الحملة الصليبية لبطرس الأول ملك قبرص على مصر-الموسوعه المصغره للدكتور أسامه فؤاد شعلان

 
 
Dr Usama Fouad Shaalan MD- PhD MiniEncyclopedia الموسوعه المصغره للدكتور  أسامه فؤاد شعلان
 

بطرس الأول ملك قبرص يقود حملة صليبية عنيفة على مصر

الزمان / الجمعة 24 محرم _ 767هـ .
المكان / ثغر الإسكندرية – الديار المصرية .
الموضوع / بطرس الأول ملك قبرص يقود حملة صليبية عنيفة على مصر .

الأحداث /

مقدمة :

 ترجع نشأة فكرة الحروب الصليبية في المقام الأول لكرسي البابوية في روما وكان أول من فكر فيها هو البابا ‘جريجوري السابع’ وذلك سنة 485هـ ومن وقتها وحتى حاضرنا الأليم ومازالت حروب الغرب مع المسلمين تحمل في طياتها معاني الحروب الصليبية الأولى , أما ظاهرة وإما مستترة ومتقنعة ومتسمية بغير اسمها إلا أن الحقيقة الوحيدة أنها حرب صليبية ولربما يجهرون بها صراحة كما نطق الخبيث ‘بوش’ يوم أن أعلن الحرب على أفغانستان البلد المسلم الصغير وصدق الحق عندما قال في محكم التنزيل ]وَلاَ يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ[ [البقرة 217] .

الوجود الصليبي في الشام :

ظلت بلاد الشام ومصر قبلة الحملات الصليبية المتتالية على ديار الإسلام قرابة القرنين من الزمان ونشأت بالشام خصوصاً إمارات صليبية قوية ظلت شوك في حلوق المسلمين فترات بعيدة من الزمن حتى قيض الله عز وجل رجالاً أفذاذاً من طراز نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي ومحمد الكامل والظاهر بيبرس والمنصور قلاوون والأشرف خليل الذين حملوا مشعل الجهاد في سبيل الله وأخذوا على عاتقهم تصفية الوجود الصليبي بالشام شيئاً فشيئاً حتى تم للمسلمين ذلك سنة 690هـ عندما سقطت آخر إمارة صليبية بالشام وهي إمارة عكا وذلك في عهد السلطان المملوكي الأشرف خليل وزال الخطر الصليبي القائد داخل جسد الدولة المسلمة بطرد الصليبيين من الشام ولكن الحقد الصليبي الذي يحرق قلوب أصحابه ويمنعهم من النوم ويقلق مضاجعهم جعل كل الصليبيين المطردين من الشام يتجمعون من جديد في ثورة صليبية جديدة شديدة الاشتعال والخطورة في آن واحد هذه الثورة كانت جزيرة قبرص التي أصبحت مأوى لفلول الصليبيين المنهزمين من الشام خاصة فرسان المعبد المعروفين في كتب التاريخ الإسلامي بالداوية وهم أشد الناس عداوة وبغضاً وكراهية للمسلمين أينما كانوا وأصل فكرة فرسان المعبد نشأت بإسبانيا أيام ملكهم ألفونسو السادس أيام حربه المعروفة بحرب الاسترداد المقدسة ضد الأندلس المسلم وقد شهدت أوروبا في تلك المرحلة نشاطاً دينياً محموماً ضد المسلمين بالمشرق .

قبرص عبر التاريخ :

تعتبر جزيرة قبرص امتداداً طبيعياً جغرافياً لبلاد الشام فهي لا تبتعد عن سواحل سوريا إلا بتسعين كيلو متر فقط لاغير فهي تعتبر من بلاد الشام .

روى البخاري في كتاب الجهاد في صحيحه عن أن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نام القيلولة عند أم حرام ثم استيقظ وهو يضحك فسألته أم حرام عن سبب ضحكه فقال لها أنه قد رأي ناساً من أمته غزاة في سبيل الله يركبون تيج البحر ‘ أي وسطه’ ملوكاً على الأسرة ثم وضع رأسه فنام ثانية واستيقظ وقد رأى مثل الرؤيا الأولى فقالت أم حرام ادع الله أن يجعلني منهم فقال لهم ‘أنت من الأولين’ وكان هذا الجيش الأول هو الجيش الذي فتح قبرص سنة 28هـ في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان وتحت قيادة معاوية بن أبي سفيان .

تقلبت الجزيرة تحت السيادة الإسلامية والرومانية تارة بعد تارة وكان سكان الجزيرة نصارى تبعاً لخضوعها للرومان فترات طويلة , واستردها الرومان أيام عبد الملك بن مروان ثم أعادها المسلمون أيام هارون الرشيد ولكن لم تستقر أقدام المسلمين بها .

عندما شنت أوروبا الحملة الصليبية الثالثة على بلاد الشام كان ملك إنجلترا ريتشارد قلب الأسد هو أبرز قادتها وقد استولى ريتشارد على جزيرة قبرص أثناء توجهه إلى الشام وكانت قبرص وقتها من أملاك الدولة البيزنطية وقد أقطعها ريتشارد لكبار فرسانه جي دي لوزينان فأنشأ فيها مملكة صليبية جديدة مثلت بثورة صليبية مشتعلة على مقربة من بلاد الشام , هذه الثورة كانت مأوى كثير من مقاتلي الصليبيين المطرودين من الشام وبالتدريج أصبحت مملكة قبرص هي أكبر تهديد صليبي لبلاد الشام في القرنين الثامن والتاسع الهجري .

حلم بطرس الأول :

مر بنا من قبل أن ريتشارد قلب الأسد عندما فتح جزيرة قبرص أقطعها كبير فرسانه لوزينان فصارت له ولعقبه وكان لوزينان من أشد فرسان الصليبيين في قتال المسلمين وظل على قتالهم طيلة حياته وكذلك جاء بنوه وأحفاده من بعده الجميع يرتضع من لبان الكراهية والحقد الصليبي على المسلمين واشتهر بنو لوزينان بالجراءة والعزيمة في قتال المسلمين والغارة على شواطئ المسلمين والقرصنة على سفنهم ومن أشهر هؤلاء ملكهم بطرس الأول والذي كان يحلم بإعادة فكرة الحملات الصليبية على الشام ومصر من جديد وإحياء مملكة الصليب بالمشرق من جديد .

أخذ بطرس في التفكير وبشدة في أنسب البقاع الصالحة لشن الحملة الصليبية الجديدة عليها وعقد اجتماعاً من كبار قواده وقواد فرسان المعبد الداوية واستشارهم في ذلك الأمر وأطلعهم على مشروعه الخطير وكانت قلوب الجميع مضطرمة بنفس الروح الصليبية الحاقدة فاتفق الجميع على الهجوم على الإسكندرية وذلك لعدة أسباب منها إهمال المماليك لحراسة ثغورهم بالديار المصرية عكس الديار الشامية ولبعد مكان الإسكندرية عن مركز القيادة بالقاهرة مع وجود تغيير في السلطة بين نواب الشام ومصر .

الحملة الصليبية القبرصية :

وبالفعل انطلقت الحملة الصليبية القبرصية يقودها بطرس الأول بنفسه ووصلت إلى الإسكندرية يوم الأربعاء 22 محرم سنة 767هـ فلم يجدوا بها نائباً ولا جيشاً ولا حافظاً للبحر ولا ناصراً فأشار عليهم كبير فرسان المعبد بالانتظار حتى يوم الجمعة والهجوم وقت صلاة الجمعة لضمان تواجد الرجال بالجوامع والنساء بالبيوت فيوقعوا أكبر خسارة على المسلمين .

وفي صبيحة يوم الجمعة 24محرم سنة 767 هـ هجم الصليبيون على المسلمين العزل الآمنين في بلدهم هجوم الضواري الكاسرة التي لا هم لها إلا القتل وسفك الدماء واستباحة الأعراض فارتكبوا مجزرة بشعة جداً أعادت للأذهان ذكرى مذبحة المقدس عندما قتل سبعون ألفاً من المسلمين سنة 492هـ وقام الصليبيون بإحراق المساجد والجوامع والأسواق ونهبوا الأموال فأي دين ينصرون وأي صليب يرفعون وما هذه إلا أفاعيل اللصوص المجرمين السفاكين .

وظلت الحملة الصليبية القبرصية بالإسكندرية طوال أسبوع كامل يقتلون ويسرقون وينتهكون قبل أن يفيق المسلمون من غفلتهم فيرسل أمير مصر جيشاً كبيراً إلى الإسكندرية فيسرع الصليبيون بالمغادرة مسرعين وقد حملوا معهم كثيراً من الأسرى ووصل سلطان المماليك الأشرف بن حسين ومعه أمير مصر يلبغا إلى الإسكندرية في نفس اليوم ولكن بعد فوات الأوان فقد أقلعت سفن الصليبيين محملة بالأسرى الذين كانوا يبكون ويستغيثون ويجأرون إلى الله ووصلت أصواتهم للمسلمين على الشاطئ فتقطعت الأكباد وذرفت العيون وهم لا يملكون لإخوانهم شيئاً .

صدى الحملة وإنصاف العلماء :

كان لهذه الحملة الصليبية المروعة على ديار المسلمين صدى هائل في العالم بأسره الإسلامي لعظم المصيبة وضخامة الخسارة والصليبي لكونها الحملة الصليبية الكبرى الأولى بعد توقف دام قرناً من الزمان مما بشرهم بعودة سلسلة الحروب الصليبية حتى أن صدى هذه الحملة قد وصل إلى الأندلس فتحرك أهل مملكة غرناطة وهاجموا مدينة جيان التي كانت قد وقعت في أيدي الأسبان قبل ذلك , وقد ألف كاتب مصري هو محمد بن قاسم النويري المالكي السكندري كتاباً عن هذه الحملة سماه ‘الإلمام بالإعلام فيما جرت به الأحكام والأمور المقضية في وقعة الإسكندرية’ وأيضا ألف فيها الصليبيون قصائد شعرية أشبه بالملحمة كتلك التي ألفها الفارس الصليبي جيوم دي مانشو وقد اشترك في هذه الحملة ونظم قصيدة من تسعة آلاف بيت وسماها ‘ملحمة بطرس الأول’ .

كان من صدى الحملة أيضاً عند المسلمين مما دفع السلطان الأشرف لأن يصدر قراراً بالقبض على نصارى الشام ومصر كلهم وأخذ ربع أموالهم لعمارة ما خرب من الإسكندرية ولتجهيز جيش جديد وأسطول بحري لغزو قبرص واستنقاذ أسرى المسلمين ورغم أ نه قرار سلطاني وبحق النصارى الذين قام إخوانهم في الصليب بارتكاب تلك المجزرة إلا أن أهل العلم ومنهم العلامة ابن كثير قد رفضوا هذا القرار وأوضحوا أنه لا يجوز شرعاً .

الجدير بالذكر أن حملة الإسكندرية قد شجعت بطرس الأول لأن يعيد الكرة نفسها على بلاد الشام التي كانت هي الهدف الأصلي وإنما كانت الإسكندرية ميداناً للتجربة واختبار رد فعل المسلمين فجهز بطرس حملة ضخمة سنة 769هـ وحاول الهجوم على طرابلس ولكنه فوجئ بأن الميناء شديد التحصين والمسلمين على أهبة الاستعداد للقتال فارتد خائباً لم ينل شيئاً والأكثر من ذلك حاول مجاهد مسلم قتله للانتقام من حادثة الإسكندرية ورمى بنفسه عليه وضربه بالسيف عدة مرات وأصابه بجراح كثيرة قبل أن يقتله حراس بطرس فرحم الله هذا المجاهد البطل وأسكنه فسيح جناته .

Comments are closed.

%d مدونون معجبون بهذه: