى اليمن موفداً من الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله سنة 513هـ وداعياً له، فأقام الحدود وأخضع الإِمارات المتمردة، عزّ جانب الحرّة وانقمع أهل اليمن، إِلا أنه بدأ منذ سنة 519هـ يسيء إِلى الحرّة ويستخفّ بأمرها ويدّعي أنها قد خرفت واستحقت أن يحجر عليها، وحاول أن ينتزع الحكم منها، ولكنّ أمراء البلاد وشيوخها ساندوها واتهموا ابن نجيب الدولة بالتآمر على الخلافة والدعوة النزارية، فأمر الخليفة بالقبض عليه وإِعادته إِلى مصر، ولكن السفينة التي كانت تقلّه غرقت في أثناء الرحلة، وأسندت الحرّة أمر الدعوة إِلى سبأ بن أبي السعود من آل زريع (وهو أول بني زريع الذين خلفوا الصليحين).

    وقد عملت أروى إِبّان حكمها على تشجيع البناء والعمارة وأولت إِنشاء المدارس والمستشفيات والمساجد اهتمامها الزائد، ولم يقف نفوذها عند حدود اليمن، فقد عهد إِليها الخليفة المستنصر بالله ومن بعده الآمر بأحكام الله بالإِشراف على الدعوة الفاطمية في عُمان والهند.

    عُمّرت أروى طويلاً، فلمّا ماتت تبارى الشعراء في رثائها، ودفنت في مسجد كانت بنته بذي جبلة، وقبرها ما يزال حتى اليوم مزاراً يسعى الناس إِليه ويتبركون به.

    وعلى إِثر وفاتها دبّ الضعف في جسد الدولة الصليحية الإسماعيلية وتفككت أوصالها وصار الأمر فيها إِلى الأمراء من آل زريع، وكانت الدولة الفاطمية في مصر تعاني الانهيار أيضاً، وانتهى أمر الصليحين تماماً بعد أن غزا طوران شاه ابن الملك الصالح نجم الدين اليمن سنة 569هـ.

جبلة التي كانت في يوم ما عاصمة لليمن اثناء حكم الدوله الصليحيه التي ما زالت اثااارها حاضرة بقوه فمسجد السيده اروي بنت احمد التي كانت هي حاكمة اليمن ما زال باقياً وبقايا قصرها الذي يتكون من ثلاثمائه وثلاث وستون غرفه ما زال اثاره شاهدة علي عضم ذالك السلطان

تعقيب

وفي سنة 495هـ، توفي المستعلي، فخلفه ابنه الآمر بأحكام الله، وعمره خمس سنوات، غير أنه قتل بعد ما بلغ العشرين، على يد أحد أتباع الحسن بن الصباح الموالي للنزارية سنة 524هـ.

وكان مقتل الآمر بداية تطور جديد وانقسام آخر في تاريخ الإسماعيلية، ذلك أن الآمر لم ينجب ابنا، يتولى الأمر بعده، فعيّن عمه الحافظ عبد المجيد بن المستنصر إماماً بالنيابة أو (إماماً مستودعاً)، ولكن سرعان ما دعا الحافظ لنفسه بالإمامة الكاملة، وقد تولى الأمر بعده الظافر سنة 544هـ، ثم الفائز سنة 549هـ، وأخيراً العاضد سنة 555هـ، وهو الذي انتهت الدولة العبيدية الفاطمية في عهده، بعد أن أعلن صلاح الدين الأيوبي سنة 567هـ نهاية تلك الدولة، وبذلك قضى على هذا الفرع من المستعلية]).

هكذا كان أمر الإسماعيلية المستعلية في مصر، ولكن المستعلية في اليمن كان لها شأن آخر في عهد الصليحيين الذين لم يعترفوا بإمامة عبد المجيد، وزعموا أن إحدى زوجات الآمر بأحكام الله المقتول كانت حاملاً، ووضعت طفلاً ذكراً اسمه الطيب بن الآمر،وأن الإمامة لهذا الطفل.

وزعموا أن أحد الدعاة خاف على هذا الطفل، فأخفاه عن الحافظ عبد المجيد، وأرسله إلى الملكة أروى الصليحية في اليمن، وقد أخفته،وجعلت نفسها كفيلة ونائبة عنه في تولي شؤون الدعوة الإسماعيلية. يقول د. محمد الخطيب: "ومنذ ذلك الحين لم يقدم لنا التاريخ ذكراً للأئمة المستورين الذين جاءوا من عقب الطيب المختفي]).

وقد انقرضت الدولة الصليحية في سنة 511هـ، ولم يقم أتباع الدعوة الطيبية بأي نشاط سياسي بعد ذلك، وكما يقول د. محمد كامل حسين: "فإنّ أتباع هذه الدعوة ركنوا إلى التجارة، وعاشوا في محيط خاص بهم، وكان كثير منهم يتخذ التقية فلا يظهر إسماعيليته، بالرغم من وجود داعية لهم ينوب عن إمامهم المستور في تصريف أمورهم الدينية،وقد هيّأت التجارة التقليدية بين اليمن والهند فرصة لنشر الدعوة الإسماعيلية الطيبية في الهند، ولا سيمّا في ولاية جوجرات أو كجرات جنوب بومباي، وأقبل جماعة من الهندوس على اعتناق هذه الدعوة حتى كثر عددهم هناك، وعرفوا باسم (البهرة)، وكلمة البهرة كلمة هندية قديمة معناها التاجر])". 
 ..

من وجه نظر السنه

 
فرق الإسماعيلية
ظهر التفرق في طائفة الإسماعيلية كسائر فرق الشيعة منذ نشأتها حيث نجد هذه المصطلحات والأسماء الآتية في كتب الفرق وكلها تدل على فرق عديدة وانشقاقات في داخل فرقة الإسماعيلية وهذه طبيعة السبل التي نهانا الله عنها وحذرنا من أتباعها كما قال تعالى {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [ الأنعام: 153]، وهذه الفرق حسب أسمائها في كتب المقالات على النحو الآتي:
 
1ـ الإسماعيلية الخالصة:
وهم الذين قالوا: إن الإمام بعد جعفر ابنه إسماعيل بن جعفر وأنكروا موت إسماعيل في حياة أبيه وقالوا إن ذلك على جهة التلبيس لأنه خاف عليه فغيبه عنهم وزعموا أن إسماعيل لا يموت حتى يملك الأرض ويقوم بأمور الناس وأنه هو القائم لأن أباه أشار إليه بالإمامة بعده وقلدهم ذلك له وأخبرهم أنه صاحبهم وهذه الفرقة تنتظر إسماعيل بن جعفر وجزم كل من الأشعري القمي والنوبختي إلى أن هذه الفرقة هي الخطابية أتباع أبي الخطاب قبل موته ولما توفى أبو الخطاب انضم أتباعه إلى الإسماعيلية وقالوا بإمامة إسماعيل في حياة أبيه مع إنكارهم لموته في تلك الفترة.
 
2ـ الإسماعيلية المباركية أو الإسماعيلية الثانية:
وهم القائلون بأن الإمام بعد جعفر هو محمد بن إسماعيل بن جعفر وأمه أم ولد وقالوا إن الأمر كان لإسماعيل في حياة أبيه فلما توفي قبل أبيه جعل جعفر بن محمد الأمر لمحمد بن إسماعيل وكان الحق له ولا يجوز غير ذلك لأنها لا تنتقل من أخ إلى أخ بعد الحسن والحسين رضي الله عنهما ولا يكون الإمام إلا في العقاب ولم يكن لأخوة إسماعيل عبدالله وموسى في الإمامة حق كما لم يكن لمحمد ابن الحنفية فيها حق مع علي بن الحسن وأصحاب هذه المقالة يسمون المباركية نسبة إلى رئيس لهم يسمى المبارك كان مولى لإسماعيل بن جعفر
 

أصول الإسماعيلية لسليمان بن عبد الله السلومي – 2/352

 
3ـ فرقة القرامطة:
فرقة باطنية ثورية انشقت عن حركتها الأم الإسماعيلية وأصبحت فرعا من فروعها وسموا بالقرامطة نسبة إلى زعيمها وداعيتها الأول (حمدان قرمط) الذي يقول عنه الغزالي: كان حمدان أحد دعاة الباطنية في الابتداء حيث استجاب له في دعوته رجال فسموا قرامطة وقرمطية ودار بينهما محاورة دعوية استجاب فيها حمدان لجميع ما دعاه إليه هذا الباطني ومنها أخذه العهد والميثاق على حمدان بالبيعة للإمام الإسماعيلي والتزام سر الإمام وسر هذا الداعية ومن ثم انتدب حمدان للدعوة وصار أصلا من أصولها

أصول الإسماعيلية لسليمان عبد الله السلومي – 2/353 و(انظر بحث القرامطة من هذه الموسوعة)

 
4ـ فرقة الدروز:
هذه الفرقة من فرق الباطنية الإسماعيلية التي جاهرت بالغلو في شخصية الحاكم فانشقت عن المذهب الإسماعيلي ورغم انشقاقها وتفردها ببعض المعتقدات فإنها بلا شك وليدة الدعوة الإسماعيلية وبتعبير أدق جناحا من أجنحتها.
 

أصول الإسماعيلية لسليمان بن عبد الله السلومي – 2/ 358 و(انظر بحث الدروز من هذه الموسوعة)

 
5ـ الإسماعيلية المستعلية:
يعتبر انقسام الطائفة الإسماعيلية إلى مستعلية ونزارية أضخم انقسام وافتراق منذ تأسيسها وبدايتها إلى عصرنا الحاضر حيث اتجهت كل فرقة إلى إمام من أئمتها في فترة الظهور وتمسكت به وبإمامة نسله من بعده إن كان له نسل أو عقب وحدث من جراء هذا الانقسام أن أصبح لكل فرقة كتب خاصة بها لأن لكل فرقة دعاة خاصين ومنظمين فكريين بل أصبح بعد ذلك لكل فرقة دولة خاصة بها ولا أدل على ذلك من دولة الصليحيين في اليمن والتي تمثل الإسماعيلية المستعلية ودولة الصباحيين أو الحشاشين في ألموت وجنوب فارس والتي تمثل الإسماعيلية النزارية.وبداية هذا الانقسام وسببه كما ذكرنا سابقا أن المستنصر العبيدي (الإمام الثامن من أئمة الظهور عند الإسماعيلية) لما مات في ذي الحجة من عام 487هـ أقام الأفضل ابن بدر أمير الجيوش ابنه المستعلي بالله بن المستنصر واسمه أبو القاسم أحمد للإمامة والحكم وخالفه في ذلك أخوه نزار بن المستنصر وبعد مناوشات بينهما فر إلى الإسكندرية ثم حاربه الأفضل حتى ظفر به فقتله ثم أمر الأفضل الناس بتقبيل الأرض وقال لهم قبلوا الأرض لمولانا المستعلي بالله وبايعوه فهو الذي نص عليه الإمام المستنصر قبل وفاته بالخلافة من بعده .وبذلك انقسمت الإسماعيلية إلى مستعلية أتباع المستعلي ونزارية أتباع نزار والحديث الآن عن المستعلية حيث يسمون بهذا الاسم نسبة إلى القول بإمامة المستعلي مع إنكار إمامة نزار بن المستنصر ويقولون إنه نازع الحق أهله من حيث أن الحق في الإمامة والخلافة كان لإمامهم المستعلي فادعاه لنفسه ويقولون إن شيعته على الباطل ويرون من الضلال اتباع الحسن الصباح داعية نزار والناقل عن المستنصر النص على إمامته . ومن أسماء هذه الفرقة فيما بعد الطيبية نسبة إلى الطيب ابن الآمر المزعوم.
الذي سبق أن ذكرنا ادعاء الملكة أروى الصليحية إمامته وكفالتها له.وبعد ذلك أطلق عليهم لقب الإسماعيلية الطيبية لزعمهم بإمامته وإمامة نسله المستورين من بعده كما يطلق على هذه الفرقة الإسماعيلية الغريبة وهؤلاء هم إسماعيلية مصر واليمن وبعض بلاد الشام تمييز لهم عن الإسماعيلية الشرقية إسماعيلية بلاد فارس أصحاب الحسن الصباح .
وتبنى هذه الفرقة وأبقاها الدولة الصليحية الذين حاولوا نشرها وبسطها في بلاد اليمن حتى انقرضت الدولة الصليحية عام 563هـ ولم يقم أتباع هذه الفرقة بأي نشاط سياسي يذكر ونراهم اتجهوا بعد ذلك اتجاها جديدا هو التجارة والاقتصاد واتخذوا التقية والستر – كعادتهم في التمويه – أسلوبا في نقل الدعوة الإسماعيلية المستعلية الطيبية إلى شبه القارة الهندية وظهر لهم لقب جديد ومسمى يتناسب مع مهنتهم وهو (البهرة) وسبب ذلك أنه عندما اعتنق جماعة من الهندوس الدعوة الإسماعيلية الطيبية وكثر عددهم في الهند عرفت الدعوة بينهم باسم البهرة وهي كلمة هندية قديمة معناها التاجر
البهرة: عندما اعتنق جماعة من الهندوس الدعوة الإسماعيلية الطيبية وكثر عددهم في الهند عرفت الدعوة باسم البهرة الذي يرمز إلى مهنتهم التي اشتهروا بها وهي التجارة حيث انصرفوا لها وحاولوا نشر عقيدتهم عن طريقها ولذا نجد أن دعوتهم انتشرت في أقطار متعددة نتيجة جهل الشعوب الإسلامية بهذه الدعوة الباطنية وعدم فهم الإسلام فهما صحيحا فلهم أتباع في بلاد الهند والباكستان وعدن كما يوجد عدد منهم في اليمن الشمالي في جبال حراز ولا زال يطلق عليه اسمهم الحقيقي والأصلي حيث يدعون بالقرامطة والباطنية ومن آثارها – كما يقول النشار – قبيلة يام وهي إلى اليوم باطنية تنتمي إلى بهرة الهند .
ويشتهر البهرة بالتعصب الشديد لمذهبهم وعقيدتهم وتقاليدهم التي ورثوها من قادتهم وزعمائهم (إسماعيلية اليمن المعروفين بالصليحيين) فهم يحافظون عليها محافظة تامة ولا يقبلون تبديلا لتلك التقاليد أو تطويرها ومن مظاهر ذلك:
1ـ الزي الخاص بهم رجالا ونساء حتى أن الناظر المتمعن فيهم يعرف البهري من غيره.
2ـ لهم أماكن خاصة للعبادة لا يدخلها غيرهم أطلقوا عليها اسم جامع خانة فهم لا يؤدون فريضة الصلاة إلا في الجامع خانة مع رفضهم لإقامة الصلاة في المساجد التي لغيرهم من المسلمين.
(وقد شاهدت مرارا وتكرارا البهريين يخرجون من المسجد الحرام عند إقامة الصلاة ويذهبون لأدائها في رباط لهم يسمى (الرباط السيفي) يقع بالقرب من الحرم المكي في الجهة الجنوبية).3ـ الحرص الشديد على ستر عقائدهم المذهبية الباطنية إما في الظاهر فإنهم قد يشاركون المسلمين في أداء بعض الفرائض والأركان .ورغم اتفاق البهرة ظاهريا مع غيرهم من المسلمين في العبادات والشعائر فإنهم يعتقدون عقائد باطنية بعيدة كل البعد عند معتقد أهل السنة والجماعة فهم مثلا يؤدون الصلاة كما يؤديها المسلمون ويحافظون على حدودها وأركانها كالمسلمين تماما ولكنهم يقولون إن صلاتهم هذه للإمام المستور من نسل الطيب بن الآمر ويؤدون شعائر الحج كما يؤديها المسلمون ولكنهم يقولون إن الكعبة التي يطوفون حولها هي رمز للإمام وهكذا يذهبون في عقائدهم مذهبا باطنيا يلتقي مع التيار الباطني العام .
وفي القرن العاشر الهجري انقسم البهرة إلى طائفتين تسمى إحداهما بالداودية والأخرى بالسيمانية ويرجع هذا الانقسام إلى الخلاف على من يتولى مرتبة الداعي المطلق للطائفة.فالفرقة الداودية تنتسب إلى الداعي السابع والعشرين من سلسلة دعاة الفرقة المستعلية الطيبية ويسمى بقطب شاه داوود برهان الدين المتوفى سنة 1021هـ وهم الأكثرية وهم بهرة كجرات ولذا أصبح مركز دعوتهم في الهند حيث يقيم داعيتهم الآن وهو طاهر سيف الدين في مدينة بومباي ويعتبر الداعي الحادي والخمسين من سلسلة الدعاة حيث بينه وبين الداعي الذي تنتسب إليه الداودية اثنان وعشرون داعيا ذكرهم العزاوي بالترتيب في مقدمته سمط الحقائق .أما الفرقة السليمانية فتنتسب إلى الداعي سليمان بن الحسن الذي أبى أتباعه الاعتراف بداوود بدعوى عجب شاه اختار سليمان وأعطاه وثيقة بذلك ويدعي جماعته أنها لا تزال عندهم تلك الوثيقة وتبعه شرذمة قليلة نسبوا إليه ويتواجدون في اليمن ورئيسها الحالي علي بن الحسن ومحل إقامته بنجران جنوبي السعودية وهذه الطائفة منتشرة في قبائل بني يام باليمن وبعض أفراده مقيمون في الهند والباكستان . وكلا الداعيان برتبة (داع مطلق) وهي مرتبة وراثية تنتقل من أب إلى ابن وصاحبها يتمتع بنفس الصفات التي كان يوصف بها الأئمة على أنها صفات مكتسبة وليست ذاتية . ومما يدل على استعباد هؤلاء الدعاة لأتباعهم وخضوعهم لهم كما يخضعون للأئمة المظاهر التالية:1ـ تعظيم دعاتهم المطلقين وتحيتهم بانحناء الرؤوس وتقبيل الأرض بين يديهم حتى ليكادوا يسجدوا لهم كما يعتقدون أنه – أي الداعي المطلق – كالمعصوم لا يخطئ ولا يضل أبدا وطاعته واجبة .2ـ تقديس الأتباع لزعيمهم حتى أنه استخف بهم وأخذ يصنع الصكوك لأتباعه على قطع في الجنة وهذا مما نقل عن علي بن الحسن زعيم المكارمة في نجران .
3ـ تأليه الأئمة أو الداعي المطلق الذي يحل محله وأدل شيء على ذلك ما نقله لنا الدكتور محمد كامل حسين في طائفة الإسماعيلية عن محاورة جرت بينه وبين أحد زعماء الأغاخنية في العصر الحاضر ونصها قوله لأغاخان:
لقد أدهشتني بثقافتك وعقليتك فكيف تسمح لأتباعك أن يدعوك إله؟ فضحك طويلا جدا وعلت قهقهاته ودمعت عيناه من كثرة الضحك ثم قال: هل تريد الإجابة عن هذا السؤال. إن القوم في الهند يعبدون البقرة ألست خيرا من البقرة . وهذا وإن كان حدثنا لزعيم الأغاخانية إلا أن زعيم البهرة كذلك حيث يعبده أتباعه ويؤلهونه .
 

أصول الإسماعيلية لسليمان بن عبد الله السلومي – 2/ 362

( و(انظر بحث (البهرة) من هذه الموسوعة)

)
 
6ـ الإسماعيلية النزارية (الحشاشون) يعتبر الإسماعيليون النزاريون طائفة وفرقة من أكبر الطوائف والفرق الإسماعيلية في العصر الحاضر حيث بدأ انفصال هذه الفرقة وتكونها بعد وفاة المستنصر عام سبع وثمانين وأربعمائة هجرية وكان حسب تقاليد الإسماعيلية قد نص على إمامة ابنه نزار لكن الوزير الجمالي صرف النص إلى أخيه المستعلي – ابن أخت الوزير – كما سبق أن ذكرنا ذلك تفصيلا وحصل من جراء ذلك انقسام الإسماعيلية إلى مستعلية ونزارية وعلى الرغم من القضاء على نزار وقتله في الإسكندرية على يد وزير المستعلي الأفضل بن بدر الجمالي ولم يكن له عقب مستتر أو ظاهر على الرغم من ذلك فإن أحد دعاة الإسماعيلية ويدعى بالحسن الصباح انتصر لنزار وأصبح يدعو له ولأبنائه من بعده وجعل نفسه نائبا للإمام المستور من ولد نزار وأصبح يدعو له وبذلك تكونت هذه الفرقة وأصبح يطلق عليها الإسماعيلية النزارية نسبة إلى نزار بن المستنصر كما يطلق عليها اسم الدعوة الجديدة تمييزا لها عن الدعوة الإسماعيلية الأولى كما يطلق عليها الإسماعيلية الشرقية نسبة إلى مكان ظهورها وانتشارها وإشارة إلى انفصالها عن الإسماعيلية الأم والتي تسمى بالإسماعيلية الغربية . ويسميها بعض الكتّاب المعاصرين بإسماعيلية إيران نسبة إلى مكانها .،وجميع هذه المسميات دالة عليها ومحددة لها وقد عاصر ظهور هذه الفرقة عالمان كبيران تولى كل واحد منهما فضح هذه الفرقة وبيان باطنيتها وشدة خطرها وعظم ضررها على الإسلام والمسلمين وهما:الإمام الغزالي الذي ألف كتابه (فضائح الباطنية) والشهرستاني الذي أفرد لهم حديثا خاصا بهم عند قوله ثم إن أصحاب الدعوة الجديدة.. إلخ .،وحفاظا على بقاء هذه الفرقة وإظهارها ادعى منظموها أن لنزار بن المستعلي ولدا ثم له نسلا استمرت الإمامة فيهم وبقيت ولكنهم – أي النزاريون – فيما بعد كذبوا أنفسهم حيث ادعوا الإمامة للحسن الصباح ومن جاء بعده ممن خلفه في قيادة دولة الحشاشين أو الفدائيين ولا أدل على ذلك من ادعاء الحسن الثاني من نسل الحسن الصباح في عام 559هـ أنه هو الإمام من نسل نزار بن المستنصر وأصبح اسمه لا يذكر إلا مقرونا (على ذكره السلام) كما يطلق في العادة في الأئمة المستقرين وبذلك أصبح حكام ألموت بعد الحسن الثاني والذين جاءوا بعده من النسب الفاطمي وهكذا أتى الحسن الثاني – كما يقول بدوي – بثلاثة تجديدات ما لبث النزارية في كل مكان أن قبلوها على درجات متفاوتة وأولها أنه أعلن نفسه خليفة لله في أرضه ولم يعد مجرد داع كما كان أسلافه .
ويعتبر الحسن الصباح العقل المدبر الذي نظم هذه الطائفة ووجهها ومن ثم نشرها في بلاد فارس مما نتج عن هذه الجهود قيام دولة الحشاشين أو الفدائيين كما سنفصل القول إن شاء الله في دولتهم عند الحديث عن دول الإسماعيلية في آخر هذا الفصل.
وبعد أن بدأت دولة الحشاشيين أو الإسماعيلية النزارية في ألموت في الأفول ظهر داعية إسماعيلي نزاري في بلاد الشام واسمه راشد الدين سنان ويلقب بشيخ الجبال وحاول تجميع طائفة الإسماعيلية من جديد حيث أن دعوة الإسماعيلية في بلاد الشام ترجع إلى وقت مبكر ولاسيما في مدينة سلمية التي كانت مقرا للأئمة المستورين والإمام الظاهر عبيد الله المهدي.ومن أساليبهم التي حاولوا بها نشر مذهبهم وتقوية سلطتهم الاستيلاء على الحصون والقلاع ولذا يقول الدكتور محمد كامل حسين: وما زال الإسماعيلية النزارية في الشام يشترون الحصون أو يستولون عليها حتى بلغ عدد حصونهم الرئيسة في الشام في القرن السابع للهجرة ثمانية حصون هي القدموس ومصياف وبانياس والكهف والخوابي والمنيقة والقليقة والرصافة ثم يضيف قائلا: وازدادت قوة الإسماعيلية بالشام بظهور شخصية فذة وداعية داهية في سياسته وفي مواهبه وحكمته وهو (راشد الدين سنان) الذي استطاع بمقدرته وكفايته أن يجمع كل إسماعيلية الشام فقد كان الإسماعيلية في الشام يدينون بإمامة أصحاب قلعة ألموت في فارس فجاء سنان وكون مذهب السنانية واعترفوا بإمامته غير أنهم عادوا بعد موته إلى طاعة الأئمة بألموت وبالرغم من تحولهم هذا فإن إسماعيلية الشام إلى الآن يذكرون الإمام راشد الدين على أنه أعظم شخصياتهم على الإطلاق .وقد تعاصر شيخ الجبل مع القائد المجاهد صلاح الدين الأيوبي رحمه الله وكانت بينهما مساجلات كلامية حادة في أول الأمر ولكن صلاح الدين رحمه الله لما تبين له أنهم بقيادة شيخ الجبل يبيتون له ولجنده من أهل السنة أمرا ويضمرون لهم شرا حيث حاول عدد من الإسماعيلية اغتيال صلاح الدين بعد ذلك عزم على قتالهم والقضاء عليهم ففي سنة 572هـ قصد صلاح الدين بلد الإسماعيليين وانتصر عليهم كما حصر قلعة مصياف واضطروا بعد ذلك إلى طلب الصلح. .وظل أمر الإسماعيلية النزارية في الشام بعد ذلك يضعف تارة ويقوى تارة أخرى إلى أن استسلمت آخر قلاعهم للظاهر بيبرس عام 672هـ وخفت أمرهم من الحياة السياسية حتى لم يسمع عنهم شيئا ولم تنقل الكتب التاريخية عنهم أحداثا تذكر ويبدو أن لجأوا إلى التقية والدعوة سرا إلى أن ظهر في إيران رجل شيعي يدعى حسن علي شاه ما بين سنة 1219هـ إلى سنة 1298هـ جمع حوله عددا من الإسماعيلية وغيرهم وقام بأعمال هدد بها الأمن وأقلق بها السلطات. في إيران حتى ذاع صيته وأصبح أسطورة على ألسنة الناس وانضمت إليه جماعات كثيرة إعجابا به أو طمعا في مكاسب آلية تأتيهم عن طريقه وواكب ظهور هذه الثورة التي هددت الأسرة القاجارية الحاكمة في إيران ظهور الإنجليز كقوة لها مطامع في بلاد فارس ومن ثم اتصلوا بحسن علي شاه وعضدوه ومنوه حكم فارس وفعلا قام حسن علي شاه بثوره عام 1840م كانت نهايتها الفشل والقبض على قائدها ولكن الإنجليز تدخلوا وحصلوا على أمر بالإفراج عنه بشرط أن يجلو عن إيران كلها وزين له الإنجليز الذهاب إلى أفغانستان ليكون صنيعة لهم هناك ولكن الأفغانيين كشفوا عن هويته واضطروه إلى الرحيل إلى الهند واتخذ من مدينة بومباي مقرا له وأراد الإنجليز أن يستفيدوا منه مرة أخرى ومن ثم اعترفوا به إماما للطائفة الإسماعيلية النزارية وخلعوا عليه لقب أغاخان ومنحوه السلطة المطلقة على أتباعه الإسماعيلية فالتف حوله الإسماعيلية في الهند .
وهذا بلا شك منعطف جديد أو تلفيق في انقطاع أئمة الإسماعيلية عموما والنزارية بوجه خاص حيث أن أمر النزارية انتهى بانتهاء أئمة وحكام ألموت عام 654هـ ولكن الاستعمار الإنجليزي لفق لهم هذه الشخصية المجهولة نسبا ودينا يصف الدكتور محمد حسين مشاعر الإسماعيليين وبداية هذه المسميات والألقاب عند ظهور هذا الرجل بقوله فتجمع – حول المدعو حسن علي شاه الملقب بأغا خان- الإسماعيلية في الهند وفرحوا بظهور شأنهم بعد أن ظلوا مغمورين طوال هذه القرون وبظهور إمامهم الذي ظل في الستر والكتمان مئات السنين! !فرأى حسن علي شاه أو أغاخان نفسه بين جماعة يطيعونه طاعة تدين دون أن يكون لهم غرض مادي فقوي نفوذه بينهم وأصبح كأنه سلطانهم الفعلي فأخذ ينظم شؤونهم إلى أن توفى عام 1298هـ وبذلك وجدت الأسرة الأغاخانية وصارت لهم إمامة الإسماعيلية النزارية وانتسبوا إلى الإمام نزار بن المستنصر بالله الفاطمي ومؤسس هذه الأسرة هو حسن علي شاه وهو أول إمام إسماعيلي لقب بأغاخان .
ومن هنا أطلق على الإسماعيلية في العصر الحاضر (الأغاخانية) فكما أن طائفة البهرة امتدادا للإسماعيلية المستعلية فكذلك طائفة الأغاخانية امتداد للإسماعيلية النزارية.
 

 

ولد له احمد ولأحمد  عدة ابناء

بعث بالحسين الأهوازي للعراق

الحسين

بعث بالحسين بن فرج بن حوشب (منصور اليمن) لليمن وأسس أول دولة فاطمية إسماعيلية قرمطية

وظهرت القرامطة

ارسل للمغرب أبو سفيان والحلواني فقتلا ، ثم أرسل العباس وأيضا أبي عبد الله الشيعي الذي أسس الدولة الفاطمية في المغرب

وبعث علي بن الفضل واحتل صنعاء

محمد

(ابو الشلغلغ)

تولى بعد اخيه

بعث للمغرب : أبا عبد الله الشيعي وأخاه العباس

فدعوا البربر

سعيد

ظهر في سلمية ، ثم الرملة ، ثم هرب لمصر(الفسطاس) فسجن فأظهره أبو عبد الله الشيعي من الحبس ودعاه للمغرب

    ( دور الظهور وقيام الدولة العبيدية297)

أظهر ستره في المغرب وأعلن إمامته،وتسمى بعبيد الله وتلقب بالمهدي وتكنى بابي محمد وصار إماما علويا من ولد محمد بن إسماعيل(أبوة روحانية)وغلا فيه أتباعه حتى مات (322)

في الكوفة/ على يد الفرج بن عثمان الكاشاني(زكرويه) الإسماعيلي

دعى حمدان بن قرمط والذي دعى للمهدي

زعيمهم الحسن بن بهرام (أبي سعيد الجنابي)/  استولى على هجر / ذبحوا الحجاج وأخذوا الحجر الأسود

خلعوا طاعة الإمام الإسماعيلي في سلمية وهجموا عليها

وأرادوا قتل عبيد الله المهدي بسبب شكهم في نسب الإسماعيلية  لآل البيت

من أهل قوزح ،ذهب لنواحي الكرخ عند محمد بن الحسين(دندان)،والذي أعطاه مالا لنشر دعوته في الطعن على الصحابة لأنه طعن في الشريعة،بعد أن دعاه عبد الله  لمذهبه ، وذهب للبصرة فعرف أمرة ثم سلمية ثم مات

                    ثم تولى الإمامة بعده

القائم بأمر الله / ثم المنصور بالله / ثم المعز لدين الله [ الذي فتح مصر وأنشأ الدولة الفاطمية  341 ] / ثم العزيز بالله الفاطمي / ثم الحاكم بأمر الله 386 ، [ وظهور الدروز وتأليه الحاكم بعوة حمزة بن علي الزوزني ] / ثم الظاهر بالله / ثم المستنصر بالله

البوهرة في الهند ، الطيبية في اليمن ، وبعض إسماعيلية الشام ، واسماعيلية مصر

المستعلي

الآمر بأحكام الله

(قتله الصباحيون)

الحافظ عبد المجيد (عم الآمر) إماما مستودعا ثم ظهر

ثم الظافر / ثم الفائز / ثم العاضد / ثم نهاية الدولة الإسماعيلية على يد صلاح الدين 567

نزار

أسماعيلية اليمن لم يعترفوا بعبد المجيد وقالوا بإمامة الطيب في عهد الدولة الصليحية ، واخفته أروى الصليحية وجعلت نفسها نائبته، ولم يعرف عن الأئمة بعده شئ

بعد الصليحية انشرت الأسماعيلية في الهند باسم البهرة

             ( وفي القرن العاشر انقسمت البهرة الى )

داوودية في الهند

 
————————————————————————-
الكثير من الناس يخلط بين طائفة البهرة وطائفة المكارمة وأنهما طائفة واحدة ، وأن الاختلاف في الاسم فقط فأهل شمال اليمن يسميهم مكارمة وأهل الجنوب يسميهم بهرة .

والحقيقة أن الطائفتين من فرق الإسماعيلية ، لكن طائفة المكارمة غير طائفة البهرة ، رغم ما بينهما من تشابه في العقائد والأفكار ، إلا أن بعض البهرة يكفرون المكارمة وكذلك بعض المكارمة يكفرون البهرة .

ففرقة البهرة الإسماعيلية انقسمت في أواخر القرن العاشر الهجري إلى طائفتين:

داودية وتنسب إلى داود بن قطب شاه وهم طائفة البهرة اليوم

سليمانية وينتسبون إلى سليمان بن حسن ، ويعرفون أيضا باسم المكارمة .

والمكارمة مرجعهم الديني غير مرجع البهرة الهندي برهان الدين فهؤلاء إمامهم وشيخهم الحالي هو الضال ( عبد الله محمد المكرمي ) ، و يتواجدون في مدينة نجران في جنوب غرب السعودية، والمناطق القريبة منها ، ومركزهم الروحي في ( خشيوة في نجران ) ، وضريحهم الذي يحج إليه في منطقة نجران .

ويوجد مكارمة في اليمن يتواجدون غرب العاصمة صنعاء وفي مناطق صعفان وعراس وسام وحراز .

و أصل المكارمة من قبيلة مذحج اليمنية ، لكن معظمهم انتقلوا لنجران بعد الإطاحة بحكم الصليحيين في اليمن .

وقد قال الرئيس علي طالح في أحد اللقاءات الصحفية : إن أبناء الطائفة لا يشكلون خطرا لا علي المجتمع ولا علي النظام ولا علي الدولة وهم يأتون للسياحة وزيارة أحد القبور في حراز‏.‏ فإذا كنا نستقبل السياح من فرنسا وأمريكا واليابان ودول أخري غير مسلمة ونوفر لهم الرعاية والحماية فكيف بهذه الطائفة المسلمة التي لا تشكل أي خطر ولن نسمح لأحد بأن يمسهم بأي أذي ‏.‏ أهـ الأهرام العربي العدد 333

تعتبر الدولة العبيدية الفاطمية الحركة الأصلية للإسماعيلية. وحتى وفاة إمامهم الثامن المستنصر([1]) كانت هذه الدولة، ودولة القرامطة تشكلان الفصيلين الرئيسيين للإسماعيلية.

وبوفاة المستنصر سنة 487هـ، دخلت الإسماعيلية مرحلة جديدة، وحدث فيها الانشقاق الأكبر المتمثل بقيام الوزير الأفضل الجمالي باستبعاد نزار أكبر أبناء المستنصر عن خلافة أبيه، واختار بدلاً منه ابن المستنصر الأصغر "أحمد" ولقبه بالمستعلي، وهو الأمر الذي يخالف عقيدة الإسماعيلية في الإمامة، التي تنص على أن يتولى أكبر أبناء الإمام السلطة بعد وفاة أبيه.

رفض نزار وإخوته أن يتولى "المستعلي" الإمامة بعد وفاة أبيهم، فقد كان نزار يصر على أن والده عهد إليه بالإمامة من بعده، في حين أن اختيار الجمالي للمستعلي – رغم مخالفته لمبادئ الإسماعيلية – جاء لثلاثة أسباب:

1ـ أن المستعلي هو ابن أخت الوزير الجمالي.

2ـ لأن علاقة الجمالي بنزار لم تكن جيدة، إذ كان بينهما خلاف سابق.

3ـ صغر سن المستعلي مقارنة مع سن نزار، مما يتيح للجمالي التحكم به، والتصرف المطلق في شؤون الدولة([2]).

ودخل نزار في حرب مع أخيه المستعلي، والجمالي، انتهت بهزيمة نزار وقتله ببناء حائط عليه، وهو تحته للآن، كما ذكر ذلك ابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة"، والمقريزي في "اتعاظ الحنفا".

ومن هنا انقسمت الإسماعيلية الفاطمية إلى قسمين:

1ـ نزارية: وهم الذين أيّدوا نزاراً، وعلى رأسهم الحسن بن الصباح، وانتشروا بشكل أساسي في بلاد فارس، وهم يعرفون الآن بالأغاخانية([3]). وينتشرون في الهند وباكستان وسوريا وشرق أفريقيا.ومركزهم الآن في باكستان.

2ـ المستعلية: الذين ثبتوا على إمامة المستعلي والحكام العبيديين من بعده، ومنهم الصليحيون في اليمن، وهم يعرفون الآن بالبهرة([4])، وينتشرون بشكل أساسي في الهند واليمن. وقد كان مركزهم فيا سبق في مصر حتى سقوط الدولة العبيدية، ثم انتقلت إلى اليمن، فالهند.

وفي سنة 495هـ، توفي المستعلي، فخلفه ابنه الآمر بأحكام الله، وعمره خمس سنوات، غير أنه قتل بعد ما بلغ العشرين، على يد أحد أتباع الحسن بن الصباح الموالي للنزارية سنة 524هـ.

وكان مقتل الآمر بداية تطور جديد وانقسام آخر في تاريخ الإسماعيلية، ذلك أن الآمر لم ينجب ابنا، يتولى الأمر بعده، فعيّن عمه الحافظ عبد المجيد بن المستنصر إماماً بالنيابة أو (إماماً مستودعاً)، ولكن سرعان ما دعا الحافظ لنفسه بالإمامة الكاملة، وقد تولى الأمر بعده الظافر سنة 544هـ، ثم الفائز سنة 549هـ، وأخيراً العاضد سنة 555هـ، وهو الذي انتهت الدولة العبيدية الفاطمية في عهده، بعد أن أعلن صلاح الدين الأيوبي سنة 567هـ نهاية تلك الدولة، وبذلك قضى على هذا الفرع من المستعلية([5]).

هكذا كان أمر الإسماعيلية المستعلية في مصر، ولكن المستعلية في اليمن كان لها شأن آخر في عهد الصليحيين([6])، الذين لم يعترفوا بإمامة عبد المجيد، وزعموا أن إحدى زوجات الآمر بأحكام الله المقتول كانت حاملاً، ووضعت طفلاً ذكراً اسمه الطيب بن الآمر،وأن الإمامة لهذا الطفل.

وزعموا أن أحد الدعاة خاف على هذا الطفل، فأخفاه عن الحافظ عبد المجيد، وأرسله إلى الملكة أروى الصليحية في اليمن، وقد أخفته،وجعلت نفسها كفيلة ونائبة عنه في تولي شؤون الدعوة الإسماعيلية. يقول د. محمد الخطيب: "ومنذ ذلك الحين لم يقدم لنا التاريخ ذكراً للأئمة المستورين الذين جاءوا من عقب الطيب المختفي"!!([7]).

وقد انقرضت الدولة الصليحية في سنة 511هـ، ولم يقم أتباع الدعوة الطيبية بأي نشاط سياسي بعد ذلك، وكما يقول د. محمد كامل حسين: "فإنّ أتباع هذه الدعوة ركنوا إلى التجارة، وعاشوا في محيط خاص بهم، وكان كثير منهم يتخذ التقية فلا يظهر إسماعيليته، بالرغم من وجود داعية لهم ينوب عن إمامهم المستور في تصريف أمورهم الدينية،وقد هيّأت التجارة التقليدية بين اليمن والهند فرصة لنشر الدعوة الإسماعيلية الطيبية في الهند، ولا سيمّا في ولاية جوجرات أو كجرات جنوب بومباي، وأقبل جماعة من الهندوس على اعتناق هذه الدعوة حتى كثر عددهم هناك، وعرفوا باسم (البهرة)، وكلمة البهرة كلمة هندية قديمة معناها التاجر([8])".

لكن الدعوة الطيبة ما لبثت بعد ذلك أن انقسمت في أواخر القرن العاشر الهجري إلى فرقتين: داودية، وسليمانية. ويرجع هذا الانقسام إلى الخلاف على من يتولى مرتبة الداعي المطلق للطائفة. وهكذا كانت معظم الانقسامات في فرقة الإسماعيلية تدور حول شخصية الداعي أو الإمام،وكذلك الحال في فرقة الإمامية الاثنى عشرية، رغم ادّعاء هؤلاء أن الإمام منصوص عليه من الله، وان الاختيار لا يكون عشوائياً.

حدث الانقسام في صفوف الدعوة الطيبية سنة 977هـ، بعد وفاة إمامهم السادس والعشرين قطب شاه، ونشأت عندئذ فرقتان:

الأولى: البهرة الداودية: تنسب إلى الداعي داود بن قطب شاه المتوفى سنة 999هـ، المعتبر عندهم الإمام الشرعي السابع والعشرين، ويشكلون الجزء الأكبر من البهرة، وداعيتهم اليوم هو محمد برهان الدين، وهو داعيتهم الثاني والخمسون، وينتشرون في الهند وباكستان واليمن، وبعض أقطار أفريقيا والخليج العربي. ويقيم داعيتهم في مدينة بومباي الهندية.

الثانية: السليمانية، أو البهرة السليمانية([9]) ويعرفون باسم (المَكَارِمة)([10]) وينتسبون إلى الداعي سليمان بن حسن المتوفى سنة 1005هـ الذي اعتبروه الداعي رقم 27([11]) وهذه الفرقة، التي هي محل حديثنا هذا الشهر، تشكل الأقلية في البهرة وينتشر أفرادها في مدينة حراز باليمن، وهي على بعد 100 كيلو غرب العاصمة صنعاء، ويتواجدون في مناطق وقرى أخرى مثل صعفان وعراس وسام.

كما يتواجدون في مدينة نجران في جنوب غرب السعودية، والمناطق القريبة منها.

أهم عقائدهم:

عقائد المكارمة هي عقائد الإسماعيلية نفسها، وهي عقيدة باطنية، تزعم أن للإسلام ظاهراً وباطناً، وبذلك صرفوا آيات الله عن مرادها، وفسّروها حسب أهوائها، وبما يناسب مذهبهم.

وفيما يلي بيان بأهم عقائدهم، مما صاغوه في كتبهم:

1ـ عقيدتهم في الله

ـ ينكر بعض ملاحدتهم وجود الله سبحانه وتعالى، زاعمين أن ذلك يتطلب موجوداً أوجده، يقول داعيتهم ابن الوليد: "اعلم يا أخي أيّدك الله وإيانا بروح منه، لا ينبغي أن يقال: إن الباري ذات لأن الذات حامل الصفات… ولا يقال: إنه موجود، لأن الموجود يقتضي موجوداً أوجده".

ـ جعلوا بعض مخلوقات الله أرباباً من دون الله، كما يتجلى ذلك في اعتقادهم بـ (العقول العشرة)([12]). وهم يعتقدون أن للكواكب تأثيراً في خلق الكون، وخلق الإنسان وسعادته، وتذكيره وتأنيثة..

يقول داعيتهم حميد الدين الكرماني في (راحة العقل ص340): "إن موجودات هذا العالم كانت عن طريق تزاوج الأفلاك مع الأركان الأربعة (النار والهواء والماء والأرض)، فحصل من بينها المواليد التي هي النبات والمعادن والحيوانات والإنسان. ثم تدخلت أيضا في جعل بعض مواليد الإنسان إناثاً وبعضهم ذكوراً".

ينكرون أسماء الله الحسنى، وصفاته العلا، فقد قال الكرماني (راحة العقل ص135) "إنه تعالى لا ينال بصفة من الصفات". وجاء في كتب السليمانية ما يؤيد أنهم على آثار أسلافهم سائرون، فقد جاء في صحيفة الصلاة، (السيد نصر ص178) قول صاحبها: "فسبحان المتجالل عن كل صفة وسمة".

ـ اعتبروا أن الكفر هو الكفر بأئمتهم، لا الكفر بالله، كما سيأتي بيانه عند الحديث عن عقيدتهم في الإمامة والأئمة.

2ـ عقيدتهم في القرآن الكريم

ـ إنكار أن القرآن كلام الله تعالى، فهم ينفون الصفات عن الله نفياً قاطعاً، يقول الداعي جعفر بن منصور اليمن: "إن الله جل ثناؤه منزّه عن الخطاب والكلام" سرائر وأسرار النطقاء ص29.

ـ تحريفهم للقرآن الكريم بالتأويل الباطني، الذي يعتبر ركيزة من ركائز معتقدهم. يقول جعفر بن منصور اليمن في تأويله لقوله تعالى: "إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً"([13]): "يعني بالقرآن عليّاً صلوات الله عليه اتخذوه مهجوراً". الكشف ص 42.

ـ اعتقادهم بأن القرآن محرف ومبدّل. يقول الداعي ابن الوليد: "وفعلهم ـ أي الصحابة ـ بالكتاب الذي جمعه وألفه علي رضي الله عنه، وعندما أخرجه إليهم، وقولهم له عندنا الكتاب، وتركهم له عندما علموا أنه بين فيه فضائحهم، فدرسوه وأخفوا أثره، كما فعل قوم موسى…"([14]).

3ـ عقيدتهم في الرسل:

ـ يعتقدون أن النبوة مكتسبة، وليست اصطفاء من الله، يمكن للإنسان أن يحصل عليها، بما أوتي من مؤهلات وذكاء. يقول أحد دعاء المكارمة السليمانية: "وأشرف النطقاء عليهم الصلاة والسلام ناطق دورنا وأبوه إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأشرف الأوصياء والأئمة عليهم الصلاة والسلام أمير المؤمنين علي سلام الله عليه وعليهم، وهم ممن تعلم ورقي في المعارف شيئاً بعد شيء إلى أن بلغ غاية النطق"([15]).

ـ اعتقادهم بنبوة ورسالة محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وأنه أفضل من جميع الرسل، ويقولون بأنه نبي ورسول بعد محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أكمل الدين، وأتم الشريعة، وهو الرسول السابع، ويسمونه الناطق السابع وقائم القيامة وقائم الزمان. يقول جعفر بن منصور اليمن (الكشف ص105): "فدين الله متصل من آدم عليه السلام على أيدي النطقاء والأئمة ـ صلوات الله عليهم ـ حتى يكمل الله دينه وأمره بالناطق السابع المهدي صلوات الله عليه ـ محمد بن إسماعيل ـ فهو الذي إليه دعت الدعاة، وإلى معرفته ندبت الرسل ـ عليهم السلام ـ وبشريعته تمت الشرائع، وهو صاحب إظهار الأمر كله…".

ـ الطعن في أنبياء الله عز وجل، واتهامهم بارتكاب الزنا والفواحش. يقول جعفر بن منصور اليمن: "إن داود عليه السلام أعجب بامرأة أوريا، فوقع عليها بالزنا، فحملت وولدت له سليمان عليه السلام"([16]). ويقول في الكتاب نفسه: "إن ابنة يعقوب عليه السلام حملت بالزنا". وقد افترى على نبي الله لوط افتراءات تقشعر منها الأبدان، فقد ادعى جعفر هذا أن لوطاً عليه السلام زنى بابنتيه!

4ـ عقيدتهم في اليوم الآخر :

ـ ينكرون البعث بمعناه المتعارف عليه بين المسلمين، ويزعمون أن البعث له معنيان: بعث إيراد، وبعث إصدار بمعنى المبدأ والمعاد.

يقول داعيهم الأكبر السجستاني(الافتخار ص 74ـ 75): "إن اعتقاد عامة المسلمين بالقيامة، وما فيها من أهوال، وتغير الأرض والسماوات والجبال، وبعث الناس للحساب والجزاء، سخف وحمق وجهالة. وإن الاعتقاد الصحيح هو الأبدية، وأن المراد بها القائم". ويقول جعفر بن منصور اليمن (سرائر وأسرار النطقاء ص 112): "إن يوم القيامة هو يوم ظهور القائم".

ـ إنكارهم للجنة والنار والثواب والعقاب، والرؤية والحوض والميزان والصراط، وتأويلها تأويلات فاسدة، من قبيل تفسير داعيتهم ابن هبة الله لقول الله تعالى: "وأعدّ لهم جنات تجري من تحتها الأنهار"([17]) فقال: " وأعد لهم جنات يعني الانضمام إلى الحجج المستجنة في الحضرة المقدسة. تجري تحتها الأنهار يعني مواد العلوم بالإلهام إلى دعاة الجزائر" مزاج التسنيم ص7.

5ـ عقيدتهم في القضاء والقدر :

ينفي السليمانيون المكارمة القضاء والقدر، ويزعمون أن الله عز وجل لم يخلق أفعال العباد، وليس لله مشيئة ولا إرادة، بل إنها من خلق الإنسان. يقول داعيتهم إبراهيم الحامدي: "إن جميع الموجودات خلقاً وأمراً في بدء الوجود الإبداعي، تقتضي قضية الحكمة والعدل أن يكون كله شيئاً واحداً محضاً، وذاتا واحدة لا تفاضل بينهما ولا تفاوت من جهة الإبداعية، ولا تمييز لشيء منها على شيء، لكون الحكمة توجب ذلك وتقتضيه" كنز الولد ص103.

6ـ عقيدتهم في الملائكة :

ـ يعتقدون أن الملائكة على ثلاثة أقسام:

أ ـ من هو في العالم العقلي: ويقولون هم العقول العشرة.

ب ـ الذين هم في العالم الفلكي: وهم روحانيات زحل والمريخ والزهرة والمشتري.

جـ ـ الذين هم في العالم الطبيعي: وهم الأئمة والحجج والدعاة وحدودهم([18]).

7ـ عقيدتهم في الأئمة والإمامة :

ـ يعتبر الإسماعيليون، ومنهم المكارمة،الإمامة قطب الدين وأساسه، والدعامة التي يدور عليها جميع أمور الدين والدنيا. وهي عندهم أهم أركان الإسلام، بل يرون أن الحكمة من خلق البشر طاعة الأئمة وأخذ العلم والفضائل منهم، يقول القاضي النعمان: "فمن لم يعتقد ولاية إمام زمانه، لم ينفعه قول ولا عمل، ولم يصح له ظاهر ولا باطن.." تأويل الإسلام ج1، ص54.

ـ جعلوا الإمامة على درجات ومقامات ومراتب، وجعلوا لكل إمام صلاحيات واختصاصات بعضها أعلى وأشرف من مرتبة الرسالة والنبوة، وهي كالآتي:

1ـ الإمام المقيم 2ـ الإمام الناطق 3ـ الإمام الصامت

4ـ الإمام المستقر 5ـ الإمام المستودع 6ـ الإمام المتم

ـ يزعمون أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن القرآن نصّ على ذلك،ويتهمون الصحابة بأنهم عصوا الله ورسوله، باختيارهم لأبي بكر الصديق رضي الله عنه خليفة للمسلمين، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

ـ يعتقدون بعصمة أئمتهم، ويضفون عليهم صفات وخصائص الأنبياء، بل وأكبر من ذلك إذ أضفوا على أئمتهم أسماء وصفات لا تليق إلاّ بالله سبحانه وتعالى، إذ يخلص المرء عند قراءة ما يعتقدون في أئمتهم إلى أنهم يؤمنون بتأليه الأئمة من دون الله.

زعم جعفر بن منصور اليمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لما عرج بي إلى السماء الرابعة، رأيت علياً جالساً على كرسي الكرامة، والملائكة حافين به يعظمونه ويعبدونه ويسبحونه ويقدسونه.

فقلت حبيبي جبرائيل، سبقني أخي على هذا المقام، فقال لي: يا محمد، إن الملائكة شكت إلى الله شدة شوقها إلى علي لعلمها بعلوه ومنزلته، وسألت النظر إليه فخلق الله هذا الملك على صورة علي، وألزمهم طاعته، فكلما اشتاقوا إلى علي نظروا إلى هذا فيعبدونه ويسبحونه ويقدسونه، وذلك قوله ( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، وهو الحكيم العليم)([19]) سرائر وأسرار النطقاء ص115.

ويزعمون أن الباقر، خامس الأئمة عند الإسماعيلية والشيعة الاثنى عشرية قال: "ما قيل في الله فهو فينا، وما قيل فينا فهو في البلغاء من شيعتنا"([20]).

8ـ عقيدتهم في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم :

عقيدتهم في هذا الباب مشابهة لعقائد الشيعة الاثنى عشرية، إذ يعتقدون بكفر الصحابة، وارتدادهم بعد وفاة النبي، وأنهم سلبوا عليّا حقه في الخلافة، وهم يدينون الله بسب الصحابة وبغضهم ولعنهم وتكفيرهم([21]).

جانب من عباداتهم وسلوكياتهم وطقوسهم :

1ـ عدم الصلاة جماعة مع المسلمين الذين يخالفونهم في المذهب، لاعتقادهم أن الصلاة خلفهم باطلة. يقول الأستاذ مسفر بن سعيد:"وإذا اضطروا لذلك كما في الحرم المكي أو النبوي صلّوا بنية الإفراد. وقد رأيتهم في الحرم لا يسلمون بسلام الإمام، بل يقومون مباشرة، ويأتون بركعة أخرى، ونحو ذلك"([22]).

2ـ تعطيل صلاة الجماعة، وأداء الظهر أربع ركعات بدلاً منها، حيث يزعمون أن صلاة الجمعة لا تقام حتى يظهر الإمام الغائب.

3ـ تعطيل خطبة العيدين والاستسقاء، معللين ذلك بغيبة الإمام، ثم ابتدعوا ركعتين تصلى عوضاً عن الخطبة.

4ـ الجمع بين الظهر والعصر دائما،ويبررون ذلك بأن الظهر مَثَل على دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، والعصر مَثَل على دعوة محمد بن إسماعيل، وهو من أبناء محمد صلى الله عليه وسلم، ودورهما واحد، ولذلك يجمع بين الظهر والعصر!

ويجمعون كذلك بين المغرب والعشاء جمع تقديم دائماً.

5ـ الصلاة على سجادة خاصة يحملها الواحد منهم أينما ذهب، حتى لو كان مسجدهم نظيفاً ومفروشاً، وإذا أراد الواحد منهم الصلاة يضع كل ما معه من محفظة ومفاتيح وساعة وأوراق ونحوها على طرف السجادة. وبعضهم يضع أيضاً سرواله!

6ـ لا يرون المسح على الخفين أو الجوربين، ولا الصلاة بهما، كما أن علماءهم يقررون في كتبهم عدم غسل القدمين، والاكتفاء بمسحهما، لكن العامة منهم يغسلون القدمين، ولا يمسحون([23]).

7ـ إخراج زكاة الفطر نقوداً، وإعطاؤها إلى دعاتهم، الذين يكنزونها في بيت المال.

8ـ صيام رمضان 30 يوماً دائماً، وعدم اعتماد رؤية الهلال.

9ـ صيام اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة من كل عام، ويخصونه بشيء من العبادة، ويسمونه (عيد غدير خم)، وهو اليوم الذي يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى فيه بالخلافة من بعده لعلي.

10ـ مخالفة عموم المسلمين في الوقوف بعرفة، بناء على اعتمادهم تقويماً خاصاً قد يخالف رؤية الهلال.

11ـ غلوهم ومبالغتهم في عدّة المرأة المتوفى عنها زوجها، فيحجبونها، ويمنعونها عن الخروج، ولا ترى الرجال ولا الأطفال، وإذا رأت طفلاً ذكراً غير محرم لها في آخر يوم من عدتها، فيلزمونها بالإعادة من جديد.

12ـ انتشار السحر والشعوذة بينهم، حتى أن بعض دعاتهم استخدم السحر ضد دعاة آخرين، عندما تنافسوا على شخص الداعي المطلق للسليمانية.

13ـ اتصافهم بالسرية والتقية، وتكتمهم على عقيدتهم وأصولهم وكتبهم التي لا يطلع عليها أحد إلاّ بعد أن يصل إلى مرتبة معينة، وبعد عهود موثقة وأيمان مغلظة بعدم كشف ما فيها من أسرار([24]).

واقعها المعاصر :

حتى سنة 1413هـ، كان حسين بن الحسن هو الداعية المطلق لهذه الطائفة، وترتيبه الخمسون من دعاتهم، وقد كان مصاباً بأمراض خطيرة ألزمته داره أحياناً، والمستشفى أحياناً أخرى، لذلك أسند أمور الدعوة إلى محسن بن علي بن الحسين الذي كانت له الصلاحيات المطلقة في جميع شئون الدعوة، وإدارة بيت المال.

وقد استغل محسن هذه الظروف، وكسب عدداً كبيراً من الأتباع، وزعماء القبائل الذين لهم تأثير على العامة، مما جعل الجميع يجزم بأن محسناً هذا هو الداعي المقبل، لكن المفاجأة كانت بأن حسين بن الحسن أوصى بالإمامة بعده لرجل يدعى حسين إسماعيل بن أحمد، وهو رجل مجهول عند أتباع الفرقة.

عندئذ رفض محسن بن علي الاعتراف بإمامة حسين إسماعيل، ونصّب نفسه إماماً على طائفة المكارمة السليمانية، ورفض أن يسلم لحسين ما تحت يده من صلاحيات وأموال، ومقر الفرقة ومكاتبها، وبقي يؤم الناس في الجامع الكبير للطائفة.

ثم تطور الخلاف بينهما، وقام محسن باستخدام السحر في محاولته لصد منافسه من المركز الرئيس للطائفة والجامع. ولمّا أثر السحر في حسين ترك المركز الرئيس للطائفة ومسجدهم، وانتقل إلى موقع آخر مجاور يدعى "دحضة" بمدينة نجران، وبها مسجد جامع كبير للطائفة أيضاً. وقيل أن حسيناً ذهب إلى ساحر فكشف له حقيقة سحره، وفكه من السحر.

وصار المكارمة في حيرة من أمرهم بسبب هذا الخلاف، وهذا الانقسام الجديد في الطائفة، ولاسيما وأن هذين الشخصين تجمعهما صلة قرابة قوية.

أوجه الخلاف بين السليمانية والداودية :

ينبع فكر المكارمة، والبهرة الداودية من منبع واحد، ويدينون بعقيدة واحدة، لكن ثمة خلافات نشأت مع الأيام، بعضها تنظيمي، وبعضها فكري، الأمر الذي جعل البهرة الداودية لا يعترفون بانتماء المكارمة إلى طائفة البهرة.

وفيما يلي أهم أوجه الخلاف بين الطائفتين:

1ـ ترى الداودية أن الداعي المطلق بعد داود بن عجب شاه الهندي، هو: داود بن قطب شاه، في حين يرى السليمانية أن الداعي المطلق هو سليمان بن الحسن الهندي، الذي ينتسبون إليه.

2ـ عندهم جميعاً عقيدة تسمى "الاستيداع والاستقرار" وهي أن الإمام إذا لم يكن مؤهلاً للإمامة، فإنها تنصرف إلى شخص آخر كمستودع للإمامة حتى يكون الإمام الأصلي مؤهلاً لها، فتنتقل إليه.

لكن الداودية ترى أن هذا يكون خاصاً بالأئمة فقط، وبعد غياب الإمام رفعت هذه النظرية، والدعاة الذين ينوبون عن الإمام لا يكون فيهم "الاستيداع والاستقرار".

أما المكارمة السليمانية فيرون استمرار هذه العقيدة حتى بعد غياب الإمام، لذلك أنكر عليهم الداوديون عندما استودع سليمان بن الحسن الهندي، محمد بن الفهد على ابنه جعفر. وحجة الداودية في ذلك أنّ الدعاة مستودعون للإمام الغائب (الطيب بن الأمر)، فكيف أن المستودع يستودع على المستودع!؟

3ـ ترى الداودية أن الإمام المستودع أفضل من الإمام المستقر، في حين تعتقد السليمانية بأن الإمام المستقر أفضل من المستودع، وبناء على ذلك اختلفوا في تفضيل الحسن والحسين رضي الله عنهما أحدهما على الآخر، ففضلت الداودية الحسن، وفضلت السليمانية الحسين،لأنهم اعتبروا أن الإمام هو الحسين، لأن الإمامة في عقبه، أما الحسن فهو إمام مستودع سلّم الإمامة إلى أخيه الحسين الذي هو الإمام المستقر([25]).

4ـ ارتباط الداودية بالزعامة الهندية، الممثلة اليوم بمحمد برهان الدين، في حين ترتبط السليمانية بالزعامة اليمنية المتواجدة في مدينة نجران السعودية، والممثلة اليوم بحسين إسماعيل.

5ـ لم يعرف عن المكارمة القيام بالطقوس الشركية علناً أمام الأضرحة، والسجود للإمام كما يفعله الداودية([26]).

6ـ يشكك الداوديون بأئمة السليمانيين وأخلاقهم، إذ يقولون: "إن أحد أبناء المستنصر كان منحرفاً وصاحب لهو ومجون، وكان الابن الآخر تقيا وورعاً، وقد سلك مسلك الدين على الشريعة الإسلامية. وهذا الشخص هو من اتبعناه حتى الآن، في حين اتبع المكارمة شقيقه الآخر، حيث أن المكارمة ليسوا من طائفة البهرة، فمكان دعوتهم وضريح زعيمهم موجود في نجران"([27]).

أبرز شخصياتهم :

1ـ الداعي الحالي حسين إسماعيل المكرمي، المقيم في منطقة نجران، وقد اعتقلته السلطات السعودية في شهر نيسان/ أبريل سنة 2000، بسبب ممارسة الشعوذة، فما كان من أنصاره إلاّ أن قاموا بمظاهرات، وهاجموا مقر أمير المنطقة.

2ـ محسن بن علي، الذي كان متوقعاً أن يتسلم رئاسة الطائفة بدلاً من حسين إسماعيل.

3ـ علي بن محمد الضلعي، صاحب كتاب (نجران والتايخ). 

 

 

إبراهيم باشا -الموسوعه المصغره للدكتور أسامه فؤاد شعلان

 
 
 

إبراهيم باشا

(1204-1264هـ/1789-1848م)

 

 Dr Usama Fouad Shaalan MD- PhD MiniEncyclopedia الموسوعه المصغره للدكتور  أسامه فؤاد شعلان

   

 أكبر أبناء محمد علي باشا[ر] كان قائداً عظيماً ووالياً على مصر، ولد نحو عام 1789م في قَوَلة وهي ثغر صغير على حدود مقدونية وتراقية وكان أثره مهماً في تاريخ مصر في عهد أبيه، فقد كان يلقب بيد محمد علي الحربية لما كان لأعماله الحربية من أثر في نجاح سياسة والده.

   

    لما توطد مركز محمد علي في مصر أرسل في طلب ولديه إبراهيم وطوسون من موطنهما سنة 1805م واستدعى فيما بعد زوجته وأولاده الصغار، وهم إسماعيل وشقيقتاه سنة 1809. لم يكن إبراهيم قد أتم السابعة عشرة من عمره حينما عينه والده على قلعة القاهرة، ثم أرسله سنة 1806 رهينة لقاء الخراج الذي وعد الدولة العلية به وتوكيداً لإخلاصه، فرده الباب العالي بعد سنة نظير خدمات أبيه وإعراباً عن نجاح محمد علي في هزيمة حملة الجنرال فريزر الإنكليزية على مصر عام 1807.

   

    تعلم إبراهيم في مصر، وعاش في وسط عربي بحت، وقرأ تاريخ العرب وثقافتهم، مع ما تلقنه من مبادئ العلوم والفنون، وخالط الرجال في مجالسهم وعاش صريحاً جاداً مترفعاً عن الدنايا محباً للنظام.

   

    وكان إبراهيم ذا هيبة ويقظة دائمة، حاد المزاج، سريع الغضب، يضرب لجنوده المثل بنفسه في البسالة وخوض الغمرات وكان يتكلم اللغات التركية والعربية والفارسية.

 

    وفي عام 1816 أرسله أبوه إلى الجزيرة العربية، ولما يتجاوز السادسة والعشرين من عمره، بغية الوصول إلى نتيجة حاسمة في الحرب مع الوهابيين، بزعامة الأمير عبد الله بن سعود بن عبد العزيز بن محمد، التي كان يخوضها أخوه طوسون من 1811-1813م امتثالاً لأوامر السلطان العثماني محمود الثاني[ر].

 

    اتخذ إبراهيم من «الحناكية» مركزاً يوجه منه هجومه على الوهابيين، واعتمد إبراهيم في سياسته هناك على ولاء القبائل التي سيجتاز بلادها إلى نجد، لتأمين طريق الحملة، فأحسن معاملتها، ومنع جيشه أن يأخذ شيئاً من دون دفع ثمنه، فخضعت له القبائل إلا أقلها.

 

    حاصر إبراهيم باشا الرسّ جنوبي القصيم واستولى عليها ثم زحف إلى عنيزة فاستسلمت واقتحم بريدة عنوة، ثم حاصر الدرعية في 6 نيسان سنة 1818، واستمر حصارها خمسة أشهر وبضعة أيام، وفي 19 أيلول 1818 استسلم عبد الله بن سعود، فأرسله مع أفراد أسرته إلى مصر وانتهت الحرب.

 

    عمل إبراهيم على كسب ود القبائل التي حاربته، فأعلن الأمان وأغدق المال على من انضم إليه، ورد النخيل الذي كان قد صادره إلى أصحابه، وكان لحسن لقائه وسعة صدره وكرمه أثر إيجابي بالغ.

 

    وعني بتحصين المواقع الحربية المهمة في البلاد ووضع في الوقت نفسه أساس الإصلاح الزراعي، فأمر بحفر الآبار، وعني بتنظيم التموين في مكة والمدينة، وحرص على توفير الأمن على طريق الحج، وعلى توزيع مرتبات من الغلال على فقراء الحرمين والمجاورين، ونال في أثناء ذلك لقب الباشوية من السلطان العثماني.

 

    عاد إبراهيم مظفراً إلى القاهرة في كانون الأول سنة 1819، وبعد ذلك بقليل ولاه السلطان على جدة، وفي غضون ذلك ناط محمد علي بابنه الثالث إسماعيل فتح بلاد السودان للكشف عن مناطق الذهب المعروفة، وجلب الجنود لتأليف جيشه الجديد منهم. واضطر إلى إرسال ابنه إبراهيم إلى السودان بإمدادات عسكرية لدعم أخيه، ولكنه سرعان ما عاد إلى القاهرة لمرض أصابه في أوائل عام 1822م حيث اشترك في تدريب الجيش الجديد الذي تألف من المصريين العرب، ووكل أمره إلى الكولونيل سيف Séve (سليمان باشا الفرنساوي) الذي ساعد إبراهيم في حروبه اللاحقة في اليونان والشام.

 

    وفي أوائل عام 1824 كُلف إبراهيم باشا القضاء على الثورة في اليونان، فانطلق على رأس جيش قوي مدرب يحمله أسطول مؤلف من 51 سفينة حربية و146 ناقلة جند بحرية، ونزل في شبه جزيرة المورة، فاستولى على نافارين ودخل تريبولتزا Tripolitsa وفي أيلول 1825 تمكن من إخضاع المورة بأكملها والتفت إلى معاونة العثمانيين في حصار ميسولونجي Missolonghi فسقطت في نيسان 1826، وبذلك فتح الطريق إلى أثينة التي سقطت في تموز من العام نفسه، وتدخلت الدول الأوربية الثلاث إنكلترة وفرنسة وروسية وعقدت معاهدة لندن (تموز 1827) وفرضت الهدنة وأصبحت أساطيل الحلفاء خارج مياه خليج نافارين التي كان يرابط فيها الأسطولان المصري والعثماني.

 

    وانتهز أمير البحر الإنكليزي كودرنغتون Codrington فرصة غياب إبراهيم باشا فدخلت سفنه مع السفن الفرنسية والروسية مياه نافارين، وكان بمقدور أمير البحر المصري أن يحول دون دخولها باستخدام مدفعية أسطوله المسيطرة على مدخل الخليج والبطاريات المنصوبة على البر، ولكنه تمسك بالهدنة المتفق عليها، وأصر مع زميله أمير البحر العثماني على أن لا يكون العدوان من جانبهما، ونشبت معركة نافارين (20 تشرين الأول 1827) التي دامت أربع ساعات، ودمرت أساطيل الحلفاء المتفوقة الجزء الأكبر من الأسطولين المصري والعثماني، وقررت الدول المتحالفة الثلاث في تموز 1828م إبعاد إبراهيم عن المورة، وتكليف فرنسة إجراء الاتصالات لتنفيذ القرار، ووصل إبراهيم الإسكندرية في تشرين الأول 1828 مع 24 ألف جندي حملتهم 26 سفينة حربية و21 ناقلة هي كل ما بقي من أسطوله بعد نافارين.

 

    ولما كان محمد علي يدرك أهمية بلاد الشام الاستراتيجية والاقتصادية فقد حاول عبثاً إقناع السلطان بتقليده حكمها، ولقد طلب فعلاً من السلطان، أيام الحرب السعودية، أن يعهد إليه بولاية الشام متذرعاً في ذلك بحاجته إلى المدد منها للمعاونة في القتال. لكن الحرب السعودية وفتح السودان صرفاه مؤقتاً عما يريد، حتى تجدد عزمه على المطالبة بولاية الشام بعد الحرب اليونانية، ولما أخفقت مساعي محمد علي في إقناع السلطان بتقليده حكم سورية، تذرع بمعاقبة والي عكا، عبد الله باشا الجزار لامتناعه عن وفاء دين سابق مترتب عليه لمصر، وعرقلة وصول أخشاب الشام إلى مصر، وحماية المصريين الفارين من الجندية، فندب ولده إبراهيم باشا لقيادة الحملة الموجهة إلى بلاد الشام في 29 تشرين الأول 1831، وقدرت قوتها بحدود 30 ألف مقاتل مع عمارة حربية تقارب 35 سفينة حربية وسفن إمداد، وتحركت القوات البرية باتجاه سيناء فبلغت العريش واحتلت خان يونس ثم غزة ويافا (8 تشرين الثاني 1831) وفي 26 تشرين الثاني 1831م ضرب الحصار على عكا بعد وصول العمارة الحربية المصرية.

 

    انقضت ثلاثة أشهر من غير أن ينال من المدينة منالاً، ولكن إبراهيم استغل هذه المدة والحصار قائم في احتلال المواقع المهمة في ولاية صيدا (وقاعدتها يومذاك عكا) وما حولها، فاحتلت قوة من جنوده صور وصيداء وبيروت وطرابلس، واحتلت قوة أخرى القدس، وداخل القلق السلطنة من أعمال محمد علي، فحشدت جيشاً من عشرين ألفاً بقيادة عثمان باشا، وانتصر إبراهيم باشا على الجيش العثماني في معركة الزرّاعة بين حمص وبعلبك في 14 نيسان 1832م ثم عاد ليشدد الحصار على عكا، فسقطت في يده في أواخر أيار ودخل دمشق في 16 حزيران وجعلها مقر حكومة أبيه في الشام، ثم انتصر ثانية عند حمص على طلائع الجيش العثماني، ودخل حمص وحماة، وزحف على المواقع العثمانية في مضيق بيلان حيث تحصن حسين باشا قائد الجيش العثماني، وهناك وقعت المعركة الحاسمة بين إبراهيم باشا وحسين باشا (30 تموز 1832م) وانتهت بهزيمة منكرة للجيش العثماني وقائده حسين باشا الذي هرب على إثرها، ومضى إبراهيم في الزحف فاحتل الإسكندرونة وبانياس وسُلمت له أنطاكية واللاذقية، ولم يلبث أن احتل أضنة وأورفة وعينتاب ومرعش وقيصرية، وانتصر في قونية على الجيش العثماني وأسر قائده الصدر الأعظم رشيد باشا، وغدا الطريق إلى العاصمة اصطنبول مفتوحاً أمام قوات محمد علي بفضل تفوق الجيش المصري ومستواه العسكري الممتاز، وبفضل مواهب إبراهيم باشا القيادية، ولما وصل إبراهيم كوتاهية في أيار 1833 تلقى أمراً من أبيه بالتوقف، لتهديد الدول الأوربية بالتدخل.

 

    عُقدت معاهدة كوتاهية بين الباب العالي ومحمد علي، نال فيها الأخير حكم بلاد الشام وأضنة، ومنح إبراهيم لقب محصل أضنة، وبذلك دخلت الشام في حكم الدولة المصرية، وصار إبراهيم باشا حاكماً عاماً للبلاد السورية معيناً من قبل والده، إضافة إلى تجديد ولايته على جدة من قبل السلطان.

 

    انصرف إبراهيم باشا إلى تنظيم البلاد ساعياً إلى تجديد أحوالها وتحديثها في جميع المجالات الإدارية والاقتصادية والمالية وقامت سياسته على مبدأ المساواة في الدين والمساواة أمام القانون كما حاول أن يدير بلاد الشام على أنها قطر واحد يسكنه شعب واحد، فاصطدم بالفروق والخلافات القائمة بين الطوائف، وتفاقم الخطب حين عمدت بريطانية وروسية والدولة العثمانية إلى تغذية القلق والاستياء بالدس وتحريض الناس للثورة على إبراهيم باشا. وخاصة بعد توقيع معاهدة «هنكار أسكله سي» الدفاعية بين الدولة العثمانية وروسية (تموز 1833) لوقف الزحف المصري، وكان من نتيجة ذلك حدوث الفتن والثورات على حكم إبراهيم باشا في بلاد الشام ولاسيما في لبنان، ومن أسباب موقف بلاد الشام هذا من إبراهيم باشا ـ إضافة إلى التدخل الأجنبي ـ ما قام به من احتكار تجارة الحرير وأخذ ضريبة الرؤوس (الفردة) من الرجال كافة على اختلاف مذاهبهم، وكانت ضريبة الرؤوس سابقاً لا تؤخذ إلا من أهل الذمة واضطر إبراهيم باشا إلى قمع هذه الحركات بشدة ومصادرة السلاح من الأهالي في جميع أنحاء البلاد، وقد صوِّر جمع السلاح مقدمة لتجريدهم من القوة أو لتجنيدهم وانتقاص حقوقهم، وتأكد للدولة العثمانية أن اضطراب الأحوال ضايق حكومة إبراهيم باشا وأرهق قواها، فحشد السلطان محمود قواته من جديد واستأنف الحرب على إبراهيم باشا لاسترداد بلاد الشام بتحريض من بريطانية، ووقعت معركة فاصلة عند نزيب نصيبين الواقعة قرب عينتاب، (وليست نصيبين الحالية تجاه القامشلي) في حزيران 1839م حقق فيها إبراهيم باشا نصراً مبيناً على الجيش العثماني الذي كان يقوده حافظ باشا، وانحاز فوزي باشا قائد الأسطول إلى محمد علي، ولكن الموقف تبدل بسبب تدخل الدول الأوربية بريطانية وروسية وبروسية والنمسة التي عقدت فيما بينها معاهدة لندن (تموز 1840م) وقضت بإجبار محمد علي على سحب قواته من بلاد الشام حتى عكا. والاكتفاء بولاية مصر وراثية لـه ولأولاده من بعده، ولما كان محمد علي يطمع في مساعدة فرنسة له، فقد رفض الانصياع للمعاهدة، لكن فرنسة خذلته، وحاصرت أساطيل الحلفاء شواطئ الشام ومصر، ووجد إبراهيم باشا نفسه في موقف حرج بين جيوش الحلفاء التي نزلت البر وأهالي لبنان الذين أثيروا عليه، واستسلم الأمير بشير الشهابي[ر] حليف محمد علي للحلفاء في صيدا التي استولى عليها أمير البحر الإنكليزي نابيير Napier كما استولى على بيروت وعكا وصيداء ويافا فاضطر محمد علي، في مفاوضاته مع نابيير، إلى قبول التخلي عن بلاد الشام في تشرين الثاني 1840م وغادر إبراهيم باشا دمشق مع جيوشه في 29 كانون الأول 1840م مرتداً إلى مصر عن طريق غزة وبعث شطراً منها عن طريق العقبة.

 

    انصرف إبراهيم بجهوده في السنوات التالية إلى شؤون مصر الإدارية، وكان قد لمس أهمية الزراعة في حياة مصر منذ أن كان دفترداراً (أي مفتشاً) عاماً للحسابات سنة 1807، ثم حاكماً على الصعيد سنة 1809 حيث طرد فلول المماليك وأخضع البدو وأعاد الأمن والنظام إلى البلاد، وأسهم في تطبيق سياسة أبيه الاقتصادية الرامية إلى زيادة الموارد المالية لمصر وتنفيذ إصلاحاته وتقوية نفوذه، كما أدخل إلى مصر بعض الزراعات النافعة التي رأى أنه يمكن نجاحها في مصر من فاكهة وخضار وأشجار ونبات للزينة، وعمل على إكثار شجر الزيتون والتوت، وزراعة قصب السكر، وعني بتطوير الثروة الحيوانية، وأنشأ صحيفة أسبوعية تشتمل على أخبار الزراعة والتجارة، وفي مطلع عام 1847 تألف المجلس الخصوصي برئاسته للنظر في شؤون الحكومة الكبرى، وسن اللوائح والقوانين وإصدار التعليمات لجميع مصالح الحكومة، وفي نيسان 1848 أصبح إبراهيم باشا الحاكم الفعلي للبلاد، لأن والده اعتل اعتلالاً شديداً لا برء منه، ولم يعد قادراً على الاضطلاع بأعباء الحكم، وفي أيلول 1848م منح السلطان العثماني إبراهيم ولاية مصر رسمياً، لكنه لم يُكمل العام في منصبه، وتوفي قبل والده في 10 تشرين الثاني 1848 عن ستين عاماً، وترك من الأولاد بعد وفاته، أحمد، وإسماعيل (خديوي مصر فيما بعد) ومصطفى.

 

    كان إبراهيم باشا عربي اللغة والعاطفة، وإن لم يكن عربي المولد، وكان ينوه بفضل العرب على المدنيّة والتاريخ، يقول معاصره البارون دوبوا لوكومت De Bois Le Comte إنه كان يجاهر بإحياء القومية العربية ويعد نفسه عربياً، وسئل كيف يطعن في الأتراك وهو منهم فأجاب: «أنا لست تركياً فإني جئت إلى مصر صبياً، ومن ذلك الحين مصرتني شمسها وغيرت من دمي وجعلته دماً عربياً». وكتب إلى أبيه في أثناء حصار عكا حين بلغه أن السلطان حشد الجيوش لدفع الجيش المصري عن أسوارها «ومهما بحثوا فلا يمكنهم أن يعثروا على مثل جنود العرب الذين أقودهم أنا».

الاتحاد السوفييتي تاريخياً – الموسوعه المصغره للدكتور أسامه فؤاد شعلان

 

 

Usama Fouad Shaalan MD- PhD MiniEncyclopedia الموسوعه المصغره للدكتور  أسامه فؤاد شعلان

 

   علم الاتحاد السوفييتي 

 

كل جمهورية ، بدورها ، مقسمة إلى مناطق (اوبلاست)، فيما عدا نظام الأمن الإقليمي بلاتفيا و ليتوانيا و استونيا و مولدافيا وأرمينيا ، التي كان لها هيكلة وحدة. اما روسيا ، كانت مقسمة إلى بلدان أو كرايات جمع كراي التي كانت مقسمة إلى مناطق ذاتية الحكم. بعض الجمهوريات ك(روسيا وجورجيا وأذربيجان وأوزبكستان وطاجيكستان) كانت في في بنيتها جمهوريات اشتراكية سوفياتية مستقلة ذاتيا، مع قدر و درجة من الحكم الذاتي    

أدت الأزمات الحادة التي شهدتها روسية القيصرية في الحرب العالمية الأولى إلى سقوط النظام القيصري بعد أن أخفقت محاولات القيصر إنقاذ حكم أسرته من آل رومانونف. وبعد أن رفضت الحكومات المؤقتة الثلاث التي تعاقبت على السلطة (آذار – تشرين الأول 1917) الاستجابة لمطلب الجماهير بوقف الحرب وعقد سلام بلا ضم ولا تعويض، رأى لينين أن الوقت قد حان للقيام بالثورة وتسلم البلاشفة (فريق الأكثرية في حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي) السلطة في روسية، فقام أنصاره في ليل 24-25 تشرين الأول 1917 بالاستيلاء على السلطة في العاصمة بتروغراد (ليننغراد فيما بعد، وسان بطرسبورغ منذ 1991)، بعد أن تغلبوا على مقاومة المنشفيك (فريق الأقلية في الحزب).

وفي مساء يوم 25 تشرين الأول أيد مؤتمر المجالس السوفييتية الروسية ثورة أكتوبر، وأقال الحكومة المؤقتة التي كان يرأسها كيرنسكي Kerenski، وبذلك أصبحت السلطة في روسية بيد البلاشفة بزعامة لينين [ر] بعد إسقاط سلطة الملاكين الكبار والبرجوازيين.

عهد لينين (1917-1924)

عقب تسلم البلاشفة السلطة في روسية، باشروا تنفيذ برنامجهم الثوري من أجل إقامة نظام اشتراكي بقيادة البروليتارية. ففي 28 تشرين الثاني 1917 قرروا تشكيل حكومة جديدة من البلاشفة برئاسة لينين. وأصدروا «قرار السلام» الذي يعرض السلام على الدول المشاركة في الحرب العالمية الأولى بلا ضم ولا تعويضات، و«قرار الأرض» الذي يقضي بإلغاء الملكيات العقارية الكبيرة بلا تعويضات ومنحها للفلاحين الفقراء.

وفي الأسابيع اللاحقة، تبنت الحكومة البلشفية سلسلة من الإصلاحات مثل قرار القوميات الذي يقر بالمساواة بين شعوب روسية وسيادتها وحقها في تقرير مصيرها، وتطبيق الزواج المدني، والفصل بين الكنيسة والدولة، والرقابة العمالية على المنشآت الصناعية. كما أممت بعض المصانع، وسرعان ما أثارت هذه الإصلاحات المتاعب أمام الحكومة البلشفية، إذ قام كيرنسكي رئيس الحكومة المؤقتة بالهجوم على العاصمة بتروغراد في محاولة لاستعادتها، ودعا مجلس «الدومة» المحلي في بتروغراد السكان إلى المقاومة وأيدته بعض النقابات. ودارت المعارك بين الكتائب الحمراء وقوات «البيض» في موسكو. وبدءاً من نهاية 1917 تألفت في المناطق الجنوبية من روسية بضعة جيوش بيضاء معادية للثورة، في حين قرر كثير من القوميات إقامة دول مستقلة لهم (فنلندة، أوكرانية، شعوب القفقاس..) استغلت بعض الدول الأجنبية الظروف التي تمر بها الثورة لتوسيع مناطق نفوذها (الأتراك في ما وراء القفقاس، واليابانيون في الشرق الأقصى). وردت الحكومة البلشفية بإنشاء دائرة الأمن السياسي (التُشكا) أواخر 1917، وبتأسيس الجيش الأحمر (28 كانون الثاني 1918) بهدف القضاء على الفوضى وعلى الثورة المضادة والتدخل الخارجي. ووقعت مع الحكومة الألمانية معاهدة سلام منفرد (معاهدة بريست – ليتوفسك 13 آذار 1918).

رأت الدول الحليفة أن توقيع هذه المعاهدة خيانة من روسية. فقدمت دعمها للقوى المناهضة للثورة (الجيوش البيضاء)، وقام الإنكليز بعملية إنزال في مورمانسك (آذار 1918) وفي أرخانجلسك (آب 1918)،واحتل الألمان أوكرانية، واستولى اليابانيون على فلاديفوستك.

الحرب الأهلية: عزز توقيع الحكومة البلشفية على معاهدة السلام معارضة الاشتراكيين الثوريين الذين لجؤوا إلى استخدام العنف (اغتيال السفير الألماني ميرباخ، ومحاولة الانقلاب غير الناجحة على البلاشفة في موسكو ومدن أخرى، تموز 1918). وقاد ذلك إلى القطيعة بينهم وبين البلاشفة وإلى قيام نظام الحزب السوفييتي الوحيد. وفي شهر آب تعرض لينين لمحاولة اغتيال على يد أحد الاشتراكيين الثوريين وأصيب بجروح خطيرة. وانتشر الإرهاب في جميع أنحاء البلاد على يد «البيض» والدخلاء الأجانب.

وبدءاً من أيلول 1918، ردت الحكومة البلشفية على «الإرهاب الأبيض» بـ «الإرهاب الأحمر»، فعلى أثر أحداث آب، شمل الحظر الذي كانت الثورة قد فرضته على الأحزاب البرجوازية وصحفها (كانون الثاني 1918) كل الأحزاب الأخرى وصحفها، وأصدرت أوامرها بإحداث محاكم الثورة. فاشتد أوار الحرب الأهلية التي أدت إلى دمار البلاد وسقوط مئات الألوف من القتلى. وعلى الرغم من التدخل الخارجي وتقديم السلاح والعتاد والمؤن والمال إلى جنرالات «البيض» من قادة الحرب الأهلية في أوكرانية وسيبيرية وبلدان البلطيق، وقوة الفئات المعارضة في الداخل (أنصار النظام القيصري، والبرجوازية الليبرالية، والاشتراكيين الثوريين والمنشفيك)، فقد تمكنت الحكومة البلشفية من كسب الحرب: لتفتت أعدائها، واختلاف وجهات نظرهم حول نظام الحكم المزمع إقامته، ولاسيما بعد أن أعدم البلاشفة القيصر وأفراد أسرته، ولاعتماد الحكومة الثورية على العمال وعلى قسم مهم من الفلاحين، ولضخامة الجيش الأحمر وقوته، وقوة قوى الأمن السياسي (التُشكا) واستخدامها في القضاء على جيوش «البيض» واغتيال قادة المناهضين للثورة وأنصارهم. وكذلك الإجراءات الاقتصادية الصارمة أو شيوعية الحرب (إخضاع الفلاحين للرقابة الصارمة واقتطاع جزء مهم من محاصيلهم للقضاء على المجاعة، وتأميم المنشآت الصناعية الصغيرة، وتأميم التجارة الداخلية والخارجية، وتأميم السكك الحديدية والمصارف، وفرض العمل الإجباري على الأشخاص الذين تراوح أعمارهم بين 16-50 عاماً). وقد تصدى الجيش الأحمر للجيوش الأجنبية المتدخلة، مما اضطر الحلفاء إلى إخلاء الأراضي التي كانوا يحتلونها من روسية بدءاً من عام 1919. في حين أنهت معاهدة ريغا (1921) الحرب البولندية – الروسية. وغدا البلاشفة من عام 1921 سادة روسية وأوكرانية وبيلوروسية والقفقاس. في حين صارت فنلندة وبولندة وبلدان البلطيق (أستونية وليتوانية، ولاتفية) دولاً مستقلة (1920). وأعيدت بسارابية إلى رومانية.

كانت خسائر الحرب العامة الأولى والحرب الأهلية وحرب التدخل المادية والبشرية مريعة. فقد انخفض الإنتاج الزراعي انخفاضاً شديداً. وفقدت روسية في المدة بين عامي 1913 و1921 نحو 13 مليون نسمة (ضحايا الحرب والأوبئة الشديدة والمجاعة). وأثارت الصعوبات الاقتصادية (اختفاء المواشي، وتهدم المناجم، وانخفاض الإنتاج الصناعي إلى 13٪ بالموازنة مع عام 1913، ودمار وسائل المواصلات، وانخفاض قيمة العملة…) أزمات خطيرة أدت إلى انتفاضات فلاحية وعمالية لم تلق نجاحاً، وأدى ذلك إلى انقسامات في صفوف الحزب الشيوعي حول الوسائل الواجب اتباعها للتغلب على الصعوبات التي تعاني منها البلاد، في حين حدث تمرد في صفوف البحرية على النظام البلشفي وإجراءاته التعسفية. واضطر لينين أمام هذا الوضع الذي هدد مستقبل الثورة البلشفية إلى الإعلان أمام المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي (آذار 1921) عن تخلي الحكومة عن سياسة «شيوعية الحرب» وتبني سياسة اقتصادية جديدة، تقوم على أساس برنامج يهدف إلى تحقيق الاشتراكية في ملكية وسائل الإنتاج والتبادل، وأن تقوم الحكومة بتطبيق برنامجها هذا نيابة عن المجتمع الاشتراكي بإقامة تعاونيات زراعية (كولخوزات) وصناعية وتخطيط اقتصاد الدولة على هذه الأسس.

السياسة الاقتصادية الجديدة: تمثلت هذه السياسة في المجال الزراعي في إلغاء مصادرة المحصولات الزراعية بهدف كسب الفلاحين إلى جانب الثورة، في حين حوفظ على الملكية الاشتراكية للأرض التي بدأت عام 1919 بتأسيس مزارع الدولة (السوفخوزات) والتعاونيات، ومنح الفلاحون حق حرية الاختيار بين البقاء في هذه المؤسسات أو تركها، وأدت هذه السياسة في مدى خمسة أعوام إلى نتائج مرضية في القطاع الزراعي ولاسيما في مجال إنتاج الحبوب.

أما في المجال الصناعي فقد تمثلت هذه السياسة بإعادة بناء القطاع الخاص في المنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة على قاعدة التنافس فيما بينها. وأعيدت التجارة الداخلية إلى هذا القطاع بهدف تشجيع التصنيع وإيجاد الأسس المادية للاشتراكية بتحقيق التراكم الرأسمالي اللازم لبناء المجتمع الاشتراكي، ومنحت بعض الامتيازات للرأسماليين الأجانب، مثل فورد الذي بنى مصنعاً للسيارات في غوركي Gorki. كذلك شجعت الدولة تطوير القطاع الاشتراكي الذي شمل النشاطات الاقتصادية الرئيسية كالنقل والمصارف والتجارة الخارجية والصناعة الكبيرة. واستفادت منشآت هذا القطاع من تمويلات الدولة الضخمة، ولاسيما في مجال الطاقة، لإنشاء التروستات (421 تروستاً في عام واحد) التي كانت تضم المنشآت الصناعية والفروع التي تمارس النشاط نفسه (الفحم في حوض الدونتز، والتعدين في أوكرانية…) وهي مؤسسات عامة كانت تتمتع باستقلال مالي وتتحمل مسؤولية إدارتها التي يجب أن تكون رابحة. ومع أن هذه المشروعات حققت بعض النجاحات (مثل بناء عدة مفاعلات للطاقة الكهربائية وصنع أوائل السيارات والطائرات وإنجازات متنوعة في مجال الصناعات الاستهلاكية)، فإن نقص الأموال والتقنين جعل عملية النهوض الصناعي صعبة ولاسيما في مجال الصناعة الثقيلة، وكان لينين يأمل أن يؤدي التنافس بين القطاعين العام والخاص إلى تحقيق تقدم اقتصادي يسمح بالانطلاق نحو بناء الاقتصاد الاشتراكي.

تزامن تطبيق السياسة الاقتصادية الجديدة، مع محاولات تنظيم الحياة الاجتماعية والأسرية بإصدار قوانين متعلقة بتحرير المرأة وتنظيم الأسرة (حق الطلاق للزوجين، والإجهاض المجاني…) كما تزامنت مع محاولات تعزيز الحياة الثقافية. ومع أن الدولة لم تسع إلى فرض نموذج معين في مجال الأدب والفن، وشجعت الإبداع، فإن السلطة احتفظت لنفسها بحق الحكم على الأعمال الأدبية والفنية وفقاً لفائدتها الاجتماعية. مما أدى إلى سيطرة ثقافة معينة تمجد السلطة ومذهبها العقائدي إلا أنها كانت خصبة في مجال البحث الجمالي وأشكال التعبير.

وفي هذه المرحلة عزز الحزب الشيوعي سلطته للتخلص من المنشفيك والاشتراكيين الثوريين الذين كانوا يدعون أنهم أصحاب الفضل في «السياسة الاقتصادية الجديدة» فتعرضوا للقمع والملاحقة، وتعد السياسة الاقتصادية الجديدة تراجعاً استراتيجياً على طريق بناء الاشتراكية يسوغه تأخر روسية الاقتصادي. فقد رأى لينين أنه لابد من وقفة تستغل في تصحيح الاقتصاد الروسي، وتربية الطبقة الفلاحية تربية شيوعية، وذلك بانتظار انتصار الثورة الاشتراكية في البلدان المتقدمة.

وكان لينين يرى، بالنظر إلى أوضاع روسية السوفييتية عام 1920، أن بناء المجتمع الاشتراكي يستغرق زمناً طويلاً، لأنه لابد أولاً من تطوير الصناعة على قاعدة حديثة، وإيجاد زراعة ممكننة، وتطبيق اشتراكية قائمة على انضمام الفلاحين الطوعي إلى التعاونيات الإنتاجية، وإحداث ثورة ثقافية بتطوير التعليم والثقافة بين الجماهير بهدف تغيير المواقف وتربية العقول وفق النظام الجديد.

تأسيس اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية: في المدة بين عامي 1920 و1922، توصلت الحكومة البلشفية إلى حل مسألة القوميات بعقد تحالفات ثنائية اقتصادية وعسكرية تربط جمهورية روسية الاتحادية الاشتراكية بكل جمهورية من الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية الأخرى بوصفها دولاً ذات سيادة (بحسب دستور 1918) وفي 30 كانون الأول 1922 أعلن عن قيام اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية بقرار من مجلس السوفييت في أربع جمهوريات هي: جمهورية روسية الاتحادية الاشتراكية السوفيتية وجمهوريات أوكرانية وبيلوروسية وما وراء القفقاس. وطغى مبدأ الوحدة على الاتحاد، فأبناء الجمهوريات هم سوفييت قبل أن يكونوا أوكرانيين، أو بيلوروسيين أو غيرهم، واختيرت موسكو عاصمة للاتحاد (1922). وبعد أن تبنت الجمهوريات المذكورة دستوراً مشتركاً (1924) أصبحت الشؤون الأساسية، أي الشؤون الخارجية والمواصلات والبريد، من اختصاص الاتحاد. ولا تتمتع الجمهوريات إلا بأجهزة تنفيذية محلية، باستثناء الاستقلال اللغوي.

وقد انضم إلى الاتحاد بعد ذلك كل من جمهوريات أوزبكستان وتركمنستان (1924) وطاجكستان (1929) وأستونية ولاتفية وليتوانية ومولدفية (1940). وتعد هذه الجمهوريات متساوية في الحقوق والسيادة. وتتمتع دستورياً ونظرياً بحق الخروج من الاتحاد وإقامة علاقات مباشرة مع الدول الأجنبية، ولها استقلال ذاتي وطني يشمل الشؤون السياسية والعسكرية واللغوية والثقافية.

وفي المجال التشريعي غدا مجلس السوفييت الأعلى جهاز السلطة العليا للدولة وينتخب بالاقتراع العام لمدة أربع سنوات. ويتكون من مجلسين (مجلس السوفييت الاتحادي ومجلس سوفييت القوميات). وهو الذي يعين مجلس رئاسة الدولة (البريزيديوم) الذي يمارس مهام رئيس دولة الاتحاد السوفييتي جماعياً، كما يعين مجلس الوزراء. ويضمن الحزب الشيوعي للاتحاد السوفييتي وحدة القيادة السياسية، وهو حزب وحيد يتكون من الأحزاب الشيوعية في الجمهوريات، والمؤتمر العام هو السلطة العليا للحزب وهو الذي ينتخب اللجنة المركزية التي تتولى قيادة الحزب والتي تنتخب المكتب السياسي وعلى رأسه الأمين العام للحزب.

السياسة الخارجية: خرجت روسية من عزلتها منذ عام 1920 بعقد مفاوضات تجارية مع بعض دول أوربة الغربية. وفي عام 1921 وقعت معاهدات تجارية مع بريطانية العظمى وألمانية، وتغلبت الواقعية والمنفعة المتبادلة في هذا المجال على الصراع الإيديولوجي. ومهدت هذه المعاهدة للاعتراف الدولي بالاتحاد السوفييتي، وفتحت معاهدة رابالو الموقعة بين ألمانية والاتحاد السوفييتي (1922) الطريق أمام الاعتراف الدبلوماسي بالاتحاد السوفييتي، وقد تنازلت الدولتان بموجب هذه المعاهدة عن ديونهما، وقررتا تطبيق مبدأ الأفضلية في المجال الجمركي، وإعادة العلاقات الدبلوماسية بينهما.

وفي عام 1924 اعترف بالاتحاد السوفييتي كل من بريطانية العظمى وإيطالية وفرنسة، ثم تبعتها بلدان أخرى أوربية وأمريكية (المكسيك) وآسيوية (الصين واليابان) واستمرت الولايات المتحدة الأمريكية في تجاهل الاتحاد السوفييتي دبلوماسياً حتى عام 1933 مع قيام علاقات اقتصادية وتقنية بينهما.

وفي آذار 1919 كان لينين قد قام بتأسيس الكومنترن أو التنظيم الشيوعي الأممي الثالث ومقره موسكو وغايته مساعدة الثورات الأوربية عن طريق جمعها في منظمة مشتركة تحل محل التنظيم الاشتراكي الأممي الثاني الذي فقد اعتباره لإخفاقه في منع قيام الحرب وتبنى الكومنترن المبادئ التنظيمية التي نصح بها لينين.

واتبع الاتحاد السوفييتي سياسة نشطة في الشرق فوقع معاهدات مع إيران وأفغانستان وتركية، مع الدعاية الواسعة لصالح تحرير الشعوب المضطهدة في الشرق (مؤتمر باكو 1920).

عهد ستالين (1924-1953)

يقسم عهد ستالين تاريخياً إلى مرحلتين تبدأ الأولى من تسلمه السلطة حتى بداية الحرب الوطنية العظمى كما يسميها الروس (1941) وتنتهي المرحلة الثانية بوفاته عام 1953.

المرحلة الأولى (1924-1941): في عام 1922 أصيب لينين بفالج شقي، فطرحت مسألة خلافته على بساط البحث، ودار الصراع على السلطة بين تروتسكي [ر] وستالين [ر] (أمين عام الحزب الشيوعي منذ عام 1922) بسبب اختلافهما حول عدد من المسائل الاقتصادية والتنظيمية والإيديولوجية. وتفاقم الصراع بينهما بعد وفاة لينين سنة 1924. واستطاع ستالين بمساعدة رفيقي لينين – كامينيف وزينوفيف – التغلب على تروتسكي وأنصاره. فأجرى تعديلاً في الدستور 1924 ساعده على الانفراد في السلطة، وجرد تروتسكي من مسؤولياته في الدولة (1925). ولكن تمسك ستالين بالسياسة الاقتصادية الجديدة وتطويره لنظريته «بناء الاشتراكية في بلد واحد» أدى إلى القطيعة بينه وبين كامينيف وزينوفيف فتقرب هذان من تروتسكي والتف حولهم الجناح اليساري للحزب. واستمرت المعركة الإيديولوجية بين الطرفين حتى عام 1927، وانتهت بانتصار ستالين التام وتجريد تروتسكي من مسؤولياته في الحزب وإقصائه عنه مع كامينيف وزينوفيف.

وفي عامي 1928 و1929، نجح ستالين في إجبار الجناح اليميني للحزب على الإذعان له بعد أن أقصى زعيمه بوخارين من المكتب السياسي. وبذلك أصبح ستالين سيد السلطة.

السياسة الاقتصادية: في عام 1928 تخلى ستالين عن «السياسة الاقتصادية الجديدة» وطرح شعار «تصنيع وتخطيط ونشر الشيوعية». وأجمع قادة الاتحاد السوفييتي على ضرورة تبني مبدأ «التخطيط» الاقتصادي بهدف ترشيد الإنتاج الوطني وتحسينه. ومنذئد أخذ الاتحاد بوضع خطط خمسية عامة، أعطيت فيها الأولوية للاستثمار على الاستهلاك، وللتجهيز الشيوعي وتطوير الصناعة الثقيلة على رغد العيش الفردي. وبدأت هذه الخطط تمتد إلى مناحي الحياة كافة وإلى كل المناشط واتسمت المدة بين عامي 1928 و1941 بالتخطيط الاقتصادي وفرض الشيوعية في الأرياف. فكان من أهداف الخطة الخمسية الأولى (1928-1932) إلغاء القطاع الخاص وتطوير الإنتاج الاقتصادي الأساسي. واتسم تنفيذ هذه الخطة بتمويل الدولة لعملية التصنيع ومشاركة عدد كبير من التقنيين الأجانب، ووضع نظام كامل وصارم (عقوبات ومكافآت ورواتب أفضل للعمال…) للحصول على أقصى إنتاج ممكن، وأدى تنفيذ هذه الخطة إلى شيوعية الزراعة (شملت 48.5٪ من الفلاحين) وازدهار التعاونيات الزراعية ومزارع الدولة ونشر التعليم العام والتقني بين الشباب، والقضاء التام على القطاع الصناعي الخاص، وقيام نهضة صناعية سريعة ارتفع فيها نصيب الصناعة في الإنتاج الوطني من 42٪ إلى 70٪ وتضاعف إنتاج الصناعة الثقيلة من ضعفين إلى ثلاثة أضعاف، وتضاعف إنتاج الفحم الحجري والحديد، وأحدثت الصناعة الكيمياوية وفتحت طرق مواصلات جديدة. إلا أن الصناعات الاستهلاكية حققت تقدماً بسيطاً. ولم تحقق بعض الصناعات الثقيلة المعايير المقررة بسبب التأخر التقني، ونقص وسائل المواصلات، وعدم التنسيق بين القطاعات الصناعية المختلفة، وفقدان قطع الغيار.. كما أنشئ عدد من المدن، وانفتح الكثير من الأقاليم السيبيرية على الصناعة حتى أن مركز الثقل الصناعي في الاتحاد السوفييتي أخذ ينتقل إلى الشرق.

وتابعت الخطتان الخمسيتان، الثانية (1933-1937) والثالثة (1938-1942) الهدفين الرئيسيين للخطة الخمسية الأولى. وجرى تلافي الأخطاء السابقة، فخفضت النسب، ورفعت حصة الزراعة ووسائل النقل في الميزانية، وشدد على تحسين نوعية الإنتاج، وبذلت جهود لزيادة عدد الآلات الزراعية في محطات الآلات والجرارات الزراعية للنهوض بالتعليم التقني لأعضاء المزارع التعاونية. ومنح الفلاحون قطعاً صغيرة من الأرض لزراعتها بالخضار والفواكه وتربية المواشي فيها لإثارة اهتمامهم بالإنتاج، مما زود البلاد بقسم مهم من الإنتاج المسوق، وفي نهاية الخطة الخمسية الثانية أصبح إنتاج الحبوب أكثر أهمية، وحقق إنتاج القطن والسكر نتائج جيدة، لكن أعداد المواشي ظل غير كاف وظل الإنتاج العام قاصراً على تلبية حاجات السكان.

وفي مجال الصناعة، جعلت الخطة الخمسية الثانية الأولوية للصناعة الثقيلة وتطوير الصناعات التحويلية والمنتجات الاستهلاكية. وفي عام 1937، أصبح الاتحاد السوفييتي الدولة الصناعية الثالثة في العالم، واستدرك جزئياً تأخره في طرق المواصلات بتوسيع شبكة السكك الحديدية وإنجاز بعض القنوات الملاحية كقناة ستالين، وقناة موسكو – فولغا، وتم تمديد أول خط من مترو موسكو. غير أن النتائج المأمولة لم تحقق في جميع المجالات، فقد دفع خطر النازية [ر] ستالين إلى تخصيص جزء كبير من التوظيفات المالية للتسليح.

كان هدف الخطة الخمسية الثالثة تجاوز الدول الرأسمالية الكبرى في الإنتاج القومي للفرد. لكن الأولوية منحت للتسليح. فتقدم الإنتاج العسكري 300٪ في العام، وأدت الحرب في عام 1941 إلى تعليق تنفيذ الخطة.

ومع ذلك فقد حقق الاتحاد السوفييتي حتى عام 1941 تقدماً هائلاً، فارتفعت قيمة الإنتاج الزراعي 41٪ منذ عام 1913. وسجلت الصناعة الثقيلة أفضل النتائج، فبلغ إنتاج الاتحاد السوفييتي 12٪ من الإنتاج العالمي (مقابل 4٪ عام 1913) كما تحقق تقدم عظيم في المجال الثقافي. فاختفت الأمية بين الشباب، كما اختفت تقريباً بين الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً. وشهد التعليم الابتدائي والثانوي تقدماً مدهشاً. فأصبح أكثر من عشرة ملايين طفل يتابعون تحصيلهم العلمي لمدة سبع سنوات، وتمتع التعليم المهني بحظوة خاصة.

السلطة السياسية – الستالينية (1929-1941): استصدر ستالين دستوراً جديداً عام 1931 توخى فيه تطوير البنية الاقتصادية والاجتماعية الذي عرفته البلاد منذ عام 1924، وأكد بوضوح السمات الديمقراطية للنظام، وتحول ديكتاتورية البروليتارية إلى ديكتاتورية الحزب. إلا أن السلطة الحقيقية كانت في يد ستالين الذي مارس ديكتاتورية مطلقة، خلف قناع دستوري، فأخضع الحزب لإرادته بعد سلسلة من عمليات «تطهير» أقصى فيها كل الذين يستطيعون أو قد يستطيعون نقد سياسته أو تأليف فريق بديل. فكان عام 1934 عام إرهاب اتسم بموجة من «المحاكمات الكبرى» لم تطل معارضي النظام فحسب بل طال البلاشفة أيضاً، وذهب ضحيتها رفاق لينين القدامى وفيهم زينوفيف وكامينيف، ومعارضو البرنامج الاقتصادي (بوخارين) وكبار الموظفين، وعدد من الفنانين والأدباء والعلماء والموسيقيين وقادة الجيش الأحمر.

السياسة الخارجية: اتصفت هذه المرحلة من حكم ستالين بتفاقم خطر الحرب لتفاقم خطر النازية. وقد سعى الاتحاد السوفييتي في البدء إلى عزل هتلر بتحالفه مع الدول الغربية. وبعد أن أصبح الاتحاد السوفييتي عضواً في عصبة الأمم (1934) أبرم معاهدات تعاون متبادل مع كل من تشيكوسلوفاكية وفرنسة (1935). لكن جهوده للتقارب مع الدول الغربية الأخرى اصطدمت بمناهضة غالبية قادتها للشيوعية. إذ رفضت بريطانية إبرام أية اتفاقية مع الاتحاد السوفييتي واكتفت فرنسة بمعاهدة عامة جداً من دون أية التزامات عسكرية. وعلى الرغم من ذلك فقد وقعت فرنسة وبريطانية معاهدة مع هتلر وموسوليني تخلت بموجبها لألمانية عن إقليم السوديت التشيكوسلوفاكي (أيلول 1938). وأدى عدم إخطار الاتحاد السوفييتي بهذه المعاهدة إلى تعزيز شكوك تسالين في نوايا الغربيين بإطلاق يد ألمانية في الشرق، مما دفع ستالين إلى عقد معاهدة عدم اعتداء متبادل مع هتلر (آب 1939). وتضمنت هذه المعاهدة بنوداً سرية منحت الطرفين حق «تحديد مناطق منفعة متبادلة»: بلدان البلطيق وفنلندة والجزء الشرقي من بولندة وبسارابية، وهي أقاليم كانت تشكل جزءاً من الإمبراطورية الروسية عام 1913.

المرحلة الثانية (1941-1953): على إثر احتلال هتلر بولندة (أيلول 1939) احتل الجيش الأحمر الجزء الشرقي من تلك البلاد الذي كان قد اقتطع من الاتحاد السوفييتي عام 1921. وكانت الحرب التي بدأت بين الاتحاد السوفييتي وفنلندة في 3 تشرين الأول 1939، قد انتهت في آذار 1940 باستسلام فنلندة وتنازلها للاتحاد السوفييتي عن مضيق كاريلية والقاعدة البحرية هانغو. وفي حزيران 1940، اضطرت رومانية إلى التنازل للاتحاد السوفييتي عن إقليمي بسارابية وبوكوفين اللذين تكونت منهما جمهورية مولدفيه الاشتراكية السوفييتية (آب 1940). وفرض الاتحاد السوفييتي معاهدات تعاون متبادل على بلدان البلطيق التي ما لبثت أن أصبحت تؤلف جمهوريات اشتراكية سوفييتية جديدة داخل الاتحاد (تموز 1940). وفي الوقت ذاته، تطورت العلاقات الاقتصادية مع ألمانية إلى درجة بدت فيها متينة مع اقتراب عام 1940 من نهايته. إلا أن هتلر كان قد أوعز إلى قادة جيشه بإعداد الخطط لاجتياح روسية منذ شهر تموز 1940. وقد بدأ الاجتياح فعلاً في ليلة 21-22 حزيران 1941.

الاتحاد السوفييتي في الحرب العالمية الثانية (1941-1945): كانت الأسابيع الأولى من الحرب كارثة على الاتحاد السوفييتي فقد أصيبت آلة الحرب السوفييتية بالشلل التام على الرغم من المقاومة العنيدة، واحتلت القوات النازية في أقل من أربعة أشهر أراضي جمهوريات البلطيق الثلاثة وبيلوروسية والجزء الأكبر من أوكرانية وجميع الأقاليم الواقعة إلى الغرب من خط ليننغراد وموسكو تقريباً. غير أن القوات السوفييتية نجحت في خاتمة المطاف في احتواء القوات النازية عند ضواحي ليننغراد وعلى أبواب موسكو، واستطاع الاتحاد السوفييتي أن يتمالك نفسه بعد كارثة الأشهر الأولى. وتمكن في بضعة أسابيع، من تفكيك آلاف المنشآت الصناعية ونقلها إلى منطقة الأورال وما وراءه وتركيبها هناك من جديد، لتصبح مراكز حيوية للإنتاج الحربي، وتحمل الاتحاد السوفييتي وحده عبء الحرب في مواجهة هتلر طوال أربع سنوات. ففي تموز 1942، توغل الألمان في القفقاس حتى وصلوا إلى مدينة ستالينغراد (فولغاغراد) ونجح الجيش الأحمر مرة أخرى في احتواء هذا التقدم، وفي ستالينغراد وعلى ضفاف الفولغا شنت القوات السوفييتية هجوماً معاكساً انتهى إلى تطويق 22 فرقة عسكرية ألمانية وإبادة القسم الأكبر منها واستسلام 96 ألف رجل مع قائدهم المارشال فون باولوس (2 شباط 1943).

وفي موقعة كورسك التي بدأها الألمان بهجوم قوي (تشرين الثاني 1943) تمكن الجيش الأحمر من احتواء الهجوم والقيام بهجوم عام معاكس أدى إلى تحرير مدينة كييف، وفك الحصار عن ليننغراد (كانون الثاني 1944). وفي صيف عام 1944 وخريفه تمكنت القوات السوفييتية من تحرير جميع الأراضي السوفييتية المحتلة، وشرعت في تحرير بولندة، في حين طلبت رومانية الهدنة (23 آب)، وأعلنت الحرب على ألمانية، بعد أن تخلصت من حكومتها الفاشية. وفي كانون الثاني 1945 توغل الجيش الأحمر في بروسية الشرقية وسيليزية العليا، وحرر كل أراضي أوربة الشرقية تقريباً وقسماً من أوربة الوسطى، ودخل برلين في 2 أيار عام 1945. ووقعت ألمانية صك استسلام الجيش الألماني من دون قيد أو شرط في رانس (فرنسة) في السابع مع أيار 1945. وفي ظروف الحرب هذه تحسنت العلاقات بين الاتحاد السوفييتي والحلفاء وازدادت وثوقاً بعد مؤتمر طهران (تشرين الثاني 1943) الذي حضره كل من تشرشل وروزفلت وستالين، واتفق هؤلاء في مؤتمر يالطة على شاطئ القرم (شباط 1945) على تنظيم عالم ما بعد الحرب. وفي آب 1945، حررت القوات السوفييتية منشورية من الاحتلال الياباني، وباستسلام اليابان في 2 أيلول انتهت الحرب العالمية الثانية.

خرج الاتحاد السوفييتي من هذه الحرب منتصراً، لكن خسائره المادية والبشرية كانت فادحة. فقد قضت الحرب على أكثر من 10٪ من سكانه، و50٪ من ممتلكاته العقارية، و70٪ من منشآته الصناعية، و60٪ من معدات النقل وتجهيزاته الزراعية وأصبح أكثر من 70٪ من أراضيه الزراعية غير قابل للإنتاج في المدى القريب وقضت الحرب على 30 إلى 70٪ من مواشيه من مختلف الأجناس. فانخفض إنتاجه في كل الميادين. أما الجانب الإيجابي في هذه المحصلة المأساوية للحرب فتمثل بالتطور الاقتصادي في المناطق الشرقية من الاتحاد وفي آسيا بدءاً من عام 1941. وفي عام 1945 أصبحت منطقة الأورال المركز الصناعي الأول للاتحاد السوفييتي وينتج 58٪ من الصلب و53٪ من الفولاذ وكان الجيش الأحمر في هذا الوقت يحتل شرقي ألمانية والنمسة، وحررت قواته رومانية وبلغارية وبولندة وكورية الشمالية وشمالي الصين.

الاتحاد السوفييتي في نهاية المرحلة الستالينية:

استأنف الاتحاد السوفييتي بعد الحرب سياسة التخطيط الاقتصادي، واستطاع في مدى أربع سنوات (1945-1949)، إعادة بناء ما خربته الحرب، وأجرى تعديلات جوهرية على الدستور (1946)، وظلت الأولوية للصناعة الثقيلة، التي بلغت حصتها 88٪ من التوظيفات المالية، ولتطوير خطوط السكك الحديدية ووسائط النقل.

وتضمنت أولويات الخطة الخمسية الرابعة (1946-1950) تطوير الزراعة والتقدم التقني في جميع الفروع الاقتصادية، وإعادة تجهيز الأقاليم التسعة التي أصابها الدمار، وتطوير الجمهوريات الاتحادية، لكن الإنتاج الزراعي في نهاية الخطة لم يتجاوز إنتاج 1940 إلا بقليل، وظل إنتاج الزراعات الغذائية والمنتجات الحيوانية أقل من التوقعات بكثير. وبقيت الزراعة نقطة ضعف الاقتصاد، في حين أن إعادة البناء في المجال الصناعي سجلت نقاطاً إيجابية، إذ تجاوز الإنتاج التوقعات في كل فروعه باستثناء الصلب. وتمثلت الناحية الإيجابية الثانية بتقدم المشاريع الكبرى، أي بناء الأقنية (قناة لينين، قناة ري تركستان). وفي عام 1949، صنع الاتحاد أول قنبلة ذرية. في حين كان العجز واضحاً في الصناعات الاستهلاكية نتيجة لاهتمام ستالين بتعزيز القدرة القتالية للاتحاد السوفييتي أكثر من اهتمامه بتوفير حياة رغد لمواطنيه، ولاهتمامه بالمستقبل أكثر من الحاضر، واتسمت الخطة الخمسية الخامسة (1950-1955) بمساوئ الخطة السابقة في ميدان الزراعة والإنتاج الزراعي. لكن غداة وفاة ستالين كان الاتحاد السوفييتي قد عاد من جديد دولة صناعية كبرى. وكان الثمن الاختلالات التي وسمت المرحلة الستالينية كالتضحية بالريف، وضعف مستوى معيشة السكان، وتعميم استخدام الطرائق القسرية. فبعد الحرب، مارس ستالين ديكتاتورية مطلقة شاملة: فاضطهد الأقليات القومية وسعى إلى طمس معالمها الثقافية والدينية، وألزم الشعوب السوفييتية الالتفاف حول الشعب الروسي. فقضى بذلك على جميع التطلعات القومية. وبدأت عملية إعادة المثقفين الذين أصابتهم عدوى الأفكار الغربية إلى «صوابهم» وتعين على الأدباء والمفكرين أن يصبحوا «مهندسي النفوس» ومن لا يلتزم منهم توجيهات النظام يخضع لعمليات «التطهير» وحلت «الستالينية» محل الماركسية – اللينينية.

ومع أن ستالين احتفظ بزعامته للحزب الشيوعي، إلا أنه تخلى عن منحه الأهمية التي كانت له في عهد لينين، وجعله مجرد قناة لنقل الأوامر والسهر على تنفيذها: فأهمل المكتب السياسي للحزب، ولم تجتمع اللجنة المركزية منذ عام 1947 حتى وفاته، كما حصر سلطة اتخاذ القرارات بشخصه ومستشاريه الشخصيين. وأصبحت عبادة شخصية ستالين بلا حدود، ونصب ستالين نفسه منظراً للاشتراكية.

وفي المجال الدولي، ظهر الانقسام واضحاً بين الحلفاء المنتصرين في الحرب في مؤتمر بوتسدام (1945). وبإسدال الستار الحديدي على تشيكوسلوفاكية مساء انقلاب براغ (25 شباط 1948) أنجز ستالين القضاء على تحالفه مع الغرب، وتنامى شعور الاتحاد السوفييتي بتخلي حلفائه الغربيين عنه (خطة مارشال وزير خارجية الولايات المتحدة وتقديم المساعدات إلى دول أوربة الغربية وفنلندة)، فبدأت الحرب الباردة (1946) بين الشرق والغرب. واتسمت فيما اتسمت به بإنشاء الكومنفورم، أي مكتب الإعلام  (تشرين الأول 1947)، بهدف دعم الاضطرابات الثورية في فرنسة وإيطالية، ونشبت أزمة برلين (1948)،والحرب الكورية (1950). كما عزز الاتحاد السوفييتي موقعه في دول المعسكر الاشتراكي بإنشاء الكوميكون أو مجلس التعاون الاقتصادي (1949) رداً على خطة مارشال. ودعم علاقاته مع الصين الشعبية بعد انتصار الثورة الشيوعية فيها بقيادة ماوتسي تونغ (1949).

عهد خروشوف (1953-1964)

بعد وفاة ستالين 5 آذار 1953، حرص قادة الاتحاد السوفييتي على العودة إلى نظام القيادة الجماعية. فعهد إلى مالنكوف برئاسة الحكومة السوفييتية (6 آذار)، وإلى نيكيتا خروشوف بمنصب الأمين العام للحزب (14 آذار). لكن خروشوف سرعان ما أقصى حلفاءه من الستالينيين (مولوتوف) ومن ذوي النفوذ الخطرين (الماريشال جوكوف) وذوي الميول الليبرالية السياسية والاقتصادية (مالنكوف) فعين المارشال بولغانين رئيساً للحكومة (1955) ثم أقصاه في عام 1957 ليجمع في يده الأمانة العامة للحزب ورئاسة الحكومة، وسيطر على الحياة السياسية في الاتحاد في المدة بين 1957و1964. وعمل خروشوف على تخفيف التعسف البوليسي، وحاول القضاء على فساد الإدارة، ثم وجه ضربة قاضية إلى الستالينية حين تقدم بتقريره «السري» الشهير إلى المؤتمر العشرين للحزب (1956)،وكشف فيه فظائع حكم ستالين والأخطاء السياسية والتقنية التي اقترفها منذ عام 1935، واستنكر فيه «عبادة الشخصية» مذكراً أنها اتخذت أبعاداً هائلة لأن ستالين شجع على تعظيم شخصه وأحاط نفسه بهالة من العبقرية، وخلص التقرير إلى ضرورة العودة إلى مبادئ الديمقراطية اللينينية بكاملها.

استهل خروشوف حكمه بسياسة اقتصادية أكثر ليبرالية مما في السابق وكان هدفها تحسين أوضاع المواطنين المادية وتمثلت بتخفيض أسعار المواد الغذائية والسلع المصنعة، ورفع الأجور الدنيا. كما حاول حل مشكلة السكن في المدن، وتخفيف الأعباء عن الفلاحين، وتحسين أسعار منتجاتهم الزراعية، لكن إزالة الستالينية لم تطل مبدأي تشييع الأراضي والتخطيط الاقتصادي. وكان شعار الخطة السبعية (1959-1965) «استدراك تأخر الاتحاد السوفييتي وتجاوز البلدان الرأسمالية المتقدمة». وركزت هذه الخطة على تطوير الأقاليم الشرقية، والصناعة الكيمياوية والطاقة الحرارية وكهربة وسائل النقل. وكذلك اتخذ خروشوف سلسلة من الإصلاحات لتعزيز السلطات المحلية وتخفيف وصاية السلطة المركزية. إلا أن نتائج هذه السياسة كانت مخيبة للآمال فاضطر إلى التراجع عنها. وأدت نتائج الإصلاحات في القطاع الزراعي إلى أزمة اقتصادية نجمت عن تقهقر الإنتاج الزراعي، وانخفاض عائدات المزارعين واستيائهم، وحمل خروشوف مسؤولية ذلك، كذلك أثار برنامج خروشوف للتغيير في الحياة السياسية والاجتماعية بهدف زيادة الاهتمام بحاجات المواطنين وتطلعاتهم وزيادة مشاركتهم في الحياة السياسية، وتحسين العلاقات بين الشعوب التي يتكون منها الاتحاد السوفييتي والقضاء على مراكز القوة التي تعرقل جهوده الإصلاحية – أثار هذا البرنامج غضب مجموعة القادة التقليديين الذين كانوا يريدون الحفاظ على امتيازاتهم. وأدت محاولته جعل الحزب مجرد أداة تنفيذية إلى إثارة عداء الحزب بكامله. وفي تشرين الأول 1964 أجبر أعضاء مجلس الرئاسة خروشوف على الاستقالة وعينوا ليونيد بريجنيف خلفاً له.

وفي مجال السياسة الخارجية حرص خروشوف على الحفاظ على ما حققه الاتحاد السوفييتي من مكاسب على المستوى الدولي بعد الحرب العالمية الثانية باقتسام العالم مع الولايات المتحدة الأمريكية. واستأنف العلاقات مع يوغوسلافية، وأقام حلف وارسو (1955) مع دول الديمقراطيات الشعبية في أوربة الشرقية باستثناء يوغوسلافية وعارض إدخال إصلاحات ليبرالية على النظام السياسي في دول المعسكر الاشتراكي (تشرين الأول – تشرين الثاني 1956) بالتفاوض حيناً (في بولندة) وبالقوة حيناً آخر (في هنغارية). ويبدو أن هذه الليبرالية كانت من أسباب حل الكومنترن (نيسان 1956). في حين أن خشية الاتحاد السوفييتي من رغبة بكين في تبني سياسة المد الشيوعي الثوري، دفعت خروشوف والولايات المتحدة إلى إنهاء الحرب الباردة وتبني سياسة التعايش السلمي (1954).

وفي شباط 1960 أبرم الاتحاد السوفييتي معاهدة تجارية مع كوبا، ووقف إلى جانبها في أزمتها مع الولايات المتحدة 1960، وأعلن عن استعداده للدفاع عنها، ولو اضطر إلى استخدام السلاح الذري إذا اقتضى الأمر، (أيلول 1962)، وأكد عزمه هذا بإرسال سفن تحمل صواريخ سوفييتية إلى كوبا، مما أدى إلى تأزم في العلاقات بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة كاد يؤدي إلى حرب ذرية بينهما لولا تراجع خروشوف وإصداره الأوامر إلى السفن بالعودة إلى الاتحاد السوفييتي، وسحبه الصواريخ والقاذفات السوفييتية من كوبا. وفي الوقت نفسه أخذت علاقات الاتحاد السوفييتي تسوء مع الصين الشعبية بسبب الخلاف على عدد من النقاط تتعلق بالسياسة الداخلية في الصين ومعارضة الصين سياسة التعايش السلمي. وانتهى الأمر إلى القطيعة التامة بينهما (1960).

عهد بريجنيف (1964-1982)

بعد تعيين ليونيد بريجنيف أميناً عاماً للحزب الشيوعي السوفييتي أصبح كوسيغن رئيساً للحكومة، وميكويان [ر] رئيساً لمجلس رئاسة الدولة حتى عام 1966 ثم خلفه في هذا المنصب بودغورني [ر] وبذلك عاد الاتحاد السوفييتي إلى القيادة الجماعية من جديد. لكن سرعان ما انفرد بريجنيف بالسلطة عندما جمع في يده الأمانة العامة للحزب ورئاسة الدولة (1977).

لم يؤد رحيل خروشوف إلى تغييرات جذرية في الخيارات السياسية والاقتصادية ومع ذلك عرف الاتحاد السوفييتي في عهد بريجنيف بعض التحولات. ففي المجال الاقتصادي استؤنف العمل بالخطط الخمسية. وبدأ تطبيق الإصلاحات التي نادى بها ليبرمان في المصانع (إدخال مفهوم الربح في إدارة المنشآت الصناعية وإجبارها على تنظيم برنامجها الإنتاجي تبعاً لطلبات زبائنها، والتسيير الذاتي). ثم في المجال الزراعي. وأعطت هذه السياسة نتائج مرضية نسبياً. وبعد سنوات من التردد، ساعد استخدام الحوافز المادية، وتحسين تقنيات الإدارة، وتحديد الأسعار بربطها بسعر الكلفة الحقيقية للإنتاج على الحصول على نتائج مؤكدة مع الخطة الخمسية الثامنة (1966-1970). والتاسع (1971-1975). وازداد إنتاج الأدوات الاستهلاكية موازياً إيقاع إنتاج الصناعة الثقيلة.

وفي الميدان الأيديولوجي، تعزز في عهد بريجنيف العمل بالواقعية الاشتراكية في الوقت الذي تزايدت فيه معارضة المنشقين بدءاً من عام 1970.

وفي مجال السياسة الخارجية، حقق الانفراج الدولي تقدماً مهماً بدءاً من عام 1965. فتحسنت العلاقات السوفييتية – الأمريكية ولاسيما بعد معاهدات 1972 الخاصة بالحد من الأسلحة النووية وتوقف حرب فييتنام. كما تحسنت العلاقات السوفييتية مع ألمانية الاتحادية (1970) في حين توترت العلاقات مع دول المعسكر الاشتراكي بسبب استمرار الاتحاد السوفييتي في سياسة الحفاظ على وحدة العالم الاشتراكي وفقاً للمعايير التي حددها بنفسه. وهذا ما يفسر تدخله في تشيكوسلوفاكية (1968). واستمر الاتحاد السوفييتي ببسط نفوذه في إفريقية وأمريكة اللاتينية، وفي تدعيم موقفه في الشرق الأوسط وتأييده للبلدان العربية في مواجهة العدوان الإسرائيلي (1967). ومنذ كانون الأول 1979، تدخل عسكرياً في أفغانستان بهدف مساعدة الحكومة الماركسية فيها على الحفاظ على السلطة, وقد اتسمت مدة حكم بريجنيف بالجمود والمحافظة ومقاومة كل جديد. وتمثل ذلك باستقرار الأطر نفسها في أجهزة الحكم, والتمسك بالتخطيط الاقتصادي، مع الرغبة في تقريب شروط معيشة أبناء الأرياف من أبناء المدن عن طريق تطوير «المدن في الأرياف» وكذلك مواصلة الأهداف السياسية الخارجية نفسها.

عهد أندروبوف (1982-1984)

بعد وفاة بريجنيف (تشرين الثاني 1982)، أصبح الرئيس السابق للاستخبارات السوفييتية KGB يوري أندروبوف [ر] أميناً عاماً للحزب الشيوعي ثم رئيساً للدولة، وقد اصطدمت محاولاته الإصلاحية بثقل المؤسسات البيروقراطية، ومقاومة الجهاز الذي أنشأه سلفه، وسياسة الترقب التي تبناها القادة السوفييت الذين ترددوا في دعم أندروبوف المصاب بالشلل والذي لم يعد يظهر في المحافل العامة منذ صيف 1983 إلى أن توفي في 9 شباط 1984.

عهد تشيرنينكو (1984-1985)

بعد وفاة أندروبوف، أصبح قسطنطين تشيرنينكو [ر] أميناً عاماً للحزب، فأعاد الطمأنينة إلى رجال الجهاز الذي أنشأه بريجنيف وأزال قلقهم من أطياف الإصلاحات التي حاول أندروبوف القيام بها، ورأى هؤلاء في تشيرنينكو عنصر توازن بين الفئات المختلفة داخل الحزب، وظهر تقدمه في السن عاملاً يضمن الاستقرار، ولا يحول دون تحقيق طموحات القادة الأصغر سناً. وكان طبعه المتواضع وعدم خبرته بالمشكلات الداخلية يبشر بالعودة إلى القيادة الجماعية. وقد اضطر أكثر من مرة إلى الرضوخ للآخرين في تسيير الأمور، ولا سيما أندريه غروميكو في المجال الدبلوماسي، وديمتري أستينوف في أمور الدفاع، حتى بات من الممكن القول بأن ثلاثة رجال كانوا يملكون مقاليد السلطة في الكرملين، وكانت سياسة الكرملين الداخلية والخارجية حصيفة تمثلت بالاستمرار على صعيد السياسة الداخلية بسبب الاعتماد على عناصر من عهدي بريجنيف وأندروبوف وحافظت على بقاء المؤسسات القديمة والأيديولوجية، مع تأكيد انتظام العمل والبحث عن الفعالية في البنى القائمة.

أما على صعيد السياسة الخارجية فيمكن تمييز مرحلتين، اتسمت الأولى منهما بالتشدد في أفغانستان وبفرض شروط قاسية لاستئناف الحوار بين موسكو وواشنطن حول الحد من انتشار الأسلحة النووية بعد توقفه في تشرين الثاني 1983 إثر وصول الصواريخ الأمريكية بيرشينغ perching إلى أوربة الغربية. واتسمت الثانية «بتسخين» العلاقات بين موسكو وواشنطن بعد انتخاب رونالد ريغان رئيساً للولايات المتحدة، وبذل الجهود لاستئناف المفاوضات بينهما حول الحد من الأسلحة الدفاعية والهجومية والأسلحة النووية عابرة القارات والمتوسطة المدى.

في 10 آذار 1985، توفي تشيرنينكو. وانتخب محله ميخائيل غورباتشوف أميناً عاماً للحزب الشيوعي السوفييتي.

عهد غورباتشوف (1985-1991)

شهد الاتحاد السوفييتي مع وصول غورباتشوف [ر] إلى السلطة سلسلة من التحولات شملت كل جوانب الحياة، ففي البداية عزز غورباتشوف سلطته بصفته أميناً عاماً للحزب الشيوعي السوفييتي، بتعيين ثلاثة شخصيات موثوقة في المكتب السياسي للحزب هم رئيس الحكومة ريجكوف، ليجاتشف، وتشيبريكوف. وأقصى من المكتب السياسي ثم من الأمانة العامة للحزب منافسه الأول رومانوف، ووزير الخارجية غروميكو.

وبعد شهر من تسلمه السلطة، وفي الاجتماع الكامل للجنة المركزية للحزب، تحدث غورباتشوف عن ظواهر الركود التي يعيشها المجتمع السوفييتي منذ الستينات (الانخفاض المستمر في نسبة النمو الاقتصادي، وانخفاض نسبة متوسط الدخل القومي الفردي وغيرهما) ورأى وضع استراتيجية لتقويم تشوهات هيكل المجتمع وإزالة ما لحق بالنظام من عيوب منذ الثلاثينات وتسريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية لإخراج المجتمع من أزمته. وبعد مضي نحو ثلاث سنوات على تسلمه دفة الحكم، أدرك غورباتشوف أن «إجراءات التجميل وحدها لا تكفي» وقادته دراسة الأسباب الجذرية للأزمة التي يعيشها المجتمع السوفييتي، وما تحدثه ثورة العلم التقني في العالم، وما يوليه هذا العالم من اهتمام للحفاظ على الحضارة المعاصرة إلى طرح استراتيجية «إعادة البناء» (البيريسترويكا) peristroika على أنها عملية «تجديد ثوري للاشتراكية وللمجتمع السوفييتي كله» واقترح برنامجاً متكاملاً للبيريسترويكا يشمل الميادين السياسية والأيديولوجية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والقانونية بهدف تحقيق الرفاه ورغد العيش وحرية التطور الشامل لكل أفراد المجتمع.

استمدت استراتيجية البيريسترويكا أسسها من المبادئ اللينينية بعد إزالة ما لحق بها من تفسير «دوغماتي» وجمود عقائدي وتشوهات وبعد إغنائها بالمستجدات التي يطرحها تطور المجتمع وتمليها روح العصر، فجاءت برنامجاً شاملاً للمجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقومية والتنظيمية الحزبية. يدعو هذا البرنامج إلى الانتقال من النظام التسلطي – البيروقراطي القائم على الأمر والنهي إلى النظام الاشتراكي الإنساني الديمقراطي القائم على سيادة حقوق الإنسان وحماية حرياته الأساسية، واحترام مبدأ سيادة الشعب وممارسة رقابته على السلطتين التشريعية والتنفيذية، وإشاعة الديمقراطية، وتنمية روح الحوار والنقد، وجعل هذا النظام في خدمة الإنسان لا العكس، والقضاء على «عبادة الشخصية».

وفي المجال الاقتصادي كان هدف البيريسترويكا الانتقال إلى اقتصاد السوق، بتحويل جميع الحلقات الاقتصادية إلى العمل طبقاً لنظام «الحساب الاقتصادي» والتمويل الذاتي، أي بناء «اقتصاد قانوني» والفصل بين إشراف الدولة على الاقتصاد وإدارة الاقتصاد بحيث تعطى المؤسسات والاتحادات الإنتاجية والشركات المساهمة والتعاونيات دوراً رئيسياً في الاقتصاد، في حين يقتصر دور الدولة على وضع الأطر المعيارية العامة، وتوفير الشروط اللازمة لنشاطات الحلقات الاقتصادية، وحماية البيئة، وتسخير الاقتصاد لخدمة الإنسان والعناية بمتطلباته، والوفاء بحاجاته الأساسية، وإعادة الإنسان الزراعي إلى الأرض وتسليمه وسائل الإنتاج وجعله سيد هذه الأرض وحفز اهتمامه الشخصي بذلك، وتقوية مصلحته المادية في زيادة الإنتاج الزراعي، وتهيئة أسباب الرفاه الاجتماعي في القرية.

أما في المجال الاجتماعي فهي تعني العمل على رفع المستوى المعيشي للسكان الأقل يسراً، وتحسين الرعاية الطبية، وحل مشكلة توفير المستحضرات الطبية، وحل مشكلة السكن والمشكلات التي تعاني منها المرأة، والاهتمام بحماية البيئة، واجتثاث المساواة الظاهرية والاتكالية أخذاً بمبدأ (من كل بحسب قدرته ولكل بحسب عمله).

وفي المجال الثقافي ترمي البيريسترويكا إلى العمل بالمفهوم اللينيني للثقافة الشامل لكل مجالات تعامل الإنسان مع العالم والمجتمع، ومع نفسه، والنبذ الكامل لأساليب الأمر والنهي وفرض التصورات الذاتية، وعدّ العمل الذهني ثروة يمتلكها المجتمع لا تقدر بثمن، وقوة هائلة محركة له في درب التطور، وانتهاج الموقف نفسه في الميادين العلمية الأخرى والتعليم، وكذلك تشجيع التبادل الثقافي والعلمي الواسع والحر مع البلدان الأجنبية، وتطوير نظام التعليم العام والتقني بكل مراحله وفقاً لمتطلبات العصر السريعة التغيّر، وتربية ثقافة إنسانية رفيعة لدى اختصاصيي الغد.

وفي المجال القومي، تعنى البيريسترويكا تحديث السياسة القومية بالعودة إلى السياسة القومية اللينينية القائمة على مبدأ حرية القوميات في تقرير مصيرها، وإيجاد اتساق حقيقي في العلاقات القومية يضمن مصالح كل أمة على حدة ومصالح الشعب عامة، ويكون ذلك بتوسيع حقوق الجمهوريات والكيانات القومية الأخرى، ورفع درجة استقلالية الأجهزة الجمهورية والمحلية، وتحديد صلاحياتها ومسؤولياتها وصلاحيات الحكومة الاتحادية بدقة، وتنسيق العلاقات الاقتصادية بين الاتحاد والجمهوريات على أساس الجمع العضوي بين الاستقلال الاقتصادي والمشاركة الفعالة في تقسيم العمل على صعيد الاتحاد، والاعتراف الفعلي بتنوع الثقافات القومية وعدم الانتقاص منها أو التفريط بها لأن كل واحدة منها فريدة في بابها.

ومن جملة اهتمامات البيريسترويكا إصلاح الحزب من الداخل والفصل الدقيق بين وظائف هيئات الحزب والدولة والأجهزة الاقتصادية… ووضع الحزب تحت رقابة الهيئات المنتخبة، وإعادة بناء العمل الحزبي أيديولوجياً انطلاقاً من الجذور بحيث يصبح عملاً مبدعاً وجهته الناس وقضاياهم.. والاستعاضة عما تعوده الحزب في الماضي من حوار مع الذات بحوار واسع مع المجتمع في ظل تعددية الرأي وإشاعة الروح الديمقراطية داخل الحزب نفسه.

وفي مجال السياسة الخارجية، تنطلق البيريسترويكا من مبدأ التحرر من التصورات القطعية والاعتراف بأولوية المصالح والقيم البشرية العامة، والقيم الأخلاقية العامة لتكون معياراً إلزامياً لكل سياسة، وكذلك الاعتراف بحرية الاختيار الجماعي التي تستبعد التدخل في شؤون الدول وبضرورة تخليص العلاقات بين الدول من المجابهة الأيديولوجية.

أما المبادئ التي قامت عليها السياسة الخارجية للاتحاد السوفييتي في ظل البيريسترويكا فكان في مقدمتها ضمان أمن الاتحاد السوفييتي بالوسائل السلمية ضمن مكونات الأمن الشامل المتكافئ وتجريد العلاقات الدولية من النزعة العسكرية وإشاعة المبادئ الديمقراطية الإنسانية فيها، استناداً إلى نفوذ الأمم المتحدة وإمكاناتها، وتصفية السلاح النووي عن طريق مفاوضات تستهدف نزع السلاح وتقليص الطاقات الدفاعية للدول إلى حدود الكفاية المعقولة، وعدم جواز استعمال القوة أو التهديد باستخدامها من أجل تحقيق غايات سياسية واقتصادية، واحترام سيادة الدول واستقلال أراضيها وسلامتها في العلاقات مع الدول، وتبني الحوار والمفاوضات وسيلة وحيدة لحل القضايا وتسوية النزاعات الدولية، والنظر إلى التعايش السلمي بين النظامين الاشتراكي والرأسمالي على أنه مرحلة يصعب رؤية حدودها في الزمن، فالتاريخ سيقرر أياً من النظامين أكثر قدرة على العيش، ودمج الاقتصاد السوفييتي في الاقتصاد العالمي على أسس متكافئة والمشاركة الفعالة في صوغ قواعد تقسيم العمل الدولي المعاصر والتبادل العلمي والتقني والتجارة والتعاون مع من يبدي الاستعداد لذلك.

صباح كعدان

تفكك الاتحاد السوفييتي

تزامن اختيار غورباتشوف عام 1985 أميناً عاماً للحزب الشيوعي مع تزايد المخاوف من استفحال أزمة النقص في المواد الغذائية التي أعلن عن بدايتها عام 1980، واستمرت مع تطبيق خطة زراعية جديدة من 1982 وحتى 1990 كان هدفها الحد من استيراد الحبوب ولاسيما القمح من الولايات المتحدة. وعلى الرغم من لقاء غورباتشوف أربع مرات عام 1987 مع الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، وانتهاجه خطة إصلاحات جذرية وإطلاقه الحريات ونشر الديمقراطية بتطبيق سياسة «الانفتاح» و«إعادة البناء» فقد أخفق غورباتشوف في تحقيق أهدافه، وواجه معارضة شديدة من بعض دول الكتلة الشرقية وأكثر أنصار الشيوعية محافظة داخل الاتحاد السوفييتي. ومع هذا فقد عقدت جلسة للبرلمان السوفييتي عام 1989 لأول مرة منذ عام 1918 كانت نتائجها في صالحه. إلا أنه واجه في عام 1990 مشكلات اقتصادية حادة واضطرابات عرقية وقومية في الجمهوريات، زادت في حدة المصاعب الاقتصادية التي لم يعرف الاتحاد مثيلاً لها منذ الحرب العالمية الثانية، وأدت إلى ازدياد النقمة على غورباتشوف من اليمين واليسار على حد سواء. وفي 19 آب عام 1991 عاشت البلاد انقلاباً عسكرياً تسلم فيه نائب الرئيس السلطة وعزيت هذه التدابير الاستثنائية إلى مرض غورباتشوف في منتجعه الصحي في القفقاس في الوقت الذي كان فيه غورباتشوف يستجم في القرم، وأعلن الانقلابيون تأليف حكومة خلاص لمدة ستة أشهر. لكن رئيس جمهورية روسية الاتحادية بوريس يلتسن شجب الانقلاب وقاومه علانية ودعا إلى إضراب عام دعمه نحو 50.000 متظاهر أمام البرلمان الروسي ونجح في مساعيه فاستسلم الانقلابيون بعد ثلاثة أيام وأعيد غورباتشوف رئيساً للدولة. وفي 24 آب عام 1991 استقال غورباتشوف من رئاسة الحزب الشيوعي وأوصى بحل اللجنة المركزية للحزب، وأعلنت جمهوريات الاتحاد السابقة استقلالها عن الاتحاد في شهري آب وأيلول من العام نفسه عدا تركمنستان (تركمانية)التي أعلن استقلالها في 27 تشرين الأول 1991.

وجاءت الضربة القاصمة للحزب الشيوعي السوفييتي في 29 آب 1991 حين صوت البرلمان السوفييتي على إيقاف جميع نشاطات الحزب وإغلاق مكاتبه. وبذل غورباتشوف محاولة لإحلال اتحاد سوفييتي جديد محل الاتحاد المنهار، فأعلن في الثاني من أيلول 1991 أن الأمة على شفير كارثة واقترح نقل جميع السلطات المركزية إليه وإلى رؤساء الجمهوريات العشر ومجلس تشريعي معين.. ولكنه أخفق في مسعاه مرة أخرى وأقصي عن مناصبه كلها، وآل الأمر إلى تفكك الاتحاد السوفييتي تماماً وحل الحزب الشيوعي، ونشأت في مقابل ذلك 15 جمهورية مستقلة وعدد من الجمهوريات الصغيرة التي أعلنت استقلالها في شمالي القفقاس وما وراء القفقاس. وأعلن غورباتشوف بنفسه نهاية الاتحاد السوفييتي في خطاب تاريخي وجهه إلى شعوب الاتحاد السوفييتي في نهاية عام 1991.

أبو سمبل – الموسوعه المصغره للدكتور أسامه فؤاد شعلان

 
Dr Usama Fouad Shaalan MD- PhD MiniEncyclopedia الموسوعه المصغره للدكتور  أسامه فؤاد شعلان

  أبو سمبل موقع في مصر في بلاد النوبة السفلى، قرب الحدود السودانية، على بعد280 كم إلى الجنوب الغربي من أسوان. وهو جرف جبلي من الصخر الرملي الضارب إلى الحمرة، ينتصب بشموخ على الضفة الغربية للنيل (هو الآن على الشاطئ الغربي لبحيرة ناصر وراء السد العالي)، أُنشئ فيه لرعمسيس الثاني، ثالث فراعنة الأسرة المصرية التاسعة عشرة، معبدان محفوران في قلب الصخر، إعماراً للنوبة وتعزيزاً للسيادة المصرية عليها وترسيخاً لربوبيته وتخليداً للنصر على الحثيين في قادش، وقد أُنجز هذان المعبدان نحو سنة 1206 ق.م وكانا من أعظم معابد مصر القديمة. ويسميان في العادة «معبد أبو سمبل الكبير» و«معبد أبو سمبل الصغير» وكلاهما أكثر سعة وفخامة من كل المعابد الصخرية المصرية في كل العصور، «يروعان بقوة عمارتهما وحسن نسبهما وضخامة تماثيلهما وجمال ما يحلي جدرانهما من نقوش».

أبو سمبل، المعبد الكبير

    كان هذان المعبدان موضع تحسين ودراسة منذ مطلع القرن التاسع عشر وتبين نتيجة الدراسة أن المعبد الكبير مخصص لرعمسيس الثاني الموحَّد مع  الرَّبيْن أمون رع، ورع حور اختي (الشمس البازغة). أما الصغير فهو مخصص لنفرتاري زوجة رعمسيس الثاني موحَّدة مع الربة حتحور.

    المعبد الكبير

    يبلغ ارتفاع واجهته 33م وعرضها 38م، ويدخل المعبد في الصخر مسافة 63م. نُحتت في الواجهة أربعة تماثيل عملاقة لرعمسيس مجسِّداً الأرباب، ويبلغ طول كل من التماثيل 20م. والقسم العلوي من أحدها مكسور. وعلى الرغم من ضخامة هذه التماثيل فقد أبدع المثّال في نحت ملامح الوجه الوسيم، والابتسامة الرقيقة التي تستقبل الشمس المشرقة. وفوق التماثيل نطاق نقشت فيه أسماء رعمسيس الثاني وألقابه «المؤلَّه والمولود من الشمس والمختار منها». ويأتي فوق ذلك إفريز من الأفاعي المقدسة، ويليه إفريز منحوت يمثل قردة على نسق واحد، ترفع أذرعتها مهللة للشمس المشرقة. وفوق البوابة التي تتوسط الواجهة تمثال للرب رع حور اختي. وبجانب أرجل التماثيل العملاقة أو بينها تماثيل أسرة الملك (أمه وزوجته المحبوبة نفرتاري وأولاده). ومن الواضح  أن تمثيل أفراد الأسرة كان بتأثير أفكار أخناتون التي كانت منتشرة قبل ذلك بنحو قرن. وثمة منحوتات تمثل الأسرى.

أبو سمبل، المعبد الكبير، تقطيع التماثيل العملاقة

    يصل المرء من البوابة إلى قاعدة معمّدة فيها ثمانية تماثيل – حاملة بارتفاع 10م، تمثل رعمسيس على هيئة الرب أوزيريس رب العالم الأسفل والشمس الغاربة، وزين السقف بالصقور المبسوطة الأجنحة والنجوم. وعلى جدران قاعدة الأعمدة نحتت مناظر تمثل مراحل معركة قادش. وتلي القاعة المعمَّدة قاعة أصغر منها وفيها أربعة أعمدة مربعة نحتت عليها مشاهد تمثل رعمسيس الثاني مع الأرباب. وفي جنبات هذه القاعدة عدة غرف لحفظ القرابين. وبعد ذلك حجرة قدس الأقداس وفي صدرها تماثيل أربعة: لبتاح رب منفيس، وأمون رع رب طيبة، ولرعمسيس، ثم للرب رع حور اختي رب مدينة أون (هليوبوليس). يدخل أول شعاع من أشعة الشمس المشرقة لقدس الأقداس، مضيئاً التماثيل ومخرجاً الفرعون من الظلمات، مرتين في كل عام (20 شباط و20 تشرين الأول).

    المعبد الصغير

    يقع على نحو 150 م إلى الشمال من المعبد الكبير. واجهته مزينة بستة تماثيل، أربعة منها لرعمسيس الثاني والآخران لزوجته الملكة العظمى نفرتاري الموحدة مع الربة حتحور.

    يعبر المرء من المدخل إلى قاعة معمَّدة، يزين أعمدتها من الأمام رأس الربة حتحور «الطيبة» وعلى بقية الجوانب مشاهد للملك والملكة ومختلف الأرباب. أما الجدران فهي حافلة بمناظر من حياة الملك، ومنها مشاهد تحكي قيامه مع نفرتاري بتقديم القرابين من الزهور والأطعمة والأِشربة. وتلي هذه القاعة قاعة ثانية يوجد على جدرانها أيضاً مشاهد تمثل الملك وزوجته في حضرة الأرباب. وأخيراً يصل المرء إلى قدس الأقداس فيقابل في الصدر تمثالاً للربة حتحور.

أبو سمبل، المعبد الصغير

    إنقاذ المعبدين

    كان هذان المعبدان مهددين بالغمر كغيرهما من المعابد المماثلة في بلاد النوبة، عند إنشاء السد العالي. وبدأ التفكير عام 1955 في إنقاذ تلك المعابد، ووضع في عام 1958 «مشروع إنقاذ آثار النوبة» وفي سنة 1959 طرحت عدة حلول لحماية المعبديْن. ووجه في 1960 نداء عن طريق اليونسكو لكل المهتمين في العالم للمشاركة في الإنقاذ. وفي 1963 تبنت الحكومة المصرية واليونسكو والهيئات المعنية أسلوب تقطيع المعبدين ونقلهما إلى مكانهما الحالي فوق جبل أبو سمبل على ارتفاع 65م فوق المستوى السابق. وبدأت الأعمال في العام نفسه وشارك فيها ما يقرب من خمسين دولة وهيئة أثرية مع اليونسكو ومصر.

    وبعد أعمال الرفع الهندسي والتصوير، والتصوير الفوتوغرامتري، واستكمال كل أصناف التوثيق، تمت إزالة نحو  150 ألف متر مكعب من الصخور من فوق المعبدين، ثم بدأت عمليات نشر أحجارهما بوزن 10-15 طناً لكل قطعة، ونقلت بعد ترميمها إلى مكانها الجديد، وركبت مرة ثانية وحُقنت بدقة وكُحِّلت وانتهى ذلك العمل في 1966، وبدأت أعمال تقنية عالية لإعادة تشكيل الجبل فوق المعبدين، فجُعلت فوق المعبد الكبير قبة خرسانية فريدة من نوعها بقطر 59م وفوق المعبد الصغير قبة تعادل نصف الأولى ثم غطيتا بالصخور كما كانت الحال من قبل، ثم جُهزت المجموعتان بأحدث أساليب قياس الحرارة والرطوبة والسلامة من الهزات والكوارث وتأمين الإضاءة وغير ذلك من التدابير التي جعلت العمل قمة في الدقة والتقنية والاحترام العميق للآبدة بصفتها كنزاً من كنوز الإنسانية فضلاً على قيمتها القومية. وانتهى العمل في 1968، وأصبح موقع أبو سمبل مركزاً سياحياً من الدرجة الأولى، يضم محطة توليد للكهرباء ومحطة لتصفية الماء وفنادق ونوادٍ ومؤسسات رسمية وغير ذلك، والمعبدان يقومان الآن على شاطئ بحيرة ناصر يواجهان أشعة الشمس التي تشرق عليهما كل صباح.

 

 

مراجع للاستزادة:

– مشروع إنقاذ آثار النوبة(الجمهورية العربية المتحدة، وزارة الثقافة، 1960).

– إنقاذ آثار النوبة، معبد أبو سمبل، مهمة تمّت(وزارة الثقافة1968).

– Ch.Deroches – Noblecourt & George, The World Saves Abou – Simbel(Vienne- Berlin, 1968).