بوادي المستضعفين بالمقطم ما بَينَ ضالِ المُنحَنى وظِلالِهِ ضلَّ المتيَّمُ واهتدى بضلالهِ …من دفاتر الدكتور /اسامه شعلان

 

Dr Usama Fouad Shaalan MD; PhD. – من دفاتر الدكتور / أسامه فؤاد شعلان

ابن الفارض
شاعر متصوف، يلقب بسلطان العاشقين، في شعره فلسفة تتصل بما يسمى وحدة الوجود
اسمه أبو حفص عمر بن أبي الحسن علي بن مرشد بن علي الحموي الأصل، المصري المولد والدار والوفاة، يقال إنه في الأصل ينتمي لقبيلة بني سعد بشبه الجزيرة العربية، لقبه شرف الدين بن الفارض، ولد في الرابع من ذي القعدة سنة 557 من الهجرة الموافق 15 تشرين الأول/أكتوبر 1162، وتوفي سنة 632 للهجرة 1234 .
سمي بإبن الفارض واشتهر به لأن والده كان يثبت فروض النساء على الرجال بين يدي الحكام فلقب بالفارض، ويستدل من الاسم والمهنة أن الوالد كان رجل فضل وعلم يتصدر مجالس الحكم والعلم.
يقال إن منصب قاضي القضاة عرض على الاب فرفض واعتزل وانقطع للعبادة في قاعة بالمسجد الأزهر حتى توفاه الله.
نشأته
قال ابن عماد الحنبلي عن نشأة ابن الفارض بأنه "نشأ في كنف أبيه في عفاف وصيانة وعبادة، بل زهد وقناعة وورع، وأسدل عليه لباسه وقناعه" اشتغل بفقه الشافعية وأخذ الحديث عن ابن عساكر ، وأخذ عنه الحافظ المنذري وغيره، إلا أنه ما لبث أن زهد بكل ذلك وتجرد.
سلك طريق التصوف وجعل يأوي إلى المساجد المهجورة وأطراف جبل المقطم بواد يعرف بوادي المستضعفين يختلف إليه المتجردون.
حبب لابن الفارض التردد على ذلك الواد والاختلاء بنفسه فيه فزهد وتجرد ثم انقطع عنه ولزم أباه، فلما توفي والده عاد للتجرد والسياحة الروحية او سلوك طريق الحقيقة فلم يفتح عليه بشيء كما يقول مؤرخو الصوفية.
من مصر إلى مكة
وقد ظهر فيه منذ أوائل شبابه ميل إلى التدين والتلذذ بالتجرد الروحي على طريقة المتصوفين. فكان يستأذن والده في الانفراد للعبادة والتأمل. ويظهر أنه كان في جبل المقطم مكان خاص يعرف بوادي المستضعفين يختلف إليه المتجردون، فحبب إلى ابن الفارض الخلاء فيه، فتزهد وتجرد، وكان يأوي إلى ذلك المكان أحيانا. ثم انقطع عنه ولزم أباه. فلما توفي الوالد عاد الولد إلى التجريد والسياحة الروحية أو سلوك طريق الحقيقة فلم يفتح عليه بشيء ( أي لم يكشف له من المعرفة ما يستغني به ولعله يريد هنا لم يوح إليه من الشعر شيء). ثم قيض له رجل من الأتقياء أشار عليه أن يقصد مكة. فقصدها وأقام فيها مجاورا نحوا من 15 سنة. وهناك بين المناسك المقدسة نضجت شاعريته وكملت مواهبه الروحية. ثم عاد إلى مصر ، وكانت يومئذ تحت سيادة الأيوبيين ، وقد عنوا كل العناية بفتح المدارس والمعاهد فيها، فتجددت في أيامهم الروح الدينية والتعاليم السنية. حدث ذلك على أثر انتصاراتهم على الصليبيين تلك الانتصارات التي وطدت مركزهم في مصر والشام والحجاز، وتركت لهم في تاريخ الشرق الإسلامي ذكرى خالدة.
صفاته
وكان حسن الصحبة والعشرة رقيق الطبع فصيح العبارة، يعشق مطلق الجمال وقد نقل المناوي عن القوصي أنه كانت له جوارٍ يذهب اليهن فيغنين له بالدف والشبابة وهو يرقص ويتواجد.
تتلمذ على الشيخ أبي الحسن علي البقال صاحب الفتح الالهي والعلم اللدني ، كان مهيباً سخياً معتدل القامة، له وجه جميل يمتاز بحمرة ظاهرة، وله نور ظاهر في وجهه.
إذا حضر مجلساً ظهر على المجلس سكون وسكينة، يتردد عليه في مجلسه جماعة من المشايخ والعلماء وعدد من الفقراء وأكابر الدولة وسائر الناس، وهم في غاية الأدب والتواضع معه، وإذا مشى في المدينة تزاحم عليه الناس يلتمسون منه البركة والدعاء ويقصدون تقبيل يده فلا يمكن أحداً من ذلك بل يصافحه.
وكانت ثيابه حسنة ورائحته طيبة، وكان ينفق على من كان يرد عليه من الفقراء والمساكين، ولقد بعث إليه الملك الكامل أن يجهز له ضريحاً عند قبة الامام الشافعي فلم يأذن له بذلك فطلب منه أن يجهز له مكاناً يكون مزاراً له بعد موته فرفض. يرتاد كثير من المحبين عربا وعجما ضريح ومسجد عمر بن الفارض الواقع تحت سفح جبل المقطم في منطقة "الأباجية" حيث دفن بعد موته عند مجرى السيل بجوار قبر معلمه أبي الحسن البقال كما أوصى قبل موته.
يجمع مؤرخوه على أنه كان ورعا وقورا طيب الأقوال والأفعال. والذي يراجع سيرته ويتفهم روح قصائده يتجلى له في نفسيته ثلاث مزايا بارزة:
أنه كان شديد التأثر(وخصوصا بالجمال) إلى درجة الانفعال العصبي يسحره جمال الشكل حتى في الجمادات. ومن ذلك ما يروونه عن تأثره بحسن بعض الجمال، أو ببرنية حسنة الصنعة رآها في دكان عطار. وقد يسحره جمال الألحان فإذا سمع إنشادا جميلا استخفه الطرب فتواجد ورقص ولو على مشهد من الناس.
نقل عن ولده أن الشيخ كان ماشيا في السوق بالقاهرة، فمر على جماعة يضربون بالناقوس ويغنون، فلما سمعهم صرخ صرخة عظيمة ورقص رقصا كثيرا في وسط السوق، ورقص جماعة كثيرة من المارين. وتواجد الناس إلى أن سقط أكثرهم إلى الأرض. ثم خلع الشيخ ثيابه ورمى بها إليهم وحمل بين الناس إلى الجامع الأزهر وهو عريان مكشوف الرأس وفي وسطه لباسه. وأقام في هذه السكرة ( النوبة العصبية ) ملقى على ظهره مسجى كالميت.
ديوان وأشعار منسوبة له
في إطار دراسته المستفيضة لشعر ابن الفارض اكتشف القس الإيطالي الدكتور جوزيبى سكاتولين أن كل الروايات لنص الديوان المنسوب لابن الفارض ترجع إلى ما نشر على يد حفيد الشاعر بعد وفاة جده بقرن، تقريبا غير أن ترجمة الحفيد لجده وروايته لأشعاره لم تعد فى ميزان الدراسات الحديثة موضعا للثقة فقد حوّل سيرة جده إلى سرد لخوارق وكرامات لا تصدق محاولا إضفاء هالة من التقديس على جده، أما روايته لأشعاره فقد زاد فيها الكثير من أشعاره هو وأشعار أصحابه.
وكان المستشرق الإنجليزى جون آرثر آربرى أول من التفت إلى هذا وأشار إلى وجود رواية أخرى للديوان مختلفة عن رواية حفيد ابن الفارض حيث عثر فى دبلن على مخطوطة للديوان أقدم من رواية حفيد ابن الفارض.
وفي مدينة قونية التركية زار سكاتولين مكتبة للمخطوطات وبينما كان يتصفح مخطوطات لابن عربي وقعت عيناه على أشعار ابن الفارض، ويقول إنه اكتشف أن ديوان سلطان العاضقين ابن الفارض وقد سجن داخل كتاب ابن عربي ، وبعد قليل من التحقق وجد أن هذه أقدم مخطوطة لديوان ابن الفارض فى العالم.
منذ تلك اللحظة بدا سكاتولين رحلة معرفية وبحثية امتدت خمسة عشر عاما مع ابن الفارض لإعادة تحقيق ديوانه فقيض لذلك الراهب الإيطالى أن يحرر شعر ابن الفارض دلاليا من نظرية ابن عربى وأن يحرر ديوانه فيزيائيا من كتاب لابن عربى.
بعد عثور الدكتور سكاتولين على مخطوطة قونية وهى الأقدم على الإطلاق ثم على أخرى فى ليدن وثالثة فى برلين تأكد للباحث الإيطالي بما لا يدع مجالا للشك أن الجزء الثانى من الديوان منحول على ابن الفارض وأن عدد القصائد التى يضمها الديوان هى خمس عشرة قصيدة فقط.
وكان سكاتولين قد درس التائية الكبري لابن الفارض وجعلها موضوعا لرسالته للدكتوراه التى أراد أن يحرر فيها أشعار ابن الفارض من المفاهيم والعبارات الغريبة عليها متبعا فى ذلك مبدأ شرح النص بالنص نفسه، ومعتمدا على المنهج الدلالى فى استنباط مدلولات الألفاظ وفض معانى الاستعارات.
وبناء على دراسته قسم سكاتولين المراحل الأساسية لتجربة ابن الفارض الصوفية كما تقدمها تجربته الشعرية فهى تبدأ بالفرق أى حالة التميز عن المحبوب ثم الاتحاد أى الوحدة مع المحبوب ثم الجمع أى حالة الاندماج بين ذات الشاعر وكل الموجودات.

 

هكذا صدح الحلاج .

الحلاج هو قتيل الحب الإلهي ، لقد ملك عليه الوجد نفسه حتى أتلفها ، و لأن البوح بالوجد معصية قتلوه كأي عاشق آخر ، إن الله لم يحل في الحلاج كما فهموا من ترنيمته الكاشفة، فلم يكن هناك الحلاج عندما حل الله ، لأنه أخلى نفسه من نفسه فلم يجد سوى الله يملأ الكون كله حتى جبته ،لنترك العقل عند الباب ولا نلج المكان سوى بذائقة تشف حتى تستشف الذات المقدسة في كل شيء .
لنسمعه يقول :
…………………
طَلَعَتْ شمس من أحبّ بلَيّلٍ فـ ـاستنارت فما عليها من غروب
عن شمس النهار تطلع باليلـ ـلِ وشمس القلوب ليس تغيـب
*** ***
رأَيتُ ربّي بعين قلبِ فقلتُ من أنت قال أنت
فليس للأين منك أينٌ و ليس أين بحيثُ أنت
و ليس للوهم منك وهمٌ فيعلم الوهم أين أنت
أنت الذي حُزْتَ كل أين بنحو لا أينَ فأينَ أنت
و في فنائي فنا فنائي و في فنائي وجدت أنت
*** ***
لي حبيبٌ أزور في الخلـوات حاضر غائب عن اللحظات
ما تراني أصغي إليه بسمــع كي أعي ما يقول من كلمات
كلمات من غير شكل ولا نطق و لا مثل نغمة الأصــوات
فكأنّـي مخاطب كنت إيــًّاه على خاطري بذاتي لذاتــي
حاضـر غائب قريب بعيــدٌ وهو لم تحوه رسوم الصفات
هو أدل من الضمير إلى الوهم و أخفى من لائح الخطـرات
*** ***
سرّ السرائر مَطْــوِيٌّ بـِاثـْبَات في جانب الأُفْق ِمن نور بـِطيَّات
فكيف والكيف معروف بظاهــره فالغيب باطنه للذاتِ بالـــذات
تـَاهَ الخلائقُ في عمياءَ مظلمــةٍ قصدا و لم يعرفوا غير الإشارات
بالظنّ و الوهم نحو الحقّ مطلبهـم نحوَ الهواء يناجون السمــاوات
و الــربّ بينهم في كـل منقـلب مُحِلَّ حالاتهم في كل ساعــات
و ما خلوا منه طرف عين لو علموا و ما خلا منهم في كل أوقــات
………………………………………….
غِبْتَ و ما غبتَ عن ضميري و صرْتَ فرحتي و سروري
وانفصل الفصل بافتـــراق فصار في غيبتي حضوري
فأنت في سرّ غيبِ همّـــي أخفى من الوهم في ضميري
تؤنسني بالنهار حقــــاً وأنت عند الدجى سميري
*** ***

يا شمس يا بدر يا نهار أنت لنا جنـّة و نـار
تَجنُّبُ الإثِم فيك ثم إثمٌ وخاصّية العار فيك عار
يخلعُ فيك العذار قـومٌ وكيف من لا له عـذار
*** ***
أحرف أربع بها هام قلبي و تلاشت بها همومي و فكري
ألِفٌ تألف الخلائق بالصنـْـ ـع ِولامٌ على الملامة تجـري
ثمّ لامٌ زيادة في المعانـي ثمَّ هاءٌ أهيمُ بهـا أتــدري
*** ***
لماذا رفض الشيطان السجود لآدم

(الاحتمال الأول)

جحودي فيك تقديس و عقلي فيك تهويـس
و مـــا آدم إلاك و من في البين إبليس
(الاحتمال الثاني)

جُنُوني لك تقديـس و ظنّي فيك تهويـس
و قد حيّرني حِـبٌّ وطرْفٌ فيه تقويــس
و قد دلّ دليل الحُبّ أن القرب تَـلْبيــس
فـمــن آدم إلاك ومن في البين إبليـس
*** ***

حويتُ بكـُلّي كلّ حُبِّك يا قـُدْسي تكاشفني حتـّى كأنـّك في نفسـي
أُقلّب قلبي في سواك فــلا أرى سوى وحشتي منه و منك به أُنْسـي
فها أنا في حَبس الحياة مجمَّــع من الأنس فاقبضْني إليك من الحبْس .
…………………………………………………..

أقتلوني ياتقاتي

أُقْتُلُوني يا ثقاتـــي إنّ في قتـْلي حياتــــي
و مماتـي في حياتـي و حياتي في مماتـي
أنّ عنـدي محْو ذاتـي من أجّل المكرمـات
و بقائـي في صفاتـي من قبيح السّيّئــات
سَئِمَتْ نفسـي حياتـي في الرسوم الباليـات
فاقتلونـي واحرقونـي بعظامـي الفانيــات
ثم مـرّوا برفاتـــي في القبور الدارسـات
تجدوا سـرّ حبيبــي في طوايا الباقيــات
إننـي شيـخ كبيــر في علوّ الدارجــات
ثم إنـّي صرتُ طفـلا في حجور المرضعات
ساكنـاً في لحد قبــر في أراضٍ سبَخــات
وَلدَتْ أُمّــي أباهـا أنَّ ذا من عجبـاتـي
فبناتـــي بَعْـدَ أنْ كـ ـن بناتـي أخواتــــي
ليس من فعل زمــان لا و لا فعل الزنــات
فاجمعوا الأجزاء جمعاً من جسـورٍ نيــرات
من هـواء ثم نــار ثم من ماء فـــرات
فازْرعوا الكلّ بأرض ٍ تـُرْبُها تـرب مـوات
وتعاهـدها بســقي من كـؤوس دائـرات
من جـوار ٍساقيـات و سـواق ٍجاريــات
فإذا أتممت سبعـــا أنبتـَتْ خير نبــات

Comments are closed.

%d مدونون معجبون بهذه: